الأربعاء، 1 أبريل، 2015

موسوعة ( شعراء العربية ) المجلد الخامس - شعراء العصر العباسي الثاني -- تاليف د. فالح الحجية الكيلاني -- الجزء الاول -\ القصم الثالث











ابن الصباغ

قتيل الدلاء  او  قتيل الغواشي



           ابو طاهر  محمد بن  عبد الله  وقيل عبدالرحمن بن عبد الواحد القصار  كني (  صريع الدلاء  ) وقيل  (  ذي الرقاعتين  ) وقيل  (  قتيل الغواشي)  .  وهذا  اللقب افضل من الاول  لأن الغوا شي  افضل من الدلاء  من المعنى  المراد  ولأن الغواشي  أكثر  شبهاً  في اللفظ   بالغواني  من الدلاء  لأن القدامى  قابلوا  بلقبه هذا  لقب  الشاعر مسلم  بن الوليد ( صريع الغواني)  وهذا  لقبه ( صريع الغواشي ) ولقب ايضا   ب(ابن الصباغ) وكان  من فقهاء الشافعية .

ولد  بمدينة  البصرة  ونشأ وتعلم فيها  ثم انتقل الى بغداد وسكنها  واتصل بالسلطان فخر الملك غالب بن علي بن خلف وزير بهاء الدولة البويهي، فحظي عنده، وقد مدحه بقصيدة مزج فيها الجد بالهزل فاكرمه وانعم عليه ومنها هذه الابيات :

كيف نلقى بؤساً ودولة فخر ال        ملك فينا تعم بالإنعام

هكذا ما بقي الجديدان يبقى         للتهاني مملكاً ألف عام

كل يومٍ لنا بنعماك عيدٌ               لا خلت منه سائر الأيام

فله الأنعم الجسام اللواتي      هي مثل الحياة في الأجسام

لم يزل يطلب المحامد والعل      ياء بين السيوف والأقلام

فلقد نال بالعزائم مجداً              لم ينل مثله بحد الحسام

أدرك النجم قاعداً وسواه            عاجزٌ أن يناله من قتام

لم يزل جوده يعطعط بالإف    ضال مذ كان في قفا الإعدام

فهو في حبه المكارم والجو     د يرى الآملين في الأحلام

قد كفتنا غيوث كفيه أن         نبسط كفاً إلى سؤال الغمام

ورضعنا لديه در الأماني              ونظمنا لديه در الكلام

       ثم انتقل  الى الشام  واجتمع  بالشاعر ابي العلاء المعري في (معرة النعمان )  و عبد المحسن الصوري في (  صيدا ) وجرى بينهما  احاديث ومحاورات وحكايات وقد  روي منها :

   انه  قيل  أن معلما كَانَ بِالشَّامِ رقيقا مشهورا بشتم الصبيان   فعوتب عَلَى ذلك ، فقَالَ لمن عاتبه وأنكر عَلَيْهِ :
-        اقعدوا حتى تسمعوا ، فإن كنت معذورا ، وإلا فلوموا ،
 فقرأ عَلَيْهِ قول الله  تعالى :
(هُمُ الَّذِينَ  يَقُولُونَ لا  تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حتى ينفضوا ) سورة المنافقون آية \ 7 ،
 فقَالَ لَهُ :
-        كذبت يَا عاض .... أتلزم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نفقة لا تجب عَلَيْهِ  لعمري  إنه  أعجبك  كثرة  ماله ، قبحك الله
-    ثم  قرأ أخرى : (عَلَيْهَا  مَلائِكَةٌ غِلاظٌ  شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ  وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .)
 سورة التحريم آية \ 6  .
 - فقَالَ لَهُ : يابن الخبيثة ، ما هؤلاء إلا أكراد شهرزور ، وليس هؤلاء ملائكة  .
-  قَالَ : وقلنا لَهُ : ما نلومك بعد هذا.
  ثم هاجر الى مصر  حيث توفي  فيها
 وقد  عارض  مقصورة  ابن  دريد المشهورة التي مطلعها :

يا ظبية   أشبه   شيء   بالمها  
                                        ترعى الخزامى بين أشجار النقا

بمقصورةٍ  مثلها  لكنها ماجنة  ننقل منها هذه الابيات :

من لم يرد أن تنتقب نعاله               يحملها في كمه إذا مشى

من دخلت في عينه مسلةٌ          فاساله من ساعته عن العمى

من أكل الفحم تسود فمه            وراح صحن خده مثل الدجا

من صفع الناس ولم يدعهم .         أن يصفعوه فعليهم اعتدى

من ناطح الكبش تعجر رأسه       وسال من مفرقه شبه الدما

من طبخ الكرش ولا يغسله         سال على شاربه منه الخرا

من فاته العلم وأخطاه الغنى        فذاك والكلب على حدٍ سوى

من طبخ الديك ولا يذبحه            طار من القدر إلى حيث يشا

وقال  بعض النقاد: إن هذا  البيت  خير من مقصورة  ابن دريد  فإنه  
حكمة بالغة.

والدرج يلفى بالغشاء ملصقاً     والسرج لا يلصق إلا بالغرى

والذقن شعرٌ في الوجوه نابتٌ   وإنما الاست التي تحت الخصى


      توفي  صريع الدلاء  بمصر  سنة\  448  هجرية  .- 1056 ميلادية
 
      محمد بن عبدالواحد  ابن الصباغ  شَاعِرٌ مجيد ، لَهُ شِعْرٌ عَجِيبٌ   يَحْكِي فِيهِ أَصْوَاتَ  الطَّيْرِ وَالطُّبُولِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَكَانَ سَخِيًّا ، مَاجِنًا  يغلب على شعره الهزل   وقد قال الشعر في اغلب فنونه  .

واختم  من شعره  من قصيدة طويلة  بهذه  الابيات :

أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا    غَزِلِ    
   وَشَمَّرَت  هِمَمُ   العُذّالِ   في     العَذَلِ

هاجَ البُكاءُ عَلى العَينِ الطَموحِ هَوَىً 
      مُفَرَّقٌ    بَينَ     تَوديعٍ       وَمُحتَمَلِ

كَيفَ   السُلُوُّ   لِقَلبٍ   راحَ     مُختَبَلاً     
   يَهذي  بِصاحِبِ  قَلبٍ  غَيرَ     مُختَبَلِ

عاصى  العَزاءَ  غَداةَ  البَينِ    مُنهَمِلٌ     
  مِنَ  الدُموعِ  جَرى  في  إِثرِ  مُنهَمِلِ

لَولا  مُداراةُ  دَمعِ  العَينِ     لَاِنكَشَفَت  
    مِنّي  سَرائِرُ  لَم  تَظهَر   وَلَم     تُخَلِ

أَما  كَفى  البَينُ  أَن  أُرمى    بِأَسهُمِهِ 
      حَتّى  رَماني  بِلَحظِ  الأَعيُنِ    النُجُلِ

مِمّا جَنى لي وَإِن كانَت مُنىً   صَدَقَت    
   صَبابَةً    خُلَسُ    التَسليمِ       بِالمُقَلِ

ماذا عَلى  الدَهرِ  لَو  لانَت  عَريكَتُهُ     
  وَرَدَّ في الرَأسِ  مِنّي  سَكرَةَ    الغَزَلِ

جُرمُ الحَوادِثِ عِندي  أَنَّها    اِختَلَسَت  
     مِنّي   بَناتِ   غِذاءِ   الكَرمِ     وَالكِلَلِ

وَرُبَّ  يَومٍ   مِنَ   اللَذّاتِ     مُحتَضَرٍ  
قَصَّرتُهُ    بِلِقاءِ    الراحِ       وَالخُلَلِ

وَلَيلَةٍ   خُلِسَت   لِلعَينِ    مِن      سِنَةٍ   
    هَتَكتُ فيها الصِبا عَن بَيضَةِ    الحَجَلِ

قَد كانَ دَهري وَما بي اليَومَ مِن   كِبَرٍ   
   شُربَ المُدامِ  وَعَزفَ  القَينَةِ    العُطُلِ

إِذا   شَكَوتُ   إِلَيها   الحُبَّ   خَفَّرَها   
    شَكوايَ  فَاِحمَرَّ  خَدّاها  مِنَ    الخَجَلِ

كَم  قَد  قَطَعتُ  وَعَينُ  الدَهرِ    راقِدَةٌ    
   أَيّامَهُ  بِالصِبا   في   اللَهوِ     وَالجَذَلِ

وَطَيِّبِ   الفَرعِ    أَصفاني      مَوَدَّتَهُ 
      كافَأتُهُ     بِمَديحٍ      فيهِ      مُنتَخَلِ

وَبَلدَةٍ    لِمَطايا    الرَكبِ      مُنضِيَةٍ      
 أَنضَيتُها   بِوَجيفِ    الأَينُقِ      الذُلُلِ

فيمَ  المُقامُ   وَهَذا   النَجمُ     مُعتَرِضاً  
     دَنا  النَجاءُ  وَحانَ  السَيرُ     فَاِرتَحِلِ

يا مائِلَ  الرَأسِ  إِنَّ  اللَيثَ    مُفتَرِسٌ   
    ميلَ   الجَماجِمِ   وَالأَعناقِ     فَاِعتَدِلِ

حَذارٍ  مِن   أَسَدٍ   ضِرغامَةٍ     بَطَلٍ 
      لا  يولِغُ  السَيفَ  إِلّا  مُهجَةَ   البَطَلِ

لَولا  يَزيدُ  لَأَضحى  المُلكُ    مُطَّرَحاً    
   أَو مائِلَ السَمكِ أَو مُستَرخيَ    الطِوَلِ

سَلَّ  الخَليفَةُ  سَيفاً  مِن  بَنى     مَطَرٍ    
   أَقامَ   قائِمُهُ   مَن   كانَ    ذا    مَيَلِ

كَم  صائِلٍ  في  ذَرا   تَمهيدِ     مَملَكَةٍ    
   لَولا  يَزيدُ  بَني  شَيبانَ   لَم     يَصُلِ

نابُ  الإِمامِ  الَّذي   يَفتَرُّ   عَنهُ   إِذا      
 ما اِفتَرَت الحَربُ عَن أَنيابِها   العُصُلِ

مَن  كانَ  يَختِلُ  قِرناً   عِندَ     مَوقِفِهِ   
    فَإِنَّ   قِرنَ    يَزيدٍ    غَيرُ    مُختَتَلِ

سَدَّ  الثُغورَ  يَزيدٌ   بَعدَما     اِنفَرَجَت   
    بِقائِمِ  السَيفِ   لا   بِالخَتلِ     وَالحِيَلِ

كَم  أَذاقَ  حِمامَ  المَوتِ   مِن     بَطَلٍ     
  حامي الحَقيقَةِ  لا  يُؤتى  مِنَ    الوَهَلِ

أَغَرُّ أَبيَضُ يُغشى البَيضَ  أَبيَضُ    لا  
     يَرضى  لِمَولاهُ  يَومَ  الرَوعِ    بِالفَشَلِ

يَغشى الوَغى وَشِهابُ المَوتِ في   يَدِهِ   
     يَرمي  الفَوارِسَ  وَالأَبطالَ   بِالشُعَلِ

يَفتَرُّ  عِندَ  اِفتِرارِ  الحَربِ     مُبتَسِماً  
     إِذا   تَغَيَّرَ   وَجهُ   الفارِسِ    البَطَلِ

موفٍ عَلى مُهجٍ في  يَومِ  ذي    رَهَجٍ  
     كَأَنَّهُ    أَجَلٌ    يَسعى    إِلى      أَمَلِ

يَنالُ  بِالرِفقِ  ما  يَعيا  الرِجالُ     بِهِ      
 كَالمَوتِ  مُستَعجِلاً  يَأتي  عَلى  مَهَلِ

لا  يُلقِحُ  الحَربَ  إِلّا  رَيثَ    يُنتِجُها      
   مِن   هالِكٍ   وَأَسيرِ   غَيرِ     مُختَتَلِ

إِن   شيمَ   بارِقُهُ   حالَت      خَلائِقُهُ 
      بَينَ   العَطِيَّةِ    وَالإِمساكِ      وَالعِلَلِ

يَغشى  المَنايا  المَنايا   ثُمَّ     يَفرُجُها    
   عَنِ  النُفوسِ  مُطِلّاتٍ  عَلى     الهَبَلِ





******************************




















             الشاعر ابو العلاء المعري                            

                              الشاعر القيلسوف                                   


            هو ابو العلاء  احمد بن عبد الله  بن سليمان  المعري التنوخي ولد في معرة النعمان احدى مدن سورية  عام\ 363 هجرية  في بيت عز وشرف  وغنى ومحتمد  عربي اصيل الاانه اصيب بمرض  الجدري  في الثالثة من عمره  فافقده البصر  وعاش طيلة حياته في ليل طويل تعلم ابو العلاء  على يد والده فنشأ رغم عماه  ذكي الفوءاد  مرهف الحس  متوقد الذاكرة  وقد قا ل الشعر  في عمر الطفولة   وقد توفي والده  في صباه وعمره  اربعة عشرة سنة  تاركا لولده الاعمى  ثروة طائلة  واكتنفته امه سهرت على تعليمه وقد  تنقل في طلب العلم  بين  معرة النعمان مسكنه واللاذقية  وحلب وطرابس  وبغداد  لمواكبة دراسته وكانت انــــذاك  قبلة  الأدباء  وموئل الشعراء  وبقوا فيها ردحا من الزمن  متنقلا بين مجالس الادباء والشعراء ونواديهم وقد اجلوه واحترموه بما يليق بمكانته  وفي بغداد انكب على دراسة الادب  والفليسفة والعلوم العربية والحكمة ولم يترك علما من العلوم أو الآداب  الاوخاض غماره وتولاه  بالدرس والتحليل  ولما عاد الى المعرة عاد  بحرا  من العلوم  والاداب والفلسفة   ساعده  حدة ذكائه وحفظه المفرط وسمو وعزة نفسه الابية وهو في بغداد  علم ان والدته مريضة  فهجر بغداد مكرها  وسافر  الى المعـــــــــــرة  لاستطلاع الأمر الا انه فوجئ  بخبر وفاتها ولما يصل وعند وصوله  انقطع الى نفسه وانعزل عن الناس  وعاش منفردا وحرم  على نفسه الاختلاط بالناس  حتى انه  عبر عن حالته في شعره  يقو ل:-          

  اراني في الثلاثة من سجوني     
                                           فلا تسال عـــــن الخبر النبيـــث

 فقدي ناظري ولزوم بيتــــــي      
                                            وكون النفس في الجسم الخبيث

كان طلبة العلم يتوافدون عليه وهو قابع في بيته  فينهلون من  معين صاف لاينضب وبحر غزيرواسع المفعرفة وقد حرم اكــــــل اللحوم على نفسه حتى قيل  انه لاياكل  امام احد من الناس  فكان خادمه  يضع له الطعام في غرفـة     معزولة  ثم يتوارى عنه  كما انه لم يتزوج ابدا  قال:- 

هذا ما جناه علي ابي      وما جنيت على احد

توفي ابو العلاء  بعد اصابته بمرض خطيراودى بحياته بعد ثلاثة ايام  من اصابته به وذلك سنة \ 449 هجرية بعد عمر ناهز 86 عاما  قضاها في محبسه في ظلمة الحياة.

         لقد صب ابو العلاء جام سخطه على الحياة وحدجها  بنظرة  ماساوية شـــــــــــــــــزراء تشاؤمية  فهو يراها  مفعمة  بالشروالكدربل كلها شر وما الخير فيها الا كزهرة  تقطع فتذوى وتذبل وتنضوي بل عدها ضلالـــــة وجهالة وما هي الا مكر وحذاع وما تظاهر الناس بها الا رياء اوما يتدينون عن تعقل وروية وهو المفكر الفاحص بل يعتبره تقليد ابائهم كما فعل الجاهليون  كما يرى ان الدين سبب العداوة بين الخلق ومصدر العداوة والشقاق بينهم يقول:-                                    

ان الشرائع القت ببننا احنا        وعلمتنا  افانين العداوات

لكن  الشاعر وهو الزاهد في الحياةالمتفر بها  غير ملحد كما تصور البعض  انه مؤمن بربه  كل الايمان  لكنه يعود كل الامــــــور على العقل  فما  قبله العقل وعقله واطمان به قبله وارتضاه وسار عليه  فالعقل عنده  المرجع  والامام  لذا فهو مؤمن بوحدانية الله تعالى  :

توحد فان الله ربك واحد       ولا ترغبن في عشرة الرؤساء

          اساء المعرى الظن بالناس الى شاوى بعيد  ونزع الثقة منهم  وسخط على الحياة  كان يرى الانسا المثالي  الحر العقل  والكريم في هذه الحياة  غريب  عن هذه الدنيا  ولا مكان له فيها  لذلك انزوى عن العالمين وابو العلاء فيلسوف شاعر  فلسف الحياة في لزومياته  وقد استقى  اراءه  وافكاره التي غذاها  من انبع  مناهل العلم  واغزرها  في الادب والحكمة والفلسفة  والعقائد وظهــر كل ذلك في  قريضه   بنظم بديع  وكلام متين بليغ شعر ابي العلاء  بعد هذا وذك  قوي متين  شديد الروعة  فهو  شاعر  فنان  فيلسوف اديب  حجته بالغة  عارف باصالة الفن وروائعه  يمزج الفكر بالخيال  والفلسفة بالحكمة  واسع الادراك  والفهــــــــم  فياض المعاني  في نظم  بديع  وشعر بليغ وقافية  متينه   نظم شعره على قافية  معتمدا حرفين او ثلاثة حين الحرف الواحد يكفي  انظر اليه يقول:-                                                                  
        
اللَّه لا ريبَ فيه، وهو مُحتجبٌ،
                                             بادٍ،  وكلٌّ  إلى  طَبعٍ  له  جذبا

أهلُ الحياةِ، كإخوان المماتِ، فأهْـ
                                          ـوِنْ بالكُماةِ أطالوا السُّمرَ والعَذبا

لا يعلمُ الشَّريُ ما ألقى مرارتهَ
                                           إليه، والأريُ لم يشْعُر، وقد عذُبا

سألتُموني، فأعيْتني إجابتكمْ؛  
                                             من  ادّعى  أنّه  دارٍ  فقد  كذبا

       وهذه سمة لم يسبقه الشعراءاليها  ولم يات احد بعده عليها  فكان المعري  كان يلهي  نفسه  بها  في وحشته وانعزاليته  ومن حيث اللفظ  فهو كثير غريب اللغة ووحشي اللفظ   حتى ان المتتبع  لشعره بحاجة  الى معجم   لمعرفة  معانيه ومقاصده  وليــــس هذا  بغريب على شاعر مثل المعرى  الواسع الذكاء العارف بخفايا العربية واسرارها  وعانيها واساليبها وبلاغتها  خاصة وانــــه عاصر عهدا وصلت العربية فيه الى ارقى اللغات  اضف ان  قصائده  تطغى عليها قوة بلاغية  جناسية في اكثر الاحــــــــــــــوال :

   وجدت الناس في هرج ومرج     
                                             غواة  بين  معتز ل و مــــرج

   فشان ملوكهم غرف ونــــزف 
                                              واصحاب الامور جبا ة خرج
       
   فاللزوميات  فلسفة الحياة ومبادىء الاخلاق تتجلى فيها اساليب نقد وسخرية هذا الشاعر من الحياة  ومن الناس  بدعابة في جد  يكشف  اغوار النفس الانسانية  واسرارها  في شعر بليغ  لم يات بمثله الذين سبقوه   والذين  جائوا  من بعده  يقول:-

جهلنا فلم نعلم على الحرص مـا  
                                        الذي يراد بنا والعلم لله ذي المـــــن  

  اذا غيب المرء استسر حديثـــــه   
                                          لم تخبر  الافكار عنه بما يغنــــــي 

  تضل العقول الهبرزيات  رشدها    
                                         ولـم يسلم الراى القوي من الافــــن

 طلبت يقينا من جهينة  عنهـــــم  
                                         ولم تخبريبي  ياجهين  سوى  الظن 

   فان تعهديني  لا ازال  مســـائلا     
                                         في لم  اعط الصحيح  فاستغنــــــــي

               هذا ابوالعلاء غير متطير لكنه متشائم شديد التشاؤم  لايرى في هذه الدنيا الا شرا مستطيرا لايستطيع دفعه ولا يامل بازالته  او تحسينه  لذلك  يتظر الدنيا  بمنظارة سوداوية  حالكة يقول:- 

وهل لحق  التثريب  سكان يثرب 
                                   من الناس  لابل في الرجال غباء

اوقوله:-

أراني في الكرى  رجل  كأنــــي    
                                          من الذهب  اتخذت غشاء راسي     

قلنسوة خصصت بها  نضــــارا   
                                          كهرمز اوكملك اولى  خراســـي

فقلت معبرا ذهب ذهابــــــــــــي   
                                         وتلك نباهة  في  انـــــــــــدراس

اقمت وكان  بعض الحزم يومـــا 
                                         لركب السفن ان تلفي الرواســي

 اسمع قوله في نفي التطير :-

وما اسر لتعشير الغــــــراب اسى 
                                          ولا ابكي خليطا حل تعشــــــارا

ولا توهمت انثى الانجـــــم امــراة  
                                            ولا ظننت سهيلا  كان عشتارا

             بقي ان نقول ان الشاعر الكبير ابو العلاء المعري  شاعر الحياة وفيلسوفها  ترك وراءه جملة من الكتب والمؤلفات إضافة إلــى اللزوميات وسقط الزند في الشعر تربو على الثمانين مؤلفا و في مكتبتي منها  رسالة الغفران  ورسالة الصاهل والشاحج  ومنها  رسالة الملائكة وذكرى حبيب و الأيك والغصون  وعبث الوليد  ومعجز احمد والفصول والغابات  وغيرها رحم الله شاعر العربية وفيلسوفها  الكبير   . 

   واختم بحثي بهذه القصيدة  من شعره يقول:                                                

غير مجدٍ في ملتـي واعتقـادي
                                                 نـوح بـاكٍ ولا ترنُّـم شــادِ

وشبيهٌ صـوت النّعـي إذا قـيــس
                                                بصوت البشير في كل نـادِ

أبكـت تلكـم الحمامـة أم غـنّــت
                                                   على فرع غصنهـا الميـادِ

صاح  هذي قبورنا تملأ الرُّحــب
                                                  فأين القبور من عهد عـادِ ؟

خففِ الوطء ماأظـنُّ أديـم الأر
                                                 ض إلا مـن هــذه الأجـسـادِ

وقبيحٌ بنـا ، وإن قـدم العـهـد ،
                                                    هـوان  الآبـاء  والأجــدادِ

سر إن استطعت في الهواء رويداً
                                                لا اختيالاً علـى رفـات العبـادِ

ربَّ لحدٍ قد صار لحـداً مـراراً
                                                  ضاحكٍ مـن تزاحـم الأضـدادِ

ودفيـن علـى بقـايـا دفـيـنٍ
                                                 فـي طويـل الأزمـان والآبـادِ

فاسـأل الفرقديـن عمَّـن أحسّـا
                                                    مـن قبيـلٍ وآنسـا مـن بـلادِ

كـم أقامـا علـى زوال نهـار
ٍ                                                     وأنـارا لمدلـجٍ فـي ســوادِ ؟

تعبٌ كلها الحيـاة فمـا أعجـبُ
                                                   إلا مـن راغـبٍ فـي ازديــادِ

إنَّ حزناً في ساعة الموت أض
                                              عـاف سرورٍ فـي ساعـة الميـلادِ

خلـق النـاس للبقـاء فضلَّـت
                                                       أمــةٌ يحسبونـهـم للـنـفـادِ

إنمـا ينقلـون مـن دار أعـمــالٍ
                                                       إلـى دار شقـوة أو رشـادِ

ضجعة الموت ، رقدةٌ يستريح الــجسم
                                                     فيها ، والعيش مثل السهادِ

كل بيـتٍ للهدم ماتبتنـي الـور
                                                   قـاء والسيّـد الرفيـع العـمـادِ

والفتى ظاعنٌ ويكفيه ظـلُّ السـدر
                                                     ضـربَ الأطنـاب والأوتـادِ

بان أمـر الإلـه واختلـف النـاس
                                                      ، فداعٍ إلـى ضـلالٍ وهـادِ

والـذي حـارت البريـة فـيـه
                                                  حيـوانٌ مستحـدثٌ مـن جمـادِ

واللبيبُ اللبيبُ من ليـس
                                                 يغتـرُّ بـكـونٍ مصـيـرهُ للفـسـادِ





                      ************************
            












الشريف العقيلي



         هو الشريف  ابو الحسن  علي بن الحسين بن  حيدرة  بن  محمد بن عبد الله بن  محمد العقيلي، وقيل  أنه من  سلالة  عقيل  بن أبي  طالب  وهو  من  أبرز شعراء  مصر في القرنين الرابع والخامس الهجريين .

           ولد الشريف العقيلى في  الفسطاط  في مصر في  زمن الدولة الفاطمية  وأقام بها  وتغنى بجمال طبيعتها، وكان يمتلك  بساتين بها ومتنزهات، ذكرها في شعره  وتغنى بها فأبدع فكانت  قصائده  فيها  تعرف  ب(  الروضيات )  وبرزت  فى   روضيات الشريف العقيلى  مقدرته  الشعرية  حتى  انه  قيل  يعد  من أبرز شعراء الطبيعة فى  مصر  فقد أجاد الشريف العقيلي  فى وصف النيل ومياهه  وجريانه  و فيضانه وأفلاكه ، غدرانه وأسماكه ، ومنها ومتنزهات مصر على ضفافه و طيورها واشجاره  وأزهارها  و ثمارها  وبرك مصر و نواعيرها ، وخرير نوافيرها  مع تمكنه فى فنون البلاغة  وتميز شعره  فى جماليات الصياغة البلاغية والغوية  .

    ولد وعاش بفسطاط  مصر  وكان أهله على درجة كبيرة من الثراء والنعمة ورث عنهم الشرف والغنى وانتسب الى الطالبين وقد طغت عليه شهرتهم  و قيل ان الشريف  الرضي  هو من أشعر  الطالبين  قاطبة والشريف المرتضي كان أديبا وعالما متبحرا في الكلام والفقه والشعر اما الشريف العقيلي الذي ينتسب الى جده الأعلى عقيل بن ابي طالب شقيق الأمام علي بن ابي طالب  رضي الله عنهم  جميعا  فياتي  بالمرتبة  الثالثة  بين هؤلاء  الطالبيين الثلاثة ..

        وقد  جاء  شعره حافلا بمجالس لهوه ومتعه ولذائذ شرابه وكان  شعره  يمثل  شخصيته  وحالته النفسية  المترفة في هذا الجو المفعم  باللهو والشراب والغزل والعتاب وشكوى الأصدقاء والحساد فيقول :

أَيا مَن هُوَ الماءُ الزُلالُ الَّذي يَجري
        وَمَن رَأيُهُ عَوني عَلى نُوَبِ الدَهرِ

أَتَحسَبُ ذَنبي كانَ مِنّي تَعَمُّداً    إِذاً
 لا صَفاً عَيشي بِهَجرِكَ لِلهَجرِ

فَلا تَترُكِ العَتبَ العَسوفَ يَرُدُّني
        وَما قَضِيَت عِندَ الرِضا حاجَةُ العُذرِ

فَإِن أَكُ قَد أَزَرَت عَلَيَّ إِساءَةٌ    
فَرُبَّتَما يُزري الكُسوفُ عَلى البَدرِ

إِذا حُلتَ عَن وَصلي لَأَدنى جِنايَةٍ
        فَحُل مِن جِناياتِ الخُمارِ عَلى الخَمرِ

          وحين  يدبر العمر ويتعب  يلوذ  في  شعره  الى شكوى الزمن والشيخوخة  والشيب  والعجز عن مواصلة حياة  اللهو.

         الشريف العقيلي  ولع  بالطبيعة وجمالها وهام بمظاهرها  الخلابة  وتجلياتها  البديعة  في مختلف  الفصول  فامتلأ  شعره  بوصفها وبالحديث  عن المياه  والبساتين والأزهار والرياض وفي وصف جمال الطبيعة وفيها  يقول :

الغيم على  حافتيه  البرق يلتهب
كأنه  مطرف  أعلامه   ذهب

والقطر يلثم  ثغر الأقحوان  أذا
       تبسمت عنه  في أفواهها  القضب

وسر الى بنت كرم  فوق مفرقها
                                                من  صنعة  الماء  تاج  دره الحبب

      الشريف  العقيلي   أبرز شعراء  مصر فى القرنين  الرابع  والخامس  الهجريين   بما  يتميز به  شعره  من  سمات  فنية  وبلاغية .فقد  اشتهر بإجادته التشبيه  وإكثاره  من الاستعارات البيانية  والبلاغية  وهو القائل:

ولمّا  أقلعت   سفنُ  المطايا     
                                         بريحِ  الوجدِ في لُججِ السرابِ

جرى  نظري  وراءهمُ  إلى  أن         
                                          تكسّر  بين  أمواجِ  الهضابِ

ويقول ايضا :

غَزالٌ   تَدَلُّلُهُ   دَلَّهُ عَلى            قَتلِ  مَن هُوَ  عَبدٌ  لَهُ

وَذَلِكَ    أَنِّيَ   مَلَّكتُهُ              وِدادي  وَمَلَّكَني   وَصلَهُ

وَكُنّا  نَروحُ  وَنَغدو  إِلى                   هَوىً  لا  يُحَمِّلُنا   ثِقلَهُ

كَغُصنَينِ في دَوحَةٍ بَعضُنا          يَمُدُّ عَلى  بَعضِنا   ظِلَّهُ

إِلى أَن أَمَرَّتهُ أَفعالَهُ                وَوَعَّرَ   إِعجابُهُ    سَهلَهُ

فَخَلَّصتُ حَبلِيَ مِن حَبلِهِ           وَمَن   مَلَّ   صاحِبَهُ  مَلَّهُ

ويقول في الغزل :

وَشادِنٍ   مِن   بَني    الكُتّابِ    قُلتُ      لَهُ 
      وَوَابِلُ    الدَمعِ    في    خَددَّيَّ      مُنسَكِبُ


عَلامَ   يَقطَعُ   يا   مَن    لا    شَبيهَ      لَهُ 
      في الحُسنِ رَسمَ الرِضا عَن عَبدِكَ الغَضَبُ

فَقالَ    يَرفَعُ     في     الديوانِ       قِصَّتَهُ   
     حَتّى     نُوَقِّقَ     فيها     بِالَّذي       يَجِبُ

       وحين يقرب العمر من نهايته  يلوذ  في  شعره  الى شكوى الزمن  والشيخوخة  والشيب  والعجز عن  مواصلة  حياة  اللهو فيقول:

      كُنتُ عَذبَ الحَياةِ حَتّى
                                             ناصَبَني دَهرِيَ العَداوَه

    فَصِرتُ إِن ذُقتَ طَعمَ عَيشٍ
                                          وَجَدتُه ُ ناقِصَ  الحَلاوَة

 و في قصيدة يقول في غزال:

غزال تبدي فأبدى لنا
                                        هلالا منيرا وغصنا رطيبا

وطرفا كحيلا ووجها جميلا
                                         وخدا أسيلا وحسنا غريبا

 ويقول في الحكمة :

  وَقائِلٍ ما المُلكُ قُلتُ    الغِنى   
                                              فَقالَ  لا  بَل  راحَةُ    القَلبِ

وَصَونِ ماءِ الوَجهِ عَن ذِلَّةٍ     
                                           في نَيلِ ما يَنفَدُ  عَن    قُربِ

        وفي  شيخوخته  ومشيبه  كثر شكواه الى الله تعالى  ويشكو الاخلاء  والاصحاب  وهجرهم  له  وتباعد  اصدقائه  عنه  وقد سخر بعضهم   منه . فيقول :

لم أنس أيامي ولا أطرابي
                                             أيام كنت أجر أذيال شبابي

قوم أذا خطب الفتى ألفاظهم
                                              زفت  أليه  جواهر الآداب

كم من دجى هم هم أماطوا جنحه
                                             عني بنور كواكب الأكواب

      ويرى  ان الزمن  ظلمه  لان الزمن الذي عاشه في اخريات ايامه  ليس فيه صفاء وراحة  كما يتوقع فيقول :

دَرُ الزَمانِ فَلَيسَ فيهِ صَفا       
                                       وَرَأى الخِيانَةَ لِلكِرامِ وَفا

مُذ كُنتُ فيهِ أَراهُ يَظلِمُني 
                                      فَمَتى تَرى لي مِنهُ مُنتَصِفا

ما مِنهُ يَومٌ لا يُجَرِّعُني
                                         فيهِ   قَبائِحُ   فِعلِهِ  أَسَفا

فَكَأَنَّما أَنا فيهِ لُؤلُؤَةٌ
                                       بِالرُغمِ مِنها تَسكُنُ الصَدفا

        توفي  الشريف العقيلي في مصر سنة \450 هجرية – 1058 ميلادية .
     ومن  شعره  أرجوزة  طويلة  ناقض  فيها  ابن  المعتز  في أرجوزته  التي  ذم  فيها  الصبوح  ومدح  الغبوق  مطلعها:

         ( لقد زرت قبرك ياعلي مسلما )

 واختم بحثي  بهذه الابيات من شعره :

وَمُستَهامٍ  بِشُربِ  الراحِ     باكَرَها   
    عَذراءَ في جيدِها طَوقٌ مِنَ الذَهَبِ

فَغادَرَتهُ  صَريعاً   لا   اِنقِيادَ     لَهُ   
    كَأَنَّما    أَخَذَت    بِالثَأرِ     لِلعِنَبِ

وَاِستَأسَرَت عَقلَهُ حيناً كَما    أُسِرَت  
      في دَنِّها حِقَباً مِن  غَيرِ  ما    سَبَبِ

فَحينَ أَضحى  طَليقاً  أَعقَبَتهُ  عَلى    
   ما كانَ فيهِ  مِنَ  الأَفراحِ    وَاللَعِبِ

داءً  تَقومُ   مَقامَ   الأَسرِ     سَورَتُهُ  
     دَواؤُهُ عَودُ ما قَد كانَ  مِن    طَرَبِ

فَقامَ  يُذهِبُ  ذاكَ  الداءَ  عَنهُ    بِها    
   ما بَينَ زَهرٍ كَياقوتٍ عَلى   القُضُبِ

وَظَلَّ     يَشرَبُ     دُرّاً       ذَهَبٌ    
   رَطبٌ عَلى دُرَرٍ يَبسِمنَ عَن   ذَهَبِ

وَلَيسَ يَعذِلُهُ في  الراحِ  غَيرُ    فَتىً   
    غِرٍّ بَغَدرِ صُروفِ الدَهرِ    وَالنُوَب




     *******************************






ابراهيـم  الحصري  القـيـرواني



      هو  أبو إسحاق  إبراهيم  بن  علي  بن  تميم  القيرواني  المعروف بالحصري ( والحصري – بضم الحاء المهملة  وسكون الصاد  المهملة وبعدها  راء مهملة  –  نسبة إلى عمل الحصر أو بيعها  ) . وكانت  هذه المهنة بالقيروان معروفة  واشتهر فيها  ابعض شعراء القيروان وكتابها
 القيرواني.

     ولد  بمدينة  القيروان  التونسية  ولذا  لقب بالقيرواني سنة \390 هجرية – 1000 ميلادية  وهناك  خلاف  في الروايات  في سنة مولده

         والقيروان مدينة  بشمال افريقيا إفريقية، بناها عقبة بن عامر الصحابي،   بعد الفتح الاسلامي .

      وإفريقية سميت باسم (إفريقين بن قيس بن صيفي الحميري)، وهو الذي افتتح إفريقية  فسميت باسمه  وقتل ملكها جرجير، وسمي شعبها       (   البربر ) فقيل  لهم: ما أكثر بربرتكم  ويقا ل  لها ايضا : إفريقس..

والقيروان لغة: القافلة، وهو اعجمي  معرب، وقيل ان قافلة نزلت بذات  المكان، ثم  بنيت  المدينة  في موضع  نزول القافلة  فسميت   باسمها،  وكذلك هو اسم للجيش أيضا، وقال ابن القطاع اللغوي: القيروان بفتح الراء معناها  الجيش، وبضم الراء  تعني  القافلة..

          نشأ فيها  ابو اسحاق  ابراهيم  الحصري على  العمل بالوراقة والنسخ، وكان جيد الخط،  بارعاً في النسخ. ومن حسن حظه  أن  بيته  كان  بجوار جامع  القيروان  وملاسقا  له  فجعل  الجامع  بيته  وخزانة  كتبه. ومدرسته . اغلب  اوقاته   يقضيها  مع كتبه  واوراقه  في الجامع  و  كان  الناس  يجتمعون  فيه  اليه. ولا زمه  الشبا ب  القيرواني  من طلبة العلم والثقافة  يأخذون عنه  ، ويعد رأسا عندهم، وشرف لديهم،   وكان عندهم من المكرمين  فنظر في النحو والعروض، ثم أخذ  في  جمع  الأخبار، ونظم الأشعار، فازدادت مكانته بين الناس،  وهو الشاعر  والكاتب  الوحيد الذي لم تذكر الاخبار عنه  انه  خرج  من  القيروان  بعد خرابها بل  لازمها   وبقي  فيها حتى وفاته وانتشرت  كتبه في المناطق المجاورة حتى وصلت  إلى صقلية  والمشرق وغيرها. ونتيجة  لذلك  وصلته  الصلات من  كل حدب وصوب.

       ابراهيم بن علي  الحصري هو ابن خالة الشاعر الضرير  ابو الحسن علي  بن عبد الغني الحصري  القيرواني  شاعر قصيدة  :

( يالليل الصب متى غده      اقيام    الساعة   موعده  ؟ )

 التي عارضها الكثير من الشعراء  من وقت  نظمه  لها ولحد الان  وقد عاصر  الشاعر  والكاتب  ابن رشيق القيرواني وكتب عنه في كتابه التراجم   وقد اورد  له هذين البيتين :

إنى أحبّك حبّا ليس يبلغه ... فهم،
                                            ولا  ينتهى  وصف  إلى  صفته

أقصى نهاية علمى فيه معرفتى
                                             بالعجز منّى عن إدراك معرفته

   واورد له ياقوت الحموي في كتابه الشهير :

يا هل  بكيت  كما  بكت         ورق الحمائم في الغصون

هتفت سحيرا، والربى          للقطر    رافعة    الجفون

فكانها   صاغت   على         شجو  شجى  تلك   اللحون

دكّرتنى  عهدا    مضى         للأنس    منقطع    القرين

فتصرمت     أيامها              وكأنها   رجع     الجفون

  ومن شعره الغزلي هذه الابيات الجميلة :

كتمت هواك حتى عيل صبرى  
                                          وأدنتنى   مكاتمتى   لرمسى

ولم أقدر على إخفاء حال
                                         يحول بها الأسى دون التأسى

وحبك مالك لحظى ولفظى
                                          وإظهارى وإضمارى وحسى

فإن أنطق ففيك جميع نطقى
                                        وان أسكت ففيك حديث نفسى

      و الحصري  ابو اسحاق  ابراهيم   شاعر مبدع  وكاتب  بارع          و شعره مشهور ومدون .

       توفي  بمدينة ( المنصورة  ) سنة \ 453 ثلاث  وخمسين واربعمائة  هجرية – 1059 ميلادية   وهناك روايات  مختلفة  تقول  انها  توفي سنة \ 413 هجرية  وقيل\ 460 هجرية – 1068 ميلادية

  يتميز  شعره  بالجودة  والبراعة  وقال الشعر في اغلب  الفنون الشعرية ، وله ديوان شعر ومن جميل  شعره:

                    أورد قلبي الردى       لام  عـذارٍ  بـدا

                   أسود كالكفر في      أبيض مثل الهدى

 وله  عدة  كتب  اهمها :
1- كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب ): كتابه  الخالد  وإنه ليسجع فيه  حتى في تسمية كتبه، وكذلك  كان  يفعل  في عهده  المؤلفون  وكان  المتقدمون  يصفونه  انه  جمع  كلّ  غريبة  وهو  وصف صادق،  وتميز اتجاه  بعض الأفكار في العصر الذى عاش  فيه. جمع فيه كل غريبة في ثلاثة أجزاء، الفه سنة 450 هجرية  لابي الفضل العباس  الذي رحل الى المشرق ليشتري كتبا  ليغنيه عن غيره من الكتب فهو  كتاب شامل .
   2- كتاب( المصون في سر الهوى المكنون)  في مجلد واحد فيه ملح وآداب ونوادر
3- نور الطرف ونور الظرف
4 - كتاب العجائب  والطرف .

     ومن شعره هذه الابيات الرائعة :

ثناؤك كالروض في   نشره
                                    وجودك  كالغيث  في  قطره

وما  أنا  من  يبتغي    نائلاً
                                      بمدحك أن جاء في    شعره

ولكن لساني إذا ما    أردت
                                  مديحا  ً خطرت على  ذكره

فخانت    عدوك       أيامه
                                   ولاقى الكوارث من  دهره

ولا  عاش  يوماً  به    آمناً
                               ولا بلغ السوء ل في    أمره



******************************





                 ابن رشيق القيرواني

                          

      هو أبو علي  الحسن  بن رشيق الازدي المحمدي  القيرواني      

        ولد بالمسيلة المعروفة بمدينة (المحمدية) التي تقع شرق  الجزائر بجهة  قسنطينة  وهي حاليا عاصمة ولاية   المسيلة  وقيل ب (المهدية ) سنة \  390 ثلاثمائة  وتسعين هجرية -   1000 ميلادية  واخذ تعليمه الاولي بها   وتأدب  بها ثم ارتحل منها  يافعا  إلى القيروان في تونس   سنة \406 ست وأربعمائة هجرية .

          كان والده  مملوكا روميا  من موالي الأزد  لذا تسمى  بالازدي   وكان  أبوه  يعمل في  بلدة ( المحمدية ) في مهنة الصياغة،  فتعلم   صنعة  ابيه الاانه فضل الادب  على الذهب فراح ينشد تعليمه في الشعر والادب واللغة  .

    قرأ  القرآن الكريم  الأدب ب(المحمدية)   وبها قال الشعر في سن  مبكرة . فقد بدأ في نظم الشعر قبل أن يبلغ الحلم،   الا انه وجد في نفسه  الرغبة  الملحة  لتعلم  الشعر ودراسته  فتاقت  نفسه  إلى التزود  منه  ودراسته  وملاقاة  أهل الشعر و الأدب والتتلمذ  عليهم . .
   وكانت العلوم والفنون قد تطورت في المغرب تطورا كبيرا وتركزت معظم الأنشطة الاجتماعية والعلمية والأدبية في مدينة القيروان . حيث كثرت الدواوين والمساجد وحلقات العلم والأدب ، وأدى التنافس بين الأدباء  والشعراء إلى حركة  فكرية وأدبية لم تر أفريقيا مثلها في عصر من عصور الدولة  الإسلامية  . فرحل  شاعرنا  إلى  القيروان  سنة  اربعمائة  وست وكان  عمره  ستة  عشر عاما  واشتهر كشاعر  بها  ونسب  إليها  فقيل ( القيرواني ) وكانت  القيروان  في ذلك الوقت عاصمة  لدولة  (بني زيري ) الصنهاجي،  تعج  بالعلماء  والأدباء  فدرس ابن رشيق  والشعر واللغة  والنحو  والعروض  والأدب  والنقد  والبلاغة على ايدي  عدد من  نوابغ  عصره،  فأخذ العلم عن  محمد  بن جعفر القزاز القيرواني  ومحمد بن عبد العزيز  بن أبي  سهل  الضرير  وأبي إسحاق الحصري القيرواني. واشتهر   وكانت  بينه  وبين  أبي عبد الله  محمد  بن أبي  سعيد  بن أحمد المعروف  بابن  شرف القيرواني وقائع  ومجاريات  كثيرة ..
           مدح  ابن  رشيق  حاكم  القيروان (المعز بن باديس)  بقصائد حازت إعجابه  وكانت سببا  في  تقريبه له ، ثم اتصل  برئيس ديوان الإنشاء بالقيروان ، أبي الحسن علي بن أبي الرجال الكاتب ومدحه. ألف له كتابه الشهير ( العمدة في محاسن الشعر ونقده ) . وقد ولاه علي بن أبي الرجال شؤون الكتابة المتصـلة  بالجيش. .

     وبقي  ابن رشيـق  في القـيروان إلى أن زحفت عليها بعض القبائل العربية  القادمة من المشرق وخلفت  من دمار وكيف نقض بنو هلال العهد وغدروا بالقيروانيين، فقتلوا الرجال، وسبوا النساء، ونهبوا الأموال، وشرّدوا الأطفال، وقد صوّر الشاعر خروج النّاس حفاة عائذين بربهم، خائفين، هاربين، يحملون أطفالهم فاحتلت القيروان  وخربتها  وقيل في رواية اخرى واحرقتها وذلك في شهر رمضان  فقال في ذلك قصيدته  النونية في رثاء مدينة القيروان اقتطف منها هذه الابيات :

كَمْ كانَ فيها مِن كِرامٍ سادةٍ   
                                           بِيضِ الوجوهِ شَوامِخِ الإِيمانِ

مُتعاوِنينَ على الديانَةِ، والتُّقَى  
                                              للهِ   في  الإِسْرارِ  والإِعلانِ

وأئمةٍ جَمَعُوا العلومَ وهَذَّبوا      
                                            سُنَنَ الحديثِ  ومُشْكِل َ القُرآنِ

عُلماءٌ إنْ ساءَلْتَهُم كَشَفوا    
                                           العَمَى بفَقاهَةٍ وفَصاحَةٍ وبَيانِ

وإذا دجى الليل البهيمُ رأيْتَهُمْ     
                                                مُتَبتِّلِينَ    تَبَتُّلَ    الرُّهْبانِ

كانَتْ تُعَدُّ القَيْروانُ بِهِمْ إذا        
                                               عدّ  المنابر  زَهْرَةَ  البُلُدانِ

وزَهَتْ على مَصْرٍ وحُقَّ لها،    
                                       كما تَزْهو بِهِمْ، وعَدَتْ على بَغْدانِ

حَسُنَتْ فلمَّا أنْ تكامَلَ حُسْنُها        
                                           وسَمَا  إليها  كُلُّ  طَرْفٍ   رانِ

وتَجمَّعَتْ فيها الفضائِلُ كُلُّها       
                                             وغَدَتْ مَحَلَّ الأَمَنِ والإِيمانِ

نَظرَتْ لها الأَيامُ نظرةَ كاشِحٍ         
                                                 تَرْنُو بنظرةِ كاشِحٍ مِعْيانِ

حتَّى إذا الأقدارُ حُمَّ وُقوعُها             
                                                 ودَنا القَضاءُ لِمُدَّةٍ وأَوانِ

مَصائِبٍ من فادِعٍ أو شائِبٍ            
                                                مِنَّنْ تجمَّعَ من بني دَهْمانِ

فَتَكَوا بأُمَّةِ أَحْمَدٍ أَتُراهُمُ              
                                            أَمِنوا عقابَ اللهِ في رَمَضان؟

نقضوا العهودَ المُبْرَماتِ وأَخْفَروا 
                                                ذِمَمَ الإلهِ، ولم يَفُوا بَضَمانِ

فاستحسنوا غَدْرَ الجَوارِ وأثَرُوا       
                                               سَبْيَ الحريمِ وكَشْفَةَ النِّسوانِ

ساموهُمُ سُوءَ العَذابِ وأَظْهَروا      
                                                  مُتعسِّفِينَ كَوامِنَ الأَضْعانِ

يَسْتَصْرِخونَ فلا يُغاثُ صَرِيخُهُمْ       
                                                  حتَّى إذا سَئِموا مِنَ الإِرنْانِ

فادُوا نفوسَهُمُ فلمَّا أنفْدوا ما         
                                                 جَمَّعوا مِنْ صامِتٍ وصُوانِ

واسْتَخْلَصوا مِن جَوْهَرٍ ومَلابِسٍ     
                                                    وطَرائِفٍ وذَخائِرٍ وأَواني

خَرَجوا حُفاةً عائذينَ بربِّهِمْ           
                                                مِنْ خَوْفِهمْ ومصَائِبِ الألْوانِ

هَرَبُوا بكُلِّ وَلِيدَةٍ وفَطِيمَةٍ                
                                                 وبِكُلُّ  أَرْمَلَةٍ  وكُلِّ   حَصَانِ

وبِكُلِّ بِكْرٍ كالمَهاةِ عَزِيزةٍ           
                                                تَسْبِي العُقولَ بطَرْفِها الفَتَانِ

خَوْدٍ مُبَتَّلَةِ الوِشاحِ كأَنَّها             
                                                 قَمَرٌ يلوحُ على قَضِيبِ الْبَانِ

 والمَسْجِدُ المعمورُ جامِعُ عَقْبةٍ     
                                              خَرِبُ المَعاطِنِ مُظلمُ الأرْكانِ

قَفْرٌ فما تَغْشاهُ بَعْدُ جَماعَةٌ            
                                              لِصَلاةِ  خَمْسٍ  لا ولا لأَذانِ

بَيْتٌ بَوَحيِ اللهِ كانَ بناؤه             
                                              نِعْمَ البنا  والمبتنى  والباني

أَعْظِمْ بِتلكَ مُصِيبةً ما تَنْجَلي     
                                              حَسَراتُها أو يَنْقَضي المَلَوانِ

 حزنَتْ لها كُوَرُ العراقِ بأَسْرِها
                                         وقُرَى الشَّآمِ ومِصْرَ والخُرَاسانِ

وتَزعزعَتْ لمُصابِها وتَنَكَّدَتْ     
                                               أَسفاً  بِلادُ  الهِنْد ِ والسِّنْدانِ

وعَفا من الأقطارِ بَعْد خَلائِها         
                                                ما بَيْنَ  أَنْدَلُسٍ  إلى  حُلْوانِ

وأرى النّجوم طلَعْنَ غيرَ زَواهِر      
                                                 ٍ في أُفْقِهِنَّ وأَظْلَمَ القَمَران
وأَرى الجِبالَ الشُّمَّ أَمسَتْ خَشَّعاً
                                              لَمُصابِها وتَزَعْزَع الثَّقَلانِ
أترى اللّيالي بعدما صنَعَتْ بنا
                                               تقضي لنا بتَواصُلٍ وتَدانِ؟

وتُعيدُ أرضَ القيروانِ كعَهدْهِا
                                        فيما مضى مِن سالِفِ الأزمانِ

أمسَتْ وقد لَعِبَ الزّمانُ بأهلِها
                                            وتقَطَّعتْ بِهِمُ عُرَى الأَقْرانِ

فتفَرَّقوا أَيْدِي سَباً وتَشتَّتوا
                                          بَعْد اجتماعِهِمُ على الأَوْطانِ


فغادرها إلى مدينة (المهدية  ) حيث أقام فترة في كنف أميرها ( تميم بن المعز) ومدحه  ومما قال فيه :

أصح و أقوى ما سمعناه  في الندى
من  الخبر  المأثورِ  منذ  ُ قديمِ       
                                     
أحاديثً  ترويها  السيولُ عنِ الحيا
                                            عن  البحرِ عن  كفِ  الأمير  تميمِ

         انتقل إلى جزيرة صقلية، واقام  بمدينة ( مازرة ) ، وقد  كان ابن شرف  القيرواني  قد سبقه  إليها  لما  سمع عن كرم أميرها  وكانت  بين الأديبين الكبيرين ابن رشيق وابن شرف  في مدينة القيروان  منا قضات ومهاجاة  أذكى نارها التنافس الأدبي بينهما والتفات حاكم القيروان الأمير (  المعز ) إلى هذ ا تارة  وإلى  ذاك  أخرى  فلما اجتمعا  بصقلية تسامحا وأقاما بها زمنا ، ثم استنهض ابن شرف رفيقه  على السفر الى الأندلس ، فأنشد ه ابن رشيق  قائلا :

مِمَا يُزهَدني في أرْضِ أندَلس
                               أسمــاء مـُقتدِرٍ فيها ومُعتضِدِ

ألقابُ سَلطَنةٍ في غيرِ مَملكَةٍ
                            كالهِرِّ يَحْكِي انتِفاخا ًصَوْلةَ الأسَدِ

فأجابه ابن شرف بديهة:

إن ترمِـكَ  الغُربةُ  في  مَعْشَرٍ
                         قدْ  جُبِلَ الطّبْعُ  عَلى  بُغْضِهِمْ

فَدَارِهِمْ  مَا دُمْتَ  فِي دَارِهِمْ
                        وَأرْضِهِم  مَا دُمْتَ  فِي أرْضِهِمْ

           ولزم السكن في    صقلية  ان  توفي  في  جزيرة  صقلية  بمدينة
 ( مازرة )  سنة\ 463 هجرية – 1071 ميلادية . ودفن فيها .

       ابن رشيق  اديب  فاضل  شاعر  وناقد  وبا حث اما رايه  في
 الشعر فيقول في عمدته :
     (الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء، وهي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا هو حد  الشعر؛ لأن  من الكلام موزوناً مقفى وليس بشعر؛ لعدم القصد والنية، كأشياء اتزنت من القرآن، ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك  مما  لم  يطلق عليه أنه  شعر، والمتزن:
  ما عرض على الوزن  فقبله، فكأن الفعل صار له ، ولهذه العلة سمي   ما جرى هذا المجرى من الأفعال  فعل مطاوعة، هذا هو الصحيح، وعند طائفة من أصحاب الجدل أن المنفعل والمفتعل لا فاعل لهما، نحو: شويت اللحم فهو منشوٍ ومشتوٍ، وبنيت الحائط  فهو منبنٍ، ووزنت الدينار فهو متزن، وهذا محال لا يصح  مثله  في العقول، وهو يؤدي إلى ما لا حاجة لنا به، ومعاذ الله أن يكون مراد القوم في ذلك إلا المجاز والاتساع، وإلا فليس هذا مما  يغلط  فيه من رق ذهنه ) 
 
      ابن رشيق  شاعر  وناقد  ولغوي  بارع  قال الشعر في كل  فنونه واجاد  فيها  فجاء شعره في اعلى المراتب  واسبكها  فمن شعره في الغزل يقول :

وَمُهَفْهَفٍ يَحْميهِ عَنْ نَظَرِ کلْوَرَى
                               غيرانُ سكنَى المُلكِ تحتَ  قِبابِهِ

أَوْما إِلَيَّ أَنِ کئْتِني فأَتَيْتُهُ
                                والفجرُ يرمُقُ  منْ  خِلالِ  نِقابهِ 

 وَضَمَمْتُهُ لِلصَّدْرِ حَتَّى اسْتَوْهَبَتْ
                                مِنِّي  ثِيابي  بَعْضَ طِيْبِ  ثِيابِهِ
       
فَلَثَمْتُ خَدًّا مِنْهُ ضَرَّمَ لَوْعَتي
                            وَجعَلتُ  أُطفي  حَرَّها  بِرضابِهِ

فَكَأَنَّ قَلْبي مِنْ وَراءِ ضُلوعِهِ
                                طَرباً   يُخَبِّرُ  قَلبَهُ   عَمَّا  بِهِ

وفي الرثاء يقول :

سَقَى اللهُ أَرْضَ الْقَيْرَوانِ وَقَبْرَهُ
                                   فَفيها ثَوى شَخْصٌ عَلَيَّ عَزيزُ

تَرى أَنَّني بالْقُرْبِ مَّمنْ أُحِبُّهُ
                                عَلى بُعْدِ  ما بَيْنَ الدّ ِيارِ أَفُوزُ

وَإِنْ كانَ إِدْراكُ المُحِبيِّنَ بَغْتَةً
                                 عَلأى مَذْهَبِ الأَيّامِ لَيْسَ يَجوزُ

 وفي الحكمة يقول :

إذا كنت تهوى اكتساب الثناء
                             و لا تنفق المالَ خوفَ العدمْ

فأنت   كعذراءَ   رعبوبةٍ
                             تُحبُ  النكاح   و تخشى الألم

 ويقول ايضا :

خَليلَيَّ هَلْ لِلْمُزْنِ مُقْلَةُ عاشِقٍ  
                              أ َمْ النَّارُ في أَحْشائِها وَهْيَ لا تَدْري

سَحابٌ حَكَتْ ثَكْلى أُصِيبَت بِواحِدٍ
                                 فَعاجَتْ لَهُ نَحْوَ الرِّياضِ على قَبْرِ

تَرَقْرَقُ دَمْعاً في خُدودٍ تَوَشَّحَتْ
                                  مَطارِفُها بالْبَرْقِ طِرزاً مِنَ التِّبْرِ

 ويقول في الوصف:

و كأن الأشجارَ في حُللِ الأنوار
                         و الغيثُ   دمعُهُ  غيرُ  راقِ

غانياتٍ رششنً من ماءِ ورد
                      وجناتِ  الوجوهِ في  الأطواقِ
  ويقول ايضا:

حجت إلى وجهك أبصارنا
                    طائعة    يا كعبةَ  الحسنِ

تمسحُ خالاً منك في وجنةٍ
                     كالحجرِ الأسودِ في الركنِ

  وكان  يتجنب  ركوب البحر فلما امره الامير بذلك  اعتذر له فقال :

أمرتني بركوب البحرِ في عجلٍ
                           غيري فديتك فاخصصه بذي الراءِ

ما انت  نوحٌ    فتنجيني   سفينته
                            و لا المسيحُ أنا أمشي على الماءِ

    ابن رشيق  عالم واديب  الف  تصانيف كثيرة وقد كتب العديد
من الكتب المهمة  اشتهر  منها  :
1-  كتاب العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه  في محاسن الشعر ونقده وآدابه الذي سبق ذكره. ويحتوي على خلاصة آراء النقاد الذين  سبقوه  في النقد الأدبي  كما يحتوي على موضوعات  أدبية مهمة. ويعتبر اهمها  ومرجعا من  مراجع العربية  في النقد الادبي
 2- كتاب الأنموذج والرسائل الفائقة والنظم الجيد
  3- كتاب قُُرَاضَة الذهب في نقد أشعار العرب
4-   الشذوذ في اللغة
 5-  أنموذج الزمان في شعراء القيروان  
 6-   ديوان  شعر    
7 - ميزان العمل في تاريخ الدول  
8-  شرح موطأ مالك  
9 - الروضة الموشية في شعراء المهدية)
10- تاريخ القيروان
 11-  المساوي  في السرقات الشعرية.
               
  واختم  بحثي  بهذه  الابيات  الرائعة له  :

وَأَرَى الثَّرى والمَاءَ حَوْلَكَ حُمَّلا
        مَا  لا  يَقُومُ  لَهُ  الثَّرَى   والمَاءُ

لَمْ  يَبْقَ مِنْ  طُرَفِ الْعِراقِ  وَغَيْرِهِ
        شَيْءٌ   يَرُوقُ  الْعَيْنَ  مِنْهُ  رُوَاءُ

حَتَّى  كأَنَّ  الشَّرْقَ  أَعْمَلَ  فكْرَهُ
في  أَنْ  حَوَتْهُ  يَمِينُكَ   الْبَيْضاءُ

وَأَتَتْكَ  مِنْ كَسْبِ  المُلوكِ  زَرافَةٌ
        شَتَّى  الصِّفاتِ     لِكَوْنِها    أَنْباءُ

جَمَعَتْ  مَحاسِنَ  ما حَكَتْ  فَتَنافَسَتْ
 فِي  خَلْقِها   وتَنَافَتِ     الأَعْضاءُ

تَحْتَثها    بَيْنَ   الْحَوَاني   مِشْيَةٌ       
بادٍ  عَلَيْها   الْكِبْرُ    وَالْغُلَوَاءُ

وَتَمُدُّ  جِيداً   في  الْهَواءِ    يَزِينُها
        فَكَأَنَّهُ    تَحْتَ   اللِّوَاءِ   لِوَاءُ

حُطَّتْ مَآخِرُها  وَأشْرَفَ  صَدْرُها       
حَتَّى   كَأَنَّ   وُقُوفَها     إِقْعاءُ

وَكَأَنَّ  فِهْرَ الطَّيبِ  ما رَجَمَتْ  بِهِ      
وَجْهَ   الثَّرَى   لَوْ  لُمَّتِ   اْلأَجْزاءُ

وَتَخَيَّرَتْ   دُونَ   المَلابِسِ   حُلَّةً       
عُنِيَتْ   بِصَنْعَةِ   مِثْلِها   صَنْعاءُ

لَوْناً    كَلَونِ   الدَّبْلِ    إِلاَّ    أَنَّهُ
حَلْيٌ    وَجَزَّعَ   بَعْضَهُ   الَحْلاَّءُ

أَوْ كَالسَّحابِ  الْمُكْفَهِرَّةِ    خُيَّطَتْ      
فِيها   الْبُرُوقُ   وَشَقُّها    إيَماءُ

أَوْ مِثْلَ  ما  صَدِئَتْ   صَفائِحُ   جَوْشَ
        وَجَرَى  على   حافاتِهِنَّ    جِلاءُ

نِعْمَ   التَّجافِيفُ   الَّتي   ادَّرَعَتْ   بِهِ
        مِنْ    جِلْدِهَا    لَوْ   كانَ   فِيهِ وِقاءُ

وَسَوَابِقٌ   مِثْلُ  االبُرُوقِ   لَواحِقٌ
        بَلْ  عِنْدَها   أَنَّ   الْبُرُوقَ    بِطاءُ

جُرْدٌ   يَقَعْنَ عَلى الصَّفا    فَيُثِرْنَهُ      
وَكأَنَّهُنَّ      عَلى    الثَّرَى    أَنْداءُ

مَكْسُوَّةُ    الصَّهَوَاتِ   كُلَّ    مْكَلَّلٍ      
لا  يَنْتَهيهِ    بِقيمَةٍ     إِحْصاء

يَلْمَعْنَ  مِنْ أَكْتافِهِنَّ   كَأَنْجُمٍ      زُهْرٍ
تَوَلَّتْ    صَقْلَها      الأْنْواء

والمُذْهَباتُ  مِنَ  الَخْوافِقِ   بَعْضُها
        لَيْثٌ    أَزَلُّ    وَلَقْوَةٌ    فَتْخَاء

عَذَبٌ   كأَلْسِنَةِ    الْبُرُوقِ    تَلَمَّظَتْ   
لَيْلاً   بِهِنَّ    الدِّيمَة   ُ الْوَطْفاء

كادَتْ  يُنالُ بِها  السَّماء   تَطاوُلاً
        قَصَبُ   النُّضارِ وَلَنْ   يُنالَ  سَماء

وَالبُخْتُ مُوقَرَةُ الظَّهْورِ لِبَعْضِها
        تَحْتَ    القِبابِ    تَخَمُّطٌ    وَرُغَاء

مِنْ كُلِّ   واحِدَةٍ   تَرِفُّ    بِهَوْدَجٍ       
كادَتْ   تُقَبِّل ُ رَأْسَها   الَجْوْزَاءُ

كُسِيَتْ   جَلالِيبَ   النَّسيجِ    كَأَنَّما     
نُشِرَتْ   عَلَيْها   رَوْضَةٌ   زَهْراء

فِيهِنَّ    أَمْثالُ    الظِّباءِ    أَوَانِسٌ      
وَمِنَ    الأَنِيسِ   جَآذِرٌ    وَظِباء

بِيضٌ    يُباشِرْنَ   الَحْرِيرَ     بِمِثْلِهِ    
وَلَهُ    عَلى   أَبْشارِهِنَّ    جُسَاء

فِيها   القِيانُ   الْمُلْهِياتُ   كَأَنَّما
أَلحْانُهُنَّ      عَلى    الْمُعِزِّ    ثَنَاء

يُصْحِيكَ  مِنْ   سُكْرِ الْمُدَامِ   سَماعُها
        وَبِهِ    تُصَرِّعُ    لُبَّها    الندَماء

لَوْ   غَنَّتِ    الصَّمَّانَ    وَهْوَ   كَلَفْظْهِ 
جَبَلٌ    أَصَمُّ    يبَدَا    لَه    ُ إِصْغاء

ورَوَاقصٌ   هِيْفُ   الُخْصُورِ   كأنَّما
        حَرَكاتُهُنَّ     على    الْغِناء    غِناء

لَوْ أَنّ   َ مَوْطِئَهُنَّ    مُقْلَةُ    أَرْمَدٍ
        لَمْ    يَشْكُ    أَنَّ   نِعالَهُنَّ    حفاء

وَمُدَبَّبات    لَوْ لُبِسْنَ   لَدَى  الْوَغَى
        ما كانَ   فِيهَا   للْحَدِيدِ     مَضاء

يَتَلَهَّبُ     الإِبْرِيزُ   فيها  حَيْثُ  لا
        يُخْشَى  لِماءِ   فِرِنْدِهَا    إطْفاء

وَمِنَ  الْقَواضِبِ  كُلُّ أَبْيَضَ صَارِمٍ
        لا   يُسْتَهَالُ    بِمِثْلِهِ    الأَعْداء

سَبَقَ   الدِّماءَ إلى  النفُوسِ  فَفاتَها
        وَمَضَى  وَلَيْسَ   بِشَفِر   َتَيْهِ   دِماء

مِمَّا    تَخَيَّرَهُ    لِلُبْسِك   َ تُبَّعٌ        
     وَأَحَقُّ   مَنْ  وَرِثَ  الأَبَ   الأْبناء

مُتَقَلِّداً   منْهُنَّ    كُلَّ     مُجَوْهَرٍ     
        نَصْلاً    وَغِمْداً    حِلْيَتَاهُ    سَواَء

وَكَأَنَّما   ضَحِكَتْ  ثُغورٌ  أَوْ  بَكَتْ  
        فيها    عُيُونٌ    دَمْعُهُنَّ      رِواء




                     ***********************









علي بن الفضل البغدادي
( صر د ر )



        هو أبو منصور علي  بن الحسن  بن الفضل البغدادي، كان أبوه بخيلا فكان يلقب ( صَرَّ بَعْر) ،و حينما  اشتهر ولده علي بن الحسن  قال له  نظام الملك: (أنت  صَرَّ دُ ر- لا صرَّ بعر) . فلزمته  هذه  الكلمة  كنية  له  وقد هجاه  الشريف  ابو جعفر  مسعود المعروف بالبياضي   أحد شعراء عصره فقال:

لئن لَقَّبَ الناس قِدْماً أباكَ        
                                        وَسَمَّوْهُ من شُحِّه صَرَّ بَعْرا
فإنكَ   تنثر  ما    صَرَّه           
                                        عُقُوقا ً له  وتسميّه  شعرا

          ولد  ببغداد سنة \ 400 هجرية – 1008 ميلادية  ونشأ  فيها   واتصل  بفخر الدولة  ابن جهير  الموصلي  وبابي  القاسم  بن رضوان  واتصل  بالقائم العبا سي ووزيره ابن المسلمة  ومدحهما .
       مدح  الوزير فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير الموصلي، قيل  انه  ارسلها  اليه  من واسط  عندما  تقلد الوزارة:

لـجاجة  قـلب ما يفيق غرورها   
                                   وحاجة  نفس ليس يقضى يسيرها

وقـفنا صـفوفاً فـي الديار كأنها   
                                      صـحائف مـلقاة ونحن سطورها
يـقول خـليلي والـظباء سوانح  
                                         أهـذا الـذي تهوى فقلت نظيرها

لـئن شـابهت أجـيادها وعيونها 
                                        لـقد  خالفت أعجازها وصدورها

فـيا  عـجباً مـنها يصيد أنيسها   
                                          ويـدنو  عـلى ذعر الينا ففورها

ومـا  ذاك إلا أن غـزلان عامر   
                                           تـيقن  أن الـزائرين صـقورها

ألـم  يـكفها ما قد جنته شموسها  
                                     على  القلب حتى ساعدتها بدورها

نكصنا  على الاعقاب خوف اناثها   
                                          فـما بـالها تـدعو نزال ذكورها

ووالله مـا أدري غـداة نـظرتها   
                                         أتـلك سـهام أم كـؤوس تديرها

فـإن كـن مـن نبل فأين حفيفها    
                                       وإن كـن من خمر فأين سرورها

أيـا  صاحبي استأذنا لي خمارها 
                                    فقد أذنت لي في الوصول خدورها

 وقال يمدح أبا القاسم  بن رضوان:

انـا  مـنكم اذا انتهينا الى العر       ق  الـتففنا  الـتفاف بـان  برند

نـسب  لـيس بـيننا فيه فرق             غـير  عيشي حضارة وتبد

لـكم  الـرمح والسنان وعندي         مـا  تـحبون مـن بيان ومجد

خـلصوني  من ظبيكم أو أنادي      بـالذي  يـنقذ الأسارى ويفدى

فــي يـديه غـمامتان لـظل            ولـقطر  مـن غير برق ورعد

فـرق مـا بـينه وبـين سواه             فـرق  ما بين لج بحر وثمد

كــم عــدو أمـاته بـوعيد               وولــي  أحـياه  مـنه  بـوعد

لست تدري أمن زخارف روض       صـاغـه الله أم لآلـىء عـقد

مـطلع فـي دحى الخطوب إذا        أظـلمن مـن رأيه كواكب سعد

زادك الله مــا تـشاء مـزيداً          سـيله  غـير  واقـف عند  حد

فـي  ربـيع نظير جنات عدن          وديـار  جـميعها   دار  خـلد

 وقال  في وصف الشيب واجاد.:

لم أبك إن رحل الشباب وإنما  
                                              أبكي  لأن  يتقارب  الميعاد

شعر الفتـى أوراقه فاذا ذوى  
                                           جفت   على  آثاره   الاعواد

وكانت  له  جارية سوداء فقال فيها :

عـلقتها  سوداء مصقولة   
                                          سـواد  قـلبي صفة  فيها

ما انكسف البدر على تمه
                                           ونــوره  إلا   لـيحكيها

لأجـلها  الأزمان أوقاتها 
                                           مـؤرخـات    بـلـياليها

ولما مات أبو منصور بن يوسف رثاه قائلا:

لا  قـبلنا في ذي المصاب عزاء 
                                            أحـسن  الـدهر بـعده أو الماء

حـسرات يـا نفس تفتك بالص   
                                             بـر وحـزن يـقلقل الأحـشاء

كيف يسلو من فارق المجد والسؤ 
                                          دد  والـحزم والـندى والـعلاء

والـسجايا الـتي إذا افـتخر الد   
                                            ر  ادعـاهـا مـلاسة وصـفاء

خـرسـت ألـن الـنعاة وودت  
                                           كـل أذن لـو غـودرت صماء

جـهلوا  أنـهم نعوا مهجة المجد  
                                          الـمـصفى  والـعزة الـقعساء

      وقال يمدح  ابا القاسم ابن فضلان  ويهنئه بخلاصه من السجن:

إن  الـشدائد مذ عنين به  
                                         قارعن جلموداً من الصخر

حمل  النوائب فوق عاتقه  
                                          حـتى  رجعن  إليه بالعذر

لا تـنكروا حـبساً ألم به 
                                        إن  الحسان تصان بالخدر

أو ليس يوسف بعد محنته  
                                      نقلوه  من  سجن الى قصر

أنـا  من يغالي في محبته  
                                        وولائـه في السر والجهر

مـا ذاق طعم النوم ناظره   
                                        حـتى  البشير أتاه بالبشر

ويقول في الحكمة :

غـدرانه بـالفضل مملوءة           مـتى  يـردها  هـائم  ينقع

يكشف منه الفرع عن قارح      قد  أحرز السبق ولم يجذع

يـشير إيـماء اليه الورى           إن قيل من يعرف بالاروع

يـريك  ما ضمت جلابيبه            أحـاس لـلعلم  في موضع

ليس  جمال المرء في برده        جـماله  في الحسب الارفع


       توفي الشاعر  صردر  في طريق خرسان في شعر صفر وقيل  ربيع الاول من  سنة\ 465 هجرية – 1073 ميلادية  حيث تقنطر به فرسه فوقع في حفرة كانت  كانت محفورة  لايقاع اسد فيها  فوقع فيه وفرسه ومات حتف انفه  وكان عمره  قد  اتم الخامسة  والستين من العمر .

      يتميز شعره  بالجزالة والبلاغة  ورقة العبارة  وقيل لم يكن  من ارق منه  شعرا  في  وقته  وقد ابدع  في المدح  والرثاء والغزل والوصف  والحكمة  مع العلم انه شاعر بارع وكاتب مفضال .

قال عنه ابن خلكان في ( كتابه وفيات الاعيان ) :

 (أحد نُجباء شعراء عصره، جمع بين جودة السبك وحسن المعنى، وعلى شعره طلاوة رائقة وبهجة فائقة )  

  ومن شعره هذه الابيات

ما   فاز   بالحمدِ   ولا     نالَهْ        من   عِشقتْ   راحتُه   مالَهْ

لا  والذي  يرضَى     لمعروفهِ        أن    يفتح    السائلُ   أقفالَهْ

تِرْبُ المعالي من له في   النَّدَى        بادرةٌ      تُخرِسُ     سُؤَّالَهْ

بفاجىء   الراجي      بأوطارِه        كأنّه       وسوَس       آمالَهْ

مُنْيتُهُ    للطارق       المجتدى        أن يُدرجَ الأرضَ فتُطوَى  لَهْ

مثل  عميدِ   الدولةِ     المرتقِى       بحيثُ  أرسَى  المجدُ   أجبالَهْ

ذو  الرأى  قد  شدَّ     حيازيمَهُ        يصارع    الدهرَ     وأهوالَهْ

إذا  عَرا  خطبٌ  تصدَّى     له        يوقدُ   في    جُنحِيْه    أجذالَهْ

مُصيبُ سهم الظنِّ لا    ينطوى        غيبُ   غدٍ   عنه   إذا   خالَهْ

كأنَّ    في    جنبيه       ماويَّةً        تريه   مما    غاب    أشكالَهْ

بازلُ  عامين  ارتضَى  وخدَه        في   طَرْقه    العزَّ     وإقبالَهْ

لا  يشهدُ   المغنمَ   إلا     لكي        يقسِمَ   في   الغازين   أنفالَهْ

إذا زعيمُ الجيش حامَى    على        مِرباعه      أنهبَ     أموالَهْ

فعادةُ     الجود        وإسرافُه        قد    كثرَّا    بالشكر   إقلالَهْ

سامٍ  إذا   تِهتَ   عليه     وإن        وادعتَه     طأطأ      شِملالَهْ

كأنما    أقسمَ    حبُّ      العلا        عليه    أن    يُتعِب     عُذّالَهْ

فلا   يَنْوا   عنه   عتابا     ولا        أقوالُهم      تزجُر      أفعالَهْ

كم  قد  عرَتْه  من  يدٍ    أتلفتْ        درهمَه       فيه       ومثقالَهْ

خرَّفَ   حتى   حقروا   عنده        مَنْ  وزَن  المالَ  ومَن     كالَهْ

مشتبهُ    الأطرافِ      أعمامُهُ        يظنُّها      القائفُ      أخوالَهْ

إن  جذَب   الفخرُ     بأبرادهِم        فكلُّهم     يسحبُ        سِربالَهْ

في  كلِّ  جمعٍ  صالحٍ    هاتفٌ        ما   يأتلِى   يضربُ      أمثالَهْ

أما  ترى  الرقشاءَ  في     كفَّه        كأنها       سمراءُ        ذَبَّالَهْ

إذا   تثنَّتْ   فوق      قِرطاسِها        رأيتَها     بالفضلِ      مختالَهْ

فتارةً      تشَفِى        بِدرياقِها        وتارةً       بالسُّمِّ          قتَّالَهْ

ينِفُثُ   في   أطرافِها      رُقيةً        تعالجُ      العِىَّ         وأغلالَهْ

قد صيَّرت سحبانَ  في    وائلٍ        كأنّه     عَجماءُ       صَلصالَهْ

لا رجَعتْ  نُعماه  حَسرَى  كما        راجعَ   هذا    القلبُ      بَلبالَهْ

عاودَه    من    دائه      نَكسُهُ        من  بعد  أن  شارف     إبلالَهْ

ولو   صحا   طورا      لعنَّفتُه        في   حبّه   بيضاءَ      مِكسالَهْ

أو   رشأً   قد   لثَّموا   وجهَه        فجاء  مثلَ  البدر  في   الهالَهْ

أبعْدَ    ما    عمَّم       كافورُهُ        رأسى وأعفَى  الرأسُ  صَقَّالَهْ

أجيبُ طيفا  زار  عن    زروةٍ        وأسأل     الربعَ        وأطلالَهْ

ويطرُدُ التحصيلَ من خاطري        صهباءُ  أو  صفراءُ     سلسالَهْ

وليس  خِدْنى  بالهِدانِ     الذي        هجوعُه     يألفُ        آصالَهْ

لا  يترجَّى  الضيفُ    إمراعَهُ        ولا   يخاف   الجارُ     إمحالَهْ

لكنّه   الأشعثُ   في      سِربهِ        يحدو   إلى   العلياء     أجمالَهْ

يبيت ضبُّ  القاع  من    خوفهِ        مستثفرا     دهماءَ      شوَّالَهْ

أشهَى  له  من  قَينةٍ     مطربٍ        عناقُهُ     جرداءَ        صَهَّالَهْ

قد  عاشر  الوحشَ     بأخلاقه        وباين      الحيَّ        وجُهَّالَهْ

كلٌّ  له   في   سعيِه     مَذهبٌ        وكلُّ     عيشٍ     فله       آلَهْ





*********************







ابن سنان الخفاجي


            ابو محمد  عبد  الله بن  محمد  بن  سعيد  بن سنان الخفاجي الحلبي ينتسب إلى بني خفاجة من بني حَزْن  وهم أولاد خفاجة بن عمرو بن عقيل  وهي احدى القبائل العربية العدنانية.

      ولد سنة \423 هجرية  -1032 ميلادية في  قلعة (عزاز)  وهي احدى القلاع المحيطة  بمدينة حلب  وكان أبوه أحد وجهاء هذه القلعة واحد علماء حلب . وقد عرفت أسرته بالعلم والأدب.   نشأ  وتربي في هذه القلعة حتى شب واكتمل .

      كان ابن سنان  يختلف  الى مدينة  حلب ويأخذ عن علمائها العلوم والاداب  ومنهم أبو نصر المنازي وقد حظي ابن سنان  بصحبة الشاعر الفيلسوف أبي العلاء  المعري فتلقى علومه على يديه  وتتلمذ له  وانتفع به كثيراً  وكان يكثر من التمثيل بشعره في كتبه  ويدعوه بشيخه . وربما كان أبو العلاء  المعري قد  أثر في  فكر ابن  سنان  كثيرا  وفي  نظرته  المأساوية  إلى الحياة  فأكسبه  نظرة  تشاؤمية  وسخطه احيانا على ما يجري  حوله وقد عبر عن   ذلك بقوله:

أستغفرُ اللهَ لا مالٌ ولا شرفُ
                                        ولا  وفاءٌ  ولا  دينٌ  ولا  أنفُ

كأنما نحنُ في ظلماءَ داجيةٍ
                                     فليس ترفعُ عن أبصارِنا السجفُ

       ولكن ابن سنان  يختلف عن أبي العلاء حيث أنه شارك في الحياة السياسية في عصره  بينما  قبع ابو العلاء  في  بيته  لعمى بصره  فقد كان على صلة بوزير حلب أبي نصر محمد ابن  النحاس الذي زكّاه عند أمير حلب وقرّبه اليه  فولاّه قلعة (عزاز) التي ولد فيها  ولكنه  لم  يكن راضياً بما نال من السلطة  وقد بدت  منه  تصرفات أ حنقت الأمير عليه فلما شعر ابن سنان بحنق الوالي عليه استعصى بالقلعة  مما دفع الأمير إلى تدبير مكيدة له انتهت بقتله. وقد حُمل إلى مدينة حلب مقتولا  وصلى عليه الأمير محمود  ودفن فيها. وفي رواية اخرى  قيل انه اطعم (خشكناجة مسمومة ) فمات مسموما ثم نقل الى حلب فدفن  فيها .

 توفي   ابن  سنان في سنة \ 466 هجرية – 1073 ميلادية .

     عرف ابن سنان بأنه كان شاعراً وأديباً معروفا وناقدا  ورائدا لعلم البلاغة  في عصره   وفي  شعره  تصوير لخلجات نفسه  المتعبة  المضطربة  الرافضة  للواقع المعاش والطامحة نحوالأفضل. يمتاز شعره  بالجزالة  والفخامة  والجودة  وقوة السبك وقد تأثر باسلوب استاذه  الشاعر الفيلسوف ابي العلاء المعري  ونسج على منواله في بعض قصائده .

      اشتهر في شعره بالمدح  والفخر  وكانت أكثر مدائحه في الأمير محمود بن نصر بن صالح بن مرداس حاكم حلب ومن شعره في مدح  الامير  هذه الابيات :

  وله قصائد ايضا تسمى (الإخوانيات ) كان يوجهها إلى أصدقائه حين يكون بعيداً عنهم  ومنها  قوله :

  وكذلك  قال الشعر في الغزل وله في الرثاء قصائد حسنة اشهرها  قصيدته العينية في رثاء أمه ومطلعها:

أبكيكِ  لو نهضَتْ   بحقِّك  أدمعُ
                                         وأقولُ  لو أنَّ  النوائبَ  تسمَعُ

                وعُرف ابن  سنان بغزارة علمه  الواسع  في البلاغة  العربية والنقد وعلوم  العربية  وترك  العديد من الآثار التي  تدل على كثرة علمه وتمكنه في هذه العلوم  المختلفة  واهم هذه الاثار مايلي :

 1-كتاب سر الفصاحة الذي ألفه ولهذا الكتاب منزلة كبيرة عند الباحثين في العربية وبلاغتها ونقدها ففيه الكثير من الآراء المهمة في  القضايا البلاغية والاصطلاحات النقدية. ويظهر أن مؤلفه قد اطلع على جهود البلاغيين والنقاد قبله واستوعبها وأضاف إليها نظرياته الثاقبة في هذا المجال ووصفها وصفا دقيقا وموجزا   .
2- كتاب الصرفة في الاعجاز
3-  كتاب الحكم بين النظم والنثر     
4- كتاب عبارة المتكلمين في أصول الدين  
 5-  كتاب  في رؤية الهلال  
6- كتاب  حكم منثورة  
7- كتاب الفروض

 ومن شعره هذه الابيات :

   أَعَرَفتَ  مِن  عَبقِ  النَّسيمِ    الفائِحِ  
     خَبَرَ   العُذَيبِ   وَبانه      المتَناوِحِ

وَاقتادَ  طَرفَكَ  بارِق   مَلَكَت     بِهِ    
   ريحُ الجَنوبِ  عَنانَ  أَشقَرَ    رامِحِ

هَبَّ اختِلاساً  في  الدُّجا    وَنُجومُهُ   
    يَكرَعنَ مِن حَوضِ الصَّباحِ الطَّافِحِ

وَالنَّسرُ  في  أُفُقِ  المَغارِبِ    رايَةٌ  
     تَهفو   بِعالِيَةِ    السِّماكِ    الرَّامِحِ

فَطَوى  حَواشِيهِ   وَجادَ     بِوَمضِهِ      
 مِثلَ  الشَّرارَةِ  مِن  زِنادِ     القادِحِ

دَقَّت عَلى لَمحِ العُيونِ  وَما    خَبَت 
      حَتّى  تَضَرَّمَ  في  حَشا     وَجَوانِحِ

بَعَثَ  الغَرامُ   المُدلِجينَ     تَوَسَّدوا 
      أَكوارَ   عُوجٍ   كَالقِسِيِّ      طَلائِحِ

فَتَرَنَّحوا   فَوقَ   الرِّحالِ      كَأَنَّما   
    هَزَّت   قُدودَهُمُ   سُلافَةُ      صابِحِ

دَبَّ  الكَرى   فيهِم   فَمَوَّةَ   زَورَة    
   خَفِيَت عَلَى نَظَرِ  الرَّقيبِ    الكاشِحِ

طَيفٌ تَضُوعُ بِهِ الرِّياضُ    وَيَدَّعي   
    خَطَراتِهِ   لَمعُ   الصَّباحِ     اللاَّئِحِ

كَيفَ   اِهتَدَيتَ   وَدونَنا     مَجهولَةٌ  
     بَهماء  تَهزَأ  مِن  جَناحِ     السَّارِحِ

وَالحَرَّتانِ    وَجَمرَة       مَضروبَة   
    مَشبوبَةٌ      بِذَوابِلٍ        وَصَفائِحِ

وَمُثار  قَسطَلَةٍ   وَبيضُ     صَوارِمٍ   
    وَدِلاصُ  سابِغَةٍ   وَجُردُ     سَوابِحِ

مِن   كُلِّ   شارِدَةٍ   كَأَنَّ     عِنانَها   
    يُعطيكَ   سالِفَةَ   الغَزالِ     السَّانِحِ

يَنفِرنَ عَن عَذبِ النُّمَيرِ وَلَو   جَرى  
     بِدَمِ  الطِّعانِ  وَرَدنَ  غَيرَ    قَوامِحِ

ما  كُنتَ   تَبذُلُ   لِلغَريبِ     تَحِيَّةً    
   بُخلاً فَكَيفَ  سَرَيتَ  نَحوَ    النَّازِحِ

وَلَعَلَّ  عَطفَكَ  أَن   يَعودَ     بِمِثلِها  
     بَعدَ  الرُّقادِ   فَرُبَّ   يَومٍ     صالِحِ

قَد  أَصحَبُ  الدَّهرَ   الأَبِيَّ   قِيادُهُ    
   قَسراً  وَفَرَّجَ  كُلَّ   خَطبٍ     فادِحِ

وَهَمى  بَنانُ  أَبي  المُتَوَّجِ     بَعدَما   
    نَسَخَ السَّماحَ وَعَزَّ  صِدقَ    المادِحِ

يوفِي  عَلَى  طَلَبِ   العُفاةِ     نَوالُهُ     
  كَالبَحرِ  يَغرَقُ  فيهِ  قَعبُ   المانِحِ

لَو  راض  نافِرَةَ   القُلوبِ   بِرَأيِهِ     
  سَكَنَ البُغاثُ  إِلى  هَوِيِّ    الجارِحِ

ما  جارَ  عَن  سَنَنِ  العُفاةِ    نَوالُهُ   
    حَتّى  يَدُلَّ  عَلَيهِ   صَوتُ     النّابِحِ

مَغنىً  إِذا  وَرَدَ  الضُّيوفُ     فِناءَهُ   
    وَجَدوا قِرى الثّاوي  وَزادَ    الرّائِحِ

حَلَبَ العِشارَ مِنَ النُّحورِ وَزادَ   عَن  
     أَلبانِها    دَرَّ    النَّجيعِ     السّافِحِ

مُتَوَقِّدُ   العَزَماتِ   فَيّاضُ     النَّدى  
     جَذلانُ  يَبسِمُ  في  الزَّمانِ    الكالِحِ

فَرَعَت بِهِ عَوفُ بنُ  مُرَّةَ    هَضبَةً   
    في المَجدِ تَحسِرُ كُلَّ طَرفٍ    طامِحِ

قَومٌ  إِذا   رُفِعَ   الصَّريخُ     لِغارَةٍ   
    سَبَقَت   إِجابَتُهُم   نِداء      الصّائِحِ

وَإِذا  رَبيعُ   العامِ   صَوَّحَ     نَبتُهُ  
     وَجَرَت  رِياحُ  القَرِّ  غَيرَ     لَواقِحِ

وَخَبَت   بَوارِقُهُ    وَحَرَّمَ    جَدبُهُ    
   بَذلَ  القِرى  وَأَباحَ  عَقرَ    النّاصِحِ

نَصبوا العِماقَ الرّاسِياتِ    وَأَعجَلوا 
      نِيرانَها       بِعَقائِرٍ         وَذَبائِحِ

كَرم   تَوارَثَهُ    الأَكُفُّ      وَحلبَةٌ     
   في الفَضلِ يُقرَنُ  مُهرُها    بِالقارِحِ

يَهفو   بِأَعطافِ   الوَليدِ     مِراحُهُ  
     فَإِذا اِحتَبى فَالهَضبُ  لَيسَ    بِراجِحِ

سَبَقَ   الكِرامَ   مُقَلَّدٌ   في     غايَةٍ    
   جُهدُ  الجَوادِ  بِها  كَعَفوِ     الرّازِحِ

وَجَرى   فَقَصَّرَ   طالِبُوهُ      وَإِنَّما    
   ضَلُّوا عَلى أَثَرِ  الطَّريقِ    الواضِحِ

يا   جامِعَ   الآمالِ   وَهيَ     بَدائِدٌ    
   شَتّى وَرائِضُ  كُلِّ  صَعبٍ    جامِحِ

شَرَّفت  مِن  أَيدي   عُلاكَ   وَإِنَّما    
   عَبقُ  اللَّطيمَةِ  مِن   بَنانِ     الفاتِحِ

وَحَبَوتَ   أَلقاب   الإِمام      نَباهَةً    
   وَسِواكَ   طَوَّقَها   بِعارٍ      فاضِحِ

لَو  ماثَلوا  اللَّفظَينِ  كُنتَ    بِرَغمِهِ   
    سَعدَ  السُّعودِ  وَكانَ  سَعدَ    الذَّابِحِ

ما  طالَ  قَدرُكَ  عَن  مَداهُ    وَإِنَّما    
    هَزّوا   قَناتَكَ    بِاللِّواءِ      الطّائِحِ

فَاسلَم لِمُلكٍ أَنتَ غَربُ حُسامِهِ    ال  
     ماضي  وَعبقَةُ  رَوضِهِ   المُتَفاوِحِ

وَفِداكَ   مُغتَصِبُ   الثَّراءِ   جَديدُهُ    
   أَخَذَ  الرِّياسَةَ   فَلتَةً   مِن     مازِحِ

نَسَبٌ  كَما  جَنَّ  الظَّلامُ  فَلَم    يَلُح   
    لِلمُدلِجينَ   بِهِ   ضِياء      مَصابِحِ

نَبَذَتهُ   دَولَتُهُ    وَكانَت      رَوضَةً   
    يَخلو  الذُّبابُ  بِها  وَلَيسَ     بِبارِحِ

وَتملّ   ما   أَهدى   إِلَيكَ      فَإِنَّها   
    نَظمُ الشَّقِيقِ  وَنَبتُ  فِكرِ    النّاصِحِ

وَسَميرَةُ  النّادي   وَمُطلَقَةُ     الجبا   
    وَزَميلَةُ  السّاري  وَأُنسُ    الصّادِحِ

وَالباقِياتُ    الصّالِحاتُ       وَرُبَّما   
    كانَت بَواقي  القَولِ  غَيرَ    صَوالِحِ





                ***********************************






علي  الباخرزي



       هو ابو الحسن  وقيل ابو القاسم  علي  بن الحسن  بن علي بن
 أبي الطيب الباخرزي  .

          ولد  في  مدينة  ( باخرز ) مجهول  تاريخ ولادته اذ لم تذكر  كل المصادر  تاريخا لولادته  . فهو من أهل ( باخرز ) من نواحي ( نيسابور)  نشأ  وتعلم ب (  باخرز) ثم ب ( نيسابور)  وكان في شبابه يتردد إلى الإمام أبي محمد الجيوني ولازمه حتى انخرط   في  سلك  أصحابه . فقرأ الباخرزي القرآن  الكريم  والحديث  والفقه   وقد  تفقه على الشيخ  الجويني  والد إمام  الحرمين الشريفين  وواحد زمانه  علماً  وزهداً  ومعرفة  في فقه الشافعية. وتكاد تجمع الأخبار على أنه بعد  أن  ترك  حلقة الشيخ الجويني  شرع  في فن الكتابة  والإنشاء  واختلف إلى ديوان  الرسائل    سافرالى  بلاد فارس  وكانت أحواله تتغير خفضاً ورفعاً  ثم دخل العراق مع  أبيه واتصل ب (أبي نصر الكندري) ثم عاد إلى خراسان  

       أكثر الباخرزي في حياته من الرحلات  والتجوال، فزار عدداً من البلدان، وقصد  المكتبات  طلبا ً للعلم  والمعرفة، والتقى في أثناء تجواله بكبار علماء عصره  ومنهم (عبد القاهر الجرجاني ) حيث  درس على  يده النحو والبلاغة والنقد، و(أبو بكر القُهسْتاني) الذي درس على يده علوم الأوائل والفلسفة  و(ابن كرّام ) الذي درس على  يده علم  الكلام  والاعتزال  وقد  أشار   البا خرزي إلى كثرة  أسفاره في كتابه ( دمية القصر) قائلا:

   (ولا  أزال  أهبّ  في  كل  بقعة  مذكورة  وأحط  رجلي  من
 كورة إلى كورة ).  

 ومن طرائفه   قوله:

 فلا تحسبوا إبليس علمني الخنا
                                          فإني  منه  بالفضائح  أبصر

وكيف يرى إبليس معشار ما أرى
                                     وقد فتحت عيناي لي وهو أعور

   و التقى الباخرزي كذلك  عدداً من القضاة  والأمراء  والوزراء والأدباء  والشعراء، وكان كثير الصحبة والمعاشرة لكبار متنفذي عصره مما يدل على  رفعة  مكانته  وشهرته  في  أي مكان  حلّ  فيه أو  ارتحل إليه.  فقد زار بغداد   وسكنها  مدة من الزمن  ثم زار ( البصرة )  و( واسط ) ومن ثم  زار ( هراة)  ثم قصد ( بلخ ) و( مرو)  و( الريّ ) و (أصفهان)  و(همذان )   ويذكر أنه  دخل بغداد في بداية عهد الدولة السلجوقية بطلب من الوزير (أبي نصر الكندري)  الذي استوزره السلطان ( طغرل بك) (عميد الملك ).
 وقد مدح الشريف أبا القاسم علي بن موسى بقصيدة مطلعها :

  وزارك  مني  سميّ  كنيّ   
                               فراع  حقوق  السمي  الكنيّ ..

   ومن  نوادره  نظمه قصيدة  في  وصف مصرع (عميد الملك الكندري) الذي مزق كل ممزق  منها قوله :

  مفرقا  في الأرض أجزاؤه
                                           بين  قرى شتى  وبلدان 

    وكان اهدى كتابه ( دمية القصر وعصرة اهل العصر )  الى  الوزير ( نظام الملك )

 ويقول الثعالبي فيه :

 (فتى كثّر الله فضائله، وحسّن شمائله، فالوجه جميل تصونه نعمة صالحة والخلق عظيم تزينه آداب راجحة والنثر بليغ تضمنه أمثال بارعة والنظم بديع كله أحاسن لامعة، وأنا كاتب من نثره ما يربي على الدر المنثور ومن نظمه ما يأخذ بمجامع القلوب.)

 اما العماد  صاحب الخريدة فيقول :

      ( وكان  واحد  دهره  في فنه، وساحر زمانه  في قريحته وذهنه، صاحب الشعر البديع... ولقد رأيت أبناء العصر بأصفهان مشغوفين بشعره، متيمين بسحره.... وقتل في مجلس إنس بباخرز وذهب دمه هدرا ً)

       عاد بعد تجواله الكثير في  المدن والاصقاع والاقاليم  الى مسقط راسه (باخرز)  احدى نواحي ( نيسابور)  وانه  كان يحب مجالس الانس  واللهو وقتل في بعض مجالس الأنس على يدي واحد من الأتراك في أثناء الدولة النظامية وظل دمه هدراً  وكان قتله في ذي القعدة سنة \ 467 هجرية- 1075 ميلادية  بمدينة باخرز ودفن فيها .

       وجاء في  سبب موته :
 أن ( السلجوقية )  أقطعوا ( باخرز) لأمير زُوِّجَ امرأةً من نساء بني سلجوق، فرأت أبا الحسن( الشاعر )  وقالت: أرى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المنام على هذه الصورة. فصار محظوظاً عندهم  وآخر الأمر قتل  بسبب هذه المرأة واصبح  حسن صورته وبالاً عليه  كريش الطاووس وشعر الثعلب).

 ترك اثارا ادبية رائعة منها الكتب التالية:

 ديوان شعر كبير
دمية القصر  وعصرة اهل العصر
 شعراء  باخرز
غالية السكارى
التعليقات والفوائد
الاربعون في الحديث

    الباخرزي أديب من الشعراء الكتاب أي شاعر وكاتب  وشهد
 له معاصروه  بالفضل  والعلم والادب  وقد قال الشعر في المديح والغزل والهجاء والفخر ووصف الخمرة ومجالس الأنس .

ويتميز شعره  بتكلفه الواضح فيه حيث يغلب على شعره الصناعة والتكلف و المحسنات  البديعية  واللفظية  وادخاله الكلمات الفارسية  في  بعض قصائده  كما  انه نظم  بعضها  باللغة الفارسية
 ومن غزله  هذه  الابيات:

أفدي الذي سادَ الحسانَ ملاحة ً
                                             حتى تواضعَ كلهم لسيادته

ضاجعته والوردُ تحتَ لحافهِ
                                             ولثمتُه  والبدرُ فوقَ وسادته

  ويقول ايضا:

فصل مغرما لم يجن قط جناية  
                                     وليس  له  إلا  محبتكم    ذنب

يقولون : عز القلب بعد فراقه  
                                فقلت لهم : طوباي لو ساعد القلب

ومن لي بالصبر الجميل فإنني
                              وإن غبت عن عيني كأنك  لي نصب


     وقد  أكثر في ديوانه  من مدح  نظام الملك  وقرأت له قصيدة فريدة في مدح نظام الملك ، يهنؤه بالقدوم :

أهلا بيوم رائق مجتلاه
                                        يزهى على عقد الثريا حلاه

مقدم مولانا الأجل الذي
                                           صيرت الأعياد طرا فداه

فالشمس فيه راية جللت
                                          موكبه العالي دامت علاه

وفي غمار الحاجبين اكتسى
                                         شعاره بدر سرى في دجاه

ربع هو الكعبة للمجتدي
                                         والحرم المسكون أمنا ذراه

يضم أنباء المنى مثلما
                                        ضم حجيج البيت نسكا مناه

ومن روائع شعره قصيدته  الشتاء  يقول فيها :

الشتاءُ  منّ  الجليدِ  جُلودا      
                                       فَالبسْ فقدْ بَردَ الزمانُ بُرودا

كم مؤمنٍ قرصته أظفارَ الشتا
                                      فغدا  لسكانِ  الجحيم  حسودا

وترى طيورَ الماءِ في وَكَناتها
                                         تختار  حرَّ  النار  والسُفّودا

 وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا
                                      عادت عليك من العقيق عقودا

  يا صاحب العودين لا تهملهما
                                          حرك لنا عودا وحرق عودا

ومن شعره  في ذم إمام  ثقيل وهوة اقرب للهجاء:

 وأثقل روحاً من عقاب عقنقل
                                        أخفّ دماغاً من جنوب وشمأل

 يؤم بنا في القطع قطع خميسة
                                       وأمّ بصخر حطه السيل من عل

 يطيل قياماً في المقام كأنه
                                            منارة   قس راهب   متبتل

 ويفحش في القرآن لحناً كأنما
                                           يشدّ بامراس إلى صمّ جندل

فقلت له لما تمطى بصلبه
                                           وأردف أعجازاً وناء بكلكل

وزاد برغمي ركعة في صلاته
                                            ألم يكن التسليم منك بأمثل

   و اختم  البحث  بهذه القصيدة

أراكَ مُستعجـلاً يا حاديَ الإبـلِ  
فاصبرو إن خُلِقَ الانسانُ من عَجَلِ

واقرَ السلامَ على غمرٍ تحلُّ بهِ
        من ماءِ عَيني ولا تقرأ على الوشَلِ

وإن نظرتَ إلى العيسِ التي قَلقـتْ
        للظاعنينَ فلا تسكن إلى عذل

أجني وأحتالُ في تزويرِ معذرة ٍ
والعجزُ للمرءِ ليسَ العجزُ للحِيَلِ

وقفتُ والشوقُ يبليني على طللٍ       
كأنّني طَللٌ بـالٍ على جملِ

سرّحتُ في جوِّها الأنفاسَ فالتقطت
        نسيمَ ريّـا وأهدتْـهُ إلى عِلَـلي

أرض مكرمة لم يؤذِ تربتها     
إلاّ تَسَحّبُ أذيـالٍ منَ الحلـلِ

شتى اللغاتِ فقل في هاتف غردٍ
أو صاهلٍ جَرِسٍ أو باغمٍ غـزِلِ

ما زالَ مِنها قلوبُ النـاسِ عاثرة ً
        من لطخِ غالية ِ الأصداغِ في وَحَلِ

شيدت عليها قبابُ الحي فاتقدت       
أن البقاعَ لها قسطٌ منَ الدولِ

إذا الغبارُ مـنَ الفُرسانِ سارَ بِهـا
        قالوا: أتشكرُ نعماهُ ؟ فقلتُ: أجلْ

دار التي حليت بالحسنِ عاطلة 
فوسْوسَ الحليُّ من غيظٍ عـلى العطلِ

بيضاء مُرهفة سُلّـتْ على كبدي
وأغمدت من سجوفِ الخزِّ في كلل

كالظبي لولا اعتلالٌ في نواظرها       
والظبيُ لا يشتكي من عارضِ العِللِ

وقد يقالُ لمصْحاحِ الرِّجالِ به  داءُ
الظباء ، كذا يروونَ في المثلِ

شفاهُها كيفَ لا تَخلو وقد خَزنت       
ذخيرة َ النحـلِ في أُنقوعة ِ العَسلِ

ينالُ مَن يَشتهي مـاءَ الحياة بهـا      
ما كان مِن قَبلُ ذو القَرنينِ لم يَنَلِ

كم طافَ بي طيفها والأفقُ مستترٌ     
بذيلِ سجفٍ منَ الظلماءِ منسدلِ

أنى تيسرَ مسراها وقد رسفت  
من الذوائب طولَ الليلِ في شكلِ

وكيف خفت إلى المشتاق نهضتها
        والثقلُ يقعدها من جانب الكفلِ

تأوي إلى حفرة ِ الكدري آونة   
وتارة ً تَرتقي في سُلّم الحِيَلِ

لمّا أحسّتْ بأسفارِ النّوى ونأتْ 
عني بحرِّ حشاً يخيفهِ بردُ حلي

يا حبّذا هو من ضيفٍ وهبتُ له
سمعي وعيني إبدالاً من النزلِ

وأزعجتها دواعي البينِ وانكمشت    
تَسري وفي مُقلتيها فَتْرة ُ الكسَلِ

فرشت خدَّي لِمَمْشاها وقلتُ لها:
        أخشى عليك الطريقَ الوعرَ فانتعَلي

سَقياً لها ولركب رُزَّحٍ نَفَضوا
        باقيها نطوعَ الأينقِ الذللِ

جابُوا الفلاة َ وأغرتْهم بها هِمَمٌ
خلقنَ كلا على السفارِ والرحلِ

فجاوزوا كنسَ آرامٍ يحصنها    
ضراغمُ الروعِ في غابِ القنا الذبلِ

من بعدِ ما كبوا ملكَ المطية ِ في
        بحرِ السرابِ وحثوها بلا مهلِ

أعجب بفلكٍ لها روحٌ يغرقها    
مخاضة الآلِ في مـاءٍ بلا بَلَـلِ

والجَدُّ نُهزة ُ ذي جدٍّ يطيرُ إلى الْـ
        أَكوارِ عندَ وقوعِ الحادثِ الجَلَلِ

يَغشى الفَلا والفَيافي والمطيُّ لهـا     
ضربانِ من هَزَجٍ فيهـا ومن رَمَلِ

حتى تُقَرِّبَ أطنـابَ الخيـامِ إلى  
منجى اللهيفِ وملجا الخائفِ الوجلِ

فتى محمد الراوي المكارمَ من  
عيسى أبي الحسنِ الشيخِ العميدِ علي

فمن زمامٍ إلى مغناهُ منعطفٍ
        ومن عنانٍ إلى مأواهُ منفتلِ

آثارهُ نسخت أخبارَ من سلفوا  
نسخَ الشّريعة ِ للأديـانِ والمِلَلِ

يولي الجميلَ وصرفُ الدهر يقبضُ من
        يديهِ والفحلُ يحمي وهو في العقلِ

تصرفت سائلوهُ في مواهبهٍ     
تصرفَ النفرِالغازينَ في النفلِ

أردتُ أُحصي ثنايـاهُ فغالطَـني  
وقال : أحصِ ثناء الرائحِ الزجلِ

كذا ابنُ عمرانَ نادى ربهُ : أرني
        أنظر إليك ، فقالَ : انظر إلى الجبلِ

إن خط خاطَ على قرطاسه حللاً 
يُهدي بهِ الوشيَ للأحيـاءِ والحِللِ

وإن ترسلَ أدى سحرهُ خدعاً
        يصفي إليهنَّ سمعُ الأعصمِ الوعلِ

وإن تكلَّم زلَّ الدرُّ عن فمِهِ       
في حجره وهو معصومٌ عن الزللِ

وإن تقلّدَ من ذي إمـرة ٍ عمـلاً   
وجدتَهُ علمـاً في ذلـك العمَلِ

وإن تفحّصَ أحوالَ النّجومِ درى
        ما حم من أجلٍ في الغيبِ أو أملِ

كأنّهُ شعـرة ٌ في لقمـة ِ الخَجِلِ  
لو مُد لي طوَلٌ مُرخى ً منَ الأجَلِ

 وما نسيتُ ولا أنسى اعتصامي
 من   جواره بُعراً الأسبابِ والوُصَـلِ

إذا التقيتُ بهِ في موقفٍ شرقت
        منه الشعابُ بسيلِ الخيلِ والخولِ

ولم أكن عالماً قبلَ الحلولِ بهِ
        أنيَّ أرى رجلاً في بُردَتَيْ رَجُلِ

يا ضائراً نافعاً إن ثـارَ هائِجُـهُ
        أسالَ مهجة َ أقوامٍ على الأسَلِ

يُذيقُهم تـارة ً من خُلقهِ عَسَلاً   
حلواً وطوراً يديفُ السمَّ في العَسَلِ

خذْها أبـا حَسَنٍ غـراءَ فائقـة ً
        وَلَتْ وجوهَ الملوكِ الصيِّدِ من قبلي

أكثرتُ فيهـا ولم أهجرْ بلاغتَـهُ 
وليسَ كثرة ُ تكثـيري من الفَشَلِ

إذا تمنت سواها أن تضاهيها    خابَت
 وما النّجَلُ الموْموقُ كالحوَلِ

أفادَها خاطري بـينَ الورى خطراً
        وصاغها خلدي من غيرِ ما خللِ

 وينشقُ الورد منها كلُّ منغمس ٍ       
في اللهوِ نَشوانَ في ظلِّ الصبا جذلِ




                *************************




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق