الأربعاء، 1 أبريل، 2015

موسوعة ( شعراء العربية ) المجلد الخامس الجزء الثاني تاليف د فالح نصيف الحجية الكيلاني القسم الثاني








أسامة بن منقـذ  الكناني



        هو ابو المظفر أسامة  بن مرشد  بن علي  بن مقلّد بن نصر بن منقـذ بن  محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن رغيب بن مكحول  بن عمرو بن الحارث  بن عامر بن مالك  بن أبى  مالك  بن عوف بن كنانة الكناني الكلبي .

             ولد في قرية ( شيزر) القريبة من حماة في27 جمادى الثاني سنة 488هجرية - 4 يوليو 1095ميلادية  وكان بها حصن منيع  وتقع البلدة علي ضفاف نهر العاصي بالقرب من حماه على بعد 15 ميلاً إلى الشمال من حماه  وتقوم فوق هضبة عرفت بـ (عرف الديك)  ونظرًا لأهميتها وموقعها  الجغرافي  كانت دائمًا  مطمعًا  للفاتحين  وخاصة البيزنطيين  وكان للأمراء المنقذيين جولات عظيمة في تحرير هذا الإقليم وبسط نفوذهم عليه.
  
       اهتم أبوه  بتربيته تربية عسكرية وحربية  رغم زهده  بالسياسة والمناصب  وشُغفه بالصيد وقد نسخ القرآن الكريم وقد  تنازل عن إمارة حصن (شيزر )لأخيه عز الدين أبي العساكر  قائلاً:
(وَاللَّهِ  الا وَلِيتُهُ  وَلاخْرُجَنَّ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا دَخَلْتُهَا )

      ولما تولى عمه الإمارة و لم يكن له ولد بعد  فاعتنى بابن أخيه -أُسَامة- وخصه  بعطفه  ورعايته  ودربه على الفنون الحربية  والسياسية والثقافية حتى يكون خلفًا له .

       وقد أخرجه عمه أبو العساكر سلطان  بن علي الأمير على بلد ة (شيزر) وبعد وفاة والده في غزواته او للدفاع عن حصون ملكه . وقيل خوفاً منه على نفسه  لما رأى من شجاعته وإقدامه  وقدم حلب مراراً متعددة  وانتقل الى  دمشق  وسكن  فيها  حيث  قرر أُسَامة  الإرتحال والانتقال إلى دمشق  خاصة بعد أن رزق الله عمه ولدًا  وأحس أُسَامة بن منقذ - وهو الشاعر المرهف الحس - أن أحاسيس عمه قد تغيرت من ناحيته وزادت عنه وحشة ونفورًا  وقد حذرته جدته لأبيه من عمه عندما رأته يوما داخلاً البلدة وبيده رأس أسد كان قد اصطاده  ونصحته أن يمتنع عن ممارسة هذه الأعمال  الا انه  اجابها قائلا :
(إنما أخاطر بنفسي في هذا ومثله لأتقرب إلى قلب عمي )
 فقالت:
( لا والله ما يقربك هذا منه وإنما يزيدك منه بعدًا ويزيده منك وحشًا ونفورًا )
 فقال :(فعلمت أنها نصحتني في قولها وصدقتني)

        وفي أثناء إمارة عمه كانت (شيزر) عرضة للغزوات المتتابعة
من بني كلاب في حلب ومن الروم البيزنطيين  ومن الفرنجة الصليبيين  ولكن مناعتها الطبيعية وحصنها القوي  وبسالة الأمراء المنقذيين حالا دون سقوطها.

            نشأ أُسَامة والصراع الإسلامي الصليبي على أشد ه  فنشأ محبًا للمخاطرة والمغامرة فارسًا بطبعه  فاشترك في المعارك التي دارت ضد الصليبيين وخاض معارك دامية كأحد فرسان وأبطال تلك المعارك العظيمة والتي صنعت منه شخصية بطولية فذة  تمثل  الفروسية الإسلامية العربية على ما ازدهرت في ربوع الشام في أواسط القرون الوسطى  والتي بلغت حدها الكامل في شخص  صلاح الدين الايوبي  او قل في عهد هذا الشاعر والامير القائد المغوار . وقد زاد على ذلك في نظم الشعر  والإبداع في الكتابة  وحبه للأدب والثقافة وإطلاعه على المعارف المختلفة   .

       وقيل انه في إحدى رحلاته وقع أسيرًا في يد الصليبيين  فاستولوا على كل ما كان  معه من المال والمتاع  فلم  يأسف أُسَامة بن  منقذ إلا على ضياع كتبه التي كانت يحملها معه كعادته  فحزن عليها حزنًا شديدًا ويذكر أن هذه الكتب بلغت  أربعة آلاف كتاب من الكتب النادرة .

       التحق أسامة بجيش نور الدين زنكي  وعاش  في  بلاط  النوريين  بدمشق قرابة ثماني سنوات  حيث اشترك في الحملات الحربية على الصليبيين في فلسطين .

       وقاد عدة حملات على الصليبيين منها (قلعة حارم ) حيث  جمع نور الدين بن محمود صاحب الشام  العساكر بحلب  وسار اليها وهي تحت تصرف الافرنج  وتقع غربي حلب  فحاصرها  وجدّ  في قتالها فامتنعت عليه لحصانتها وكثرة من فيها من فرسان الافرنج ورجالهم وشجعانهم . فلما علم الفرنج ذلك جمعوا فارسهم وراجلهم من سائر البلاد  وحشّدوا  الحشود  واستعدوا للقتال  وساروا نحوها ليبعدوه عنها  فلما تقارب الجيشان  طلب منهم (المصاف)  فلم يجيبوه إ لى ما اراد  وراسلوه وتلطفوا  معه  فلما رأى أنه لا يمكنه أخذ الحصن ولا يجيبونه إلى (المصاف ) عاد إلى بلاده و كان معه في قيادة هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وكان في غاية الشجاعة  والقوة والبسالة فلما عاد إلى حلب دخل إلى مسجد (شيزر ) وكان قد دخله في العام الماضي سائراً إلى الحج  فلما دخله هذا العام كتب على حائطه:

          لك الحمد يا مولاي كم لك منة 
                                        علي وفضلاً لا يحيط به شكري

         نزلت بهذا المسجد العام قافلاً
                                   من الغزو موفور النصيب من الأجر

         ومنه رحلت العيس في عامي الذي 
                                   مضى نحو بيت الله والركن والحجر

          فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما
                                  تحملت من وزر الشبيبة عن ظهري

  ثم برحها الى حصن (كيفا ) على نهر دجلة في الموصل  فأقام فيها .

         ولمّا لقى الفرنج في أرض (بصرى) و(صرخد) مع نور الدين كتب قصيدة اليه  يقول فيها:

كل يوم فتح مبين ونصر 
                                           واعتلاء على الأعادي وقهر

صدق النعت فيك أنت معين
                                           الدين  إن النعوت قال وزجر

أنت سيف الإسلام حقا، فلا كَل 
                                               غراريك أيها السّيفُ دهر

لم تَزل تُضمر الجهاد مُسِرَّا
                                              ثم أعلنت حين أمكن جهر

      وقد صرف أُسَامة بن مُنقذ معظم شبابه في بلاط عماد الدين زنكي للفترة  ( 477 - 541هجرية  - 1084- 1146ميلادية  )  ومع  نور الدين محمود للفترة (511 - 569هجرية  - 1118- 1174ميلادية ) بدمشق .

      ثم انتقل بعدها إلى مصر في عام (539هجرية - 1144ميلادية )  وفي رواية اخرى سنة \540 هجرية حيث أقام قريبًا من البلاط الفاطمي  وصاحب الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله  وخلفه الظافر بأمر الله  وشارك خلالها في أحداثها السياسية  وكان شاهد عيان على كل  المكائد والدسائس  وثورات الجند  وأحداث الفتن  والنزاع الذى نشب بين الخلفاء والوزراء  واشتداد الفساد الذى اتخذ من مصر مرتعًا خصبًا له في تلك الحقبة الزمنية  فعشش في كل مكان  وحاول بقدر المستطاع أن ينأى بنفسه عن تلكم الفتن ومؤامرات القصور  وقد أفاض في وصف هذه الفتن  و جو المكائد والمؤامرات،  وفي العموم جاء ما رسمه أسامة بن منقذ بقلمه صورة بائسة للحياة السياسية في مصر  في نهايات أيام الدولة الفاطمية. يقول :

انظُر إلى صَرفِ دهري كيف عوَّدَنِي
                                       بعد  المشيبِ  سِوَى   عاداتيَ   الأُوَلِ

وفي  تغايُرِ  صَرْفِ   الدهرِ   معتبرٌ
                                        وأي  حالٍ   على   الأيامِ   لم   تَحُلِ

قد  كنتُ  مِسعَرَ  حَرْبٍ  كُلّما  خَمَدَتْ
                                       أذكيتُها  باقتداحِ  البيضِ   في   القُلَلِ

همِّي    منازلةُ    الأقرانِ    أحسبُهم
                                       فرائِسِي   فهُمُ   منِّي    على    وَجَلِ

أمضي على الهَولِ من ليلٍ وأهجمُ من
                                     سيلٍ  وأقدمُ  في  الهيجاءِ   من   أَجَلِ

فصرتُ  كالغادةِ  المكْسَالِ  مضْجِعُهَا
                                      على  الحشَايَا  وراءَ  السِّجفِ  والكِلَلِ

قد كدتُ أعفنُ  من  طولِ  الثَّواءِ  كما
                                     يصدي  المُهَنَّدَ  طولُ  الُّلبْثِفي   الخَلَلِ

أروحُ بعد  دُروعِ  الحربِ  في  حُلَلٍ
                                     من   الدّبيقي   فبؤْساً   لي    وللحُلَلِ

وما  الرَّفاهةُ  من  رامِي  ولا  أرَبِي
                                      ولا  التَّنعّمُ  من  شاني   ولا   شُغُلِي

ولستُ أرضَى بُلوغَ  المجدِ  في  رَفَهٍ
                                      ولا العُلى دونَ حَطْمِ  البيضِ  والأسَلِ

     ثم  نشأت بينه  وبين القائد صلاح  الدين  الأيوبي (532  - 589 هجرية -  -1138   -  1193ميلادية ) صداقة قوية  وجميعهم بلا شك من فرسان ذلك العصر وامرائهم .

       ولما ملك السلطان صلاح الدين الايوبي دمشق دعى  الامير اسامة بن منقذ اليه  فأجابه حيث بعثه صلاح الدين الأيوبي  كسفير إلى  بلاد المغرب لطلب العون من الخليفة أبي يوسف يعقوب بن يوسف المنصور. وقد لقي ابن منقذ حفاوة وترحابا وتكريما من الخليفة يعقوب المنصور  ومن أبرز معالم تلك الحفاوة  أن الخليفة  أعطى لابن منقذ لما مدحه بقصيدة تشتمل على أربعين بيتا ألف دينار لكل بيت  وقال له:
إنما أعطيناك لفضلك ولبيتك  يعني لا لأجل صلاح الدين
 من هذه القصيدة  الابيات :
                         سأشكر بحرا ذا عباب قـطعته     
                                          إلى بحر جود ما لأخراه ساحل
                         إلى معدن التقوى، إلى كعبة الندى
                                       إلى من سمت بالذكر منه الأوائل   
                         إليك أمـير المؤمنـين ولم تـزل   
                                       إلى بابك المأمول تزجى الرواحل 
                         قطعـت إليك البر والبحر موقنـا 
                                       بأن  نداك  الغمر  بالنجح  كافـل

في سفارته هذه  وقيل  اكثر من ذلك       وكان قد بلغ من العمر الثمانين  ولما بلغ التسعين من عمره   انشد:

لما  بلغتُ  من  الحياةِ   إلى   مَدَى
                                           قد   كنتُ   أهواه   تمنَّيْتُ   الرَّدَى

لم  يبْقِ  طولُ  العمرِ   منِّى   مُنَّةً
                                          ألقى بها صَرْفَ الزمانِ إذا  اعْتَدَى

ضَعُفت قوايَ  وخانني  الثِّقَتَانِ  من
                                        بصري وسمعي حين شارفتُ المَدَى

فإذا  نهضتُ  حسبتُ  أنِّي  حَاملٌ
                                        جَبلاً  وأمشي   إن   مشيتُ   مُقَيَّدَا

وأدبُّ  في  كفِّي  العصا   وعهدتُها
                                        في  الحرب  تحملُ  أسمَراً  ومُهنّدَا

وأبيتُ   في   لِينِ   المِهَادِ   مُسهّداً
                                       قلقاً     كأنَّنِيَ    افترشْتُ    الجَلمَدَا

والمرءُ  يُنْكَسُ  في  الحياةِ  وبينما
                                         بلغَ  الكمالَ  وتمَّ   عَاَد   كما   بَدَا

       وقد عمّر ثلاث وتسعين سنة إلى أن توفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان سنة \ 584 هجرية /   - 1188 ميلادية في  دمشق  ودفن شرقي جبل قاسيون    .

قال العماد الكاتب في الخريدة بعد الثناء عليه:

 ( سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم  فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزيك. ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى – دمشق  فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين.)

 وقال فيه ايضا :

 ( أسامة كإسمه  في قوة  نثره  ونظمه يلوح من كلامه أمارة الإمارة  ويؤسس بيت قريضه عمارة العبارة، نشر له علم العلم، ورقي سلم السلم، ولزم طريق السلامة وتنكب سبل الملالة والملامة، واشتغل بنفسه، ومجاورة أبناء جنسه، حلو المجالسة حالي المساجلة، ندي الندى بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف)

وقال فيه السمعاني:

( أسامة بن مرشد أمير فاضل غزير الفضل، وافر العقل، حسن التدبير، مليح التصانيف، عارف باللغة والأدب، مجود في صنعة الشعر، من بيت الإمارة والفروسية واللغة، سكن دمشق، لقيته بالفوار بظاهر دمشق بحوران، واجتمعت معه بدمشق عدة نوب، وكان مليح المجالسة حسن المحاورة.)

قال ابو القاسم علي بن الحسن الحافظ  :

(أسامة بن مرشد الملقب بمؤيد الدولة  له يد بيضاء في الأدب والكتابة والشعر، ذكر لي أنه ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وخدم بها السلطان، وقرب منه وكان شجاعاً فارساً، ثم خرج إلى مصر، فأقام بها مدة  ثم رجع إلى الشام، وسكن حماة، واجتمعت به بدمشق  وأنشدني قصائد من شعره سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.)

. عُني بالشعر والقتال منذ أول حياته وعرف بشاعريته الغزيرة  وغلب على شعره : الفخر والغزل والوصف. وتميز بسلاسة في الأسلوب  وبراعة  التصوير  ودقة الملاحظة  وصدق  الرواية  وبلاغة القول .
يقول في الغزل:

          نَفسِى الفداءُ لمن يُعاتُبِني   
                                             فأَسُدُّ فَاهُ العَذْبَ بالقُبَل

         وأضُمُّه ضمَّ الشَّفيق، كما    
                                         ضَمَّت جُفونُ العينِ للمُقَل

         فيحار من كلفي ويشرق في 
                                        خديه ورد الحسن والخجل

         ويعود بعد العتب معتذراً     
                                     عُذرَ المُسِىء إلى َّ، من زلَلَى

    اما كتاباته النثرية فقد  تميزت بأسلوب قصصي رائع . كما تميز بالأمانة والصدق  والتجرد من الهوى والتزام الحيادية في تسجيل الأحداث والوقائع ورؤيته لها وقد تمتع بحس فكاهي رائع واسلوب  ساخر  يحكي من خلاله مشاهداته وانطباعاته.

     قضى أسامة آخر حياته في حصن كيفا منفياً فأقبل على التصنيف والتاليف والبحث فصنف كتبا عديدة بلغت 13 كتابا :
كتاب البديع في البديع
 كتاب نقد للشعر
تاريخ القلاع والحصون
أزهار الأنهار
التاريخ البلدي
نصيحة الرعاة
التجائر المربحة والمساعي المنجحة
كتاب العصا
أخبار النساء
ديوان أسامة: ديوان قصائده
كتاب النوم والأحلام
كتاب المنازل والأديار
كتاب لباب الآداب
كتاب الاعتبار. كتاب فريد   أملاه الأمير أُسَامة بن مُنقذ في أخريات أيامه في دمشق  بعد أن تجاوز التسعين من العمر وقد ضعف جسده  وخارت قواه ولحقه النسيان ففاتته بعض الاحداث لم يستطع ذكرها  . 

 واختم  هذا البحث- كعادتي- في هذه القصيدة الرائعة

أبي الله إلا أن يدين لنا الدهر  
                                         ويخدمنا في ملكنا العز والنصر

أبي الله إلا أن يكون لنا الأمر  
                                          لِتحيَا بنا الدُّنيا، ويفتخرَ العصرُ

وتخدُمَنا الأيّامُ فيما نَرُومُهُ     
                                         وينقادَ طوعاً في أزِمَّتنا الدّهرُ

وتخضع أعناق الملوك لعزنا  
                                         ويُرهِبَها منّا على بُعدنا الذِّكرُ

بحيثُ حَلْلنا الأمنُ من كلِّ حادثٍ      
                                       وفي سائر الآفاق من بأسنا ذعر

بطاعتِنا للّه أصبحَ طوعَنا الأ  
                                           نامُ، فما يُعصَى لنا فيهمُ أمرُ

فأيماننا في السلم سحب مواهب     
                                     وفي الحَربِ سُحبٌ وبْلُهنَّ دمٌ هَمرُ

قَضتْ في بني الدُّنيا قضاءَ زمانِها
                                     فَسُرَّ بها شطرٌ، وسِىء بها شَطرُ

وما في ملوكِ المسلمينَ مُجاهدٌ
                                            سوانا فما يثنيه حر ولا قر

جعلَنا الجهادَ همَّنا واشتغالَنا  
                                       ولم يلهنا عنه السماع ولا الخمر

دماء العدا أشهى من الراح عندنا    
                                     ووقع المواضي فيهم الناي والوتر

نُواصِلُهم وصلَ الحبيب وهم عِداً     
                                           زيارتُهم ينحطَ عنَّا بها الوزرُ

وثير حشايانا السروج وقمصنا الد   
                                         روع ومنصوب الخيام لنا قصر

ترى الأرض مثل الأفق وهي نجومه
                                        وإن حسدتها عزها الأنجم الزهر

وهمُّ الملوكِ البيضُ والسُّمُر كالدُّمَى
                                         وهمتنا البيض الصوارم والسمر

صوارمنا حمر المضارب من دم      
                                        قوائِمُها من جُودنا نَضرة ٌ خُضرُ

نسيرُ إلى الأعداءِ والطّيرُ فوقَنا
                                     لهَا القوتُ من أعدائِنَا، ولنا النَّصرُ

فبأس يذوب الصخر من حر ناره     
                                        ولُطفٌ له بالماءِ ينبجسُ الصَّخرُ

وجيش إذا لاقى العدو ظننتهم
                                    أسود الشرى عنت لها الأدم والعفر

تَرى كلَّ شَهمٍ في الوغَى مثلَ سَهْمِه
                                          نفوذاً فما يثنيه خوف ولا كثر

هم الأسد من بيض الصوارم والقنا
                                 لهُم في الوغَى النّابُ الحديدة ُ والظُّفرُ

يرَوْن لهم في القتلِ خُلداً، فكيف باللـ
                                          ـقاءِ لقومٍ قتلهُم عندهم عُمْرُ

إذا نُسبوا كانُوا جميعاً بني أَبٍ
                                           فطعنهم شزر وضربهم هبر

يظنُّون أنّ الكفرَ عصيانُ أمرِنَا
                                          فما عندهم يوماً لإنعامنا كفر

لَنَا مِنهمُ إقدامُهُم وولاؤُهمْ     
                                        ومنَّا لهم إكرامُم والنَّدى الغَمرُ

بِنا أُيِّد الإسلامُ، وازدادَ عزّة ً   
                                          وذل لنا من بعد عزته الكفر

قتلنَا البِرنْسَ، حِينَ سارَ بجهله
                                    تَحفُّ به الفُرسانُ والعَسكر المجرُ

ولم يَبق إلاَّ مَن أَسْرنا، وكيفَ بالبـ
                                      ـقَاءِ لمن أخْنَتْ عليه الظُّبا البُترُ

وفي سجننا ابن الفنش خير ملوكهم 
                                         وإن لم يكن خير لديهم ولا بر

كأفعالِنَا في أرضِ من حانَ منهُمُ     
                                           وقد قُتِلت فرسانُه فهمُ جُزر

وسلْ عنهُم الوادِي بإقلِيس إنَّه
                                       إلى اليومِ فيه من دمائِهمُ غُدرُ

هم انتَشروا فيه لردّ رَعِيلنا    
                                        فمن تربه يوم المعاد لهم نشر

ونحنُ أسرنا الجوسَلِين ولم يكُن     
                                         ليخْشَى من الأيَّامِ نائِبة ً تَعْرُو

وكان يظن الغر أنا نبيعه
                                          بمَالٍ، وكم ظَنٍّ به يهِلُك الغِرُّ

فلما استبحنا ملكه وبلاده      
                                         ولم يبَق مالٌ يُستباحُ ولا ثَغْرُ

كَحلناهُ، نبغى الأجرَ في فِعلِنا بهِ      
                                       وفي مثلِ ما قَد نَالَه يُحرز الأجرُ

ونحن كسرنا البغدوين وما لمن      
                                           كَسرنَاه إبلالٌ يُرجَّى ولا جَبْرُ

وقد ضاقت الدنيا عليه برحبها
                                            فلم ينجه بر ولم يحمه بحر

أفى غدره بالخيل بعد يمينه    
                                             بإنجيلِه  بين الأَنامِ له عُذْرُ

دعته إلى نكث اليمين وغدره  
                                        بذمَّتِه النَّفسُ الخسيسة ُ والمكْرُ

وقد كانَ لونُ الخيل شتَّى فأصبحَت
                                         تُعادُ إلينَا، وهي من دَمهِم شُقْرُ

توهَّم عجزاً حِلمَنا وأناتَنَا      
                                    وما العجز إلا ما أتى الجاهل الغمر

فلما تمادى غيه وضلاله
                                     ولم يثنه عن جهله النهي والزجر

برزْنَا له كالليِثْ فَارقَ غِيلَه
                                       وعادَتُه كسرُ الفرائس والهَصْرُ

وسِرنا إليه حين هابَ لقاءَنا   
                                      وبان له من بأسنا البؤس والشر

فولّى يُبارى عائراتِ سِهَامِنَا   
                                      وفي سمعه من وقع أسيافنا وقر

وخلَّى لنا فُرسانَه وحُماتَه     
                                           فشطر له قتل وشطر له أسر

وما تنثني عنه أعنة خيلنا
                                      ولو طار في أفق السماء به النسر

إلى أن يزور الجوسلين مساهماً      
                                             له في دياج ما لليلتها فجر

ونرتَجِعَ القدسَ المُطهَّر مِنهُم  
                                     ويتلى بإذن الله في الصخرة الذكر

 إذا استَغْلقتْ شمُّ الحصونِ فعندنَا
                                        مَفاتحُها: بيضٌ، مضاربُها حُمرُ

وإنْ بلدٌ عزَّ الملوكَ مَرامُه
                                ورُمناهُ، ذلَّ الصّعبُ واستُسهِلَ الوعرُ

وأضحى عليه للسهام وللظبا  
                                 ووقع المذاكي الرعد والبرق والقطر

بنَا استَرجَع اللْهُ البلادَ وأمَّن العـ
                                       ـبادَ، فلا خَوفٌ عليهم ولا قَهرُ

فتَحنا الرُّهَا حين استباحَ عداتُنا
                                        حماها وسنى ملكها لهم الختر

جعلْنَا طُلى الفُرسان أغمادَ بِيِضنا    
                                          وملَّكنَا أبكارَها الفتكة ُ البكر

وتلُّ عِزَازٍ، صبّحتهُ جُيوشُنَا   
                                       وقد عجزت عنه الأكاسرة الغر

أتَى ساكنُوها بِالمفاتيحِ طاعَة ً
                                          إلينا ومسراهم إلى بابنا شهر

وما كلُّ مَلْكٍ قادِرٍ ذو مَهابة ٍ   
                                           ولا كل ساع يستتب له الأمر

ومِلْنا إلى بُرج الرَّصاصِ وإنَّه 
                                           لكاسد لكن الرصاص له قطر

وأضحت لأنطاكية حارم شجى ً
                                        وفيها لهَا والسَّاكِنينَ بها حَصرُ

وحصن كفر لاتا وهاب تدانيا  
                                          لَنَا،  وذُراها  للأَنُوقِ به وَكرُ

وفي حِصن باسُوطَا وقَورَصَ ذَلَّتِ الصّـ
                                       ـعابُ لنا، والنّصرُ يقدمُهُ الصبرُ

وفامية والبارة استنقذتهما    
                                      لنا همَّة ٌ من دونها الفَرعُ والغَفرُ

وحصن بسرفود وأنب سهلت  
                                    لنَا، واستحالَ العُسرُ، وهو لنَا يُسرُ

وفي تل عمار وفي تل خالد    
                                       وفي حِصْن سلقينٍ لمملَكة ٍ قصرُ

وما مثل راوندان حصن وإنه  
                                         لمَمتنعٌ، لو لم يسهل له القَسرُ

وكم مثلِ هذا من قلاعٍ ومن قرًى
                                       ومُزدَرَعَاتٍ لا يحيطُ بها الحصرُ

فلما استعدناها من الكفر عنوة ً
                                           ولم يَبقَ في أقطارِهَا لهمُ أَثْرُ

رددنا على أهل الشآم رباعهم 
                                       وأملاكَهُم، فانزاحَ عنهم بها الفَقرُ

وجاءتهم من بعد يأس وفاقة  
                                    وقد مسَّهُم من فقدها البؤْسُ والضُّرُّ

ومرَ عليها الدَّهرُ، والكُفرُ حاكِمٌ
                                         عليها، وعمرٌ مرَّ من بعدِه عُمْرُ

فنالهُم من عَوْدِها الخيرُ والغنَى
                                        كما نالنا من ردها الأجر والشكر

ونحنُ وضعنا المكْسَ عن كلِّ بلدة ٍ
                                          فأصبح مسروراً بمتجره السفر

وأصبحت الآفاق من عدلنا حمى ً
                                            فكُدر قَطاها  لا يُروّعها صَقرُ

فكيف تُسامِينَا الملوكُ إلى العُلا
                                             وعزمهم سر ووقعاتنا جهر

وإن وَعدُوا بالغزوِ نَظماً، فهذه
                                            رؤوس أعاديهم بأسيافنا نثر

سنلقى العدا عنهم ببيض صقالها    
                                          هداياهم  والبتر يرهفها  البتر

ملكنا الذي لم تَحوِهِ كفُّ مالِكٍ 
                                          ولم يَعرُنَا تِيهُ الملوكِ ولا الكبرُ

فنحن ملوك البأس والجود سوقة التـ
                                             ـواضع لا بذخ لدينا ولا فخر

عزَفنا عنِ الدُّنيا، على وجدِهَا بِنَا
                                          فمنها لنا وصلٌ، ومنّا لها هَجرُ

وأحسن شيء في الد نا زهد قادر
                                          عليها  فما يصبيه ملك ولا وفر

ولولا سؤال الله عن خلقه الذي
                                          رعيناهم حفظاً إذا ضمنا الحشر

لمَلْنَا عن الُّدنيا، وقِلنا لها: اغربي   
                                          لك الهجر منا ما تمادى بنا العمر

فما خير ملك أنت عنه محاسب
                                        ومملكة ٍ، من بعدها الموتُ والقبرُ

فقل لملوك الأرض: ما الفخر في الذي
                                           تعدونه من فعلكم بل كذا الفخر




**********************



            سلمى   بنت  القراطيسي
       سلمى بنت القراطيسي  امراة  بغدادية عاشت في أوائل العصر العباسي الثاني زمن الخليفة  ابو  عبد الله  محمد المقتفي لدين الله  ميلادية 1136 - 1160 \   هجرية 530 -555  
   قيل إن أباها كان وراقاً يعمل في بيع الكتب المخطوطة و القراطيس المعدة للكتابة وكان هذا سببا  مهما مكنها من الاتصال بعدد كبير من الأدباء والشعراء فاكتسبت منهم ما أغنت به  ملكاتها الإبداعية وطورتها . اشتهرت  بجمالها ‏ ورقتها مع العفة  وغنى النفس .تعتبر في رأي أغلب المؤرخين والنقاد الأدبيين رائدة الشعر النرجسي بين الشاعرات العربيات في العصر الوسيط .
      وقيل انها وقفت  يوماً أمام مرآتها  فأعجبها  حسنها وجمالها وقوامها الرشيق  فقالت  :‏ 
عيون مها الصريم فداء عيني‏
                              وأجياد الظباء فداء جيدي‏
إنني أزيّن بالعقود و إن نحري‏
                                لأزين  للعقود  من العقود‏
ولا أشكو من الأوصاب ثقلاً‏
                                وتشكو قامتي ثقل النهود‏
ولو جاورت في بلد ثموداً‏
                               لما نزل العذاب على ثمود!‏
 وقيل إن الخليفة العباسي المقتفي لدين الله عندما سمع هذه الأبيات أعجب  بها  كثيرا  فأرسل  نفراً من عيونه إلى الحي الذي تسكن فيه سلمى في بغداد  للاستفسار عن وضعها وعيشتها  و قال لهم:
- اسألوا هل تصدق في أوصافها
     ولما رجعوا اليه بعد انجاز مهمتهم  كان ردهم:
- ما يكون أجمل منها .
 فسألهم ثانية:
- وماذا عن عفافها؟
فاجابوه: هي أعف الناس.
 فأرسل لها مالاً وفيراً وقال لرسله:
- إنها تستطيع   أن تصون جمالها ورونق بهجتها وعفتها ولعلها تستعين بهذا المال على صيانة جمالها .
 وهذا ما كان من امرها. ولم اعثر على  معلومات اخرى عنها وعن شعرها .  ولا عن ولادتها  ووفاتها  .
                            ******************
                        
                 
               ا بو  المرهف

 

         الامير  أبو المرهف نصر بن منصور .بن الحسن بن جوشن النميري من أسرة تعتبر من أعرق بيوتات بني نمير في عصرها  وهم  أحفاد الشاعر (الراعي النميري عبيد بن الحصين)  وأمه  بنَّةُ بنت سالم بن مالك بن بدران بن مقلد العقيليصاحب الموصل .  وكانت لهم قلعة في  مدينة منبج عرفت  باسم  ( قلعة نجم  ) وآخر من ملكها منصور وا لد الشاعر وهذه  القلعة هي المقصود ة  بقول أبي فراس الحمداني:

          وتحلُّ  بالجسر  الجنا     
                                   ن  وتسكن  الحصن  المُعلّى

     وقد ذكر هذه  القلعة  القاضي الفاضل عبد الرحيم  بن  علي الشيباني في بعض رسائله فقال:

 (وجئنا قلعة نجم , وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، هامة لها الغمامة عمامة  وأنملة إذا خصها الأصيل  كان الهلال لها قلامة) .

      كانت هذه القلعة لبني نمير وآخر من كان  بها منصور بن الحسن بن  جوشن  بن منصور النميري  من ولد الراعي عبيد  بن الحصين الشاعر فقتل منصور ا ميرهم  وأخذت القلعة منهم  وخلف ولداً  اسمه نصر وهو الشاعر ابو  المرهف فأضر- أي اصبح اعمى- وعمره أربع عشرة سنة  وقال الشعر فاجاد وافلح  فيه  وانتقل إلى بغداد  بعد أن تغلب الترك على ديارهم  . 

.       ولد يوم الثلاثاء  الثالث  عشر من  جمادى الآخرة سنة \501  هـجرية - \1104 ميلادية  بالرقة   . وأمه ا بنة بنت سالم  بن مالك ابن صاحب الموصل بدران بن مقلد العقيلي.

      وقد حدث اختلاف  في عشيرته فأختل  نظامهم فاضطر الى الهجرة  فقدم  الى  بغداد في صباه  وسكنها ا صيب  بالجدري  الذي كان منتشرا  فيها   فاصيب بالعمى وهو في الرابعة عشرة من عمره وفي رواية اخرى انه ولد بالرافقة (على الفرات) ونشأ في الشام، وقال الشعر وهو مراهق. وأصابه جدري، وله أربع عشرة سنة، فضعف بصره فذهب إلى بغداد لمداواة عينيه، فآيسته الاطباء من ذلك، فاشتغل بالقرآن الكريم  فحفظه، وتفقه على مذهب أحمد  وقرأ العربية. وأصابه ألم  ففقد  ما بقي من بصره. فقال يذكر أباه :

لا تبعدنّ  حسام  دولة عامرٍ
                                      من ليث ملحمة وغيث عطاء

أنحى على شمل العشيرة بعده
                                       ريبُ  الزمان  بفرقةٍ  وتناء

 ويذكر ذلك في شعره فيقول :

ترى يتألف الشمل الصـديع    
                                          وأمن من زماني مـا يروع

وتأنس  بعد  وحشتنا بـنـجـد  
                                         منازلنا  القديمة  والـربـوع

ذكرت بأيمن العلمين عصرا   
                                         مضى والشمل ملتئم جمـيع

      وقد حفظ  القرآن الكريم  وتفقه على مذهب الإمام  أحمد  بن  حنبل  وسمع الحديث من هبة الله  بن الحصين ومن القاضي  أبي  بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري و من أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماط و ومن أبي الفضل محمد بن ناصر وغيرهم. وقد نشأ ورعا  زاهدا  متفقها في الدين .

         وقرأ  الأدب  والشعر على أبي  منصور ابن الجواليقي  وقال الشعر في صباه حتى  برع  فيه وأجاده و من شعره في الغزل :

ولما رأى وردا بخديه يجتني
                                             ويقطف أحيانا بغير اختياره

 أقام عليه حارسا من جفونه
                                           وسل عليه مرهفا من عذاره


       ومدح الخلفاء  والوزراء  والامراء والاعيان  وكان  ببغداد  كثير الانقطاع  إلى  الوزير عون الدين  بن  هبيرة  وله  فيه مدائح كثيرة  منها هذه الابيات   ومن شعره  في مدح ال البيت  يقول:

أحب علينا والبتول وولدها   
                   ولا أجحد الشيخين فضل التقدم

وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى
                       كما أتبرا من ولاء ابن ملجم

ويعجبني أهل الحديث لصدقهم
                     فلست إلى قوم سواهم بمنتمي

           يمتاز   شعره  بالرقة والجزالة  الظاهرة في اغلب قصائده
  و قال الشعر في  اغلب  فنونه  واغراضه  وكان  حسن المقاصد  ولما قربت منيبته قال :
  
وكفى مؤذنا باقتراب الأجل
                                        شباب  تولى  وشيب  نزل

 وموت اللذات وهل بعده
                                         بقاء   يؤمله  من  عقل ؟

إذا ارتحلت قرناء الفتى
                                    على حكم ريب المنون ارتحل

هو الموت لا تحتمي للنفوس
                                      من  خطبه  بالرقى  والحيل

 إذا صال كان سواء عليه
                                     من  عز  من  كان حي وذل

فيا ويح نفسي أما ترعوي
                                      وقد  ذهب  العمر  إلا الأقل

     توفي يوم الثلاثاء 28 ربيع الآخر 588 هـجرية - \1184 ميلادية ببغداد  ودفن بباب حرب( منطقة باب الشيخ  المجاورة لضريح الشيخ عبد القادرالجيلاني  رحمه الله وانعم عليه بالمغفرة والرضوان.

         وذكره ابن كثير في (البداية والنهاية) فقال فيه :

 (أصابه جدري وهو ابن أربع عشرة سنة فنقص بصره جداً، وكان لا يبصر الأشياء البعيدة، ويرى القريب منه، ولكن كان لا يحتاج إلى قائد، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه فآيسته الأطباء من ذلك،فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين فأفلح،وله ديوان شعر كبير حسن )

  ومن  روائع  شعره  :
 أذاعت بأسراري الأدمع
                                                غداة استقلوا وما ودعوا

 جزعت لما أعتز من بينهم
                                                وما كنت من مؤلم أجزع

 تولوا فما قر لي بعدهم
                                                فؤاد  ولا  جف  لي مدمع

وأقسم لا حلت عن عهدهم
                                              وفوا لي بالعهد أو ضيعوا

أأحبابنا هل لعصر مضى
                                                لنا ولكن  باللوى  مرجع ؟

كان على كبدي بعدكم
                                             من الشوق  نار غضا  تسفع

 ولي مقلة منذ فارقتكم
                                              إذا  هجع  الناس لا  تهجع

يؤرقني كل برق أراه
                                               من  نحو  أوطانكم  يلمع
             ***************

القاضي الفاضل
                 
        مجير الدين او محي الدين  أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين  أبي المجد علي بن القاضي السعيد أبي محمد  الحسن بن الحسين بن أحمد بن الفرج بن أحمد  اللخمي البيساني  العسقلاني  .   
        ولد القاضى الفاضل بمدينة (عسقلان) سنة  \529 هـجرية  - 1135 ميلادية   وفي رواية اخرى ولد ببيسان  وهي  مدينة صغيرة تابعة الى عسقلان  تقع في شمال  مدينة غزة من فلسطين .
        حظي  باهتمام  والده  الذي  الذي كان قاضيا في عسقلان  فأراد  له  ان ينشأ  مع مجموعة من  كبار العلماء فتكون له همة عالية في تحصيل العلوم الفقهية والادبية فارسله الى مصر على عادة أرباب  الدواوين  في ذلك العصر فنزل  الاسكندرية  ثم الى القاهرة   ولاشك  ان القاضي الفاضل  وجد  ضالته  في البيئة المصرية  لرغبته  الشديدة  في توسيع مدارك ولده  في   علوم الفقه والحديث فكان الولد  يحضر مجالس كبار شيوخ هذه العلوم وبعد  استكمال تعليمه  وتفقهه في  العلم والادب والثقافة .حقق  ما تمناه  ابوه  فعمل   في ديوان المكاتبات  الفاطمي  فتتلمذ  على  يد كبار كتاب هذا   الديوان  أمثال  ابي الفتح  محمود  بن اسماعيل الفهري الذي لقب بذي البلاغتين لامتلاكه  الموهبة البلاغية  في النثر وفي نظمه للشعر وقد  وصف القاضي الفاضل  قصائده بأنها محكمة النسيج  فنال القاضي الفاضل  اعجاب  الموفق بن الخلال كاتب الديوان الفاطمي الذي وصفه  العماد  الكاتب  :
(  له قوة  على الترسل  يكتب  كما  يشاء)
           فتأثر به  القاضي  الفاضل  وأفاد  من علمه  ولازمه إلى  ان طعن في السن.  ومن شعره :

فلي بعد اوطانى سكون إلى الفلا
وبالوحش انسي إذ من الانس وحشتي

وابعدنى عن اربعي بعد اربع
شبابى وعقلي وارتياحي وصحتي

وزهدنى وصل الغوانى إذ بدا
تبلج صبح الشيب في جنح لمتي
 ويقول القاضي الفاضل متحدثا عن نفسه :
 (أرسلني والدي وكان إذ ذاك قاضياً بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ ـ وهو أحد خلفائها ـ وأمرني بالمسير إلى ديوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلاً يقال له ابن الخلال، فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرّفته من أنا وما طلبي رحب وسها ثم قال:
ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات،
- فقلت: ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن وكتاب الحماسة،
-  فقال: في هذا بلاغ، ثم أمرني بملازمته)
  الا ان ان القاضي  ظل يراعي  حق الصحبة والتعليم  لهذا الرجل  طيلة حياته  فكان يجري عليه  كل ما يحتاج   ثم اصبح نائباً عنه في ديوان المكاتبات الفاطمي، ثم اصبح  كاتباً  لديوان الانشاء في مدينة الإسكندرية.
    وكان  من أفضل القرارات التي أصدرها العادل بن رزيك حسب قول عمارة اليمني قراره باعاة القاضي الفاضل الى الاسكندية  و قد  أشاد بهذا القرار في قوله :
(ومن محاسن ايامه وما يؤرخ عنها  تسيير القاضي الفاضل واستخدامه في  الاسكندرية ).    
     وقد برع القاضي الفاضل في منصبه الجديد   وأثبت كفاءة في عمله كاتباً لديوان الجيش ونال استحسان مرؤوسيه، فتولى رئاسة ديوان المكاتبات الفاطمي بعد وفاة شيخه الموفق بن الخلال وتمكن من إقامة علاقات وثيقة مع  كبار  رجال الدولة  في مصر وخاصة  مع  الأيوبيين . ولما سافر  الى  العراق والشام  يقول متشوقا  لنيل مصر:
بالله ، قل  للنـيل  عني   إنـني
                                    لم أشفِ من ماء الفرات غليلاً
وسلِ  الفؤاد،  فإنه  لي  شـاهد
                                          إن كان جفني بالدموع بخيلاً
ياقلبُ،  كم  خلَّفتَ  ثمَّ  بثـينةً!
                                    وأعيذ صبرك  أن  يكون  جميلاً  
        إن مساهمة القاضي الفاضل في تغيير الاوضاع السياسية في مصر كانت من القضايا الخطيرة في حياته السياسية والعلمية لأنها  فتحت  له آفاقاً  جديدة  بل أصبحت  منزلته  عالية  ومكانته رفيعة  وأصبح الرجل الثاني في الدولة الايوبية  في  زمن  صلاح الدين الايوبي  بحيث تمكن منه غاية التمكن   وكان صلاح الدين  قد اعتمد عليه  في ادارة دولته  بحيث  اصبح  لا يصدر أمراً إلاّ عن مشورته  يقول   يمدحه :
الحسنُ جادَ علي الأحبابِ فازدادُوا
لكنَّ أحبابَنا في الحُسنِ ما جادوا   
فيهـنَّ من شبِـه الغِزلانِ أربعـة             
                                                      نفـرٌ وطيـبٌ وأحداقٌ وأجيـادُ   
 يديـُرالملكَ في عثمـان أربعةٌ   
 حزمٌ، وعزمٌ، وأفكارٌ، وأجيادُ
يثني عليـه مـن الأوقاتِ أربعةٌ
يـومٌ، وشهرٌ، وأعوامٌ، وآبادُ
تنـدي بجودِك عامُ المحلِ أربعةٌ
أفقٌ، وأرضٌ، وأنفاسٌ، وأكبادُ    
           وبقي هكذا الى  أن توفي صلاح الدين، فحزن عليه الفاضل ولم يطق الوزارة بعده، وظل زمناً وجيزاً وزيراً لابنه الأفضل ثم استعفى وعاد إلى القاهرة  وعكف على العلم والأدب وان  هذا القول   دليل  يرجح  عقلية  القاضي الفاضل  ونجاحه  في المساهمة  في  قيادة  الدولة  الايوبية.  
وقد كا ن  له  دور مهم  في إثراء الحركة  الثقافية في بلاد الشام ومصر والجزيرة اذ كان واسع الإطلاع غني المعرفة على مستوى رفيع من الثقافة والأدب والتمسك بعروة الدين، وكان مجلسه ملتقى العلماء والفقهاء والخطباء والأدباء والشعراء حافلاً بالبحث والتحقيق  والمناظرات في مختلف انواع العلوم وفيهم يقول :
نسجُوا من الليلِ الشعـورَا        وجلَوا مـن الصبحِ البُـدورا
ولووا من القضبـانِ والكـ         ـثبِ الروادِفَ والخُصـورَا
إن قلت : يحكـونَ النجومَ            صدقـتَ  يحكوهـنَّ  نُـورَا
ومتي سمعت بنجـمِ أفـقٍ            ليـَل   يألـفُ   أن يغــورَا
      وكان شديد الميل إلى تلك النخب العلمية التي كانت تقصده ملتمسة منه العون والمساعدة حتى قيل ان المساعدات المالية بلغت قيمتها في عصر صلاح الدين ثلاثمائة ألف دينار شهرياً خصصت للعلماء على شكل رواتب شهرية وإقطاعات. ويقول في الرزق :
وَهَب  أَنَّ هَذا البابَ لِلرِزقِ قِبلَةٌ
                                            فَها أَنا قَد وَلَّيتُهُ دونَكُم ظَهري
وَدونَكَ مِن هَذي الفَرائِدِ ما جَرى
        عَلى الصَحوِ مِنّي يَجري عَلى الشُكرِ
وَوَاللَهِ ما وُفِّقتَ  في السِترِ  مُسبَلاً
        إِذا كانَ لَم يُسبَل عَلى مَن وَرا السِترِ
إِلَيكَ فَإِنّي قَد غَنَيتُ عَنِ الغِنى 
إِباءً وَإِنّي قَد  تَغانَيتُ   بِالفَقرِ                        
وَقَضَّيتُ أَوقاتي على ما انقضت به
                    وَصارَت وَرائي وَالسَلامُ عَلى الدَهرِ
وَقُلنا الأَماني البيضُ يُدرِكُ بَعضُها
        أَلَيسَ المَنايا السودُ خاتِمَةَ  العَمرِ
        و قام بتشييد مدرسة في القاهرة وأفتتح التدريس فيها سنة 580هـجرية / 1184ميلادية وضم إليها مكتبة زاخرة، قيل أنها حوت ثلاثين ألف مجلد وقيل مائة ألف مجلد .
توفي القاضي الفاضل سنة\ 596هـجرية – 1200 ميلادية  بالقاهرة  ودفن بسفح جبل  المقطم  ب ظاهر القرافة بالقاهرة.   
                                        
    خلَّف تراثاً كبيراً من الأدب  لكن لم يحفظ منه إلاّ القليل المتناثر في  بطون  كتب الأدب  .   واشتهر بنثره  وترسله  وبشعره  لكن شعره  لم  يرق  إلى مستوى نثره، وكان ـ أيضاً ـ ناقداً  في  مجالس  صلاح  الدين  الايوبي  يناقش الشعراء  فيقرضهم، وقد  تطرق كذلك إلى فن المقامة  ولكنه  لم  يوفق .  ومن شعره  يقول :  
نالَتِ  الأَملاكُ  مُلكاً  بِحَظِّها
       فَقَد نِلتُمُ ما نِلتُمُ بِمَساعِ                                              
وَهَذا عِيانُ المَجدِ فيكُم فَما الَّذي
        يَزيدُكُمُ مُدّاحُكُم بِسَماعِ                   
دَفَعتَ الأَذى عَنّا وَمَتَّعتَ بِالمُنى       
وَما كانَتِ الدُنيا لَنا بِمَتاع         
وَوَاللَهِ ما كُلِّفتُ في المَدحِ كُلفَةً
وَهَل هُوَ إِلا الصِدقُ وَهوَ طِباعي                                             
          يمتاز  نتاج  القاضي الفاضل الادبي  بخصائص  تجعله علماً  بارزاً في فن  الكتابة  طاوعته  الألوان البديعية  فبرع فيها  كما برع     في استخدام البديع والسجع والجناس والمقابلة، وحسن تصريف الألفاظ، فجمع بين التلوين الصوتي والتلوين التشخيصي من   خلال الاستعارات   والتشبيهات  التي يرشح  بعضها  بعضاً   و كذلك  تفنن  في اقتباسه  للآيات  القرآنية عن  طريق التضمين أو الإشارة أو التلميح .
 قال عنه ابن حجة  وقد عاصره :
( ولعمري  إن الإنشاء  الذي صدر في  الأيام  الأموية  والأيام العباسية  نسي  وألغي  بإنشاء  الفاضل وما اخترعه من النكت الأدبية والمعاني المخترعة والأنواع البديعة).
  اختم بهذه القصيدة من شعره :
لِعَينَيهِ عَلى العُشّاقِ إِمرَهْ         وَلَيسَ لَهُم إِذا ما جارَ نُصرَهْ
فَأَمّا الهَجرُ مِنهُ فَهوَ إِلفٌ           وأَمّا الوَصلُ مِنهُ فَهوَ نَدرَهْ
إِذا ما سَرَّهُ قَتلي فَأَهلاً              بِما قَد ساءَني إِن كانَ سَرَّهْ
تَلِفتُ بِشَعرِهِ وَسَمِعتُ غَيري     يَقولُ سَلِمتُ مِن تَلَفي بِشَعرَه
لَقَد خَدَعَتكَ أَلحاظٌ مِراضٌ         وَتَمَّمَ  بِالفُتورِ عَلَيكَ  سِحرَه
فَيا حَذِرَ البَصيرَةِ كَيفَ حَتّى      وَقَعتَ كَما رَأَيتُ وُقوعَ غِرَّه
فَإِنَّ الحَربَ تَزرَعُها بِلَفظٍ           وَإِنَّ الحُبّ  َ تَجنيهِ  بِنَظرَه
وَبَعدُ فَإِنَّ قَلبي في يَدَيهِ          فَإِن هُوَ ضاعَ مِنهُ أَذاعَ سِرَّه
وَأَعظَمُ حَسرَةٍ أَنّي بِدائي          أَموتُ وَفي فُؤادي مِنهُ حَسرَه
لَقَد جَمَعَ الإِلَهُ لِناظِرَيهِ            بِنَضرَةِ   خَدِّهِ   ماءً   وَخُضرَه
وَحُمرَتُهُ بِماءِ العَينِ تُذكَى           وَما جَفَّت  بِها لِلشِعر ِ زَهرَه
وَعِندي أَنَّهُ لَبَنٌ وَخَمرٌ                وَقالَ  حَسودُهُ  ماءٌ  وَجَمرَه
وَإِبريقُ المُدامِ بِريقٍ فيهِ          وَلَم أَشرَب فَكَيفَ وَجَدتُ سُكرَه
حَكى الإِبريقَ في عُنُقٍ وَريقٍ        وَقَد حَلّى الحَبابُ الدُرُّ ثَغرَه
يُرَوِّعُ قُرطَهُ مِن بُعدِ مَهوىً          فَإِن يُرعَدْ فَقَد أَبدَيتُ عُذرَه
وَلَولا جودُهُ ما كانَ ظُلماً                 يُغَلِّظُ رِدفَهُ وَيُرِقُّ خَصرَه
وَلَولا بُخلُهُ ما كانَ نَظمي                 لَهُ شَفَتانِ تَستَلِمانِ ثَغرَه
وَأَعجَبُ مِن ذُبولِهِما ظَماءً       وَقَد مَنَعا الوَرى مِن وِردِ خَمرَه
بِحُمرَةِ خَدِّهِ لِلشَعرِ خُضرَه         وَقَد زانَ البَياضَ  سَوادُ  طُرَّه
فَيا شَمساً تَبَدَّت لي عِشاءً                  وَيا قَمَراً  وَلَيسَ  يغيبُ  بُكرَه
قَد اِستَخدَمتَ في الأَفكارِ سِرّي           وَما أَطلَقَت لي بِالوَصلِ أُجرَه
وَقَد ضَمِنَ اِغتِرامي عَنكَ صَبري        وَكَم مِن ضامِنٍ يُبلى بِكَسرَه
وَلَم أَرَهُ عَلى الأَيّامِ إِلا                        عَقَدتُ مَحَبَّةً وَحَلَلتُ صُرَّه
وَلا عاتَبتُهُ    إِلا   ثَناهُ                      عَلَيَّ الغَيظُ وَهوَ عَليَّ شَفرَه
وَلا اِستَمطَرتُ سُحبَ العَينِ إِلا     بَقيتُ بِأَدمُعي في الشَمسِ عُصرَه
بَكَيتُ عَلَيكَ يا مَولايَ حَتّى                    صُرِعتُ وَلَيسَ في عَينَيَّ قَطرَه
وَكَم زَمَنٍ نُواصِلُهُ وَكُنّا                  نَقولُ لِذاكَ كَيفَ قَطَعتَ عِشرَه
صَبَبتُ عَلَيهِ لَمّا زادَ دَمعي               فَأَنكَرَهُ   فَقُلتُ   الماءُ  نَثرَه
وَخَوَّفَني مِنَ الأَوزارِ فيهِ                    وَمَن لِمُحِبِّهِ لَو نالَ وِزرَه
وَحَلَّمَني هَواهُ فَصِرتُ فيهِ                أُسامِحُ كُلَّ مَن لَحِقَتهُ ضَجرَه
بَدا بَدَراً جَلاهُ  لَيلُ   شَعرٍ                 وَقَد أَهدى لَهُ الشَفَقَ المَزَرَّه
وَجُملَةُ ما أُريدُ بِأَن يَراني                 مَكانَ الخَيطِ مِنهُ وَهوَ إِبرَه
وَقُلتُ لَهُ لَقَد أَحرَقتَ جَسمي             وَأَنتَ بهِ فَكَيفَ سَكَنتَ سِرَّه
فَلَو قَبَّلتَني وَقَبِلتَ مِنّي                   فَقالَ أَخافُ بَعدَ الحَجِّ عُمرَه
تَمَيدَنَ خَدُّهُ لِخُيولِ لَثمي                وَصَولَجَ صُدغَهُ وَالخالُ أُكرَه
إِذا عايَنتُهُ وَبَدا رَقيبي                   فَيا لَكَ حُمرَةً نُسِخَت بِصُفرَه
أَراني كُنتُ في وَطَنِ التَصابي            وَأَشعارُ المَشيبِ دَليلُ سَفرَه
وَما أَخصَبتَ يا نَورَ الأَقاحي              وَإِن  أَجدَبتَني  إلا لِمَطرَه
وَيَنهَرُني نَهارُ الشَيبِ زَجراً              وَلَيلُ شَبيبَتي قَد كانَ سُترَه
وَإِن رابَتكَ أَقوالي فَإِنّي                     حَمَلتُ وَقارَهُ وَحَمَلتُ وِقرَه
وَلَيسَ يُجَوِّزُ الأَيّامَ إِلّا ال                 تَخَيُّرُ    وَالتَخيُّلُ    لِلمَسَرَّه
وَخِلٌّ لا يُخِلُّ بِشَرطِ وُدٍّ                     وَلا يُبدي لَعَينِكَ وَجهَ عِذرَه
وَبَعضُ الحِلمِ في الأَوقاتِ جَهلٌ                  وَيُعجِبُني الحَليمُ وَلَو بِمَرَّه
وَكَم قَد سَرَّ في سَمعي مَلامٌ               أَخَذتُ لُبابَهُ وَتَرَكتُ قِشرَه
وَما في الأَرضِ أَشعُرُ مِن أَديبٍ          يَقولُ الشِعرَ في البُخَلاءِ سُخرَه
يَروقُنيَ الكَريمُ وَلَو بِفلسٍ                وَلا أَهوى البَخيلَ   وَلَو بِبَدرَه
وَشِعرٍ ما حَسِبتُ أَخَفَّ روحاً                  وَأَثقَبَ زُهرَةً وَأَغَضَّ زَهرَه
جَلاهُ عَلَيَّ في أَثوابِ لَيلي                   فَأَبصَرَ مِنهُ لَيلُ الهَمِّ فَجرَه
وَفَجَّرَتِ البَلاغَةُ مِنهُ بَحراً            أَرَدتُ عُبورَهُ فَخَشيتُ عَبرَه
إِذا غَرِقَ اِمرُؤُ في سيفِ بَحرٍ      فَلا تَذكُر عَلى شَفَتَيكَ قَعرَه
أَلَذُّ مِنَ الرِضا مِن بَعدِ سُخطٍ      وَأَعذَبُ مِن وِصالٍ بَعدَ هَجرَه
قَليلُ اللَفظِ لَكِن في المَعاني       إِذا حَصَّلتَها   بِالنَقد   ِ كَثرَه
وَيُؤنِسُ ثُمَّ يُؤيِسُ مِثلَ بَحرٍ      تَراهُ فَيَستَهينُ الغَمرُ غَمرَه
وَفي شِعرِ الوَرى غُرٌّ وَدُهمٌ       وَهَذا   كُلُّ  بَيتٍ  مِنهُ غُرَّه
قَوافٍ شارِداتٌ طالِعاتٌ             لِإِمرَةِ قادِرٍ لَم تَعصِ أَمرَه
وَجِئتَ بِها عَلى قَدرٍ فَجاءَت      تُرينا مِنكَ في التَقديرِ قُدرَه
وَلَيسَ كَمَن يُغيرُ عَلى المَعاني   فَإِن ظَهَرَ اِدَّعى بِالنَقدِ غِرَّه
رَقيقُ الطَبعِ مُرهَفُهُ فَأَمّا           خَواطِرُهُ فَمِثلُ السَيفِ خَطرَه
جَزاكَ اللَهُ خَيراً عَن صَديقٍ      بِتَخفيفِ الأَسى أَثقَلتَ ظَهرَه
عَرائِسُ يَجتَليها وَجهُ نَقدي      فَتَنقُدُ مِن صَفاءِ الوُدِّ مَهرَه
لَئِن سَهُلَت لَقَد صَعُبَت وَأَضحَت كَرَوضٍ دونَهُ الطُرُقاتُ وَعرَه
فَلا تَعتَدَّ كُلَّ النَظمِ شِعراً           فَتَحسَبَ كُلَّ سَودا مِنهُ تَمرَه
تَعِلَّةُ حاضِرٍ وَنَشيدُ سَفرٍ          وَمَرشَفُ ناهِلٍ وَأَنيسُ قَفرَه
تُخَفِّضُ فَترَةَ الأَفكارِ عَنّي         وَكَم  دَبَّت لَها  بِالسُكرِ فَترَه
فَخُذها بِنتَ لَيلَتِها اِرتِجالاً         وَلَكِن أَصبَحَت شَمطاءَ سُحرَه
لَئِن طالَت لَقَد طابَت وَراقَت      عَلى نَظَرِ الخواطِرِ حُسنَ نَظرَه
وَسارَت أَو غَدَت لِلنَجمِ نَجماً          فَطَيَّرَها  وَأَوقَعَ  ثَمَّ  نَسرَه
تُعَرِّفُني إِلَيهِ وَلا أَراهُ                 وَتَعقِدُ لي مِنَ الفُضَلاءِ أُسرَه
عَقائِلُ سَنَّ شَرعُ الشِعرِ أَنّي      أبٌ مَن شاءَ كُنتُ بِهِنَّ صِهرَه
مَلَكتُ قِيادَها بِيَمينِ فِكري         وَقَد عُتِقَت لِوَجهِ  المَجدِ  حُرَّه
أَطالَ اللَهُ عُمرَكَ في سُعودٍ         تَجُرُّ  ذُيولَها  فَوقَ  المَجَرَّه



*********************************










      
                     ابن الفارض
         
      هو أبو حفص شرف الدين ابن الفارض  عمر بن علي  بن  مرشد الحموي، أحد أشهر الشعراء المتصوفين وكانت أشعاره اغلبها في العشق الإلهي  ويطلق عليه ( سلطان العاشقين) . 
والده من (حماة )في سوريا ثم هاجر  إلى مصر.
      ولد بمصر سنة\ 576 هـجرية الموافق \1181ميلادية ولما شب اشتغل بفقه الشافعية  وأخذ  الحديث  عن  ابن عساكر. ثم سلك طريق الصوفية ومال إلى التزهد. وقد نظم في عزلته  معظم أشعاره
 في الحب الإلهي  ومنها هذه الابيات :

في وصله، عام لدي كل  حظة   
                                             وساعة   هجران  علي  كعام
أمنية ظفرت روحي بها زمنا
                                            واليوم أحسبها أضغاث أحلام
أما على نظرة منه أسر بها
                                         فإن أقصى مرامي رؤية الرامي
إن أسعد الله روحي في محبته
                                            وجسمها  بين أرواح وأجسام
 
        لقب بسلطان العاشقين  لتصوفه  ووعزلته  مدة  طويلة  و في شعره فلسفة تتصل بما  وحدة الوجود.
 
اخذ  الحديث عن ابن عساكر  وأخذ عنه الحافظ المنذري وغيره  
        
 إلا أنه  ما لبث أن زهد  بكل  ذلك  وتجرد، وسلك   طريق  التصوف وجعل  يأوي إلى المساجد  المهجورة  وأطراف جبل المقطم .
       ثم هاجر إلى مكة المكرمة  بقصد العبادة  في غير  ايام  الحج        و هناك أثر العزلة في وادٍ  بعيد عن مكة المكرمة .
      عاد إلى مصر بعد خمسة عشر عاما  من سفره قضاها في مكة المكرمة للعزلة والتعبد  وقصده الناس بالزيارة حتى قيل  أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته  وكان حسن الصحبة والعشرة رقيق الطبع فصيح العبارة  يعشق مطلق الجمال.  

        جمع في  شعره  بين  صنعة  عشاق الجناس والطباق وبين معاني القوم الرقاق ورموزهم الدقاق ومن العجب اجتماع الحالين وشتان ما بين الطريقين.

  ونسبوا اليه هذه  الاشعار  و اظنها   نسبت اليه خطـأ:

بآل محمد عرف الصواب
                                            وفي ابياتهم نزل الكتاب

وهم حجج الاء له على البرايا
                                             بهم وبجدهم لا يستراب

ولا سيما ابوحسن علي
                                           له في الحرب مرتبة تهاب

طعام سيوفه مهج الاعادى
                                          وفيض دم الرقاب لها شراب

وضربته   كبيعته   بخم
                                             معاقدها من القوم الرقاب

اذا نادت صوارمه نفوسا
                                            فليس لها سوى نعم الجواب

وبين سنانه والدرع صلح
                                         وبين البيض والبيض اصطحاب

علي الدر والذهب المصفى
                                                  وباقى الناس كلهم تراب

هو البكاء في المحراب ليلا
                                              هو الضحاك ما اشتد الضراب

هو النبأ العظيم وفلك نوح
                                                 وباب الله وانقطع الخطاب

        و ومن صفاته   انه  كان اذا مشى في المدينة ازدحم الناس عليه يلتمسون  منه  البركة  والدعاء، وكان وقورا  إذا حضر مجلسا استولى السكون عليه اهله جاور بمكة زمنا وكان يسبح في اودية مكة وجبالها واستأنس  بالوحوش  ليلا  ونهارا، واشار إلى هذا  في  قصيدته  التائية المعروفة التي يقول فيها:

فلي بعد اوطانى سكون إلى الفلا
                                            وبالوحش انسي إذ من الانس وحشتي

وابعدنى عن اربعي بعد اربع
                                                شبابى وعقلي وارتياحي وصحتي

وزهدنى وصل الغوانى إذ بدا
                                                 تبلج صبح الشيب في جنح لمتي

  يقول متغزلا متصوفا :

هو الحب فاسلم بالحشا مالهوى سهلُ
                                      فما اختاره مضنـى به،ولـه عقـلُ

وعش خالياً ، فالحب راحتـه عنـا
ً                                            وأولـهُ سـقـمً واخــرهُ قـتـلُ

ولكن الدي المـوت فيـه، صبابـةً
                                    حياةٌ لمن أهوى، علي بها الفضـلُ

نصحتك علماً بالهوى ،والـذي أرى
                                      مخالفتي ،فاختر لنفسِكَ مـا يخلـو

فإن شئتَ ان تحيا سعيداً، فمت بـه
                                         شهيـداً ،وإلا فالغـرامُ لـه أهـلُ

فمن لم يمت في حبهُ لم يعـش بـه
                                  ودون اجنتاءِ النحلِ ما جنتِ النحـلُ

وقل لقتيـل الحـبَ، وفيـتَ حقـهُ
                                 وللمدعي : هيهات ما الكحلُ الكحلُ

تبـاً لقومـي ،إذ رأونـي متيـمـاً
                                 وقالوا: بمن هذا الفتي مسهُ الخبـلُ

ارى حبها مجرى دمي في مفاصلي
                                 فاصبح لي،عن كل شغلِ،بها شغـلُ


            توفي سنة \ 632 هـ - 1235م في مصر ودفن بجوار جبل المقطم في مسجده المشهور.

وقد قرضه سبطه بعد موته  فقال فيه
 
جز القرافة  تحت  ذيل  العارض
وقل السلام عليك يا بن الفارض

سلكت في نظم السلوك عجائبا
وكشفت عن سر مصمون فامض

وشربت من نهر المحبة والولا
فرويت من بحر محيط فائض
  ومن شعره  في التصوف هذه الابيات :

قـلـبي يُـحدثُني بأنك مُـتلفي          
                                    روحـي فِداك ، عرَفت أم لم تعرفِ

لم أقضِ حق هواكَ إن كنتَ الذي     
                                  لـم أقـض فيه أسى ومثلي مَن يفي

مـا لي سوى روحي وباذلُ نفسه
                                    فـي حب من يهواه ليس بمسرفِ

فـلئن رضـيتَ بها فقد أسعفتني
                                     يـا خيبة المسعى   إذا  لم تسعفِ !

يـامانعي طـيب المنام ومانحي
                                      ثـوب الـسقام بـه ووَجدي المتلفِ

عـطفا على رمَقي وما أبقيتَ لي            
                                     من جسمي المضنى وقـلبي المُدنفِِ

فـالوجد بـاقٍ والوصال مماطلي
                                         والـصبر فانٍ والـلقاء مسوِّفي

لم أخلُ من حسدٍ عليكَ فلا تُضِع             
                                          سهَري بتشنيع الخيالِ المُرجِفِ

واسأل نجوم الليل هل زار الكرى    
                                      جَـفني وكيف يزور من لم يعرفِ

لا غـرو إن شحّت بغمضٍ جفونها    
                                         عـيني وسـحّت بالدموع الذرّفِ

وبما جرى في موقف التوديع من    
                                         ألـم النوى شاهدتُ هول الموقفِ

إن لم يكن وصـلٌ لديكَ فعِد به 
                                         أملي وماطل إن وعدتَ ولا تفي

فـالمطلُ منك لديَّ إن عزَّ الوفا 
                                         يـخلو كـوصلٍ من حبيبٍ مسعفِ

 هو الحب فاسلم بالحشا مالهوى سهلُ
                                        فما اختاره مضنـى به،ولـه عقـلُ

وعش خالياً ، فالحب راحتـه عنـا
ً                                            وأولـهُ  سـقـمً  واخــرهُ قـتـلُ

ولكن الدي المـوت فيـه، صبابـةً
                                    حياةٌ لمن أهوى، علي بها الفضـلُ

نصحتك علماً بالهوى ،والـذي أرى
                                      مخالفتي ،فاختر لنفسِكَ مـا يخلـو

فإن شئتَ ان تحيا سعيداً، فمت بـه
                                         شهيـداً ،وإلا فالغـرامُ لـه أهـلُ

فمن لم يمت في حبهُ لم يعـش بـه
                                  ودون اجنتاءِ النحلِ ما جنتِ النحـلُ

وقل لقتيـل الحـبَ، وفيـتَ حقـهُ
                                 وللمدعي : هيهات ما الكحلُ الكحلُ

تبـاً لقومـي ،إذ رأونـي متيـمـاً
                                 وقالوا: بمن هذا الفتي مسهُ الخبـلُ

ارى حبها مجرى دمي في مفاصلي
                                 فاصبح لي،عن كل شغلِ،بها شغـلُ



****************************        

         يتبع 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق