الأربعاء، 1 أبريل، 2015

موسوعة ( شعراء العربية ) المجلد الخامس (شعراء العصرالعباسي الثاني ) الجزء الثاني تاليف د فغالح نصيف الحجية الكيلاني - القسم الرابع








الشيخ عبد القادر الكيلاني




      هو ابو محمد محي الدين عبد القادر  بن ابى صالح موسى بن عبد الله الجيلي  بن يحيى الزاهد بن محمد  بن داود  الامير  بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض  بن الحسن المثنى بن الحسن السبط  بن علي بن ابي طالب .رضوان الله عليهم  جميعا .

        اما امه  فهي امة الخير  فاطمة بنت  عبدالله الصومعي الزاهد العابد المعروف  بن محمد بن محمود بن  عبد الله بن عيسى بن  محمد الجواد بن علي الرضا بن الامام موسى الكاظم بن الامام جعفر الصادق بن الامام محمد الباقر  بن الامام  علي زين العابدين  بن الامام  الحسين  السبط  بن  امير المؤمنين علي بن  ابي    طالب  رضوان الله عليهم اجمعين.

ولد الشيخ عبد القادرالجيلاني  سنة  \ 470هجرية - 1077 ميلادية  في منطقة جيلان   وجيلان  عدة مناطق  منها جيلان  غرب  من اعمال  بلاد ايران الحالية  وجيلان  ضاحية  او عدة  ضواح متجاورة تقع غرب بلاد ايران من جهة العراق   وقيل  انها  قرية  في  ضواحي  بغداد -  العراق  بالقرب من  المدائن  من اسر ة  عربية  علوية  اصيلة . فهو عربي  دمه  و نسبته  ينتهي  نسبه   بالد وحة  المحمدية   المطهرة 
المبا ركة الشريفة ابا واما    .
    
  دخل الشيخ عبد القادر الكيلاني    بغداد سنة \  488هجرية- 1095 ميلادية وعمره ثماني عشرة سنة  والتقى  بمجموعة  من مشاهير  العلماء  الذين نهل  من مناهلهم العلمية   واستقى  من بحور معارفهم   
وفكانوا  شيوخا  واساتيذ  له  وكا ن قد درس القران الكريم  قبل دخوله بغداد  في جيلان  حتى اتقنه  .

      درس الفقه والتفسير  على يد  شيخ  الحنابلة  ببغداد  ابي  سعيد المبارك المخرمي  المتوفي سنة 513 هجرية\1119ميلادية  وابي الوفاء علي  بن عقيل  بن عبد الله البغدادي وابي الخطاب  محفوظ بن احمد بن الحسن بن احمد الكلواذي  الكتوفي 510 هجرية  1116 ميلادبة. ودرس التصوف ا  وتلقاه  من الشيخ  حماد  بن مسلم الدباس  المتوفي \ 525 هجرية 1130 ميلادية  ودرس الحديث  الشريف  على يد المحدث الامام  ابي  محمد  جعفر بن احمد السراج  البغدادي  المتوفي  سنة \500 هجرية  1106 ميلادية وابي القاسم  علي  بن  احمد بن محمد  بن بيان  البغدادي المتوفي سنة  \ 510 هجرية 1116 ميلادية  وابي  عبد الله  يحيى  بن الامام الحسن بن احمد  ابناء البغدادي  المتوفي سنة  531 هجرية 1136  ميلادية

       واضيف ان للمكانة  العالية  والمنزلة الرفيعة التي كانت للتصوف في زمانه  اثر الجهود  التي  بذلها  الامام  الغزالي  الذي اشتهر  امره وذاع  صيته في  بداية  نشأ ة الشيخ  الجيلاني  ولا استبعد ان يكون  قد تتلمذ عليه  فمن المعروف  ان الامام  الغزالي  توفي \ 505هجرية  بينما كان  وصول  الشيخ الجيلاني  الى بغداد  كما  اسلفنا   سنة\ 488 هجرية  بمعنى انه  عاش  معه  في  بغداد  سبعة  عشر عاما   فمن المستحيل  الا يكون  قد  سمع  به  او جا لسه  ثم  راى  تلك المنزلة  العالية  التي  كان عليها  الغزالي  في بغداد  ويزيد هذا الاحتمال  ترجيحا ا لتشابه الكبير  بين  اسلوب  الشيخ الغزالي  والشيخ  الجيلاني  في كتابيهما ( احياء علوم الدين ) و(الغنية الى طريق الحق ).

           لقد بدء الشيخ عبد القادر حياته العلمية  بعد استكمال دراسته  واعظا  ومدرسا  في  مدرسته  والتزم  جانب الوعظ  والارشاد الديني والروحي  ولعل ابرز  مظاهر  مكانته العلمية  مؤلفاته  ومجالس وعظه  التي جمعت  بعده  فكانت  كتبا  قيمة  يتداولها الناس  جيلا  بعد  جيل وطريقته  الصوفية  واهدافها  الدينية  والتي انتشرت  في عموم  العالم الاسلامي  وكانت سببا  لنشر الاسلام  في مناطق عديدة من العا لم ومن خلال  جلوس الشيخ  الجيلاني  قدس سره  للتدريس والوعظ  كثر طلاب العلم والمعرفة ممن يحضرون مجالسه  فكانوا  اصحابا  له  او تلاميذ  وقد اورد المؤرخون  ممن  كتب عن سيرة سيدنا الشيخ  عبد القادر الجيلاني.
     لقد انتهج الشيخ قدس سره  في ايضاح  الحقيقة  المحمدية  والعقيدة الاسلامية  طريق السلف الصالح  مما  ثبت  في كتاب الله وسنة رسوله الكريم  محمد  صلى الله عله  وسلم ورفض كل ما خالف الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا  بعيدا عن التعقيد والغموض وشرع من خلال ذلك لطلابه  ومريديه  طريقته  الشهيرة   ( الطريقة  القادرية) . فثقافته  ومكانته العلمية تنحصر  فيما اكتسبه  من اساتيذه  وشيوخه اولا  ومجا لس وعظه وتدريسه وكتبه  مؤلفاته  ثانيا  وطريقته الصوفية ثالثا  وما اخذه عنه تلاميذه ومريدوه واصحابه وهو الكثير رابعا  وكان حصيلة  كل  ذلك  هذه المكاتة العلمية العاليهالرفيعة التي  وصل اليها .

           توفي الشيخ عبد القادر الجيلاني  في بغداد في عهد الخليفة العباسي المستنجد بالله وذلك يوم السبت التاسع من شهر ربيع الاخرة  سنة \ 561 هجرية –  1066 ميلادية  ودفن في مدرسته بباب الازج ببغداد  ولا يزال  ضريحه  ظاهر ا ومزارا لجميع المسلمين  .

           يعد  الشعر الصوفي امتداد لشعر الزهد فقد انحدرا  من مصب واحد وافترقا قريبا  من بعضهما  ثم يلتقيان  في مصب واحد ايضا وكانت   الاواصر  بين الدين والشعر  تتمركز في اعتماد كل منهما على الروح  والالهام  والحدس  والتلقي.

    وشعر الشيخ الجيلاني قدس سره نبع  من هذه الروحية  فهو مزيج  من هواجس الشوق والحب والوله والعشق لذا ظهر فيه  اختيار  ه  للالفاظ الغزلية  وكلمات الحب الصادق  تعبيرا  عن مكنون  قلبه وافكاره  وما بدا خلهما من حب وشوق للذات اللالهية وشتان بين الرهبة والخوف  وبين الحب والشوق.

والاسلوب الشعري للقصيدة  الجيلانية امتاز  باختيار  اللفظة المناسبة والتعبير الخالص  بحيث اعتمد  في بعض الاحيان  ا سلوب الر مزية في                        الشعر او التلويح كما في قصائده الخمرية – الذي  يوميء او يشير الى ما يخالجه  ويجول  بخاطره  من العبارات دون  الاكتراث بما حوله  وكذلك ظهرت العناية بجودة الصياغة  وحسن الاختيار لهذه اللفظة اوتلك  التي جاءت سهلة عذبة  كالماء الجاري وتلونت  بالوان وهج القصيدة او تنهمر العواطف  غزارا  فتتحول الى نبع  متدفق  جارف وبحر زاخر متلاطم  يغلب  عنفوانها على القلب  والنفس والروح  فتصعد  مستلهمة الشوق الى حد الفناء في المحبوب  وقد وردت القصيدة الجيلانية  طويلة  طويلة  نافت في بعضها على\400 بيت  وقصرت في بعضها  الى البيت الواحد.
    ان  الفنون الشعرية  لهذه القصائد وهي اللمحة او الحالة التي  يسجلها الشاعر وما يتمثل  به من احساس او ادراك  وما تسمو اليه الشاعرية الفذة  ويروم  تسجيله  من خلال  الصورة  الشعرية التي
 هي قوة خيال الشاعر فقد جاءت  واضحة جلية  في قصائده ومقطوعاته  تشمخ من خلال  دراسة هذه القصائد وتحليلها  ولو تتبعنا  الفنون الشعرية لشعر الجيلاني قدس سره  لوجدنا فيها  الفخر البعيد عن المباهاة والتفاخر والتعظيم البشري  انما  ينبع من عقيدته ومنزلته الدينية الصوفية معبرة عن الحب الالهي  منبعثة من الوله الصوفي الصادق الذي التزمه  الصوفيون ايمانا   بقدسية   الله تعالى  وتعلق  الروح  الصوفية  بالحضرة  الالهية وعشقها  للقرب و الوصال  والانس والمشاهدة وقد تصل  الى حد ا لفناء او السكر . فيكثر الشاعر  من ذكر الخمرة والكا س والشراب  وليست  السكر الصوفي شرابا  او خمرا  يدير الراس   او يثقل الحواس  فيضرب غشاوة  على القلب   والعقل   بل هو احساس  نفسي   يوقظ   عواطف النفس وينعش الوجدان ويفتح عين البصيرة فتنفتح امام القلب افاقا للروح  في هذه العوالم الجذابة الشائقة  بحيث تستولي  تجليات الحبيب على قلب الصوفي  فلا يشاهد سوى الله  تعالى  ويحل  الوجد الشهودي محل الوجد الوجودي  نتيجة  التفاعل الشعورى المنبعث  من القلب  لجلال وجمال  من يحب  منزها  عن  الجمال المادي  فتظهر حالات  النشوة  وهي  دالة السكر  المشابه  الى حد  بعيد  حالات السكرالخمري  حيث ان الحب  في نظرالصوفي   شرفه ان تلحقه سكرات المحبة   
      لذا جاءت  القصيدة  الجيلانية  ذات  تعبير  مبدع  حاذق  واية فنية  خالصة  خالدة  تمثل حالة السكر الالهي و ربما تصل الى حد الشطح في بعض الاحيا ن – والشطح  حالة  فيض  وجد  فاض لقوته  وهاج لشدة غليانه  وغلبته- لذا  فاضت اشعاره  بالمحبة الخالصة والعاطفة الصادقة في  سمو من الاخلاق  منبعثة  ومتمثلة في الحديث القدسي ( المتحابون في جلالي  لهم منابر من نور  يغبطهم النبيون والشهداء) .

 لاحظ  كتابي (  شرح  ديوان  الشيخ  عبد القادر الجيلاني  وشيء  في تصوفه ج1 صفحة   83 وما بعدها  )

       اللغة الشعرية التي استعملها الشعراء الصوفيون قد اشتملت على الغزل العذرى وما فيه من الفاظ في الحب والشوق والوجد والفناء في داخل المحبوب وقد اضافوا اليهااحدى طرق التعبير الصوفي ماثلة في التلويح او الرمز الشعرى الذى يومىء او يستشير به لها ومن خلال هذا الطريق استطاع الشاعر الصوفي التعبير عما يخالجه ويجول بخاطره من عبارات دون الاكتراث بما حوله وقد اكد الشيخ الكيلاني هذه الحقيقة في شعره متخذا من الرمز او الاشارة مسلكا كقوله \

اسراري قراءة مبهمات
مسترة بارواح المعاني

فمن فهم الاشارة فليصنها
والا سوف يقتل بالسنان

كحلاج المحبة اذ تبوت له
                             شمس الحقيقة بالتدا ني

وقال انا هو الحق الذى
لا يغير ذاته مر الزما ن

      ومن العناية الشعرية جودة الصياغة وحسن اختيار الالفاظ حيث كان دقيقا في اختيار الفاظ شعره في ظل الرمز يقول من الوافر\

سقاني الحب كاسات الوصال          فقلت لخمرتي نحوي تعالي

اوفي قصيدته التي مطلعها من الطويل:

مافي الصبابة منهل مستعذب
                                     الا ولي فيه الالذ الاطيب

           فقد استعمل الالفاظ السهلة وانتقاء الكلمات الحلوة التي تبين
ما يتمتع به الشاعر من قوة والهام في الاختيار والتعبير والشاعرية الفذة بالفاظ  سهلة مــألوفة  البسها  ثوبا  جديدا  قشيبا  يتلون بالوان  وهج القصيدة  واحاسيسها  وأ وقعها  بين الرقة والعذوبة والخطابية  الكلمات الحلوة  التي  تبين  ما يتمتع  به  فقد استعمل  الالفاظ  السهلة  وانتقاء الخطابية لذا جاء شعره رقيق الحواشى جميلها رمزيا في بعض منها يقول:-

لاخمرة الا خمورى في الهوى
                                         ولا غرام الا من تصاعد زفرتي

     ومن خلال دراسة هذه القصائد ونستطيع ان نلمس ذلك في الفنون الشعرية التي طرقها وانشد فيها فكانت فنونا شعرية واغراضا مقصودة كان منها ما يلي
:
1-  الفخر الصوفي

            اتجه شعر الجيلاني قدس سره وجهة متميزة قد اختلفت عن مسالك الفخر المعروف فلم نجد فيه مديحا للملوك والامراء والاشخاص ولم يقصد فيه الى التباهي والتفاخر والتعظيم بما يملك او بما كان له من ماثر الاجــــــــداد والامجاد انما نجده ينبع من عقيدته ومنزلته الدينية وما يفرضه عليه الحدود الدينية التي وصل اليها في العبادة وفي حب
الله تعالى فيقول من الطويل :

مافي الصبابة منهل مستعـــــــــــذب
                                    الا ولي فيه الالذ الاطيــــــــب

اوفي الوصال مكانة مخصوصــــــة
                                   الا اومنزلتي اعز واقـــــــرب

وهبت لي الايام ر ونق صفوهـــــــا
                                    فغلا مناهلها وطاب المشرب

اضحت جيوش الحب تحت مشيئتي
                                  طوعا ومهما رمته لايغـــــرب

        ومن الصور الفنية  الجميلة في  شعره اعتماده اسلوب  التشبيه بحيث يشبه المحسوسات ببعضها بحيث يشبه محسوسا باخر محسوس مثله او معنوي ينبثق من محسوس مثله قال:-

اضحى الزمان كحلة مرقومة
                             تزهو ونحن لها الطراز المذهب

    وله في هذا الباب اشعارا يفتخر بنسبه الشريف كونه سليل الدوحة المحمدية  يقول

محمد الرسول للخلق رحمة
                             وجاهد  في  كفارهم  بالقواضب

اتاني مرارا قبل عهدي وقال لي
                           انا جدك افخر  بي  كفخرالمخاطب

امامي رسول الله جدي وقدوتي
                            وعهدي من  بحقه وهي مطالبي

2- الخمرة الالهية

      السكر والصحو من اظهر الاحوال الصوفية واخصها وقد اختلف المشايخ ايها افضل واليـــــق بالصوفي لذا فاضت الاقوال المأ ثورة بالتعبير عن الفناء والغيبة والسكرو ما الى ذلك مما يشير الى ان الصوفي كان فــــــــي اغلب احواله ماخوذا مشغولا عن نفسه وعن كل ماسوى الله بالله وحده السكر الصوفي هو تلك النشوة العارمة التـــــي تفيض بها نفس الصوفي وقد امتلاءت بحب الله تعالى حتى غدت قريبة كل القرب فالسكر الصوفي ليس شرابا او خمرا يدير الراس او يثقل الحواس فيضرب غشا وة علي القلب بل هواحساس يوقظ النفس وينعش الوجدان ويجلوعين البصيرة في نظرالصوفية- فتفتح امام القلب افاقا للروح في هــــــــــذه العوالم الجذابة الشائقة بحيث تستولي تجليات الحبيب على قلب الصوفي فلا يشهد ولا يشاهد سوى الحق سبحاه وتعالــــى لان حضور الحبيب في القلب هو محور لشعوره بذاته وبما حوله وقد يصل الى درجة صفو الوجد وبهذا يحل والوجود الشهــودي وحل الوجود الوجودي ونتيجة لذلك وهذه الدرجة من الحب الالهي وما يشعر به ا لصوفي العارف تجاه خالقه ومايحـــس به من شعور ازاء جمال من يحب المنزه عن الجمال الدنيوى ظهرت حالات النشوة والتي هي حالات السكر المشابه فـــــي اثاره الى حد بعيد حالات السكر الخمري وهذه الحالة علامة الصدق في الحب في ذلك يقول الشيخ عمر السهروردي (  المحــــــب شرفه ان تلحقه سكرات المحبة فاءن لم يكن ذلك لم يكن حبه حقيقة)- ومن هنا نجد شعر الجيلاني قدس سره قد ملــــــــــــــــــــــىء بالخمريات الالهية حيث انها مزجت بدم الشيخ فتنبعث من روحه وقلبه وعواطفه لاحظ اليه يقول :

حد يثها من قديم العهد في اذنـي
                                 فخلني من حديث الحادث الفانــــي

قديمة مزجت روحي بها ودمـــي
                              وهي الاتي لم تزل روحي وريحانـــي

انا النديم الذي تم السرور بـــــــه
                                 من كان يعشق رب الجا ن يهواني

وتعشق الراح مني حين اشربهـــا
                                 ويسكر السكر مني حين يغشانــــي

      وفيها  يتشوق الشيخ  قدس سره الى الذا ت العلية  وحبيبه الذى
 يراه في كؤوس الخمر الا لهية يقول:-

سقاني حبيبي من شراب ذوي المجد
                                     فاسكرني حقا فغبت علىوجدي

    وحالة السكر هذه لاتكون الا لاصحاب المواجيد فهي حالة متا تية من النظرالى الحق وفيه بعين القلب مستأنسا بالمشاهـــــدة والحب والجمال الالهي في ظل النشوة العظيمة  التي  يشعر بها  وقد  تسمى هذه الحالة الشطح وهي حالة فيض وجد فـــاض بقوته وهاج لشدته وغليانه وغلبته والشطح عند الصوفيه من الحركة انها حركة اسرار الواجدين –انظر اليه يقول \–من البسيط-

لي همة بعضها يعلو على الهمــــــم
                                          ولي هوى قبل خلق اللوح والقلم

ولي حبيب بلا كيف ولا مثـــــــــــل
                                            ولي  مقام  ولي ربع ولي حرم

القادرية فرسان معربـــــــــــــــــدة
                                            بين الانام وسري شاع في القدم

عصف البحار وقد اظهرت جوهرها
                                            فلم ار قدما تعلو على قدمـــــــي

      فهي جراء هيمانه ووجده يتصور ان همته تعلو على جميع الهمم الاخرى ووجده قبل خلق اللوح والقلم وان الله تعالى منزه عن الكيفية والمثلية – ((ليس كمثله شىء وهوالسميع البصير )- سورة الشورى الاية \11 ويشير الى ان مقامه محفوظ ومحارمه مصانة ويشبه من تبعه من السالكين طريقته وسلوكه كالفرسان الذين لهم من الباءس والقوة فاذاع شهرته وعلت منزلته بين العالمين ومع كل هذا وذاك وفي حالتي الصحو اوالسكر نجد نكران الذات لدى الصوفي تنبع من هجره ملذات الحياه والانشغال بذكرالله مما يشــــع من روحه الصفاء من الكدر والانانية ويجعلها تفيض بالمحبة الخالصة الصافية في سمو من الاخلاق امتثالا للحديث القدســـــــي( المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء  )
3-الحب الالهي   
        ويعتبر الحب الالهي حجر الزاوية في الروءية الصوفية وهو الذى اخرج الكون من العدم والارادة فمحبة الحق تعالى للعبد ارادته لانعام مخصوص عليه وهي حالة تلاحظ في قلبه بلطف من العبارة وقد تحمله هذه الحالة على التعظيم له وايثار رضاه تعالى وقلة الصبر عنه وللاهتياج اليه وعدم القرار من دونه مع وجود الا ستيناس بدوام ذكره له بقلبه لقد وردت كلمة الحب في القران الكريم في عدة مواضع مما يدل على انه عاطفة صافية من الله تعالى نحو عبده غرسها فيه واخرى صاعدة من العبد نحو ربه حالة متبادلة بين العبد وربه فالمحبة منه اليه اودع بذورها قلوب محبيه وان الروح فيض منه تعالى وهبة منه اليهم فالحب تعبير عن وفاء الروح لخالقها وليس جميع الارواح قادرة على الوفاء بالحب عن منة الله اليها لذا اصبح اهل المحبة مخصوصين بهذه النعمة اصطفاهم ربهم عن سائر خلقه وقد تصل درجة المحبة فيهم الى حد الوجد فتكون مكاشفات من الحق تعالى تثير الزفير والشهيق والبكاء والانين والصعقة والصيحة والصراخ  وزظهر تاثر الشعراء الصوفيين  بشعرا ء الحب العذري وتمثلوا بالفاظهم ومواجيدهم وتغنوا بالذات الالهية وقد تبين بجلاء تام في شعر الشيخ الجيلاني لاحظ قوله :

فؤا د به شمس المحبه طالع
                                  وليس لنجم العذل فيه مواقع

      ومن علائم الحب الالهي الانس وهو اقرار المشاهدة لجمال الحضرة الالهية في القلب وهذا جما ل الجلال وفيه ينجلي الشيخ قدس سره وكانه في حضرة التقريب مستاءنسا بوجوده مع الحق تعالى وقد تحققت عبوديته له ووصل الى المقام الاعلى وهنا ليس للصبر مع العبد اختيار ولا ارادة بل يصل الى درجة الفناء فيه وقد اتخذ الفناء في شعر الجيلا ني قدس سره مايفصح عن كيفية هذا وتمكينه في هذا الحب منه من افناء ذاته واتحادهما في موضوعاتهما بتشويق ازلي في توكيد الذات واثباتها يقول من الطويل :

تمكن مني الحب فامتحق الحشـــــــــــا
                                    واتلفني الوجد الشديد المنـــازع

وقد فتكت روحي تقارعه الهـــــــــوى
                                    وافنيت في نجو ى بما انا فازع

تلذ لي الايام اذ انت مسقمــــــــــــــــي
                                    وان تمتحني فهي عندي صنايع

     فذكر الله تعالى والدوام عليه  في ثنايا هذا الحب العظيم  وتوكيد الاتصال الالهي الذي  يشعر به اتجاه  من يحب  ليشير الى المنزلة العظيمة التي تحاول التقرب منها دائما ومن هنا يتبين ان الحب الالهي سر ان افصح عنه عوقب صاحبه بالموت واتهم بالكفر والعصيان وعلى هذا فان الحب الالهي عند الجيلاني   قد اخذ منحى من قبله من شعر اء الصوفية في التكتم والسر وعدم البوح وتحمل مايجده من صبابة ولوعة وشوق ووجد يقول:

 فقري اليكم عن الاكوان اغناني
                                 وذكركم عن جميع الناس انساني

وقد عرفت هواكم واعترفت بــــــه
                            وانكرت من كان في عرفي وعرفاني

ان جاء جدب فانتم غيث مخمصتي
                                 او عز خطب فاءنتم عز سلطاني

 وان يكن احد في الناس منصرفا
                                    الى سواكم فمالي غيركم ثاني

4- شعر الشكوى والمحنة:
                                                                                                   ومن الاغراض التي وجدناها في شعر الشيخ الجيلاني قس سره الشكوى لله تعالـــــــــــى والاستغاثة به والتعلق بر حمته فهو يبث شكواه عند الضيق لخالقه تعالى فهو ميسر لكل صعب يقول في قصيدته الرائية :

اذا ضاق حالي اشتكيت لخالقي
                                      قدير على تيسير كل عسير

فما بين اطباق الجفون وحلهــا
                                                                                                                                                ا                                     انجبار كسير وانفكاك اسير

      لقد ابدع الشعر في تصوير القدرة الالهية بانطباق الجفون وحلها
(- انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون )– هذا من قبيل التصوير الفني الذى يدفع بموضوعات الشيخ نحو الجدة والابتكار فهو يعتمد الجرس القراآني وصوره الفنية يقول من البسيط :

يامن علا قرائ مافي القلوب وما
                                          تحت الثرى وظلام الليل منسدل

انت الغياث لمن ضاقت مذاهبــه
                                          انت الدليل لمن حارت به الحيل

انا قصدناك والامال واثقـــــــــة
                                         والكل يدعوك ملهو ف و مبتهل

فان عفوت فذو فضل وذوكــــرم
                                          وان  سطوت فأنت الحكم العدل

         وهكذا  تجري قصائد الشيخ الجيلاني قدس  سره واشعاره  في الاستغاثة والشكوى   لله تعالى  والتعلق  برحمته  وجوده  وكرمه  من ذلك قوله \

                وقفت بالباب دهــــرا   عسى افوز بوصلي

                من بان ترفضنـــــــي    عبد ببابك من لــي

                مالي بغيرك شغـــــــل    وانت غاية شغلي

        فالوزن الشعري - المجتث – يموج بالكلمات ويجعل منها نشيدا جميلا لايختلف في مكانته الفنية عن ترنيمات المحبين  ومن شعره في هذا المجال قصيدته المخمسة في الرجاء  والاستعطاف  يقول  فيها-

الهي قد انبت بباب عطفك سائلا
                                        مع  ذلة   والدمع   مني سائلا
وعلمت اني كم سألت مسائــلا
                                          حاشا لجودك ان تجنب سائلا

                  امازال في احسا ن  عفوك   يطمع

                              ********
ادعوك يارحمن غير مشبــــــه
                                     مستشفعا بالمصطفى وبولـده
فعفو لعبدك ماجنى من ذنبـــــه
                                      يارب ان فرج فعجل لي بــــه

                  لم يبق في قوس التجلد مدفع

 واختم بحثي  بهذه الابيات  الرائعة من قصيدته (غارة الله ) :

ان ابطأ ت  غارة الارحام وابتعد ت
                                        عنا  فاسرع شيء غارة   الله
ياغارة الله حثي السير  مسرعة
                                         في  حل  عقدتنا  ياغارة  الله
ضيق احاط بنا في كل ناحية
                                            واظلم   جللا   والحمد  لله
لم يرتجى كشف ضر  ثم حادثة
                                           في  كل  نائبة  الا  من  الله
فثق به  في ملمات الامور ولا
                                        تجعل يقينك  يوما  غير ما الله
ان الشدائد  مهما ضاقت  انفرجت
                                        لا تقنطن  اذا  من رحمة   الله
كم من لطائف اولاها الاله  وكم
                                      اشياء  لاتنحصي  من نعمة الله
له علينا جزيل الفضل  منتشرا
                                       في  كل  جارحة  فضل من الله
فافزع سريعا  بقلب محرق وجل
                                     مستعطفا  خائفا  من سطوة الله
وقل اذا ضاقت الاحوال  مبتهلا
                                     برفع صوت  الا   يا غارة  الله
فكي خناق ا لذي قد ضاق في عجل
                                       ونفّسي  كربتي   يا غارة  الله
مالي  ملاذ ولا ذخر  الوذ به
                                          ولا عماد  ولا حرز  سوى الله
ارجوه سبحانه  ان لايخيب لي
                                      ظنا  فحسبي  ما ارجوه في الله
يانفس قولي اذا ضاق الخناق  الا
                                        يا غارة  الله  حتى ياغارة الله
كم وحتى  وكم  هذا التواني وكم
                                      كم  ايها النفس  اعراضا عن الله
اه على  عمر  مني مضى  فرطا
                                          سبهلا  لم يكن  في طاعة الله
ألوم نفسي وقلبي ربما رجعا
                                          عن المعاصي  بتوفيق من الله
فربما بكيا خوف الذنوب وما
                                          قد اسلفا  من خطيات  الى الله
فلم تزل  طول  ماعمرت  متّكلا
                                          فما  ينوبك  من امر- على  الله
الصبر درع  حصين من  تدرّعه
                                          يكف  المكاره والاسواء من الله
ما استعمل الصبر انسان تفضل به
                                           رأيا  ولا جاءه  بؤس  من الله
الصبر  في جملة  الاشياء  مغتنم
                                         وصاحب الصبر  محمود من الله
لا تياسى  نفحة   تاتي  فربما
                                            تاتيك  بعد  اياس  رحمة الله
الحمد لله  حمدا  دائما  ابدا
                                           والحمد  لله   ثم   الحمد   لله
الحمد لله رب العالمين على
                                           ما كان   يلهمني   الحمد  لله
ثم الصلاة  بمحمود  السلام  على
                                           محمد المصطفى  من خير الله
والال والصحب ثم التابعين فهم
                                          في سنة المجتبى  ذي سنة الله
ما حثحث الموكب  صوتا  لكاظمة
                                        تبغي  جوارالنبي الهادي الى الله


                  ***********************************


















المهذب الأسواني



     هو المهذب  ابو محمد  الحسن  بن علي  بن  إبراهيم بن الزبير الأسدي القرشي الأسواني وهو أخو الشاعر الرشيد الأسواني.

     ولد  بمدينة  اسوان  في  صعيد  مصر  وقيل  انه  اشعر من اخيه  الشاعر الرشيد  احمد  بن علي  الاسواني  ولم  تعرف  سنة ولادتيهما  وقد فضله عليه  بعض الادباء والنقاد.

  ومن شعره :

هم نصب عيني أنجدوا أو غاروا
                                        ومنى فؤادي أنصفوا أو جاروا

وهمو مكان السر من قلبي وإن
                                           بعدت نوى بهمو وشط مزار

فارقتهم وكأنهـم في ناظري
                                             مـما   تمثلهم  لي  الأفكـار

تركوا المنازل والديار فما لهم
                                               إلا  القلوب  منازل  وديار

      عاش  في زمن الصالح  بن  زريك  ومدحه  كثيرا  ومما
 قال فيه هذه الابيات :

يا أيُّها الملكُ الذي أوصافُهُ      
                                             غُرَرٌ تجلَّت للزّمان الأسفَعِ

لا تُطمِعِ الشعراءَ فىَّ فإنّنى
                                          لو شِئتُ لم أجبُن ولم أتخشَّعِ

إن لم أكن مِلءَ العيونِ فإنّنى
        فى القول يا ابنَ الصّيدِ ملءُ المَسمَع

فليُمسِكوا عنِّي فلولا أنّني       
أبقى على عِرضي إذاً لم أجزَعِ

وأهمُّ من هجوى لهم مدحُ الذى 
رفَع القريضَ إِلى المحلِّ الأرفَعِ

ولو أنه ناجَى ضميرَي في الكرى
        طيفُ الخيالِ بِريبَةٍ لم أهجَعِ

وإِذا بدا لِي الهُجرُ لم أرَ شخصَهُ
وإذا يُقال لِيَ الخَنا لم أسمَعِ

والنّاسُ قد علموا بأنّى ليس لى
مُذ فى أعراضهم من مَطمع

         و قيل ان شعرالصالح  ابن  زريك  في ديوانه  اغلبه  من شعر المهذب  الاسواني .
قال عنه العماد الاصبهاني:                                           
( لم يكن بمصر في زمن المهذب أشعر منه.)                    
وقال ابن شاكر الكتبي عنه :

( اختص بالصالح بن رزيك، ويقال إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو من شعر المهذب)    

  توفي في  مصر سنة \ 561 هجرية – 1166 ميلادية

           يتميز شعره  بمتانته  ويميل الى الصناعة الشعرية  في السبك والمعنى  وقال الشعر  في  المدح  والغزل  والوصف والطبيعة والحكمة  وغيرها .
  ومن  شعره هذه الا بيات :

ذا احرقت في القلبِ موضعَ سُكناها
        فَمَن ذا الذي من بَعدُ يُكرِمُ مثواها

وإن نزفَت ماءَ العيونِ بهجرِها
        فمِن أىِّ عينٍ تأمُلُ العيسُ سُقياها

وما الدَّمعُ يوم البَينِ إلا لآليٌ    
على الرَّسمِ في رسم الدّيارِ نَثَرناها

وما أطلعَ الزهرَ الربيعُ وإِنّما     رأى
 الدمعُ أجيادَ الغُصونِ فَحلاها

ولمّا أبانَ البَينُ سِرَّ صُدورِنا    
وأمكنَ فيها الأعينُ النُّجلُ مَرماها

عدَدنا دُموعَ العين لمَّا تحدَّرت  
دُروعاً من الصَّبرِ الجميل نزَعناها

ولمّا وقفنا للوَداعِ وتَرجَمَت
        لعينَىَّ عمَّا في الضّمائر عيناها

بدَت صُورةً في هَيكلٍ فَلَوَ أنَّنا
        نَدينُ بأديانِ النّصارى عَبَدناها

وما طرَباً صُغنا القريضَ وإنّما
        جَلا اليومَ مِرآةَ القرائح مَرآها

وليلةَ بِتنَا في ظلام شَبيبتى
سُرَاىَ وفي ليل الذّوائبِ مَسراها

تأرَّجُ أرواحُ الصَّبا كُلّما سرى  
بانفاسِ رَبَّا آخِرَ الليلِ رَيَّاها

ومهما أدَرنا الكأس باتت جفونُها      
من الرّاحِ تسقينا الذى قد سَقَيناها

ولو لم يَجِد يوم النّذى في يَمينهِ
        لسائِلِهِ غيرَ الشَّبِيبَةِ أعطاها

فيا مَلِكَ الدنيا وسائِسَ أهلِها
        سياسةَ مَن قاسَ الأمورَ وقاساها

ومَن كلَّفَ الأيامَ ضِدَّ طباعِها
        فَعايَنَ أهوالَ الخطوبِ فعاناها

عسى نَظرةٌ تجلُو بقلبي وناظري
        صداهُ فإنّي دائما أتصَدَّاهَا





***********************






القاضي احمد بن الزبيرالاسواني



      هو ابو الحسن  أحمد  بن على بن  إبراهيم  بن على  بن الزبير القرشى الأسوانى الملقب بالقاضي الرشيد  ا والقاضي الامجد .


           ولد  بأسوان، وهي بلدة  في صعيد مصر، من بيت كبير بالصعيد من الممولين  واول شعر قوله  كان سنة \526 هجرية  في  قصيدة مطلعها :

ومالى إلى ماء سوى النيل غلة                                       
                                             ولو  أنه  استغفر  الله  ـ  زمزم

         وهاجر من  اسوان  الى مصروسكن القاهرة  .وقيل  لما دخل الى مصر بعد مقتل الظاهر وجلوس الفائز، وعليه اطمار رثة وطيلسان صوف  فقال في ذلك :
لا تغررن  بأطماري  وقيمتها                                  
 فإنما هي أصداف على درر     

ولا تظن خفاء النجم عن صغر                                    
فالذنب في ذاك محمول على البصر

 فحضر مأتما وقد حضر شعراء الدولة فأنشدوا مراثيهم على مراتبهم فقام في آخرهم، وأنشد قصيدته  التي مطلعها :

ما للرياض تميل سكرا     هل سقيت بالمزن خمرا

فذرفت العيون وعج القصر بالبكا والعويل وانثالت عليه العطايا من كل جانب وعاد الى منزله بمال وافر حصل له من الامراء والخدم وحظايا القصر وحمل إليه من قبل الوزير جملة من المال.

 يقول منها في المدح :

جـارى  الملوك إلى العلى                                  
                                لـكـنهم نـاموا وأسـرى

سـائل بـها عـصب النفا                                      
                                      ق غداة كان الأمر إمراً   
 
أيـام أضـحى النكر معرو                                        
                              فـاً  وأمـسى العرف نكرا

            فأقام بالقاهرة  واتصل بملوكها ومدح  وزراءها، وتقدم عندهم  وولي النظر بثغر الاسكندرية  سنة\559 هجرية  والدواوين السلطانية  بغير اختياره ..

    ثم ارسل الى اليمن  داعياً للخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله وكانت  اليمن  تحت حكم الدولة الفاطمية بمصر     
وكان الرشيد سافر اليها  رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها وامرائها ، وممن مدحه منهم، علي بن حاتم الهمذاني قال فيه:

لقد  أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا                                       
                                          فلست أنال القحط في أرض قحطان

وقـد  كـفلت لـي مأرب بمآربي                                               
                                          فـلست عـلى أسوان يوماً  بأسوان

وإن جـهلت حـقي زعانف خندف                                           
                                        فقد  عرفت فضلي غطارف همدان

ثم تقلد قضاء اليمن وأحكامها، ولقب (قاضي قضاة اليمن، وداعي دعاة الزمن) ولما  استقرت بها  داره وعلت منزلته  سمت  به  نفسه  إلى  رتبة  الخلافة  فسعى  اليها  وادعاها  وأجابه الموالون له  في اليمن  والمقربون منه  فاعلن خلافته   وسلم عليه بالخلافة  باليمن ، وضربت باسمه  السكة( النقود )  وكان نقش السكة على الوجه الاول ( قل هو الله أحد، الله الصمد) وعلى الوجه الآخر (الامام الامجد أبو الحسين احمد)
فحسده الداعي في عدن على ذلك                                              
 فكتب بالابيات الى صاحب مصر فكانت سبب الغضب عليه

 ثم  قبض عليه وسيق مكبلا الى  مدينة   ( قوص )  وقد حكى من كان حاضرا  عند  دخوله الى(  قوص)  انه رأى رجلاً  ينادي بين  يديه :
- هذا( احمد بن الزبير) عدو السلطان -  وهو مغطى الوجه حتى وصل الى دار الامارة والأمير بها يومئذ (طرخان ) وكان  بينهما  ذ حول ( جفوة )  قديمة فقال:
- أحبسوه في المطبخ الذي كان يتولاه قديماً
        وكان  احمد  ابن الزبير قد تولى المطبخ سابقا  وفي ذلك يقول الشريف الأخفش من أبيات يخاطب (الصالح بن رزيك):

يولـى على الشيء اشكاله                                          
                                                   فيصبح   هـذا  لـهذا  أخـا

أقام على المطبخ ابن الزبير                                            
     فولى على المطبخ المطبخا   

وفي ذلك يقول احمد  بن الزبير :                                            

تواصى على ظلمي الأنام بأسرهم                                              
   وأظلم من لاقـيت أهلـي وجيراني

لكل امرىء شيطـان جـن يكيده                                                     
    بسوء ولي دون الورى الف شيطان

فقال بعض الحاضرين للامير ( طرخان):

-  ينبغي ان  تحسن  الى الرجل  فإن أخاه  ـ يعني  المهذب( الحسن بن الزبير)-  قريب  من قلب( الصالح  ابن زريك ) ولا أستبعد  ان  يستعطفه  عليه  فتقع في خجل. 

قال: فلم يمض على ذلك غير ليلة أو ليلتين، حتى ورد ساع من الصالح (ابن رزيك) إلى (طرخان ) بكتاب يأمره فيه باطلاق سراحه  والإحسان إليه فأحضره (طرخان) من سجنه مكرماً.
 و  في ذلك  يقول :

سمحنـا لدنيانا بما بخلت به                                                   
                               علينا ولم نحفل بجل امروها

فيا ليتنا لما حرمنا سرروها                                                 
                                    وقينـا أذى آفاتها وشرورها

       و كان على جلالته  وفضله  ومنزلته من العلم  والنسب قبيح المنظر أسود الجلدة جهم الوجه سمج الخلقة ذا شفة غليظة وانف مبسوط، كخلقة الزنوج، قصيراً.

 ومن اخباره  قال بعض اصحابه : كنت أنا والرشيد بن الزبير والفقيه سليمان الديلمي، نجتمع بالقاهرة في منزل واحد فغاب عنا الرشيد وطال انتظارنا له وكان ذلك في عنفوان شبابه وإبان صباه فجاءنا، وقد مضى معظم النهار، فقلنا له : ما أبطأ بك عنا؟ فتبسم وقال لا تسألوا عما جرى على اليوم فقلنا: لا بد من ذلك، فتمنع، وألححنا عليه، فقال: مررت اليوم بالموضع الفلاني، واذا امرأة شابة صبيحة الوجه وضيئة المنظر حسانة الخلق ظريفة الشمائل فلما رأتني نظرت إلي نظر مطمع لي في نفسه فتوهمت أنني وقعت منها بموقع ونسيت نفسي وأشارت إلي بطرفها، فتبعتها
وهي تدخل في سكة وتخرج من اخرى حتى دخلت داراً وأشارت إلي فدخلت، ورفعت النقاب عن وجه كالقمر في ليلة تمامه ثم صفقت بيديها منادية: يا ست الدار فنزلت إليها طفلة، كأنها فلقة قمر وقالت: إن رجعت تبولين في الفراش تركت سيدنا القاضي يأكلك، ثم التفتت وقالت:   
لا أعدمني الله إحسانه بفضل سيدنا القاضي أدام الله عزه  
 فخرجت وانا خزيان خجلاً، لا أهتدي إلى الطريق .

     وقال  يتحدث عن نفسه :(  إجتمعت ليلة عند (الصالح بن رزيك)    وجماعة من الفضلاء فألقيت  عليهم مسألة في اللغة فلم يجب عنها بالصواب احدا  فاجبتها)                                                       
  فاعجب به الصالح فقال الرشيد:                                              
ما سئلت قط عن مسألة إلا وجدتني أتوقد فهماً
 فقال ابن قادوس، وكان حاضراً :                                          

إن قلت: من نار خلقـ     ـت وفقت كل الناس فهما

قلنا: صدقت، فما الذي     أطـفاك حتى صرت فحما

وقال ياقوت في معجم الادباء:                                         
( أحمد بن علي بن الزبير الغساني الاسواني المصري، يلقب بالرشيد   وكنيته ابو الحسين، مات سنة اثنتين وستين وخمسمائة، على ما نذكره، وكان كاتباً شاعراً فقيها نحوياً لغوياً، ناشئاً، عروضياً، مؤرخاً منطقياً، مهندساً عارفاً بالطب والموسيقى والنجوم، متفنناً ).                   

 وقيل  قتل ظلماً وعدواناً في محرم سنة \562 هجرية -  1167
ميلادية .                                                                    
واما سبب مقتله: فلميله الى أسد الدين( شير كو)  عند دخوله الى البلاد ومكانبته له ، واتصل ذلك( بشاور)  وزير العاضد، فطلبه، فاختفى بالاسكندرية واتفق التجاء الملك( صلاح الدين يوسف بن ايوب)  الى الاسكندرية ومحاصرته بها فخرج ابن الزبير راكباً متقلداً سيفاً وقاتل بين يديه ولم يزل معه مدة مقامه بالاسكندرية إلى ان خرج منها فتزايد حقد (شاور)  عليه واشتد طلبه له، واتفق ان ظفر به على صفة لم تتحقق لنا، فأمر باشهاره على  بعير وعلى رأسه طرطور ووراءه جلواز ينال منه.

وقال الفضل بن أبي الفضل انه رآه على تلك الحال الشنيعة وهو ينشد: 

إن كان عندك يا زمان بقية     مما تهين به الكرام فهاتها

          ثم جعل يهمهم شفتيه بالقرآن   وأمر به بعد إشهاره بمصر والقاهرة ان يصلب شنقاً، فلما وصل به الى الشناقة جعل يقول للمتولي   
عجل عجل فلا رغبة للكريم في الحياة بعد هذه الحال)  ثم صلب. )

        وقال حجاج بن المسيح الأسواني:
( أن ابن الزبير دفن في موضع صلبه، فما مضت الايام والليالي حتى قتل شاور وسحب، فاتفق أن حفر له ليدفن فوجد الرشيد بن الزبير في الحفرة مدفوناً فدفنا معاً في موضع واحد، ثم نقل كل واحد منهما بعد ذلك الى تربة له بقرافة مصر القاهرة.)  

وكان   القاضي الرشيد الاسواني  ذا منزلة عالية من العلم والنّسب وله كثير من المؤلفات الأدبية والعلمية وكان  أوحد عصره في علم الهندسة والرياضيات والعلوم الشرعية  والاداب والشعر ومما  ذكر له قوله :         

جـلت لدي الرزايا بل جلت هممي                                         
   وهـل يـضر جلاء الصارم الذكر

غـيري  يـغيره عن حسن شيمته                                          
 صـرف الزمان وما يأتي من الغير

لـو كـانت الـنار للياقوت محرقة                                       
   لـكان يـشتبه الـياقوت بـالحجر

لا تـغـرين بـأطماري وقـيمتها                                          
  فـأنما  هـي أصـداف على درر

ولا  تـظن خـفاء النجم من صفر                                         
  فالذنب في ذاك محمول على البصر
                       
 وله ايضا :                                                       
                                           
فإن التداني ربما أحدث القلا                                        
 وإن التنائي ربما زاد في الود       

فإني رأيت السهم ما زاد بعده                                       
 عن القوس إلا زيد في الشكر والحمد

ولن يستفيد البدر أكمل نوره                                       
 من الشمس إلا وهو في غاية البعد
  

     وقد ترك مؤلفات واثارا  كثيره  منها  :
                                                 ـ الرسالة الحصيبية  1
                                   2ـ جنان الجنان ورياض الاذهان
                    3ـ منية الألمعي وبلغة المدعى في علوم كثيرة
                                                               4ـ المقامات  
                                                     ـ الهدايا والطرف 5
                                        ـ شفاء الغلة في سمت القبلة 6
7- ديوان شعر                                                            
            
   ومن لطيف شعره :                                                                    
وترى الهجرة والنجـوم كأنما                                          
   تسقي الرياض بجدول ملآن

لو لم تكن نهراً لما عامت بها                                              
  أبداً نجوم الحوت والسرطان

 واختم بحثي بهذه القصيدة من شعره   :                                 

وسـروا وقد كتموا الغداة مسيرهم                                                  
                                              وضـياء نـور الشمس ما لا يكتم

وتـبدلوا ارض العقيق عن الحمى                                       
    روت جـفوني أي ارض يـمموا

نـزلوا  العذيب، وإنما في مهجتي                                     
     نـزلوا وفـي قـلب المتيم خيموا

مـا ضرهم لو ودعوا من اودعوا                                     
   نـار  الـغرام وسلموا من أسلموا

هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا                                   
     أو  أيـمنوا أو أنـجدوا أو أتهموا

وهـم مـجال الفكر من قلبي وإن                                         
  بـعد الـمزار فصفو عيشي معهم

أحـبابنا مـا كـان اعظم هجركم                                             
   عـندي ولـكن الـتفرق اعـظم

غـبتم ، فلا والله ما طرق الكرى                                           
   جـفني  ولـكن سـح بعدكم الدم

وزعـمتم إنـي صـبور بـعدكم                                               
   هـيـهات   لا  لـقـيتم  مـا  قـلتم

وإذا سـئلت بـمن أهـيم صبابة                                                
    قـلت  الـذين هـم الذين هم هم

الـنـازلين  بـمهجتي وبـمقلتي                                               
  وسـط  الـسويدا والسواد الاكرم

لا  ذنب لي في البعد أعرفه سوى                                         
    أنـي حـفظت الـعهد لـما خنتم

فـأقمت  حـين ظغنتم وعدلت لم                                              
    ا  جـرتم، وسـهدت لـما نـمتم

يـا  مـحرقاً قلبي بنار صدودهم                                            
   رفـقاً فـفيه نـار شـوق تضرم

اسـعرتم  فـيه لـهيب   صـبابة                                              
                                                   لا  تـنـطفي  إلا بـقرب   مـنكم

يـا سـاكني أرض العذيب سقيتم                                           
   دمـعي إذا ضـن الـغمام المرزم

بـعدت مـنازلكم وشـط مزاركم                                                
   وعـهودكم  مـحفوظة مـذ غبتم

لا لـوم لـلأحباب فـيما قد جنوا                                                
   حـكمتهم فـي مـهجتي فتحكموا

أحـباب قـلبي أعـمروه بذكركم                                                  
     فـلطالما حـفظ الـوداد الـمسلم

أحـباب قـلبي أعـمروه بذكركم                                                  
  عـن بعض ما يلقى الفؤاد المغرم

كـم  تـظلمونا قـادرين ومـالنا                                                    
   ونـأيـتم  وقـطـعتم وهـجرتم

ورحـلـتم  وبـعـدتم وظـلمتم                                                        
    ونـأيـتم  وقـطـعتم وهـجرتم

هـيهات  لا أسـلوكم أبـداً وهل                                                   
  يـسلوا  عن البيت الحرام المحرم

وانـا الـذي واصلت حين قطعتم                                                    
  وحـفظت  أسباب الهوى اذ خنتم

جـار الـزمان عـلي، لما جرتم                                               
    ظـلماً  ومـال الـدهر لـما ملتم

وغـدوت  بـعد فـارقكم وكأنني                                             
   هـدف  يـمر بـجانبيه الأسـهم

ونـزلت مـقهور الـفؤاد بـبلدة                                               
  قـل الـصديق بـها وقل الدرهم

فـي  معشر خلقوا شخوص بهائم                                         
     يـصدا  بـها فـكر اللبيب ويبهم

إن  كـورموا لم يكرموا أو علموا                                            
    لـم  يعلموا أو خوطبوا لم يفهموا

لا تـنـفق  الآداب  عـنـدهم  ولا
  الاحـسان يـعرف في كثير منهم

صـم عن المعروف حتى يسمعوا                                           
   هـجر الـكلام فـيقدموا ويقدموا

فالله يـغني عـنهم ويـزيد فـي                                             
    زهـدي لـهم ويـفك أسري منهم


*********************







ابن الخشاب   



      هو أبو محمد  عبد الله  بن أحمد  بن  أحمد  بن  أحمد  بن  عبد الله  بن  نصر البغدادي  ويكنى ( ابن الخشاب )  .

  ولد  ببغداد  سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة\ 492هجرية – 1099 ميلادية  نشأ فيها  ودرس  على  ايدي غلمائها وادبائها  منهم  . أبي القاسم علي بن الحسين الربعي ، وأبي النرسي ،  ويحيى بن عبد الوهاب بن  منده ، وأبي  عبد الله  البارع ، وأبي  غالب  البناء ، وهبة  الله  بن الحصين  وأخذ  الأدب عن  أبي علي  بن  المحول  شيخ  اللغة   وأبي السعادات  بن  الشجري ، وعلي  بن أبي زيد الفصيحي ، وأبي منصور موهوب  بن الجواليقي ، وأبي بكر بن   جوامرد  النحوي .  حتى  فاق  أهل  زمانه  في  علم  اللسان    وكان  ذا خط  جميل  ومليح  وقيل  انه  كتب بخطه المليح المضبوط  شيئا كثيرا ، وبالغ في السماع حتى قرأ على أقرانه ، وحصل  من  الكتب  شيئا  لا  يوصف. و كان  إمام  أهل  عصره  في علم العربية .

       وقيل : إنه سئل : أيمد القفا أو يقصر ؟
فقال : يمد ، ثم يقصر . وكان مزاحا .

وقيل : عرض اثنان عليه شعرا لهما ، فسمع للأول
 ثم قال : أنت أردأ شعرا منه .
قال : كيف تقول هذا ولم تسمع قول الآخر ؟
 قال : لأن هذا لا يكون أردأ منه .

  وقيل  جاء  اليه  رجل  مفؤود  فقال له :
- ما بك ؟
 - قال : فؤادي .
 فقال له  : لو لم تهمزه  لم  يوجعك .

 وفي صفاته الشخصية  قيل  انه  كان  بخيلا  متبذلا ، يلعب بالشطرنج على الطريق ، ويقف على المشعوذ ، ويمزح  وكان لا يكترث  بملبسه  ولا بهندامه  فكان  يتعمم  بالعمامة  فتبقى  مدة حتى تسود  وتتقطع  من  الوسخ وعليها  ذ رق العصافير .
 ومن اخباره  الشخصية  انه لم  يتزوج   ولم يتسرى   وكان قذرا يستقي  بجرة  مكسورة ، فلما مرض  وعاده  اصحابه  فوجدوه  بأسوء حال   فنقله القاضي أبو القاسم  بن الفراء إلى داره ، وألبسه  ثوبا  نظيفا   وأحضرله  الأشربة والماورد فأشهد اصحابه الذين زاروه   انه  اوقف  كتبه  لله تعالى  .

 فقيل  انها  تفرقت بعد الوقف  وباع أكثرها أولاد العطار حتى بقي عشرها ، فترك برباط  المأمونية .
كان عالما  في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب وحفظ الكتاب العزيز بالقراءات الكثيرة، وكان متضلعاً من العلوم وله فيها اليد الطولى، وكان خطه في غاية الحسن  والجمال
 ومن شعره  يصف شمعة فيقول :
صفراء من غير سقام بها  
                                     كيف   وكانت  أمها  الشافيه
عاريةٌ   باطنها    مكتسٍ
                                     فاعجب   بها  عاريةً  كاسيه
 وقال في لغز :
وذي أوجهٍ لكنه غير بائح
                                    بسرٍ وذو الوجهين للسر مظهر
تناجيك بالأسرار أسرار وجهه  
                                    فتسمعها    ما  دمت     تنظر

  وقيل  أشترى ابن الخشاب  البغدادي الامام النحوي المفسر المحدث  الاديب  كتباً  بخمسمائة  دينار ولم  يكن عنده شيء
فمضى  وباع  داره ودفع اثمان الكتب.

       توفي ببغداد عشية الجمعة الثالث شهر رمضان المبارك  سنة سبع وستين وخمسمائة 567 هحرية -  1172 ميلادية  بباب الأزج  بدار أبي القاسم  بن الفراء  ودفن  بمقبرة  أحمد  بباب حربٍ  في جانب الرصافة  من بغداد .

قال ابن المبارك  عنه :

    (  كان ابن الخشاب إذا نودي على كتاب ، أخذه وطالعه ، وغل ورقه ، ثم يقول : هو مقطوع  فيشتريه برخص .

قلت : لعله تاب ، فقد قال عبد الله بن أبي الفرج الجبائي رأيت ابن الخشاب وعليه ثياب بيض ، وعلى وجهه نور ، فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي ، ودخلت الجنة ، إلا أن الله أعرض عني وعن كثير من  العلماء  ممن لا  يعمل ).





            **************************






            عمارة بن علي  اليمني



        هو ابو محمد  نحم الدين  عمارة  بن علي  بن  زيدان  الحكمي المذحجي اليمني .

            ولد  في ( تهامة )  في قرية ( الزرائب )  بالمخلاف السليماني سنة\  515هجرية – 1116 ميلادية تلقى تعليمه الأولي في قريته وعرف ب (عمارة  الحدقي)  ثم ارتحل لطلب  العلم  إلى مدينة   (زبيد  ) حاضرة العلم والسياسة وأطال البقاء بها ولفت نظر معلميه بسلامة لغته وذلك أن أهل قريته لم يختلطوا بغيرهم فحافظوا على صحة عباراتهم  ولغتهم  وسلامة  ألسنتهم  فكان ذلك  مثار الإعجاب  به  وبأهل  بلدته .
 و في مدينة ( زبيد ) عرف  ب(عمارة الفقيه او عمارة الفرضي) لتميزه في  الفقه والعلم  وأجاد في  فنون الشعر وغلب  فيه وقد  زار ( صنعاء) و( جبلة)  و(عدن)  – وهذه المدن كانت  عواصم ممالك يمنية في ذلك الوقت-- ومدح ملوكها وعرف فيها ب(عمارة  الشاعر)  كما عمل  في التجارة  بين هذه  العواصم  ونجح  فيها معتمدا على علاقاته الواسعة  برجال هذه  الولايات  مكونا  ثروة مالية زادت  من مكانته  الاجتماعية والثقافية  ووسعت  من علاقاته  .  وقد  مدح عمارة سلطان الصليحيين في( جبلة)  فأجازه بصلة وقصيدة و كان هذا شاعرا ايضا . فقال عمارة :

فعوض عن شعري بشعر وزادني
                                      عطاء فهذا رأس مالي وذا ربحي

شققت إليه الناس حتى لقيته
                                      فكنت كمن شق الظلام إلى الصبح

             وكان  يقال  عنه عمارة  الحدقي الحكمي اليمني الفقيه الفرضي المناظر التاجر الشاعر الرحالة  السفير السياسي المؤرخ الخطيب  الأديب نديم الملوك وسمير الوزراء متعدد المواهب يحب معالي الأمور ذو روح  وثابة  ونفس عزيزة  وقدرة  عجيبة  بهر أهل  زمانه  وسلب  وفاق  أقرانه وغلبهم .

          ولما  جاء  الى  مكة  المكرمة  لاداء  فريضة  الحج
 سنة \ 549 هجرية -1154 ميلادية  وخالط  علمائها  وأمرائها  وعرف  فيها     ب (عمارة  الحكمي)  وقد  أعجب  به  أميرها  قاسم  بن هاشم     (  قاسم  بن فليتة )، فاعجب  به  فأوفده  الامير  قاسم  إلى مصر  الى   خليفة  الفاطميين  (الفائز)  فوصلها  في  شهر  ربيع الأول  من  سنة\  550هـجرية - 1155 ميلادية  استقبله  الحاكم ( الفائز بن الظاهر  )  الفاطمي   واحسن اليه  واكرم  وفادته  وبالغ  الفاطميون  في  إكرامه فآثر البقاء في القاهرة  فأقام عند  الفاطميين، ومدحهم. وعند  مثول  عمارة  أمام  الفائز  ووزيره  الصالح  ( طلائع  بن  رزّيك ) أنشد  قصيد ته  التي     قال فيها :

الحمد للعيس بعد العزم والهمم       
                                            حمدا يقوم بما أوْلت من النعم
 ومما جاء في هذه القصيدة:

فهل درى البيت أني بعد فرقته       
                                             ما سرت من حرم إلاّ إلى حرم

حيث الخلافة مضروب سرادقها       
                                         بين النقيضين من عفو ومن نقم

وللإمامة أنوار مقدسة                  
                                        تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم

أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا      
                                          فوز النجاة وأجر البر في القسم

لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما       
                                              وزيره الصالح الفراج للغمم

اللابس الفخر لم تنسج غلائله        
                                              إلا يدا لصنيع السيف والقلم

     وكانت  هذه القصيدة  بمثابة مفتاح  ل (عمارة )  الى قلوب الفاطميين  فاحسن اليه  الفائز الفاطمي  وبالغ  الفاطميون  في إكرامه  . وأحدثت  هذه  القصيدة  أثرا  كبيرا  في  حياته  
وقد  قال ( عمارة )  عن قصيدته:
(  وعهدي بالصالح  وهو يستعيدها  في حال النشيد  مرارا، والأستاذون وأعيان  الأمراء  والكبراء  يذهبون في الاستحسان كل مذهب، ثم أفيضت علي خلع من ثياب الخلافة ‏المذهبة، ودفع لي الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين قد أخرج لي من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معي إلى منزلي، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم  تطلق لأحد  من  قبلي، وتهادتني أمراء الدولة  إلى‏ منازلهم للولائم، واستحضرني الصالح  للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، وانثالت  علي  صلاته  وغمرني  بره .. )

       عاد عمارة بعد ذلك إلى مكة، ومنها إلى مسقط  رأسه  في اليمن الا  انه ولم تبرح خيالات  ذكريات أيامه  السعيدة التي قضاها في مصر، وما  قوبل  به من حفاوة  وكرم، وأخذ يتحين الفرصة للعودة إليها مرة أخرى ليتخذ منها موطنا ومقاما.

     ولما حانت الفرصة انتهزها  (عمارة ) وعاد  إلى مصر، وعاد إلى سيرته  في  مدح  امراء  الدولة  الفاطمية  وكان  قد  تولى    ( العاضد)  حكمها  بعد  موت ( الفائز) في  سنة \ 555هـجرية   -1160ميلادية   وتقلبت  الأوضاع  في مصر في السنوات الأخيرة من حكم  الفاطميين، وتقلب  معها ( عمارة)  فقد  كان مألوفاً أن يتولى الوزارة  من يتمكن  من التغلب على  خصمه  أو خصومه، ومدح عمارة  الوزراء  المتغلبين  وقال  في مدح ( شاور ) الوزير الفاطمي :

ضجر الحديد من الحديد وشاور
                                            من نصر دين محمد لم يضجر
حلف الزمان ليأتين بمثله
                                          حنثت   يمينك  يا زمان    فكفر

      وقال  (عمارة )  في الاعتذار لسلطان  زبيد  لمدحه  غيره  من الأمراء :
وما قصدت بتعظيمي عِداك سوى
                                        تعظيم  قدرك  فاعذرني  ولا  تلم

      الا انه هجا  وزراء الدولة الفاطمية المغلوبين    بعد  قتلهم  أو الانقلاب عليهم .

        وبقي الشاعر (عمارة  اليمني ) على  هذه  الحالة  إلى  أن جاءت سنة \ 567هـجرية -  1171ميلادية  حيث تمكن صلاح الدين الأيوبي  من القضاء على الدولة العبيدية الفاطمية، وإعادة مصر إلى  احضان دولة  الخلافة العباسية، فانحاز (عمارة )  إلى الفاطميين وعطاياهم، وحنّ إلى ما كان  ينعم  به  من  ترف العيش في  ظلهم،  وأسف على زوال دولتهم،
و في ذلك يقول :

أسفي على زمن الإمام العاضد        
                                       أسف العقيم على فراق الواحد 

جالست من وزرائه وصحبت من    
                                          أمرائه  أهل  الثناء   الماجد 

لهفي على حجرات قصرك إذ خلت     
                                       يا ابن النبي من ازدحام الوافد


 ولم يزل مواليا لهم حتى دالت  دولتهم وقتلوا  على يد  صلاح الدين الايوبي   فرثاهم  عمارة اليمني  .

       و انضم  عمارة اليمني  إلى مشروع تآمري قام به بقايا الفاطميين والموالين لهم  الهدف منه حث و استقدام الصليبيين إلى مصر للقضاء على صلاح  الدين ودولته الجديدة .وقد أنشد  الشاعر تاج الدين الكندي في ذلك قائلا فيه :

عمارة في الإسلام أبدى خيانة                                                                            و                                     و بايع    فيها    بيعة   وصليبا

وأمسى شريك الشرك في بغض أحمد                                                                                     ف                                    فأصبح  في حب  الصليب  صليبا

وكان خبيث الملتقى إن عجمته                 
                                         تجد منه  عودا في النفاق صليبا

سيلقى غدا ما كان يسعى لأجله    
                                         ويسقى صديدا في لظى وصليبا

       و اتفق  مع  سبعة من  اعيان المصريين  على قتل  صلاح الدين الايوبي  او الفتك به   ويتم دخول الصليبيين الى مصر  الا انه  علم  بخطتهم  قبل  تنفيذها   فقبض  عليهم   واصدر حكمه باعدامهم   فصلبهم  بالقاهرة  سنة \ 569 هجرية .

 توفي اذن بالقاهرة  مصلوبا في سنة  \569  هجرية – 1174 ميلادية  ودفن فيها .

  ترك  تصانيف عديدة  منها : 
  أخبار اليمن   
  أخبار الوزراء المصريين  
  ا لمفيد في أخبار زبيد
 النكت العصرية  في أخبار الوزراء المصرية
   و ديوان شعر  كبير.

      عمارة اليمني  شاعر واديب  وفقيه شافعي  ومتكلم  قال الشعر  في اغلب  فنونه  وخاصة  المدح  والهجاء  والرثاء  والحكمة  والغزل والوصف  .  يتميز شعره  بسهولته 
وجزالته  وبلاغته . وله  هذه  الأبيات :

إذا لم يسالمك الزمان فحارب
                                        وباعد  إذا  لم  تنتفع  بالأقارب

ولا تحتقر كيدا ضعيفا فربما
                                    تموت الأفاعي من سموم العقارب

فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد
                                      وخرب  فأر  قبل  ذا  سد  مأرب

وقال في العتاب :

رأيت رجالا أصبحت في مآدب  
                                     لديكم  وحالي وحدها  في نوادب

تأخرت  لما  قدمتهم  علاك     
                                     علي  وتأبى الأسد  سبق الثعالب

ليالي أتلو ذكركم في مجالس
                                   حديث الورى فيها بغمز الحواجب

 واختم بحثي بهذه القصيدة   يقول فيها :



رميت  يا  دهر  كف   المجد     بالشلل 
      وجيده   بعد   حسن   الحلي      بالعطل

سعيت  في  منهج  الرأي  العثور    فإن 
      قدرت   من   عثرات   الدهر   فاستقل

جدعت   مارنك   الأقنى    فأنفك      لا   
    ينفك  ما  بين   أمر   الشين     والخجل

هدمت  قاعدة  المعروف   عن     عجل    
   سقيت  مهلاً  أما   تمشي   على     مهل

لهفي   ولهف   بني    الآمال      قاطبة   
    على   فجيعتها    في    أكرم      الدول

قدمت    مصر     فأولتني       خلائفها    
   من  المكارم  ما   أربى   على     الأمل

قوم  عرفت  بهم  كسب  الألوف    ومن    
    كمالها    أنها    جاءت    ولم       أسل

وكنت من  وزراء  الدست  حيث    سما   
    رأس  الحصان   بهاديه   على     الكفل

ونلت   من   عظماء   الجيش     تكرمة   
    وخلة  حرست   من   عارض     الخلل

يا  عاذلي   في   هوى   أبناء     فاطمة     
  لك  الملامة  إن  قصرت   في     عذلي

بالله زر  ساحة  القصرين  وابك    معي    
   عليهما   لا   على    صفين      والجمل

وقل   لأهليهما    والله    ما    التحمت
       فيكم  جروحي   ولا   قرحي     بمندمل

ماذا   ترى   كانت    الإفرنج      فاعلة  
     في  نسل  آل   أمير   المؤمنين     علي

هل كان في الأمر شيء غير قسمة    ما  
     ملكتمو   بين   حكم    السبي      والنفل

وقد   حصلتم   عليها    واسم      جدكم  
     محمد      وأبوكم      خير        منتعل

مررت   بالقصر    والأركان      خالية    
   من    الوفود    وكانت    قبلة      القبل

فملت   عنه   بوجهي    خوف    منتقد   
    من  الأعادي   ووجه   الود   لم     يمل

أسبلت  من  أسفي  دمعي  غداة     خلت 
      رحابكم    وعدت    مهجورة      السبل

أبكي  على  ما  تراءت  من   مكارمكم    
   حال  الزمان  عليها   وهي   لم     تحل

دار   الضيافة   كانت   أنس      وافدكم   
    واليوم  أوحش  من  رسم  ومن     طلل

وفطرة  الصوم  إن  أصغت     مكارمكم  
     تشكو  من  الدهر  حيفاً  غير     محتمل

وكسوة الناس في  الفصلين  قد    درست  
     ورث   منها    جديد    عندهم      وبلي

وموسم  كان   في   يوم   الخليج     لكم    
   يأتي    تجملكم    فيه    على      الجمل

وأول    العام    والعيدين    كم       لكم    
   فيهن  من  وبل   جود   ليس     بالوشل

والأرض  تهتز  في  يوم   الغدير   لما 
      يهتز  ما  بين   قصريكم   من     الأسل

والخيل  تعرض  في  وشي  وفي    شية  
     مثل  العرائس  في   حلي   وفي   حلل

ولا حملتم قرى الأضياف من  سعة  ال    
   أطباق   إلا   على   الأكتاف     والعجل

ولا    خصصتم    ببر    أهل      ملتكم   
    حتى  عممتم  بها  الأقصى  من   الملل

كانت   رواتبكم    للذمتين      وللضيف  
     المقيم     وللطاري     من        الرسل

ثم   الطراز   بتنيس    التي    عظمت   
    منه  الصلات  لأهل  الأرض     والدول

وللجوامع     من      أحباسكم      نعم  
     لمن   تصدر   في   علم   وفي     عمل

وربما     عادت      الدنيا      بمعقلها  
     منكم   وعادت   بكم   محلولة      العقل

والله  لا  فاز   يوم   الحشر     مبغضكم 
      ولا  نجا  من  عذاب  الله   غير     ولي

ولا استقى  الماء  من  حر  ومن    ظمأ  
     من  كف  خير   البرايا   سيد     الرسل

ولا   رأى   جنة   الله   التي      خلفت    
   من خان عهد الإمام  العاضد  بن  علي

أئمتي     وهداتي     والذخيرة        لي   
    إذا  ارتهنت  بما   قدمت   من     عملي

تالله   لم   أوفهم    في    المد      حقهم   
    لأن     فضلهم      كالوابل        الهطل

ولو    تضاعفت    الأقوال      واستبقت   
    ما   كنت   فيهم   بحمد   الله   بالخجل

باب    النجاة    هم     دنيا       وآخرة   
    وحبهم   فهو   أصل   الدين      والعمل

نور     الهدى     ومصابيح       الدجى    
   ومحل الغيث إن ونت الأنواء في المحل

أئمة      خلقوا      نوراً         فنورهم    
   من  محض  خالص  نور  الله  لم    يفل

والله  لا  زلت   في   حبي   لهم     أبداً   
    ما  أخر   الله   لي   في   مدة     الأجل

عمارة   قالها   المسكين   وهو     على  
     خوف من  القتل  لا  خوف  من    الزلل



***********************************








نشوان  بن سعيد الحميري



        هو نشوان بن سعيد بن سعد بن أبي حمير بن عُبَيْد بن القاسم      بن  عبد الرحمن  بن  مفضل  بن  إِبراهيم  ابن سلامة  بن أبي حمير الحميري   ينتهي نسبه إِلى القيل الحميري حسان ذي مراثد وقد جاء بقصيدته الحميرية المشهورة بالقصيدة النشوانية قوله :

أو ذو مَرَاثِدَ جدُّنا القيلُ بن ذي
                                         سَحَرٍ، أبو الأذواءِ رحبُ الساحِ

وبنوهُ ذوقَينٍ وذو شَقَرٍ وذو
                                            عمران، أهلُ مكارمٍ وسماحِ


        ولد في بلدة (حوث) من مدينة ( عمران)  و لا يُعرف تماما تاريخ ولادته  إلا  أنه  في  الأغلب في نهاية القرن الخامس  وقيل ولد في بداية القرن السادس الهجري .

 بدأ دراسته في (حوث) وعلى يد علمائها درس علوم الدين واللغة والتاريخ والأنساب والفلك والنبات .

      نشأ نشوان وترعرع فيها  حتى بلغ في العلم مكانا رفيعا بين أهل عصره وعلماء زمانه، وأصبح عالماً مجتهداً حائزاً على مؤهلات الاجتهاد وشروطه.

      ثم درس تاريخ اليمن و تعرف منها على ما كان لليمن في تاريخ  عظيم في العالم القديم من الحضارات الراقية   و كان له وللمنتسبين إِليه  دور في نصرة الإِسلام  ورفع رايته ونشر رسالته  وقد رفض كل الآراء  بتفضيل نسب على نسب وافتخر باليمن وأنسابها ولم ير  غيرها أفضل منها .
  فقال في تفاخره باليمن:

مِنّا التبَّايِعةُ اليمانون الأُلى
                                                  ملكوا البسيطة سَلْ بذلك تُخْبرِ

مِن كلِّ مَرْهوبِ اللقاء مُعصَّبٍ 
                                                   بالتاج غازٍ بالجيوش مُظَفَّرِ

تعنو الوجوهُ لسيفهِ ولرُمحهِ
                                                    بعدَ السُّجود لتاجِه والمِغْفَرِ

يا رُبَّ مفتخرٍ ولولا سَعيُنا
                                                       وقيامُنا مع جَدّه لم يَفْخَر

وخلافةُ الخُلفاء نحنُ عِمادُها
                                                       فمتى نَهُمّ بِعَزْل والٍ نَقْدِرِ

وبكُرَهْنِا ما كان من جُهّالنا
                                                    في قتلِ عُثمانٍ ومَصرعِ حَيْدَرِ

وإِذا غَضِبنا غَضبةً يَمنّيةً
                                                    قَطَرت صوارمُنا بموْتٍ أَحمرِ

فَغدتْ وهادُ الأَرضِ مُترعَةً دماً
                                                  وغَدتْ شِباعاً جائعاتُ الأَنْسُر

وغدا لنا بالقهر كُلُّ قبيلةٍ
                                                      خَوَلاً بمعروف يَزينُ ومُنكَر

وإِناخَةُ الضِيفان فرضٌ عندنا
                                                       يلقى به الولْدِانُ كلَّ مُبَشر

         كان   لنشوان راي خاص  في الامورالدينية والحُكمية  والامامة  ومضمون رأيه أنه لا يجوز حصر الإِمامة في قريش  ومن ثم  وبالأولى لا يجوز  حصرها  في  بني هاشم  لا في الفرع العباسي منهم  ولا في الفرع العلوي  وكانت تجربة نشوان الذاتية  هذه  في محيط اليمن وأثرها في تكوين رأيه القائل بأن الإِمامة تكون في أفضل  خلق الله كائناً من كان،ومن هذا المنطلق عارض نشوان مبدأ الحصر السلالي في  ابناء الحسن والحسين  بل ومبدأ حصرها في  قريش عامة  وهو بهذا الراي  يخالف المذهب الزيدي ويخالف أيضاً مذاهب إِسلامية أساسية تحصر هذا الحق في قريش بكل بطونها أو فروعها، ويتفق نشوان في هذا المبدأ  مع  فريق كبير من المعتزلة وبعض المرجئة ومع الخوارج بصفة عامة،وقد بين رايه  صراحة   في كتابه  ( الحور العين ) الذي استعرض فيه آراء مختلف المذاهب والفرق الإِسلامية وآراءها  فيمن  يتولى منصب الإِمامة  ويتقلد سلطة حكم الناس دينياً ودنيوياً  وقد اختار رأي (إِبراهيم بن سيّار )النظّام أحد أكبر العلماء من المعتزلة، ومؤسس الفرقة (النظامية)  فجاء في كتابه هذا قوله:
( قال بعض المعتزلة، وبعض المرجئة، وجميع الخوارج، وقوم من سائر الفرق:
إِن الإِمامة جائزة في جميع الناس، لا يختص بها قوم دون قوم، وإِنما تُسْتَحَقُّ بالفضل والطلب، وإِجماع كلمة أهل الشورى. وقال إِبراهيم بن سيّار النظّام .. وهو أحد الفرسان المتكلمين  ومن قال بقوله من المعتزلة:

   (( الإِمامة لأكرم الخلق واخيرهم عند الله، واحتجوا بقوله تعالى:( يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ [الحجر ات ). قال- النظّام-: فنادى جميع خلقه  الأحمر منهم والأسود  والعربي والعجمي  ولم يخص أحداً منهم دون أحد  فقال تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ  ) فمن كان أتقى الناس للّه  وأكرمهم عند اللّه  وأعلمهم باللّه  وأعملهم بطاعته  كان أولاهم بالإِمامة  والقيام في خلقه  كائناً من كان منهم  عربياً كان أو عجمياً ).

    واكد نشوان  رايه على كلام النظّام قائلا :   (وهذا المذهب الذي ذهب إِليه النظّام  هو أقرب الوجوه إِلى العدل وأبعدها عن المحاباة )
وقد اكد رأيه شعرا حيث قال :

أيُّها السَّائِلُ عَنِّي إِنّني 
                                              مُظهِرٌ منْ مذْهَبي ما أُبِطنُ

مَذْهَبِي التَّوْحِيدُ والعَدْلُ الذي 
                                            هُوَ في الأَرضِ الطّريقُ البَيِّنُ

إِنّ أولَى النّاسِ بالأَمْرِ الذي
                                                هُوَ أَتْقَى النّاسِ والْمؤتمنُ

كائنِاً مَنْ كَان لا يجهلُ ما
                                                     وَرَدَ الفَرْضُ به والسُّنَن


       ولما اعلن رأيه  للناس  شن عليه المتعصبون معارضة شديدة  شعواء  وهجوه شعراً ونثراً أقذع هجاء  وشكوه  فحكموا بكفره  وأهد ار  دمه، وأفتى علماؤهم  بقتله  لكنه لم يعبه  بارائهم وزاد تمسكاً برأيه  وعبر عن إِيمانه وتمسكه برايه  قائلا :

حَصَرَ الإِمامةَ في قُريشٍ مَعْشَرٌ
                                                      هُمْ باليَهُودِ أحَقُّ بالإِلْحاقِ

جَهْلًا كَما حَصَرَ اليَهودُ ضَلالةً
                                                    أمَر النُّبُوَّة في بَنِي إِسْحاقِ

 ولما اتهمه أحد الأئمة بالفساد فرد عليه  :

 من أين يأَتيني الفسادُ وليس لي
                                                  نَسبٌ خبيث في الأعاجم يوَجدُ

لا في عُلوج الرُّوم خالٌ أزرقٌ
                                                 أَبداً ولا في السود جَدٌّ أَسودُ

إِني من النَّسبِ الصَّريح إذا امرؤٌ
                                                 غلبت عليه العجم فهو مُولَّدُ

ما عابني نَسبُ الإِماء، ولا غدا
                                                    باللؤْم  مُعْرِقُهُنّ لي  بتردّدُ


     وقد بين رايه في  آل بيت المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم  ويرد على (الحسن الهبل ) احد العلماء المعارضين له  فيقول :

آل النبي هم أتباع ملته
                                                من الأعاجم والسودان والعرب

لو  لم  يكن  آله  إلا  قرابته
                                       صلى المصلي على الطاغي أبي لهب

 ويقول  ردا على بعضهم :

إذا جادلت بالقرآن خصمي
                                                     أجاب مجادلا بكلام يحيى

فقلت :كلام ربك عنه وحي
                                              أتجعل قول يحيى عنه وحيا؟!! ِ

    ولما  شاع أمر نشوان الحميري  وانتشر  فالتف حوله جموع من الناس ورأوا فيه انه  الرجل الأصلح لتولي مقاليد الحكم  وحفزهوه  وايدوه  على الدعوة لنفسه  فنال هذا التشجيع موضعا في تفسه  فأعلن دعوته  لنفسه  من   في وادي (صَبَر )  في أكناف صعدة. ولعله  كان يشعر  أنه دعا إِلى نفسه في وسط  اجتماعي غير مناسب لهذه الدعوة  وأنه حاول  اعلا ن مبادئه في بيئة غير صالحة ولا مناسبة  له  ولهذا ترك ( وادي صبر )  وعبر (الجوف)  وانتقل إِلى ( مأ رب )  وخطب فيها الجمعة داعياً إِلى نفسه  ثم توجه إِلى (بيحان)  وهي  مدينة (شبوة ) الحالية  فلقى فيها تأييداً أكبر  وقيل  ان  اهل بيحان ملكوه  عليهم  . 
ثم انتقل بعدها إلى (تريم ) ثم عاد الى بلدته ومسقط راسه في بلدة (حوث) التابعة لمدينة ( عمران )  ولم يدع مرة أخرى للإمامة او لغيرها  .

   انصرف  نشوان  الحميري  بعد عودته الى  مسقط راسه  للعلم والبحث والتأليف حتى أصبح من أشهر علماء اليمن في علوم  اللغة والدين  الأنساب والتاريخ  وجوانب اخرى عديدة  .

    وقد أشار إليه الإمام عبد الله بن حمزة الذي جاء بعده بنحو عقدين من الزمن في إحدى قصائده فيقول  :

ما قولكم في مؤمنٍ صوّامِ
                                                مُوحِّدٍ،    مجتهدٍ،     قوَّامِ

حَبْرٍ بكلّ غامضٍ علّامِ
                                                  وذِكرُهُ قد شاع في الأنامِ

بل هو من أرفعِ بيتٍ في اليمنْ
                                              قد استوى السرُّ لديهِ والعلنْ

وما له أصلٌ إِلى آل الحسنْ
                                            ولا إِلى آلِ الحسينِ المؤتمنْ

ثمّ انبرى يدعو إِلى الإِمامهْ
                                                 لنفسِهِ المؤمنة القوّامهْ؟

أما الذي عندَ جدودي فيهِ
                                                   فيقطعون لسنه من فيهِ

وييتمون جهرةً بنيهِ
                                                إِذ صار حقَّ الغير يدّعيهِ

           و هذه الأبيات شهادة  ببلوغه أعلى مراتب العلم والكمال  و الا ان ما فيها من حِدَّةِ العصبية وغلوِّها  سمة سلبية في ذلك العصر الحافل بالاتجاهات السياسية المتصارعة وما دار بينها من جدل عنيف أدى إِلى الغلوّ  بين مختلف الأطراف ولا أَدَل على ذلك من الخصام والصراع الجدلي والفكري شعراً ونثراً الذي  دار بين  نشوان الحميري  وبعض تلاميذه من ناحية وبين الإِمام القائم في عهده المتوكل على الله (أحمد بن سليمان)  وبعض أنصاره من ناحية أخرى  .

 قال فيه  الحافظ السيوطي:
  (الفقيه العلامة المعتزلي النحوي  اللغوي كان أوحد أهل عصره وأعلم أهل دهره فقيها نبيلا عالما متفننا عارفا بالنحو واللغة والأصول والفروع والأنساب والتواريخ وسائر فنون الأدب شاعرا فصيحا بليغا متفوها.)

       توفي بعد  ظهر يوم  الجمعة \  24 ذي الحجة سنة \ 573هـ‍ الموافق 13 يونيه\1178 ميلادية . ودفن في (حيدان) وقبره  على جبل يعرف اليوم بجبل (أبي زيد ) محافظة صعدة.

   ترك مؤلفات  عديدة  منها :

1- رسالة الحور العين وشرحها.
 2-  القصيدة الحميرية وشرحها او ملوك حمير وأقيال اليمن .
3- شمس العلوم .
4- التبصرة في الدين للمبصرين، في الرد على الظَلَمة المنكرين
5- التبيان في تفسير القرآن
6- التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض
7 -صحيح الاعتقاد، وصريح الانتقاد.
8 - الفرائد والقلائد
9 -مسك العدل والميزان في موافقة القرآن.
10- ميزان الشعراء  وتثبيت النظام

        نشوان الحميري  كان فريد عصره علماً  من اعلام اليمن والعرب  مفكراً  ومؤرخاً  ولغوياً ومفسراً بالإضافة لنبوغه  في النحو والصرف والأصول والأنساب والآداب وسائر الفنون الاخرى  شاعراً رائعا و فصيحاً  وكاتباً  بليغاً  وباحثاً  محققاً  واشتغل بالعلم والعمل والفهم والمعرفة  و يتميز شعره  بالبلاغة  والفصاحة  وسرعة الخاطرة   قريب الماخذ  واضح المعاني  في اسلوبية  رائعة   الا انه مقل  لانشغاله  بامور  اخرى .  سلك طريق العلماء  المجتهدين  والمفكرين  وكان يجادل أصحاب التقليد ويرد عليهم فيقول:

لا فرق بين مقلد في دينه
                                                راض  بقائده  الجهول الحائر

 وبهيمة  عجماء  قاد  زمامها
                                             أعمى على عوج الطريق الحائر ِ

    اختم  البحث بهذه القصيدة (الحميرية)   الرائعة  بقول :

الأَمرُ جِدُّ وهـو غيـرُ مُـــزاحِ
                                                 فاعمَلْ لنفسِكَ صالحاً ياصــاحِ

كيفَ البقـاءُ معَ اختلافِ طبــائعٍ
                                              وكُرورِ  ليلٍ   دائـــــمٍ   وصبَاحِ

الدهـــرُ أنصحُ واعظٍ يعِظُ الفتى
                                                 ويزيدُ فوقَ نصيحةِالنُّصّــــاحِ

انُظـرْ بعينيكَ اليقيـنَ ولا تَسـلْ
                                                يا أيُّها السَّكرانُ وهو الصــاحي

تجري بنا الدُّنيا على خَطـرٍ كمـا
                                                     تجري عليـهِ سفينةُ الملاّحِ

تجري بنــــا في لُجِّ بحرٍ مـالهُ
                                                من ساحلٍ أبداً ولا ضَحْضَــاحِ

شَغَلَ البـريّةَ عـن عِبـادةِ ربِّهـم
                                                  فِتنٌ   على  دنياهمُ   وتَلاحي

ومحبَّةُ الدنيـا التي سلكـتْ بِهـم
                                                  أبداً مع الأرواحِ  والأشبـاحِ

كـلُّ البريّةِ شاربٌ كـأس الرّدى
                                                   مِنْ حَتْفِ أنفٍ أو دمٍ  سَفَّاحِ

لا تبتئسْ للحـــادثاتِ ولا تكُنْ
                                                     بِمسرَّةٍ في الدهرِ بالمِفْراحِ

أفـأين هـــودٌ ذُو التُّقى ووصِيُّهُ
                                                    قحطانُ زَرْعُ نُبوَّةٍ   وصـلاحِ

أم أين يَعْرُبُ وهــو أوَّل مُعربٍ
                                               في الناسِ أبدى النطـقَ بالإفصاح

أم أين يَشْجُبُ خانهُ مـن  دهـرهِ
                                                   شَجَبٌ وحَاه لهُ بقـــدْرٍ  واحي

وسَبا بنُ يَشْجُبَ وهو أوّلُ من سَبا
                                               في الغزوِ قِدْماً  كــلَّ ذاتِ  وشاحِ

أو حِمْيرٌ وأخـوهُ  كهْـلانُ الـذي 
                                                أودى بحــــادثِ دهرِه   المجتاحِ

وملـوكُ حميرَ ألفُ مَلكٍ أصبحـوا
                                             في التُّرْبِ رهنَ ضَــرائحٍ  وصِفاحِ

آثـارُهم في الأرضِ تُخبرنا بهــم
                                                 والكتْبُ من سِيرٍ تُقَصُّ  صِحَـاحِ

أنسـابُهم فيها تُنِيرُ  وذِكرُهـــم
                                                 في  الطِّيبِ مثـــلُ العنْبرِ النفَّاحِ

ملكـوا المشارقَ والمغاربَ واحتَووا
                                                   ما بين أنقرةٍ  ونَجدِ  الجــــاحِ

ملكت ثمـودَ وعاداً الأخرى معـا
                                                   منهم كِرامٌ لم تكنب  شِحـــاحِ

أيــــن الهَمَيْسَعُ ثم  أيمنَ بعدهُ
                                                      وزُهيرُ  ملكٍ زاهرٍ  وضَّاحِ

في عصـــرهِ هلكتْ ثمودُ بناقةٍ
                                                    لقيتْ بها تَرَحاً من   الأتراحِ

وعَريبُ أو قَطَنٌ وجَيْــدانٌ معاً
                                                    أضحوا كأنهمُ  نَوَى  وضّاحِ

وزُهيــرُ الصَّوَّارِ أو ذو يَقْـدُمٍ
                                                      مُنِيا  بدَهرٍ  سالبٍ   طَرّاحِ

أم أين ذو أنسٍ وعمروٌ  وابنُه
                                                   المِلطاطُ  لُطّ  بُمسْحِتٍ  جَلاَّحِ

والمُلْكُ بعـــدهمُ إلى شَددٍ بهِ
                                            عَصفَ الزمانُ كعاصفِ  الأرياحِ

والحــارثُ الملكُ المسمَّى رائشاً
                                               إذ راشَ من قحطانَ كلَّ  جَناحِ

وحَبـاهمُ بغنائـمِ الفُـرْسِ التي
                                               فاضتْ على الجندي  والفلاَّحِ

وغـزا الأعاجمَ فاستباحَ بلادَهمْ
                                                  مَلِكٌ حِماهُ كان غيرَ   مُباحِ

ركبَ السفينَ إلى بـلادِ الهندِ في
                                               لُجَجٍ يسيرُ بها على   الألواحِ

وبنى بــــأرضهِمِ مدينةَ راية
                                                  فيها الجُباةُ  لعاملٍ  جرّاحِ

والتــركُ كانت قد أذلَّتْ فارساً
                                              لم يُستروا من شرِّهمْ  بوجِاحِ

فشَكَــوا إليه ، فزارهُمْ بمقانِبٍ
                                                 فيها صُرَاحٌ ينتمي  لصُراحِ

تركـوا سَبايا التركِ فيمـا بينهم
                                               للبيع تُعْرضُ في يدِ  الصيّاحِ

وغَـدا مَنُـوشهرٌ يَمُتُّ بطاعةٍ
                                                 وولايةٍ   من   مُنْعِمٍ   مَنَّاحِ

أو ذو المنَـارِ بنـى المنارَ إذا غزا
                                                   ليدلَّهُ  في رَجْعةٍ   ومَراحِ

ألقى بمُنقَطعِ العمِــــارة بَرْكَهُ
                                             في الغربِ يدعو لاتَ حِينَ  بََراحِ

والعبدُ ذو الأذعـار إذ ذَعَر الورى
                                                 بوجوهِ قومٍ في السِّباء قباحِ

قـومٌ مـن النسْناسِ مذكورون في
                                              أقصى الشمالِ شِمال كلِّ  رياحِ


وأخوهُ إفريقيسُ وارثُ مُلكـــهِ
                                               حَتْفُ العدوِّ  وجابر  الممتاحِ

ملكٌ بنـــى في الغربِ إفريقيةً
                                               نُسبت إليه بأوضح  الإيضاحِ

وأحـــلًَّ فيهــا قومَه فتملّكوا
                                                   ما حولها من بلدةٍ   ونَواحِ

وكــــذلك الهَدْهادُ أيضا عامر
                                                  هُدَّت قواعدُ ملكهِ  المنصاحِ

أم أيـــن بِلْقِيسُ المعظَّمُ عرشُها
                                            أو صرحُها العالي على  الأصراحِ

زارتْ سليمــــانَ النبيَّ بتَدْمُرٍ
                                                 من ماربٍ  دِيناً بلا   استِنكاحِ

في ألفِ ألفِ مُدَجَّجٍ من قومِهــا 
                                                   لم تأتِ في  إبلٍ إليه  طِلاحِ

جــاءتْ لتُسْلمَ حين جاء كتابُهُ
                                                 بدعائِها مع     هُدهُدٍ  صدَّاحِ

سجـدتْ لخالقها العظيم وأسلَمتْ
                                           طَوْعاً وكان    سجودُه     الِبَراحِ

أو يـــاسرُ الملكُ المعيدُ لما مضى
                                                 من مُلك حَيٍّ  لا  تراهُ    لَقاحِ

أبقــى بوادي الرَّملِ أقصى موضعٍ
                                              بالغربِ مُسندَ   ماجِدٍ   جَحْجاحِ

لم يلقَ بعـــــدَ عُبُورهِ نبتاً ولا
                                              شيئاً من الحيوانِ ذي  الأرْواحِ

أم أين شَمَّرُ يُرْعِشُ الملكُ الــذي
                                            مَلكَ الورى بالعُنفِ    والإسْجاحِ

قـــد كان يُرْعِشُ من رآه هَيبةً
                                                 ورنا  إليهِ   بطرْفِهِ   اللمَّاحِ

وبـــه سَمَرْقَنْدُ المشارقِ سُمّيتْ
                                                   للهِ  من  غازٍ   ومن   فَتَّاحِ

وأتــــى بمالكِ فارِسٍ كيقاوسٍ
                                                 في القيدِ يَعْثرُ مثخناً  بجراحِ

فأقـــــامَ في بئرٍ بمارب بُرْهةً
                                              في السجن يجأرُ معلناً بصَياحِ

فاستوهبتْ سُعدى أبـــاها ذنَبهُ
                                                فعفى  وسيَّرهُ  بحسن  سَراحِ

والأقـــرَنُ الملكُ المتـوَّجُ تُبّـَعٌ
                                                   عَرَكَ  البلادَ    بكَلْكلٍ  فدَّاحِ

وغـزا بلادَ الرومِ يبغي واديَ
                                                 الياقوتِ صاحبَ عزّةٍ  وطِماحِ

فقضى هنــــالك نحْبهُ وأتى
                                                    إلى أجلٍ مُعَدٍّ للحِمامِ  مُتاحِ

والرائــــــدُ الملكُ  المتَّوجُ  تُبَّعٌ
                                                 ملكٌ يرودُ الأرضَ   كالمسّاحِ

فتـــحَ المدائنَ في المشارقِ وانتحى
                                                 للصينِ   في   بريّةٍ    وبراحِ

فـــــأذاق يعبرَ حتفهُ فدحى بهِ
                                                    في قعرِ لحدٍ  للمنيَّةِ  داحي

وأحــــلَّ مِن يَمَنٍ بتُبَّتَ معشراً
                                                أضحوا بها  عنّا من    النُّزّاحِ

والتُّركُ قبلَ الصينِ كـــان لهم
                                               بهِ يومٌ شَتِيمُ  الوجهِ  والأكلاحِ

والكــــاملُ الملكُ المتوَّجُ أسعدٌ
                                                  فيه   تقصِّر  مِدحةُ   المدّاحِ

كـم قـادَ مـن جيشٍ أجشَّ لبابلٍ
                                                     وكتيبةٍ تغشى البلادَ  رَداحِ

حتى استباحَ بلادَ فـــارسَ بالقَنا
                                                  وبكلِّ أجردَ في الجِيادِ  وقاحِ

والتُّركُ والخزرُ استبـــاحَ بلادهمْ
                                                   والرومُ  منهُ  تتَّقي  بالرّاحِ

والصينُ تجبي خرجَهــــا عُمّالُهُ
                                               في بُكرةٍ من  دهرِهم   ورَواحِ

نطـــحَ الأعاجمَ في جميعِ بلادهمْ
                                                 بأحدِّ قرْنٍ في الوغى   نَطَّاحِ

وأذاقَ موليسَ الحِمـــام وجُؤذَراً
                                                  ونجى  قُباذُ  كثعلبٍ  صيّاحِ

حتى أتـــاهُ ذو الجَنـاحِ برأسـهِ
                                             من أرض بَلْخَ ونهرِها المُنْسَاحِ

وأتى بقُسْطنطينَ في أغــــلالهِ
                                                وبِهرْمُزٍ   في  قيدِهِ   الملحاحِ

وغـزا إلى أرضِ الشمالِ فخاض في
                                                   ظُلماتِها بمنارةِ    المصباحِ

وكسى البَنِيّةَ ثم قرَّب هَــــدْيَهُ
                                                   سبعينَ ألفاً من بناتِ   لقاحِ

أم أيـن حسـانُ بـن أسعدَ خـانهُ
                                                   دهرٌ تلا الإحسانَ   بالأقباحِ

وريـــاحٌ الطَّسْمـيُّ لمـا جـاءهُ
                                                  مستعدياً فشفى غليلَ   رِياحِ

أفنى جَدِيساً باليمامةِ إذ عَلــــوا
                                                طَسْماً بحدِّ   ذَوابلٍ    وصِفاحِ

أم أيـــن عمرو وصِنوُه المُردِي لهُ
                                                 فأصاب صَفْقةَ خاسرٍ    كَدَّاحِ

لم يستمعْ من ذي رُعَينٍ عَـــذْلَهُ
                                                 والحَيْنَ لا يثنيهِ لَحيُ  اللاّحي

فبــدت ندامتُـه وجانبـهُ الكَرا
                                              فرأى السلوَّ  بغيرِ شُربِ   الرّاحِ

أفنى رجـــالاً شاركوه فأصبحوا
                                               ككِباشِ  عيدٍ  في  يديْ  ذ َبَّاحِ

أو تُبَّعُ عمرو بنُ حسَّـــانَ الذي
                                                  سفحَ الدَّماءَ بسيفهِ   السَّفاحِ

قتـــــلَ اليهودَ  بيثربٍ وأراهمُ
                                                      أنيابَ ثغرٍ للمنيَّةِ    شاحِ

أم أيـــن عبدُ كَلالٍ الماضي على
                                                دينِ المسيحِ الطاهرِ   المسَّاحِ

أو ذو مَعاهِرَ غُلِّقتْ ابـــــوابُهُ
                                                 فأتى لها   الحَدَثانُ   بالمفتاحِ
د
أو ذو نُواسٍ حافرُ الأُخـــدودِ في
                                                نجرانَ لم يَخْشَ احتما  لَجُناحِ

ألقى النَّصـــارى في نِيارٍ أُجِّجَتْ
                                                  بوَقُودِ  جمرٍ مُضرَمٍ    لَفَّاحِ

فدعـــــا له ذو ثَعلبَانَ أحابِشاً
                                              منهم بقاعُ الأرضِ غيرُ  ضَواحِ

فتقحَّمَ البحرَ العميقَ بنفســــهِ
                                                وسلاح   وجوادهِ      السَّبّاحِ

فغـــــدا طعاماً بعد عزٍّ باذحٍ
                                            للحوتِ من نُونٍ ومن  تِمْساحِ

وأتى ابنُ ذي يَزَنٍ بأبنـــا فارِسٍ
                                             لما تغرَّبَ   وانثنى     بنجاحِ

فغـــدا الأحابشُ للأعاربِ أعبُداً
                                           يَشْرونهمْ  بخسارةٍ       ورَباحِ

أيـــــن المثامِنةُ الملوكُ ومُلكُهمْ
                                            ذَلّوا لصَرفِ الدهرِ بعدَ   جِماحِ

ذو ثَعْلَبان وذو خليــــلٍ ثم ذو
                                           سَحَرٍ وذو جَدَنٍ وذو   صِرْواحِ

أو ذو مَقــــارٍ قبلُ أو ذو حَزْفَرٍ
                                                  ولقد محاذا عُثْكلانٍ  ماحِ

تلك المثامِنةُ الذُّرى مــــن حِمْيرٍ
                                            كانوا ذوي الإفساد   والإصلاحِ

أو ذو مَراثِدَ جَـــدُّنا القَيْلُ ابن ذي
                                            سَحَرٍ أبو الأذواءِ رحْبُ السّاحِ

وبنــــوه ذو قَيْنٍ وذو شَقَرٍ وذو
                                              عِمرانَ أهلُ مَكارمٍ   وسَماحِ

والقيـــــلُ ذو دُنيان من ابنائهِ
                                              راحَ الحِمامُ إليهِ في   الرُّواحِ

خدمتهــــمُ جنُّ الهواءِ وسُخِّرت                                                                                                                                                                                                                                                ل                                            لمقاولٍ بيضِ الوجوهِ    صِباحِ

أم أيـــن ذو الرُّمحين أو ذو تُرْخُمٍ
                                                 سُقِيـا بكاسٍ  للمنونِ  ذ َباحِ

أم أين ذو يَهَرٍ وذو يَــــزَنٍ وذو
                                                بَوْسٍ وذو بَيحٍ وذو   الأنواحِ

أم أيــــن ذو قَيْفان أو ذو أصْبَحٍ
                                                 لم ينجُ  بالإمساءِ   والإصباحِ

أم أينَ ذو الشَّعبين أصبح صَدعُـــهُ
                                                    لم  يلتئمْ كمشَّعبِ  الأقداحِ

أو ذو حِــــوالٍ حِيل دون مَرامِهِ
                                                أو ذو مَناحٍ لم يُنِخبُ  مراحِ

أم أيــــن ذو غُمدانَ أو ذو فائشٍ
                                                أو ذو رُعَينٍ لم   يفز   بفلاحِ

أو ذو الكُبـاسِ وذو الكَلاعِ ويحصُبٍ
                                              أضحوا وهم للنائباتِ    أضاحي

والقَيـْــلُ أبرهـةُ بن صَبَّاحٍ قضى
                                                نحباً وأبرهةٌ    أبو   الصبَّاحِ

والصعبُ ذو القــرنينِ أدركهُ الردى
                                                قصداً ولم يُضرب لهُ   بقداحِ

وسطـــا على الصيفيِّ هاتِكُ عرشهِ
                                              وعلى أخيهِ جَذِيمةَ    الوضّاحِ

وجَذيمةُ الوضاحِ غيرُ جذيمـة
                                              الزباءِ عن علمٍ وعن   إصحاحِ

والحُرَّةُ الزَّبّاءُ سِيقَ لهــــا الرَّدى
                                              بيديْ قصيرِ الخُسرِ  لا الأرباحِ

قتلتْ جــذيمة وهو خـاطبُها ولم
                                                 تفعلْ كفعلِ نضِيرةٍ  وسَجاحِ

أم أيـن ذو أقْيان أو ذو أفرعٍ
                                                أو ذو الجَناحِ هِزَبْرُ كلِّ  جَناحِ

أو ذو العَبيرِ وذو ذَرانحَ خــــانَهُ
                                                  دَهرٌ   يُعيدُ النَّسرَ   كالذُّرّاحِ

أم أيـن ذو  بَيْنـونَ  أو ذمَـر
                                               علـي وبنو شَراحِيلٍ وآلُشَراحِ

أم أيـن ذو شَهْـرانَ أم ذو مـاورٍ
                                                  أضحتْ  زِنادُهما  بلا   قَدّاحِ

أم أيـن فهـدٌ أو همـالٌ وابنــهُ
                                                 زيدٌ عفاهم   دهرُهمْ  بمساحِ

أم أيـن ذو ثـاتٍ وذو هَكِـرٍ وذو
                                                نَمِرٍ وذو صبِرٍ وذو   المِشراحِ

أم أين ذو غَيمانَ أو ذو شَوْذبِ
                                              اللاهِي ببيضٍ في النساءِ مِلاحِ

أم أيـــن ذو نبْعٍ وذو سُخْطٍ معاً
                                             أو ذو الملاحي لاتَ حِين   مُلاحِ

أم أيـــن ذو أوسانَ أو ذو مَأذنٍ
                                              أم أين ذو  التيجانِ   والإبراحِ

وعَبـاهِلٌ من حَضْرَمُوتٍ  من
                                                بنــي أحماد والأشبا وآلصَباحِ
والغرُّ مــن جَـــدَنٍ وأبنا  مُرَّةٍ

                                                 وبني شَبيبٍ  والأُلى  منشاحِ

وبنو الهَزيلِ وآلُ فهـــدٍ منهــمُ
                                                 من كلِّ هَشٍّ   للندى  مُرتاحِ

أذْواءُ حميــرَ قـد ثَوَتْ ومُلوكُها
                                            في التُّربِ مِلكُ ضَرائحٍ  وصِفاحِ

أضحــوا تُراباً يُوطَئون   كمثْلِ
                                               مـا وطِئَتْ هَوامِدُ تربةٍ وبِطاحِ

ذَلّتْ لهــم دُنيــاهـمُ ثم انثَنتْ
                                                ترميهمُ   بالحافرِ     الرَّمّاحِ

مَطرتْ عليهم بعـد سُحبِ سُعودِهم
                                               سُحبُ النُّحوسِ بوابلٍ  سَحَّاحِ

ما هابَهم رَيبُ المنونِ  ولا
                                             احتمـوا عنهُ بأسيافٍ ولاأرماحِ

كــلاّ ولا بعسـاكرٍ ودسـاكرٍ
                                                   وجحافلٍ ومَعاقلٍ   وسِلاحِ
د
سكنوا الثَّرى بعد القُصـورِ ولهوِهم
                                                  بمطاعمٍ  ومشاربٍ  ونِكاحِ

اضحتْ مُـدَعْثرةً قصــورهُمُ التي
                                              بُنيتْ   بأعمدةٍ   منال   صُّفّاحِ

والدهـرُ يمـزِجُ بـؤسَهُ بنعيمــهِ
                                              ويُرِي بنيهِ  الغمَّ  في  الأفراحِ



                    *********************





                 علي بن المقرّب العيوني



         ابو عبد الله  جمال الدين علي بن المقرب  بن منصور بن المقرب بن  الحسن بن عزيز ضبار بن  محمد بن ابراهيم  الربعي العيوني  وقيل البحراني الاحسائي .

       يرجع  نسبه  إلى العيونيين  من  بني عبد القيس  الذين  حكموا الأحساء . وكان من أدبائها البلغاء وأمرائها النبلاء ينتهي نسبه إلى عبد الله بن علي بن إبراهيم العيوني الذي أزال دولة القرامطة من ربيعة ،     و لم تزل القرامطة في دولتهم حتى أباد الله  دولتهم  وأخمد  صولتهم  بظهور الأمير عبد الله  بن علي العيوني الأحسائي آل إبراهيم من ربيعة جد الأمير علي  بن مقرب  الشاعر الأديب ( المترجم  له )  - فبقي      يغاد يهم ويراوحهم بالحرب مدة سبع سنوات وهو في أربعمائة رجل وربما تزيد ميلا حتى ذهبت أيامهم وعفت رسومهم وأعوامهم وإلى ذلك يشير الشاعر علي بم المقرب  في بعض قصائده:

سل القرامط من شظى جماجمهم 
                                      طرا وغادرهم بعد العلا خدما

من بعد أن جل بالبحرين شأنهم 
                                  وأرجفوا الشام بالغارات والحرما

وما  بنوا  مسجدا  لله  نعلمه
                                     بل  كلما  وجدوه  قائما  هدما

وحرقوا عبد قيس في منازلها 
                                  وغادروا الغر من ساداتها حمما

وهو شاعر الدولة العيونية  ويعتبر ديوانه  والشروحات عليه  أهم مصادر تاريخ الدولة  العيونية .

          وُلِدَ علي ابن المقرب حوالي سنة \ 572 هـجرية – 1176 ميلادية  في  مدينة ( العيون)  بالأحساء وبها  ترعرع وشب  واكتمل.
و عليه، فقد  ولد  الشاعر ابن  المقرب في الإمارة  العيونية  و من المعروف،  ان حدود إقليم الإمارة العيونية الحقيقية و الطبيعية، هي منطقة البحرين التي تمتد اصلاً من مدينة (كاظمة )  شمال شرقي الجزيرة العربية (الكويت حالياً)، إلى بلاد العروض التي تشتمل على الأطراف الصحراوية المحاذية ل(قطر ). و إن كانت مراكزها الرئيسية هي: هجر (الأحساء) و جزيرة( أوال) و (القطيف ) ، لأن هذه المناطق مناطق شبه استقرار، لاعتمادها على الزراعة و لتوافر المياه الجوفيه فيها.   بين بني عشيرته الأمراء العيونيين العرب وفيها يقول :

وَ خَطَّهَا  الخَطَّ  إرقَالاً  وَ أَولِ  قلىً 
                          أوَالَ لاَ نَادِماً و أهجُر قُرى هَجَرِ

 ويقول ايضا :

لاَ تُكثِرِي مِن مَقَالاَتٍ تَزِيدُ ضَنىً
                      مَ الخَطُ امَّي وَلاَ وادِي الحَسَاءِ أَبِي

       ونظم الشعر في سن مبكرة وهو لا يتجاوز العاشرة من عمره وقضى أيام شبابه بالأحساء وكان طموحا للملك، وقد شاهد بام عينه مدى التناحر والانشقاق في الأسرة العيونية، وطمع كل أمير في الاستئثار بالملك حتى تجزأت بلاد البحرين إلى إمارات بين أسرته، وظل كل أمير يثب على اخيه او ابن عمه  فيقاتله أو يقتله . وقد أصاب الشاعر شيء من هذه المحنة .
      اضطهده أمير الدولة العيونية (  أبو المنصور علي  بن عبد الله بن علي ) وكان  احد  أقاربه،  فأخذ  أمواله  وادخله السجن فترة من الزمن . ثم  أفرج عنه   فرحل الى العراق   فمكث  في  بغداد  شهورا  عديدة ففي سنة \605 هـحرية  قال ابن المقرب بائيته المشهورة  و هو في بغداد  ذاكرا سجنه و نكبته:

وَ لَم  يَكفِهِم  قَيدٌ   ثَقِيلٌ    وَ خَشبَةٌ
                                       بِرِجلِيَ في دَهمَاءَ تُنسِي المَصَائِبَا.

       ثم عاد  الى الاحساء  فنزل في ( هجر) و حين تولى محمد بن ماجد عاد إلى  مسقط  رأسه  فمدحه  أملا  منه في استرجاع  أملاكه،  فماطله في وعده  ووشى  به  بعض حساد ه من جلساء الأمير  فخاف الشاعر على نفسه  فاضطر لمغادرتها  و نزل  في ( القطيف ) ولبث  فيها  فترة مدح أميرها الفضل بن محمد  لكن دون جدوى، فرحل عنها  الى  بلده      (  الاحساء  )  فاستقر  ثانية  في  بلده  محاولا  منه في إصلاح الوضع وقد أصابته من بني عمه نكبات أوجبت عليه  تجشم الغربة  .
  وقد انشد في غربته :

في كل أرض إذا  يممتها  وطن 
                                   ما بين حر وبين الدار من نسب
إذا الديار تغشاك الهوان بها 
                                      فخلها لضعيف العزم واغترب

وقال ايضا :

فان  ساءتك   أخلاق   أهله
                             فدعه فما يغضي على الضيم  ماجد
فما هجر أم غذتك  لبانها 
                               ولا الخط  أن  فارقتها  لك   والد
وقال ايضا :
خلياني  من  وطاء   ووساد
                                  لا أرى النوم على شوك القتاد
واتركاني  من  أباطيل  المنى
                               فهي بحر ليس يروى منه صادي
انما    تدرك   غايات   المنى 
                                 بمسير   أو   طعان  أو  جلاد

       فلما  يئس  من الاصلاح  غادر الاحساء  إلى الموصل  حيث  مدح  أميرها  بدر الدين  الا انه  هجاه  أخيرا  حين  لم  يصل منه إلى غاياته  وكان  هذا  الأمير  مملوكا  من اصول  أرمنية  فمما  قاله  في هجائه :

تسلط    بالحدباء  عبد   للؤمه 
                                       بصير بلى عن كل مكرمة
عمي إذا أيقظته لفظة عربية
                                     إلى  المجد  قالت  أرمنيته

         وفي  سنة \ 617 هجرية   زار  الموصل  على امل  لقاء الملك الاشرف بن الملك العادل   فلما  وصل  إليها  كان  كان الملك الأشرف قد  ترك  الموصل  لمحاربة  الإفرنج  في مدينة ( دمياط )   من اعمال مصر . فاجتمع  في الموصل  بالمورخ  ياقوت الحموي
  
      وذكر ياقوت  أنه  مدح  بالموصل (بدر الدين - لؤلؤ ) - وغيره من الأعيان، ونفق، فأرفدوه  وأكرموه .

           عاد بعد ذلك إلى البحرين، فتوفي  بها  او  ببلدة ( طيوي ) في عمان  سنة\ 629 هجرية – 1232 ميلادية   وقيل  في رواية اخرى انه توفي  سنة \630 هجرية – 1233 ميلادية.

        و من طريف ما تحدّث  به  أحد  كبار السن من الأحساء، من  أنّ ابن مقرب، كان  ذا  صلة بالحلاقين و عليه  ثأر من مجموعة ما، قرب منهم، و أوصى أن يَدفِن معه كل حلاّق في البلدة أمواساً و سكاكين، و أن يُغطى بها قبره، و لما مات  جاء  أولئك  الذين  يطلبونه  بدم، و راحوا ينبشون القبر ليخرجوا جثته  فيمثلوا  بها، لكنهم  كلما  حاولوا الحفر جرحتهم  موسى أو سكين، فتركوه  و رجعوا  دون  أن  يظفروا به   .
       وقيل  هناك قصة أخيرة  يرويها  الشاروني، و مجملها: 

           ( أن ابن المقرب بنى قصراً و جعل أساسه ملحاً، و دعا
عشيرته إلى وليمة غداء، فلما  تجمعوا، و أقبلوا على تناول الطعام،
 أمر ابن المقرب  بدفع  الماء في الساقية، بحيث يمر المار بجوار قاعدة القصر، فذاب الملح، و انهارت جدران القصر على من فيه، فمات منهم من مات، و بقي منهم من بقي، غير ان من نجا  منهم  باعجوبة، لم ينجو من عاهة  دائمة واعتقد  أن هذه  القصص فيها  الكثير من المبالغة،  و لا تعتمد على جوهر وربما  تكون  عن  خوفه من المنتقمين منه  حتى على نبش قبره و التمثيل بجثته.

 وقد اختلف  المؤرخون  في مكان  وفاته، فبعضهم يرى أنه توفي الأحساء، و بعضهم يرى أنه توفي  في ( طيوي)..   وقيل  ما  زال حصن ابن مقرب و كهفه باقيين حتى اليوم في جبلين  متقابلين  بقرية ( جريف) بأعلى وادي (طيوي)

         نشأ ابن المقرب في بيئة علمية، و درج و استكمل نموه في بيئات و طبقات الانحلال السياسي و الاجتماعي لبلاده، فانفعل بها و استوحاها، فأوحت إليه، كما أسعفته موهبته أن يحظى برؤية أدبية فريده، لا مثيل لها عند أحد من أفراد عشيرته يومذاك.. و عليه كانت هذه البيئة التي نشأ فيها ابن المقرب، و شبّ و ترعرع لها أثرها و تأثيرها العظيم في تفتح  عبقريته الشعرية و ازدهارها .

         في زمنه تغلبت  نزعة البيان و البديع و المحسنات اللفظية في مجال الأدب، و أخذ  الشعراء (يقلدون الشعراء الأقدمين  تقليداً  حرفياً و يهتمون بشكليات الحياة و توافهها دون جوهرها و محتواها)-  لكنه  الا انه تمرد  على هذه الحالة و ركز على الجوهر تاركا سفاسف الامور   و فكانت هذه هي السمة البارزة من شاعريته، و هي التي استهوت أفئدة الناس من أدبه، و قربته بالفعل كشاعر من قلوبهم حين استطاع أن يرفع   حسه  الوطني  إلى مستوى الحس الإنساني في تعبيراته الشعرية..

      و قد تعرض مجتمعه للفساد فتدهورت الأخلاق و انتشر الرياء     و النفاق بين الناس و عمّت الرشوة و ساد الظلم و الاعتداء و لم يبق من ظواهر الأصالة و الحضارة العربية غير نفوس أبية حرة و فئات فكرية واعية تثور بين وقت و آخر  هنا أو هناك في  أجزاء  الوطن العربي الكبير  محاولة   مقاومة الظلم و الانحطاط و العودة إلى حياة الخلق و الإبداع  و كانت هذه الظواهر الفردية المنعزلة بمثابة مشاعل تضيء طريق الحياة العربية وكان الشعر هو الأداة الفعالة و السلاح البتار،و الميدان الذي وجد فيه  ابن المقرب مكانه، فيقول:

أجرَى نِزاراً كيفَ شاءَ و يعرُباً
                             بالكُرُهِ من مُرادِها، و عُتاتِهَا

ما حارَبَتهُ قبيلةٌ إلا غدت
                             أحياؤها وفداً على أمواتِها

ولما تحسنت احوال  البحرين بفضل الأوضاع الاقتصادية
 وازدهرت  قال:

كانَت به البحرينُ جنةَ مأربٍ
                                                        أيام بهجَتِهَا و طيبِ حياتِهَا

 ومن شعره في الغزل  يقول :

فيا باكياً قبل النوى خشيةَ النوى
                                 رويداً بعينٍ جفنُها سوف يقرحُ

و لا تعجلن و استبق دمعك إنني
                             رأيتُ السحاب الجون بالقطر يترَحُ

إذا كنتَ تبكي و الأحبةُ لم ترِد
                                     ببيتهُمُ    إلا   حديثٌ  مُطوَّحُ

فكيف إذا ما أصبحت عينُ مالكٍ
                             و حبلُ الغضا من دُونِهِم و المُسيَّحُ


 واختم  البحث في  ابيات من شعره فيقول:
 
كَم  أُرجِعُ  الزَفرَاتِ   في   أَحشائي   
    وإلامَ   في   دارِ   الهَوانِ      ثوائي

لم  يَبقَ  مِنّي  مِن  مُساوَرَةِ     الأَذى     
  وَالضَّيمِ   غَيرُ    حُشاشَةٍ      وَذماءِ

في   دارِ   قَومٍ   لَو   رآهُم     مالِكٌ   
    وَهُمُ    بِأَحسَنِ    مَنظَرٍ       وَرُواءِ

لَرَثى   لِأَهلِ   النارِ   كَيفَ   يَراهُمُ   
    وَهُمُ   لَهُم    فيها    مِنَ      القُرَناءِ

ثَكِلتهُمُ    الأَعداءُ     إِنَّ       حَياتَهُم 
      غَمُّ   الصَّديقِ    وَفَرحَةُ      الأَعداءِ

أَموالُهُم    لِذَوي    العَداوَةِ       نُهبَةٌ   
    وَعَنِ  المَكارِمِ   في   يَدِ     الجَوزاءِ

لا  يُعرَفُ  المَعروفُ  في    ساحاتِهم 
      إِلّا   كَما    يُحكى    عَنِ      العَنقاءِ

جَلَدُ  الجَمالِ  عَلى   الهَوانِ     وَفيهمُ
       ضَعفُ    الدَبا    وَتَلَوُّن      الحِرباءِ

وَإِذا   اِبتَدَوا   بَحثُوا   البَذا   فَكَأَنَّهُم  
     دُجَجٌ    تَباحَثُ    عذرَةً       بِفَضاءِ

عُميٌ   عَنِ   الإِحسانِ   إِلّا      أَنَّهُم  
     أَهدى   إلى   لُؤمٍ    مِنَ      الزَّرقاءِ

صُمٌّ  عَنِ   الحُسنى   وَلَكِن     طالَما  
     سَمِعوا  كَلامَ  الحُكلِ   في   العَوراءِ

جَعَلوا  المِحالَ  إِلى  المُحالِ    ذَرائِعاً   
    تُغني   عَنِ   البَيضاءِ      وَالصَّفراءِ

عَجباً لَهُم وَذَوو النُّهى  ما  إِن    تَرى
       عَجَباً  سِوى  ما  هالَ  قَلبَ    الرَائي

أنفٌ    بِأَعنانِ     السَّماءِ     مُظِلَّةٌ   
    وَاِستٌ   تُوَبِّعُ   في   قَرارِ      الماءِ

وَيُفاخِرونَ   بِمَعشَرٍ   دَرَجوا      وَلَم   
    تَدرُج   جِبالُ    الرَملِ      بِالبَيضاءِ

لَيسَ   العِظامِيُّ    الفَخارَ    بِمُدرِكٍ  
     شَرَفَاً     بِباقي     رِمَّةٍ        كَهباءِ

لَكِن     عِصامِيٌّ     كَفَتهُ       نَفسُهُ 
      شَرَفَ   الجُدودِ    وَمَفخَرَ      الآباءِ

ما    لِلعظامِ     وَلِلفَخارِ       وَكُلُّهُم   
    في     سِربِهِ      كَبَلِيَّةٍ        عَمياءِ

خَلّوا    الفَخارَ    لِمَعشَرٍ      أَولوكُمُ  
     ذُلَّ     الهَوانِ     بِغِلظَةٍ       وَجَفاءِ

مَسَحوكُمُ   كَالضَّبعِ   حَتّى   أُوثِقَت
       جُددُ   الجِبالِ    بِرِجلِها      العَرجاءِ

وَتَبادَرُوها    بَعدَ    مَسحِهمُ   لَها 
      سَحباً   عَلى   البَوغاءِ     وَالحَصباءِ

ما  فَخرُ  فَدمٍ   ما   لهُ   في   مُلكِهِ 
      لَو  شاءَ   مِن   أَخذٍ   وَلا     إِعطاءِ

ما   جَمَّعوا   مِن    سِكَّةٍ      مَأبورَةٍ  
     أَو     مُهرَةٍ     مَأمورَةٍ        غَرّاءِ

وَبَقِيَّةُ    المالِ    المُحرَّزِ       قِسمَةٌ   
    أَرَّثتَهُ      في      أَعبُدٍ        وَإِماءِ

يا  لَلرّجالِ   أَلا   فَتىً   ذُو     نَجدَةٍ 
      يَحمي    بِمُنصلِهِ    عَلى      العَلياءِ

تااللَّهِ   أُقسِمُ   لَو   دَعَوتُ     بِنُدبَتي 
      حَيّاً     لَلبّى     دَعوَتي       وَنِدائي

لَكِنَّني   نادَيتُ   مَوتى    لَم    تَزَلَ      
 أَشباحُهُم    تَمشي    مَعَ      الأَحياءِ

أَلِفوا   الهَوانَ   فَلو   تَناءى     عَنهُمُ   
    لَسَعوا    لِبُغيَتِهِ     إِلى       صَنعاءِ

لِلّهِ    قَومٌ    مِن    ذُؤابَةِ      جَعفَرٍ  
     لَم  يُغمِضوا   جَفناً   عَلى     الأَقذاءِ

لَمّا   رأَوها   أَنَّها   هِيَ      صَمَّمُوا 
      تَصميمَ    تَغلِبَ     وائِلِ     الغَلباءِ

حَتّى  سَقوا  عَلَلاً  صُدورَ     سُيوفِهِم 
      عَلَقاً     يُبَرِّدُ     غُلَّةَ        الشَحناءِ

فَهُناكَ   طابَت   خَيبَرٌ      وَاِستَبدَلَت   
    مِن    بَعدِها    السَّرّاءَ      بِالضَرّاءِ

ما  ضَرَّ  أَشباهَ  الرِّجالِ   لَوَ     اِنَّهُم  
     فَعَلوا    كَفِعلِ     أُولَئِكَ       النُجَباءِ

فَالمَوتُ  خَيرٌ   مِن   حَياتِهِمُ     الَّتي 
      كَحَياةِ   نونٍ   باتَ    في      بَهماءِ

أَو هاجَروا في الأَرضِ فَهيَ عَريضَةٌ  
     فَالتّيهُ  خَيرٌ   مِن   حِمى     الأَحساءِ

لَكِنَّهُم  مِثلُ  القَنافِذِ   إِذ   تَرى   ال  
     عُقبانِ    تَستَلقي    عَلى    الأَقفاءِ

يا   حَبَّذا    بَقَرُ    العراقِ      فَإِنَّها   
   لَأَشَدُّ     مَحميَةً     وَخَيرُ       وَفاءِ

فَالبَرُّ    أَوسَعُ    وَالمَناهِلُ       جَمَّةٌ   
    وَالبُعدُ   مُقتَربٌ    عَلى      الأَنضاءِ

وَبِجانِبِ   الزَوراءِ   لي     مُستَوطَنٌ    
   إِن  شِئتُ  أَو   بِالمَوصِلِ     الحَدباءِ

في حَيثُ لا أَلقى الحَسودَ  أَخا  
 شجاً تَغلي    مَراجِلُهُ  عَلى الخُلطاءِ

وَبِحَيثُ   إِخوانُ   الصَّفاءِ     يَضُمُّها  
     حُسنُ    الوفاءِ    وَشِيمَةُ      الأُدَباءِ





***********************













أبو العباس الجراوي



        هو   ابو العباس أحمد  بن عبد السلام  الجراوي

       ولد  من مدينة ( تادلة)  قرب ( تلمسان) و ( فاس ) سنة \528 – 1134 ميلادية  ونشأ فيها  الا انه  نسب إلى  قبيلة ( جراوة)  التي تسكن  بين (قسنطينة و قلعة بني حماد)  فقيل  ( الجراوي) و نسب الى  ( بني غفجوم ) وهم  فخذ من  قبيلة  جراوة  من  قبائل  ( زناتة )  البربرية  التي سكنت  شمال افريقيا في  تونس والجزائر والمغرب.

        ثم انتقل الى مدينة ( مراكش) وسكن فيها  وقد دخل بلاد الأندلس مرات عديدة  وتوفي بمدينة ( إشبيلية ) في الاندلس  .

   كان  ابو العباس  شاعر المنصور يعقوب بن عبد المؤمن . وكان غيوراً على الشعر ، حسوداً للشعراء ، ناقداً لشعرهم ، غير مسلم لأحد منهم.  وكتابه  (صفوة الادب و نخبة كلام العرب - ) وعرف ب (الحماسة المغربية) ، وهو مشابه لحماسة لأبي تمام  

       ا لمقصود من ذكر أبا العباس الجراوي، أنه كانت له نوادر وملح  مستظرفة عند أهل  الأدب، فمن ذلك  قيل  أنه حضر يوما إلى باب دار الأمير ( يوسف) وهنالك الطبيب  سعيد الغماري. فقال  الأمير  يوسف لبعض خدمه :
-        انظر من بالباب من الأصحاب.
 فخرج الخادم إلى الباب، ثم عاد  إليه فقال  اليه :
-        من عجائب الدنيا  شاعر من  جراوة، وطبيب من غمارة، فبلغ ذلك الجراوي فقال :
-        ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه)  أعجب منهما، والله   خليفة من      ( كومية).
 فقيل إن الأمير يوسف لما بلغه ذلك قال :
-        أعاقبه بالحلم والعفو، ففيه تكذيبه .
        ومن شعره  يقول :

       بسيفكَ  صالَ الدينُ في الشرق والغربِ
        ودارت  على الأعداءِ   دائرَةُ   الحربِ

        و أذعنَ   نـاءٍ   واســـتقامَ      مُعـانِدٌ 
        و لان   قياداً   كُلُّ     مُمتَنِعٍ    صَعبِ

      ولما وصل أبو الحارث عبد الرحمن بن منقد رسول صلاح الدين الأيوبي إلى المنصور الموحدي  كان الجراوي هو الشخص المناسب  لمقابلته والسير معه  خلال  فتر ة  وفادته في دولة الموحدين  

        وقد عاد الجراوي إلى أساليب المبالغة والتهويل خصوصا
وأن العصر عرف أحداثا جساما استدعت ذلك، أهمها معارك الميورقيين (بنو غانية) ومعركة الأرك الشهيرة .

          أهمل  ابو العباس الجراوي  في آخر حكم المنصور وبعد إعلان عن عزمه  ودعوته الشعراء  إلى استعمال  بحور خفيفة  وأساليب  بعيدة عن المبالغات التي كان الشعراء  يرددونها. ولعل عامل السن  حال  دون تكيف الجراوي مع التوجيهات الجديدة، فاستمر تهميشه  حتى  بعد  تولي الناصر،  وقد  وجدت وثيقة  شعرية  تثبت ذلك،  يطلب فيها من الخليفة الجديد  أن  يعيده  إلى مكانته التي كان عليها مع والده وجده:

فـــــارقت مـــا قد كنت فيه كأنـه
                                               طيف رأتـــه العين فــي الأحلام

فعسـى أرى وجه الرضا فلطالمـا
                                             أملــــت رؤيتــــه مــع الأعـــوام

      إن  الشيخوخة  بما  تفرضه  على الإنسان من  نقص  في  العطاء والحركة، ورغم  إجهاده  نفسه  في العطاء، ومثابرته على مدح الناصر في المناسبات، لم  يدرك  الشاعر مكانته،  ولم  تسعفه  ظروفه الصحية  حتى لو أدركها.. لقد  حمل نفسه  مرافقة الناصر إلى الأندلس سنة \        608هـجرية  لتخليد معركته المقبلة مع الأسبان. ومن يدري فقد تكون آخر روائعه الشعرية؟ إلا أن المرض لم يمهله إلى حين انتهاء المعركة ولعل ذلك من حسن حظه، وهو الذي شهد الانتصارات مع  باقي الخلفاء، فلم  يشهد أثقل هزيمة في تاريخ الموحدين وهي معركة (العِقاب).

        توفي  ابو العباس   احمد الجراوي في مدينة ا شبيلية  من بلاد الانداس  في ا ثناء مرافقته للملك الناصر  لقتال الاسبان   سنة \ 609 هجرية – 1212 ميلادية

  ومن مدحه  ليعقوب المنصور الموحدي هذه الابيات :

لـــــواؤُك منصـــــورٌ وسعــــدك غـــــالــــــــبٌ
 وحــزبـــك للأعـــــداء عنــــك مُحـــــــــاربُ

لــقـــد ثكلـــــــــت أمَّ المنـــــــــاوي
وغــرَّرَت مبـــــــــادئُ من أحوالِــــــــه وعــواقــــــبُ

سمــــــا لاستــــراقِ السمعِ من وهْداتِــــــه
 ودون سمــــــــاءِ المُلْــكِ شهبٌ ثواقـــــبُ

تلاقـــــى عليـــــــه البَــــرُّ والبحــــر ترتمـي
 سَفيـــــنٌ إلــــى استئصالـــــه وكتـــــائبُ

غريــــقٌ بغـــرقــــــــى مِثلِـــــــه متـــمسّكٌ
 ومـــــوجُ المَنـايــــــــا مثْلُهُــــم متراكــــــبُ

هـــــوت بهم الأطمــــــاع فـــــي هُوّةِ الرّدى
 وغرتهــــم جهـــــلا بُــــــروقٌ خوالــــــــــبُ

أطــــــــــاعـــــوا غَويّا لم تقيـــده شرعــــــةٌ
 ولـــــــــم تُرِهِ وجـــــــهَ الصواب التجــــــاربُ

مُغيــبُ وجــــه الـــرأي والوجـــــــه حــــــائرٌ
 يُـــــرى حـــاضرا فـــي أمـــرهِ وهو غـــــائبُ

دعــــــاهم إلـــــى آجالهـــــم فتهافتــــــــوا
كمــــــا جَمَع الأعـــــوادَ للنــــــار حــــاطـبُ

تصَامَـــــم عـــــن وعــــدِ الزّمـــان بقلبـــــه
 وأعــرض عـــن وجـــــهِ الهـدى وهــو لاحِبُ

تخيـــــــــل أن النــــــــاصريـــــــــــــــــةَ دارُه
 يُطـــــــاعن عن ساحاتهـــــا ويضـــــــــارب

وفــــــي الغـيبِ من إنجادِ طائفةِ الهُــــــدى
 ونصــــــر أميـــــــرِ المؤمنيــــــــن غــــرائبُ

هـــــــو الأمــــــر أمــــرُ اللَهِ لـيس يَـفوتُــــهُ
 مُنـــــــــاوٍ ولا يـنـــــأى عليــــه مـنـــــاصـب

ومــــــــــــا هـارِبٌ مـنهُ ولو بَلَغَ الـسُّهــــــــا
 بِـنـــــــــــاجٍ وهـل ينجو مـن اللَه هــــــارب

بناصرِهــــــــا المنصـــــــورِ تــاهت خِـلافَـــةٌ
 تُـناسِبُهُ فـي حُـسنِــــــــهِ ويـنـــــــــاسِـبُ

إمــــــامٌ لَــــــــهُ فَضلٌ عـلى الخلـقِ باهِـــرٌ
 ومَرتَبَةٌ تنحــــــطُّ عـنهـــــــــــا الـــمــــــرات

مـنـاقِــبُــــــــــهُ مـثلُ الـكواكِــــــبِ كـثـــــرةً
ونُــــــورا ألا الـلَــــــــــهِ تلــكَ الـمنـــــــاقِـبُ

هـي الدوحةُ  الشماءُ  في الأرضِ  أصلُها
 وقد زاحَمَـــــت مِـنهـــــا الـسمــــــــاءَ الذوائـبُ

لــــــــــــــــه نسـبةٌ قـيسيـــــــةٌ قدسيــــةٌ
 تُـقِرُّ لهــــــــا بالمعـــــلـــــــــواتِ مُــواهِــبُ

بقـيــتــــــم أميـرَ المؤمنـيـــــــنَ وسعدُكُــم
 تُـهَزُّ قناً منـــــــــــــــهُ وتنضـــــــى قـواضبُ




  












احمد بن يوسف  التيفاشي



      هو ابو العباس  شرف الدين احمد بن يوسف بن احمد بن أبي بكر
 بن حمدون بن حجاج بن ميمون بن سليمان ابن سعد القيسي،

       ولد  في( تيفاش) سنة \ 580 هجرية- 1184 ميلادية وهي قرية  صغيرة  تابعة لولاية (سوق أهراس)  بأقصى الشرق الجزائري على الحدود التونسية حاليا وفي   زمن  احمد  بن  يوسف  كانت (  تيفاش )  تتبع  لمدينة ( قفصة ) التونسية  لذا قيل له ( القفصي )  أما كنيته ( القيسي )  فلكون  اصول  اسرته   ترجع بنسبها  إلى قبيلة  بني  قيس  بن ثعلبة  العربية  .


        نشأ  في أسرة  ذات  نسب  وحسب  فكان  والده  يشغل القضاء  في مدينة ( قفصة)  وعمه يحي  بن أحمد  كان  أديبا و شاعرا  مقربا  من الحكام والسلاطين  حفظ القرآن الكريم و تعلم مبادئ اللغة العربية  في ( تيفاش )  ثم انتقل  مع أسرته إلى مدينة  (قفصة) وفيها   درس على والده  وتأثر  به كثيرا  وتقبل كثيراً من خطواته  و شغف  بعلوم الأوائل  معتمدا  على الكتب التي جمعها والده في تلك العلوم ، ثم انتقل إلى تونس فسمع فيها على أساتذة  في العلم والمعرفة  مثل أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن جعفر المقدسي، ثم غادر تونس ليواصل دراسته  إلى مصر وهو في سن الرابعة عشر من العمر  حيث اهتم بعلم المعادن  وعلم الطب  وكان قلة العلماء و المراجع العلمية المتعلقة بعلم المعادن و الطب في قفصة وتونس قليلا .  و في مصر اظهر رغبة كبيرة في طلب العلم  والمعرفة فكان ينتقل بين مجالس العلماء و مقابلة الشيوخ في مجالسهم واشتغل بالديار المصرية على  أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي  ثم انتقل إلى دمشق وقرأ بها على  أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي ثم انتقل  الى  بغداد  واشتغل  بها على علمائها و أدبائها وبعد هذه الرحلة العلمية . ، وأحب المقام بها ثم إن نفسه اشتاقت إلى الوطن، فعاد إلى ( قفصة)     ثم إنه حن مرة اخرى  إلى  السفر الى المشرق وطالبته نفسه بالمقام بدمشق، فباع أملاكه وما يثقل عليه حمله، وأخذ معه أولاده وزوجه وماله، وركب البحر في مركب اتخذه لنفسه، فغرق أهله وأولاده، وخلص بحشاشة نفسه، وخلص عرب برقة بعض متاعه، فخرج معهم متفكراً خوفاً منهم أن يهلكوه بسبب أخذ متاعه، وسبقهم إلى الإسكندرية، وتوصل بعمل مقامة يذكر فيها ما جرى له في طريقه، وعرف الملك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ملك الديار المصرية بذلك فكتب له إلى الإسكندرية بتخليص ماله، فخلص له منه جملة، ثم إنه لما رحل الملك الكامل إلى آمد وافتتحها، توجه إلى دمشق، ومنها إلى حلب، ومنها إلى آمد، فوجد الملك الكامل راجعاً إلى الديار المصرية، فعاد معه إليها، وسكن بها .

     عاد  الشاعرالتيفاشي  بعد رحلة  التعلم والدراسة إلى مدينة (قفصة )  و استقر بها  و عين  في  وظيفة  القضاء  الا  انه  لم يستمر فيها طويلا فتركها   مستأنفا  رحلاته العلمية  في دراسة علم المعادن  و الحجارة  حيث عرف  عنه  خرجاته  و جولاته الميدانية لاستخراجها و البحث عنها   و إجراء التجارب التطبيقية عليها  و البحث عن المتخصصين و المهتمين  فكان يدرس معهم و يناقشهم و يقوم بالرحلات الميدانية معهم من معادن وحجارة في هذه البلدان وفي غيرها  فسافر  الى  أرمينية و فارس و تركستان و بلاد ما وراء النهر  وفي  جولاته  هذه  كان يدون كل ما يسمعه من العلماء او يلاحظه  من خلال  ابحاثه او تجواله  من أوصاف للأحجار وأماكن تواجدها، كما كان يقف على امتحان الجواهر و الحجارة بنفسه مما عرفه من المتخصصين،و كان ينتقل لمناقشة   التجار لغية ا لتعرف على أثمان هذه المعادن واقيامها  الحقيقية   وربما  كانت  إفادات  شفوية كان يجمعها  من أعيان تجار( الهند ) و(سرنديب )  التي  تعرف اليوم باسم (سيرلانكا  وبلاد  واليمن و الشام ومصر، والمغرب والأندلس فيسجلها  ويحتفظ بها .     وعرف عنه  كثرة المطالعة  واقتناء  الكتب  .
ولهذا كان يقول:   

(في إني امرؤ استنبطت العلوم وحذقت النجوم وطالعت جميع الكتب من العلوم بأسرها على اختلاف أجناسها وأصنافها )

  ومع ذلك فلم تكن المطالعة مصدره الأهم في المعرفة، بل كانت أهم منها المعرفة التي حصل  عليها عن طريق السماع والمشاهدة والتعلم العملي  و دقة  الملاحظة، والمسارعة إلى تقييد او تسجيل  ما يلاحظه أو يسمعه أو يجري  فيه  اختباراته  على  كل  الامور  بسيطها ومعقدها  .

         وكانت علاقة التيفاشي بالملوك و الأمراء قوية  بالملك الكامل كما كان من المقربين في بلاط الصاحب محيي الدين الكبير حاكم جزيرة ( ابن عمر ) بالقرب من الموصل ، الذي خصه يدار كبيرة يقيم فيها  ووفر له  كل لوازم الراحة و جعل  خزائن  كتبه المسماة  بالصاحبية  تحت  تصرفه  ليلا  ونهارا و لهذا الجميل ألف له التيفاشي موسوعته  ( فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الالباب ) وأهداها لخزانته.

        وفي بلاط  هذا الأمير التقى  التيفاشي  بعدد  من العلماء   و الأدباء و نشأت بينهم  صداقات  وأخوة  فتبادلوا الزيارت في مجال المعرفة و الثقافة والادب و أجاز بعضهم  البعض  بكتبهم  ومؤلفاتهم .

  اما  الخليفة عبدالمومن فقد  منح الشاعر التيفاشي ألف دينار على بيت واحد من الشعر أنشده إياه وقد قال فيه  :

  ما هز عطفيه بين البيض والأسل
                                             مثل الخليفة عبدالمومن بن علي

      عاد إلى مصر بعد إقامته مدة بجزيرة عمر ، فولاه الكامل رئاسة دائرة التعدين بها، كما ضمه الرئيس جمال الدين موسى بن يغمور الى مجلسه اوشغل  شغل مناصب متعددة في الدولة  وكان متعاطفا  مع القادمين من المغرب حتى  كان يسمى ( كهف المغاربة )  وجعله من جلسائه المقربين .  ومن شعره  هذه الابيات :

      في خلقة الشمس وأخلاقها      شتى  عيوب  ستة  تذكر

      رمداء عمشاء إذا أصبحت     عمياء عند الليل  لا تبصر

      ويغتدي  البدر لها  كاسفاً      وجرمها  من  جرمه  أكبر

      و قد اشرك التيفاشي في مجالس هذا الأمير أصدقائه المغاربة الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة، وأبو المحامد القرطبي، ونور الدين ابن سعيد الأندلسي مؤلف الكتابين الشهيرين:
 الاول  (المُغرب في أخبار أهل المَغرب )  وقد اجازه للتيفاشي  وسجل التيفاشي  اهداءه  شعرا فقال :

سعد الغرب وازدهى الشرق عجباً
                                          وابتهاجاً بمغرب ابن سعيد

طلعت شمسه من الغرب تجلى
                                          فأقامت     قيامة     التقييد

لم  يدع  للمؤرخين  مقالاً
                                        ولا  ولا  للرواة  بيت  نشيد

إن تلاه على الحمام  تغّنت
                                     ما على ذا في حسنه من مزيد

 والثاني ( المُشرق في أخبار أهل المَشرق )
 واجازه  اليه  وسجل  التيفاشي  الاهداء  والاجازة  شعرا  ايضا  فقال  :

يا طيب الأصل والفرع الزكي كما
                                      يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر
ومن خلائقه مثل النسيم إذا
                                       يبدو إلى بصري أبهى من القمر

أثقلت ظهري ببر لا أقوم به
                                      لو  كنت  أتلوه  قرآناً  مع السور

أهديت لي الغرب مجموعاً بعالمه
                                  في قاب قوسين بين السمع والبصر

        لقد  قضى بقية حياته  بمصر يصطحب أصدقائه في جولات للقاء العلماء و الأدباء، يتبادل معهم المناقشات العلمية و الفكرية و يتناشدون الأشعار، ويدونون الأخبار ولم  يوقفه  عن الكتابة  و التأليف  الا الموت .

    أصيب  في سنواته الأخيرة من عمره بالصمم  و أصيب بنزول ماء  العمى  في عينيه حتى عمي، فقدحهما وأبصر واستأنف الكتابة وتعافي  
ثم اعقبه  انه شرب مسهلاً  وأعقبه بشرا ب آخر فتسبب  بموته  .

      كانت وفاته  بالقاهرة  في 13 محرم سنة 651 هـجرية -1253 ميلادية  و دفن بمقبرة باب النصر.

- ازهار الافكار في جواهر الاحجار
- فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لاولي الالباب
- متعة الاسماع في علم السماع، في الموسيقى
- رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه
  نزهة الالباب فيما لا يوجد في كتاب.
     ومن شعره  هذه الابيات :

يا طيب الأصل والفرع الزكي كما
يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر

ومن خلائقه مثل النسيم إذا
يبدو إلى بصري أبهى من القمر

أثقلت ظهري ببر لا أقوم به
لو كنت أتلوه قرآناً مع السور



****************************







                  عبد الرحيم  البرعي




           هو عبد الرحيم  بن أحمد  بن علي البرعي اليماني ومن العصر الرسولي وكني ( البرعي )  نسبة الى  جبل  ( برع ) وهو جبل  من  جبال  تهامة من ما  يلي اليمن .

          ولد و نشأ  وعاش في  قرية تسمى ( النيابتين )  في ذلك الجبل وهي  تابعة  لمحافظة  الحديدة  اليوم من بلاد اليمن  .و كان يقطن  منطقة ( برع ) بطن من  بطون  حمير  و ينسب إليه  رجال  اغلبهم  من أهل القرنين الثامن والتاسع منهم علي بن أبي شيخ القراء باليمن في زمن الجزري  ولم  اعثر  على  تاريخ  محدد  لمولد الشاعر  عبد الرحيم  البرعي ولا طفولته  ومنشأه  وليس لدينا أي خبر عن حياته . وانما ذكر انه  ولد وعاش  في  تلك  المنطقة  و أنه قد  أفتى ودرّس  ويتضح  من خلال دراستي   لشعره  انه  كان على  قدر رفيع  في اللغة والادب والثقافة  وتاريخ  السيرة  النبوية  وأنه  كان  ميالا  إلى منهج  التصوف
في الاسلام  وقد  تتلمذ على يد الشيخ ( همر بن محمد العُرابي ) ومدحه والشيخ العرابي هو من أصحاب الخرقة ومن السائحيين الذين  يعتقد  فيهم  الكرامات. الا أن البرعي لم  يكن من أهل السياحة بل  لم  يكن  يحتمل النأي عن وطنه وبنيه  الذين  كان شديد  العطف عليهم  ولعله  لم  يكن  مقترا عليهم او مفارقا لهم طيلة حياته .  ومن ابتهالاته في الله تعالى و مدائحه  في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  يقول:                  

مالي معَ اللهِ فيِ الدارينِ منْ سببٍ
                                           إلاَّ  الشهادة  َ أخفيها  وأبديها

وسيلة ٌ  لي  عندَ  اللهِ  خالصة
ٌ                                          عن ْ كلِّ  مالاَ  يؤديها  أؤديها

تجارة  ٌ أشتريها  غيرَ  بائرة ٍ
                                        تضاعفُ الربحَ أضعافاً لشاريها

دلالها  المصطفى  َ واللهُ  بائعها
                                         ممنْ  يحبُّ   وجبريلٌ  مناديها

       وممن  مدحهم  من أهل الفضل والرياسة  بنو مكد ش وهم  بطن
من بطون  ( السمالعة ) باليمن  منهم  الفقيه  الإمام( محمد بنه )  وكذلك  أفاضل  العلماء  دون الأغنياء  والعظماء.  

      وكان اغلب جلسائه واصدقائه من ذوي الفضل وكان يأنف  من  مجالسة الأمراء  ويتعفف  عنها . لذا كان اغلب ممدوحيه  من أفاضل  العلماء  والادباء ممن كانوا يضاهون الأغنياء  في ثرائهم مثل (إسماعيل المكدس) المتوفى سنة \778 هجرية وولده (عمر)  صاحب العلم والجاه و المتوفى سنة  \840 هجرية وقد  قال فيهم الزبيدي  بانهم بيت العلم  الرياسة في بلادهم. ومدح   الشريف حسين الأهدل  وهو أحد رجال  بني علي  الأهدل  وأن  له  مقاما عظيما ببلدته وذرية صالحة.  و شرفاء  من أهل المراوعة  وزبيد   مدحهم البرعي  .من قصيده في المدح النبوي :

يا راحلين  الى  منى  بقيادي
                                           هيجتموا  يوم  الرحيل فؤادي

سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
                                          الشوق اقلقني وصوت الحادي

فاذا وصلتم  سالمين  فبلغوا
                                            منّي  السلام الى النبي الهادي

يا رب انت وصلتهم وقطعتني
                                           فبحقهم   يا رب   فك   قيادي

بالله  يا زوا ر  قبر  محمد
                                         من كان منكم  رائحا او غادي

فأبلغ  المختار الف    تحية
                                            من  عاشق  متفتت  الاكباد

قولوا له حب الرسول متيم
                                             ومفارق  الاحباب  والاولاد

صلى عليك الله يا علم الهدى
                                            ما سار ركب او ترنم حادي

           توفي  الشيخ  عبد الرحيم  ب( برع )  بين  بنيه  وذويه ولم  تعرف  سنة  وفاته  بالضبط   فقيل في  عام \  803  هجرية – الموافق  لسنة \   1400 ميلادية  كما  ذكرها  صاحب الاعلام    ( خير الدين الزركلي) وذكر ان  للبرعي  مقاما كريما  بين  بنيه وذويه  وكان له  منهم  ذرية صالحة  وسكنة  منطقته.
  ويقول في المديح ايضا :

جو امعُ الخيرِ في الدارينِ تابعة ٌ       
                                           لطاعة ِ اللهِ فالزمْ طاعة َ اللهٍِ

والشرُّ أجمعهُ  في  تركِ   طاعتهِ       
                                        فاخضعْ ذليلاً لعزِّ الآمر الناهي

وكيفَ يأمنُ في الدارينِ شرهما
                                          منْ لمْ يكنْ طائعاً للآمرِ الناهي

كمْ  منْ  فقيرٍ حقيرٍ ذي  مراقبة ٍ
                                  أحظُّ في الحشرِ منْ ذي المالِ والجاهِ

هلْ في كتابٍ مضى أو سنة ٍ سلفتْ    
                                        عزٌّ  لعبدٍ  على عصيانهِ  لاهي

فاسلكْ سبيلَ كتابِ اللهِ ممتثلاً   
                                       وسنة َ الملة ِ الزهرا  نعما  هي

         يتميز شعره  بان  اغلبه  في  الابتهالات والمدائح  النبوية  ويمثل درجة عالية  من الابداع  والفن الشعري  حتى انتشر شعره في  كثير من المناطق  القريبة  والبعيدة  حتى  قيل  انه  انتشر في موريتانيا  ولا  يزال المداحون  والمطربون  يتغنون  في  قصائده
الا ان  بعض الاخرين  من الناس  من  يتصور ان  له  غلوا  في شعره ومخالفات  عقائدية  ومن افضل  قصائده واشهرها   قصيدته التي  مطلعها :

قلْ للمطيِّ اللواتي طالَ مسراها
                                         منْ بعدِ تقبيلِ يمناها ويسراها

       فهو اذن من  الشعراء المتصوفة  المولعين في  شعر المدائح والابتهالات  وهو حتى في حالة مدحه  للناس  كان  ملتزما  .
ومن شعره هذه  الابيات :

أغيب وذو اللطائف لا يغيب          و أرجوه رجاءً لا يخيب

و أسأله السلامة من زمان            بليت  به  نوائبه  تُشيب

و أنزل حاجتي في كل حال          إلى من تطمئن به القلوب

فكم   لله  من  تدبير     أمر         طوته عن المشاهدة الغيوب

وكم في الغيب من تيسير عسر     ومن تفريج   نائبة  تنوب

ومن كرم ومن لطف خفيّ          ومن فرج تزول به الكروب

ومن لي غير باب الله باب           ولا مولى سواه ولا حبيب

كريمٌ    منعمٌ    برٌ   لطيفٌ           جميلُ الستر للداعي مُجيب

حليم لا   يعاجل   بالخطايا            رحيمٌ غيثُ رحمته يصوب

فيا ملك الملوك أقل عثاري           فإني عنك  أنأتني الذنوب

وأمرضني الهوى لهوان حظي     ولكن ليس غيرك لي طبيب

فآمن روعتي وأكبت حسودا            فإن  النائبات  لها نيوب

وءانسنى بأولادي وأهلي          فقد يستوحش الرجل الغريب

ولي شجن بأطفال صغار                 أكاد  إذا  ذكرتهم  أذوب

ولكني نبذت زمام أمري                 لمن  تدبيره  فينا عجيب

هو الرحمن حولي وإعتصامي           به  و إليه  مبتهلا أتيب

إلهي أنت تعلم كيف حالي               فهل يا سيدي فرج قريب

فيا ديان يوم الدين فرِّج               هموما فى الفؤاد لها دبيب

وصِلْ حبلي بحبل رضاك وأنظر      إلي وتُب علي عسى أتوب

وراع حمايتي وتولَّ نصري      وشُدّ عراي إن عرت الخطوب

وألهمني لذكرك طول عمري         فإن   بذكرك   الدنيا  تطيب

وقُلْ عبد الرحيم ومن يليه          لهم  في ريف رأفتنا  نصيب

فظني فيك يا سندي جميل            ومرعى  ذود آمالي خصيب

وصلِّ على النبي وآله                 ما ترنّم في الأراك العندليب

أغيب وذو اللطائف لا يغيب           و أرجوه   رجاءً  لا يخيب

و أسأله السلامة من زمان                بليت  به    نوائبه  تُشيب

و أنزل حاجتي في كل حال                إلى من  تطمئن به القلوب

فكم   لله  من  تدبير  أمر                طوته عن المشاهدة  الغيوب

وكم في الغيب من تيسير عسر            ومن  تفريج  نائبة  تنوب

ومن كرم ومن لطف خفيّ                ومن فرج تزول به الكروب

ومن لي غير باب الله باب                 ولا مولى سواه ولا حبيب

كريمٌ     منعمٌ   برٌ   لطيفٌ                جميلُ الستر للداعي مُجيب

حليم  لا يعاجل    بالخطايا                  رحيمٌ غيثُ رحمته يصوب

فيا ملك الملوك أقل عثاري                   فإني عنك أنأتني الذنوب

وأمرضني الهوى لهوان حظي           ولكن ليس غيرك لي طبيب

فآمن روعتي وأكبت حسودا               فإن  النائبات   لها   نيوب

وءانسنى بأولادي وأهلي                فقد يستوحش الرجل الغريب

ولي شجن بأطفال صغار                  أكاد   إذا   ذكرتهم    أذوب

ولكني  نبذت  زمام   أمري                لمن   تدبيره  فينا  عجيب

هو الرحمن حولي وإعتصامي               به  و إليه  مبتهلا  أتيب

إلهي أنت  تعلم   كيف   حالي               فهل يا سيدي فرج قريب

فيا ديان   يوم   الدين   فرِّج               هموما فى الفؤاد لها دبيب

وصِلْ حبلي بحبل رضاك وأنظر            إلي وتُب علي عسى أتوب

وراع حمايتي وتولَّ نصري            وشُدّ عراي إن عرت الخطوب

وألهمني لذكرك طول عمري              فإن  بذكرك   الدنيا   تطيب

وقُلْ عبد الرحيم ومن يليه                 لهم في ريف رأفتنا  نصيب

فظني فيك يا سندي جميل                  ومرعى ذود آمالي خصيب

وصلِّ  على  النبي   وآله                 ما ترنّم في الأراك العندليب



               **************************

















فهرس الجزء الاول

 المقد مة                                  3
المؤلف في سطور                        5
الشعر في العصر العباسي الثاني        9
الشعراء
الجزء الاول                              27
ابن نباتة السعدي                        29
الشريف الرضي                         39
ابو القاسم الوزيرالمغربي              46
 ابن زريق البغدادي                    53
مهيار الديلمي                           59
 وجيه الدولة الحمداني                 69
ابن الصباغ                              75
ابو العلاء المعري                      82
 الشريف العقيلي                       90
ابراهيم الحصري القيرواني           96
ابن رشيق القيرواني                  100
 علي بن الفضل البغدادي(صردر)    113
ابن سنان الخفاجي                     121
علي الباخرزي                         128
ابن حيوس                             139
ابراهيم  الحضرمي                    146
منير الطرابلسي                        156
ابو الحسن الحصري                   163
 ابن الهبارية                           171
تميم بن المعز الصنهاجي             183
ابن النحوي التوزري                 190
الطغرائي                               197
ابن الخياظ الدمشقي                  209
ابراهيم بن عثمان  الغزي            218
ابن حمديس الصقلي                  225
القيسراني                             246
الارجاني                               255
 فهرست الجزء الاول                263

 الجزء الثاني                         265

الابيوردي                             266
 ابن قلاقس  الازهري                276
ابن الدهان البغداد ي                 286
محمد بن حبوس الكناني             293
 سعد بن محمد التميمي              303
ابن الدهان الموصلي                 313
 اسامة بن منقذ الكناني              321    
سلمى بنت القراطيسي               338
 ابو المرهف                          341
القاضي الفاضل                       346
ابن الفارض                           362
 ابن مطروح                          369
ابن سناء الملك                       375
ابن النبيه                              386
بهاء الدين زهير                      396
جعفر بن محمد التهامي              310
 عبد القادرالكيلاني                   421
المهذب  الاسواني                    437
 الرشيد  الاسواني                    441
ابن الخشاب                           451
عمارة بن علي اليمني               54 4
نشوان بن سعيد الحميري            463
 علي بن المقرب العيوني             483
ابو العباس الجراوي                  499
عبد الرحيم البرعي                   503
 الفهرس                               511


                 **********************************






ومن مؤلفات فالح نصيف الحجية الكيلاني


ا-الدواوين الشعرية :

           نفثات القلب                1978
           قصائد من جبهة القتال   1986
           من وحي الايمان          8 0 20 
           الشهادة والضريح         2010
           الحرب والايمان            2011 
            سناءات مشرقة           2014

ب – الكتب النثرية :
1 -في الادب والفن
2 -تذكرة الشقيق في معرفة اداب الطريق – دراسة وتحقيق وشرح للقصيدة التي تحمل نفس العنوان والمنسوبة للشيخ عبد القادرالكيلاني
3-الموجز في الشعر العربي \ دراسة موجزة في  الشعرالعربي عبر العصور بدءا من العصر الجاهلي وحتى عصر النهضة او الحديث ثم المعاصر اعتبر او قيم من قبل اغلب المواقع الادبية على النت - انه احد امهات الكتب العربية في الادب واللغة  في موضوع الشعر والادب       اربعة اجزاء
4-شرح ديوان الشيخ عبد القادر الكيلاني وشيء في تصوفه – دراسة شاملة في ادب الشيخ عبد القادرالكيلاني كنموذج للشعرالصوفي وشرح القصائد المنسوبة  اليه             اربعة اجزاء
5    -   كرامة فتاة ( قصة طويلة )
6-   اصول في الاسلام
7-   عذراء القرية (قصة طويلة )
8-  الاشقياء  ( مجموعة قصص قصيرة )
9-  بلدروز عبر التاريخ
10-  دراسات في الشعر المعاصر  وقصيدة النثر
11- الغزل في الشعر العربي
12– عبد القادر الكيلاني  وموقفه من المذاهب والفرق الاسلامية     دراسة
13--شرح القصيدة العينية \ مع دراسة  بحثية في شاعرها  الشيخ عبد القادر الكيلاني
14-  -مدينة بلدروز في الذاكرة
15- شذرات من السيرة النبوية المعطرة

 ج- موسوعة  التفسير الموضوعي للقران الكريم  وقد انجز منها الكتب التالية :
1-اصحاب الجنة في القران الكريم                 جزءان
2-القران في القران الكريم
3- الادعية المستجابة في القران الكريم
4-الانسان ويوم القيامة
5- الخلق المعاد في القرآن الكريم
6-يوم القيامة في القران الكريم                    جزءان

     د – موسوعة  ( شعراء العربية )   وقد انجز منها الكتب التالية  :

1- شعراء جاهليون
2-شعراء صدر الاسلام
3- شعراء  العصر الاموي                            جزآ ن
4- شعراء  العصرالعباسي الاول                    جزءان
5- شعراء العصر العباسي  الثاني                  جزءان
6- شعراء العربية في الاندلس
7 - شعراء  الفترة الراكدة والعثمانية
8- شعر اء النهضة العربية
9- شعراء  الحداثة  العربية                        جزءان
10-  شعراء  المعاصرة العربية                  جزءان
















          ************************