الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

موسوعة (شعراء العربية ) المجلد الثامن (شعراء النهضة العربية ) - تاليف د . فالح نصيف الحجية الكيلاني القسم الثاني- الاخير



19

ميخائيل نعيمة

ناسك الخرشوب


       ولد ميخائيل نعيمة بقرية ( بسكنتا ) في جبل صنين من اعمال لبنان في شهر تشرين الأول( اكتوبر) من عام\ 1889. وكني ( بنعيمة) نسبة إلى بلدة ( النعيمة) التابعة لمحافظة( اربد ) في المملكة الاردنية الهاشميه حسبما ذكره ميخائيل نعيمه في حواره مع الكاتب الاردني والمؤرخ روكس بن زائد العزيزي

        رحل ميخائيل نعيمة رحلة العلم في ( الناصرة )فلسطين ١٩٠٢- ١٩٠٦فمما كتب نعيمة في سيرته الذاتية يتحدث عن سفره إلى فلسطين يقول :
(كان عالمي رحماً مغلفة بظلمات ضمن ظلمات. فأصبح سريرا صغيرا من خشب يغمره النور في النهار والظلام في الليل. ثم بيتا صغيرا سطحه من تراب وأرضه من تراب. ثم حيا في ضيعته. ثم ضيعة بخراجها الممتد إلى أعالي الجبال المحيطة بها. وها هو.. قد آن سفري إلى الناصرة.. يمتد بعيدا بعيدا إلى فلسطين... وأين أنت يا فلسطين. يا أرض الميعاد التي تدر لبنا وعسلا؟ أين أنت يا حلم موسى وسبية يشوع بن نون. ويا حبيبة داوود وسليمان. ويا ملهمة أشعيا وكاتب سفر أيوب. ويا مسرحا تعاقبت علية ادوار أنبل حياة وفصول افجع مأساة منذ مأساة عدن؟ وأين أنت يا ناصرة النجار يوسف وخطيبته مريم التي منها يطل تينك الحياة والمأساة ؟ وما أبعدك يا ارض اللبن والعسل. وهل فيكما  ما يعني  هذا اليافع الذي لم يكمل بعد عامه الثالث عشر. وهل فيكما ما يغنيه عن وكره المتواضع.. وعن أهله..)؟

    من قرية (بسكنتا) الجبلية حمل نعيمة معه بطاقة نفوسه (الباسبورت) ويمم إلى فلسطين بحرا متجاوزا حدود بلدته وبجعبته ريالا مجيديا وهو الزاد للمأكل والمشرب.. وكم تمنى ميخائيل نعيمة بأن تكون هذه النقود في البيت مع عائلته لما لهم بحاجة أكثر منه… و ما هي إلا أيام حتى تكحلت عيناه بعروس فلسطين ( حيفا ) العربية التي احتضنت الساحل بجمالها..

       نزل نعيمة بشوارع(حيفا) وقد البسته امه لتلك السفرة قمبازا جديدا.. و طربوشا احمر ومداسا جديد.ا.

         وصف نعيمة تلك الزيارة لمدينة ( حيفا ) بشوارعها وبيوتها العريقة  والسكة الحديثة وبما فيها ( الناس والجمال والحمير والبغال والكلاب والعربات تلهب ظهور جيادها أسواط الحوذيين وهم ينادوهن بأعلى صوتهم ( ظهرك يا حرمة.. وجهك يا أفندي.. جنبك يا عتال…
فيها النساء المؤزرات.. المحجبات.. والرؤوس المعممة والمتقلنسة والمطربشة..فيها باعة المرطبات يحملون القراب أو القناني الزجاجية الكبيرة ليطفئ بها الشاري أو السائر نارا ظمأ ه.. وفي أيديهم صحون من النحاس لا ينفكون يقرعون بعضها ببعض وينادون.. بورد يا عطشان!)
      يتحرك نعيمة للسفر إلى (الناصرة ) ترافقه الذاكرة لما رأته عيناه وسمعته أذنيه من أحاسيس  وصور وانطباعات إلى الناصرة إلى مدينة بشارة ومنشأ المسيح عليه السلام… راكبا العربة وهي تسير متخطية التلال والسهول ومشاهد الطبيعة  وجبال الجلبوع التي لم تخفيها حتى اكبر السحاب…

       تلك هي المناظر التي شاهدها ميخائيل حين تخطى الطريق بين حيفا والناصرة..المسكوبية! المسكوبية الناصرة يا أفندي هكذا أعلن سائق العربة أو الحوذي بأعلى صوته ليستيقظ نعيمة من غثاء السفر الذي انهكه والذي استغرق ثماني ساعات..)

      هكذا بدا نعيمة مشواره مع العلم  في الناصرة كما يتحدث نعيمة  عن نفسه عاش  فيها مدة ست سنوات كان غذاؤه الكتاب والقرطاس والقلم . حتى أنهى دراسته المدرسية في مدرسة الجمعية الفلسطينية   في الناصرة ،

     ثم سافر الى روسيا لاكمال دراسته الجامعية في( بولتافيا الأوكرانية) بين عامي \1905 و 1911 حيث تسنّى له الاضطلاع على الأدب الروسي،

       بعد اكماله الدراسة في روسيا حصل على منحة دراسية في فرنسا بحامعة السوربون فسافرالى باريس عام 1911

        سافربعدها الى الولايات المتحدة الامريكية لدراسة الحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول عام \1912 ثم حصل على الجنسية الأمريكية.

       انضم إلى (الرابطة القلمية ) التي أسسها الأدباء العرب في المهجر وكان نائبا لرئيس الرابطة القلمية جبران خليل جبران الا انها اغلقت بعد وفاة جبران عام\ 1932وعودة نعيمه من المهجر الى بلده لبنان .

   عاد إلى ( بسكنتا) قريته الاولى التي ولد فيها عام \1932 واتسع نشاطه الأدبي. ولقّب ب (ناسك الشخروب)، وبقي فيها بقية عمره متفرغا للكتابة والتاليف .
 وفي قريته (بسكنتا ) بلبنان توفي في 22 شباط ( فبراير)1988.

      ميخائيل نعيمه مفكر عربي كبير وهو احد قاد ة النهضة العربية الفكرية والثقافية وداعية من دعاة التجديد في الفكر العربي . له في المكتبة العربية مكاناً واسعا لما كتبه وما كتب عنه . فهو شاعر وقاص ومسرحي وناقد وكاتب مقال متبصر وفيلسوف في الحياة والنفس الانسانية وقد كتب آثاره بالعربية والانجليزية والروسية وهي كتابات تشهد له بالامتياز وتحفظ  له  المكانة السامية و المنزلة  الرفيعة .
نشر مجموعته القصصية الاولى( سنتها الجديدة ) عام 1914 عندما كان يتابع دراسته في امريكا ونشر قصته الثانية( العاقر ) عام 1915 ونشر قصته الثالثة ( مرداد ) عام 1946 وتعتبر هذه قمة انتاجه القصصي حيث يتداخل فيها انتاجه القصصي في فلسفته الفكرية وشخصيته الكتابية اما في عام \1956 فقد اصدر مجموعته ( اكابر )
وفي عام \1958 اصدرقصته ( ابوبطة ) التي اصبحت مرجعا للدراسة في المدارس والجامعات للادب القصصي اللبناني والعربي المتجه نحو الادب العالمي .

      وفي سنة 1949 وضع نعيمة روايته الوحيدة بعنوان (مذكرات الأرقش).
     اما عمله المسرحي فهو (مسرحية الآباء والبنون ) كتبها نعيمة سنة \1917، و مسرحية ( أيوب) صدرت عام \ 1967.

        كتب نعيمة قصة حياته الشخصية في ثلاثة اجزاء على شكل سيرة ذاتية بعنوان ( سبعون ) معتقدا انه سيموت في السبعين من عمره لكنه عاش حتى قارب مائة عام .

     اما انتاجه الشعري فقد اصدر ديوانه بعنوان ( همس الجفون ) باللغة الانكليزية وعربت بعد ذلك من قبل الاستاذمحمد الصائغ وطبعت بالعربية عام 1945 وطبع عدة طبعات بعدها .

       اما طبيعة شعره فيمتاز بالسهولة والبلاغة والكلاسيكية . وفيه حلاوة وجمال وموسيقى عذبه تنسال الى النفس والقلب كالماء المتدفق من عين ثرة تحف بها مواقع الزهور والشذى المعطور بعيدا عن العنف والكبرياء .وقد انشد في اغلب اغراض الشعر وخاصة شعر الاحداث السياسية وما ألم بالامة العربية خلال سني عمره فقد ترجم احداثها كما فعل اغلب شعراء العربية من قبله وبعده يقول بعد احتلال فلسطين من قبل الغزاة الصهاينة قصيدته المشهورة ( اخي ) متهكما :


أخي ! إنْ ضَجَّ بعدَ الحربِ غَرْبِيٌّ بأعمالِهْ

وقَدَّسَ ذِكْرَ مَنْ ماتوا وعَظَّمَ بَطْشَ أبطالِهْ

فلا تهزجْ لمن سادوا ولا تشمتْ بِمَنْ دَانَا

بل اركعْ صامتاً مثلي بقلبٍ خاشِعٍ دامٍ

لنبكي حَظَّ موتانا

***

أخي ! إنْ عادَ بعدَ الحربِ جُنديٌّ لأوطانِهْ

وألقى جسمَهُ المنهوكَ في أحضانِ خِلاّنِهْ

فلا تطلبْ إذا ما عُدْتَ للأوطانِ خلاّنَا

لأنَّ الجوعَ لم يتركْ لنا صَحْبَاً نناجيهم

سوى أشْبَاح مَوْتَانا

***

أخي ! إنْ عادَ يحرث أرضَهُ الفَلاّحُ أو يزرَعْ

ويبني بعدَ طُولِ الهَجْرِ كُوخَاً هَدَّهُ المِدْفَعْ

فقد جَفَّتْ سَوَاقِينا وَهَدَّ الذّلُّ مَأْوَانا

ولم يتركْ لنا الأعداءُ غَرْسَاً في أراضِينا

سوى أجْيَاف مَوْتَانا

***

أخي ! قد تَمَّ ما لو لم نَشَأْهُ نَحْنُ مَا تَمَّا

وقد عَمَّ البلاءُ ولو أَرَدْنَا نَحْنُ مَا عَمَّا

فلا تندبْ فأُذْن الغير ِ لا تُصْغِي لِشَكْوَانَا

بل اتبعني لنحفر خندقاً بالرفْشِ والمِعْوَل

نواري فيه مَوْتَانَا

***

أخي ! مَنْ نحنُ ؟ لا وَطَنٌ ولا أَهْلٌ ولا جَارُ

إذا نِمْنَا إذا قُمْنَا رِدَانَا الخِزْيُ والعَارُ

لقد خَمَّتْ بنا الدنيا كما خَمَّتْ بِمَوْتَانَا

فهات الرّفْشَ وأتبعني لنحفر خندقاً آخَر

نُوَارِي فيه أَحَيَانَا

***********

    ميخائل نعيمة وضع \ 22 كتابا - عدا ماذكرناه من كتبه في القصة والمسرحية والشعر- في الدراسات والمقالا ت الادبية والنقد والتاليف والرسائل المختلفة  وهي:
المراحل، دروب - وجبران خليل جبران.
وزاد المعاد –والبيادر- وكرم على درب الأوثان - و النور والديجور
وفي مهب الريح -وأبعد من موسكو ومن واشنطن - واليوم الأخير - وهوامش .ومقالات متفرقة، يا ابن آدم. نجوى الغروب
ومختارات من ميخائيل نعيمة .وأحاديث مع الصحافة
ورسائل من وحي المسيح 1977.

   واخيرا كتب كتابه المشهور (الغربال الجديد ) كما احتفظ في مكتبتي الخاصة بعدة مؤلفاته له .
ومن جميل روائع شعره هذه القصيدة \


يا نهرُ هل نضبتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخريـر ؟
أم قد هَرِمْتَ وخار عزمُكَ فانثنيتَ عن المسير ؟

***
بالأمسِ كنتَ مرنماً بين الحدائـقِ والزهـور
تتلو على الدنيا وما فيها أحاديـثَ الدهـور

***
بالأمس كنتَ تسير لا تخشى الموانعَ في الطريـق
واليومَ قد هبطتْ عليك سكينةُ اللحدِ العميـق

***
بالأمس كنـتَ إذا أتيتُكَ باكيـاً سلَّيْتَنـي
واليومَ صـرتَ إذا أتيتُكَ ضاحكـاً أبكيتنـي

***
بالأمسِ كنتَ إذا سمعتَ تنهُّـدِي وتوجُّعِـي
تبكي ، وها أبكي أنا وحدي، ولا تبكي معي !

***
ما هذه الأكفانُ ؟ أم هذي قيـودٌ من جليـد
قد كبَّلَتْكَ وذَلَّلَتْـكَ بها يدُ البـرْدِ الشديـد ؟

***
ها حولك الصفصافُ لا ورقٌ عليه ولا جمـال
يجثو كئيباً كلما مرَّتْ بـهِ ريـحُ الشمـال

***
والحَوْرُ يندبُ فوق رأسِـكَ ناثـراً أغصانَـهُ
لا يسرح الحسُّـونُ فيـهِ مـردِّداً ألحانَـهُ

***
تأتيه أسرابٌ من الغربـانِ تنعـقُ في الفَضَـا
فكأنها ترثِي شباباً من حياتِـكَ قـد مَضَـى

***
وكأنـها بنعيبها عندَ الصبـاحِ وفي المسـاء
جوقٌ يُشَيِّعُ جسمَـكَ الصافي إلى دارِ البقـاء

***
لكن سينصرف الشتا ، وتعود أيـامُ الربيـع
فتفكّ جسمكَ من عِقَالٍ مَكَّنَتْهُ يـدُ الصقيـع

***
وتكرّ موجتُكَ النقيةُ حُرَّةً نحـوَ البِحَـار
حُبلى بأسرارِ الدجى ، ثملى بأنـوارِ النهـار

***
وتعود تبسمُ إذ يلاطف وجهَكَ الصافي النسيم
وتعود تسبحُ في مياهِكَ أنجمُ الليلِ البهيـم

***
والبدرُ يبسطُ من سماه عليكَ ستراً من لُجَيْـن
والشمسُ تسترُ بالأزاهرِ منكبَيْـكَ العارِيَيْـن

***
والحَوْرُ ينسى ما اعتراهُ من المصائـبِ والمِـحَن
ويعود يشمخ أنفُهُ ويميس مُخْضَـرَّ الفَنَـن

***
وتعود للصفصافِ بعد الشيبِ أيامُ الشبـاب
فيغرد الحسُّـونُ فوق غصونهِ بدلَ الغـراب

***
قد كان لي يا نـهرُ قلبٌ ضاحكٌ مثل المروج
حُرٌّ كقلبِكَ فيه أهـواءٌ وآمـالٌ تمـوج

***
قد كان يُضحي غير ما يُمسي ولا يشكو المَلَل
واليوم قد جمدتْ كوجهِكَ فيه أمواجُ الأمـل

***
فتساوتِ الأيـامُ فيه : صباحُهـا ومسـاؤها
وتوازنَتْ فيه الحياةُ : نعيمُـها وشقـاؤها

***
سيّان فيه غدا الربيعُ مع الخريفِ أو الشتاء
سيّان نوحُ البائسين ، وضحكُ أبناءِ الصفاء

***
نَبَذَتْهُ ضوضاء ُ الحياةِ فمـالَ عنها وانفـرد
فغـدا جماداً لا يَحِنُّ ولا يميلُ إلى أحـد

***
وغدا غريباً بين قومٍ كـانَ قبـلاً منهـمُ
وغدوت بين الناس لغزاً فيه لغـزٌ مبهـمُ

***
يا نـهرُ ! ذا قلبي أراه كما أراكَ مكبَّـلا
والفرقُ أنَّك سوفَ تنشطُ من عقالِكَ ، وهو لا

***


-------------------------------





20

محمد رضا الشبيبي
سفيرثورة العشرين


     هو محمد رضا بن جـــواد بن محمد بن شبيب الاسدي

       ولد في مدينة النجف الاشرف العراقية سنة \1889 ميلادية ينتمي إلى الأسرة  الشبيبية  المعروفة  في النجف، وأول من  استوطن هذه الحاضرة- حاضرة النجف - من رجالها الشيخ محمد بن شبيب بن الشيخ راضي بن إبراهيم بن صقر بن دليهم من قبيلة بني أسد من فخذ يسمى (المواجد)، وكان مسكنهم في ناحية الجزائر من قضاء الجبايش التابع لمحافظة ذي قار في جنوب العراق.

       ينحدر من  أسرة علمية حيث هاجر جده  محمد  بن شبيب  إلى النجف  لتلقي علوم  الفقه واللغة  والأدب وعلوم القران الكريم ، تلقى تعليمه الأولي على يد والده حيث علمه مبادئ القراءة والكتابة والدين، ثم تلقى تعليمه لعلوم اللغة العربية على أكثر من شيخ في طليعتهم الشيخ محمد حسن المظفر. وعلوم المنطق والفقه والأصول فقد قرأها على يد الشيخين مهدي بحر العلوم وحسين الحمامي فأخذ منهما الكثير فأثر ذلك في نمط تفكيره. واجازه أستاذه الكبير هبة الدين الحسيني في الفلسفة والمنطق. في بداية اليقظة الفكرية في البلاد ،

    وعندما شب شارك في ثورة العشرين مع بعض شيوخ عشائرالفرات  الأوسط. و كان أحد الأعضاء البارزين لحزب ( الاستقلال ) الذي ترأسه السيد ( محمد الصدر) انذاك  .

     أصبح نائــــبا للرئيس في (حزب الشعب) ثم استقال منه، وأصـــبح عضوا في الهيئة الإدارية ل(حزب الإخاء الوطني ) \1930م الذي ترأسه ياسين الهاشمي ثم استقال منه وهذه الاحزاب تعبر عن تنظيمات سياسية وقفت بوجه الاستعمارالانكليزي ابان احتلاله للعراق مابين 1918 - 1958  قبل ثورة 14 تموز 1958 .

       لقب ب ( سفير ثورة العشرين) حيث استطاع ان يصل الى قائد الثورة العربية في الحجاز التي اندلعت عام\ 1916 الشريف حسين بن علي شريف مكة بعد ان حمل مطاليب وتواقيع الاحرار العراقيين المطالبين بأختيار أحد أنجال الشريف حسين ملكاً على العراق بعد تيّقنهم بأن المستعمر الا نكليزي كان ينوي ابقاء العراق تحت  الحكم العسكري البريطاني  المباشر أو ادارة العراق عن طريق ( الهند ) تلك المستعمرة الانكليزية التي كان يطلق عليها البريطانيون ( درة التاج البريطاني ) لأهميتها الحيوية القصوى من الناحيتين الاستراتيجية واللوجستية للاستعمار البريطاني كونها في اقاصي اسيا ووسطها وفي الشرق الاوسط وصولا لشبه الجزيرة العربية والعراق والهلال  الخصيب
 وذات الموارد العظيمة من الناحية الاقتصادية 

            أستطاع الشبيبي ان يتخفى ويصل الى الحجاز عن طريق الكويت مضللا الاستخبارات البريطانية وهو يتنقل على ظهر جمل حاملا مضبطة وتواقيع العراقيين مخفية طي مجلد محكم صنع خصيصا لهذا الغرض في نسخة القرآن الكريم التي كان يحملها الشيخ الشبيبي . كما استطاع من الحجاز ان يبلغ بلاد الشام بالثورة العراقية الشعبية حين اندلعت ثورة العشرين في الفرات الاوسط وكان يمدها بالاخبار اضافة الى ما تنشره جريدة (الفرات) الناطقة بلسان حال الثوار التي أصدرها شقيقه الأصغر الشيخ محمد باقر الشبيبي و جريدة الاستقلال الناطقة بلسان حال الثوار ايضا والتي اصدرها المؤرخ عبد الرزاق الحسني .

      انتقل الى بغداد وسكن فيها  وتقلد وزارة المعارف العراقية خمس مرات ووزارة العدل مرة واحدة وأصبح عضوا لمجلس النواب في ثماني دورات كما اختيرا رئــــيسا لمجلس الاعيان في دورته الثالثة \1933 وكان ذلك في العهد الملكي  اي قبل ثورة 14 تموز ( يوليو) 1958 .

        أسس محمد رضا الشبيبي المجمع العلمي العراقي سنة \1948 وا صبح رئيساً له إلى أن استقال منه عام\1963 .

     كان عضواً في المجمع العلمي في دمشق في عام\ 1923 وعضواً في  المجمع  العلمي في القاهرة في عام\ 1947 وعضوا في  مجمع الخالدين في القاهرة عام \ 1947 ومنح شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة عين شمس تقديرا لشخصيته الادبية ومواقفه المتميزة ونشاطه الثقافي  .

       كان من المعارضين المعتدلين للسياسة البريطانية في العراق وأية سياسة أجنبية أخرى كذلك كان شقيقه الأصغر الشاعر الشيخ محمد باقر الشبيبي ( الذي توفي قبله ) لكن محمد رضا كان يظهر معارضته بحدة عالية وبقوة وبنقد لاذع يمكن التعرّف عليه بوضوح من مطالعة قصائده المشهورة التي تنتقد المحتل البريطاني واذنابه ،

تم تأليف العديد من الدراسات عن سيرة حياة الراحل الشيخ محمد رضا الشبيبي وفي العديد جوانب شخصيته كشاعر واديب ورجل سياسة ونوقشت العديد من اطروحات الماجستير والدكتوراه المؤلفة بحقه في جامعات بغداد والقاهرة والاسكندرية .

أدى رسالته الثقافية وأنشطته الفكرية والأدبية على اكمل وجه ، فقد سعى إلى بعث تراث الأمة العربية وإحياء مجدها، ويتجلى ذلك النشاط في أشعاره ومقالاته التي ا طلع بها على الشعب من خلال الصحف والمجلات،وساهم في المنتديات السياسية والقومية والوطنية والاجتماعية مثل نادي القلم، والأدبية .

      وكان الشبيبي يشخص الداء ويصف الدواء، ويقوم بعرض السبل الكفيلة لانجاح  المشاريع  الإصلاحية  ويسجل  المساوئ  المجتمعية والحكومية وينقدها نقدا بناءا ولاذعا .  وقد قال بحقه (أحمد حسن الزيات ):
    (إنه كان لا ينافق ولا يداهن ولا يمالق ولا يداجن .)

     كان الشبيبي وطنياً بل كان قومي الهوى محبا لأبناء بلده العراق  امته الهربية ولعروبته و في أشعاره وقصائده مايثبت مناصرته الدائمة لكل الاحداث التي كانت تحدث في البلادان العربية ويعد من شعراء النهضة العربية وروادها .

       انه بحق رجل قاوم الاحتلال والاستعمار الاجنبي وذاد عن بلاده والاقطار العربية جميعا .

     توفي الشاعر محمد رضا الشبيبي  فجر يوم الاحد  الموافق\ 17تشرين الاول ( اكتوبر)من عام \1960  بعد عودته من المؤتمر العربي الذي انعقد في القدس .

ترك مؤلفات عديدة مهمة، مطبوعة ومخطوطةمنها :
ديوان الشبيبي
ابن الفوطي مؤرخ العراق بجزئين
وفلاسفة اليهود في الاسلام،
فضلاً عن مئات البحوث والمقالات التي نشرت في الصحف و المجلات العراقية والعربية.

       تميزت لغته وقصيده بالفصاحة والسلاسة ودقة التعبير فهو شاعر بارع وسياسي متمكن وكاتب قدير ،

       ومن جميل قصائده هذه القصيدةالتي يخاطب بها الشباب رجال  الغد حيث يقول :

نْتُمُ - مُتّعْتُمُ   بالّسّؤْدُدِ
                                  ياشبابَ اليَوْمِ - أشْياخُ الغَدِ

ياشَباباً دَرَسُوا فآجْتَهًدوا
                                         لِيَنالوا غايَةَ الْمُجْتَهِدِ

وَعَدَ اللهُ بِكُمْ أوطانَكُمْ
                                         ولَقَدْ آنَ نَجازُ المَوْعِدِ

أنتُمُ جِيلٌ جَديدٌ خُلِقُوا
                                          لِعُصُورٍ مُقْبِلاتٍ جُدُدِ

كَوّنوا الوَحْدَةَ لا تَفْسَخُها
                                       نَزَعاتُ الرّأْيِ والمُعْتَقَدِ

أنا بايَعْتُ عَلى أنْ لاأرَى
                                     فُرقَةً،هاكُمْ عَلى هذا يَدِي

عُقَدُ العالَمِ شَتّى فآحْصُروا
                                      هَمّكُمْ في حَلّ تلك آلعُقَدِ

لِتكُنْ آمالُكُمْ واضِعَةً
                                           نُصْبَ عَيْنَيْها حَياةَ الأبَدِ

لِتَعِشْ أفكارُكُمْ مُبْدِعَةً
                                            د َأبُها إيجادُ مالَمْ تَجِدِ

لا يَنالُ الضّيْمُ مِنْكُمْ جانِباً
                                          غَيْرُ مَيْسورٍ مَنالُ الفَرْقَدِ

أو تَخَلّون - وأنتُمْ سادَةٌ
                                            لأِعادِيكُمْ - مَكانَ السّيّدِ

الوفا حِفْظُكُمُ أو رَعْيُكُمْ
                                       - بعد عَهْدِ اللهِ - عَهْدَ البَلَد
-
لا تَمُدّوها يداً واهِيَةً
                                              لِيَدٍ مُفْرَغَةٍ في الزّرَدِ

تُشْبِهُ الأرْضُ الّتي تَحْمونَها
                                        عَبَثَ الأعْداءِ غَابَ الأسَدِ

دبّروا الأرواحَ في أجسادِها
                                       فاقَ داءُ الرّوحِ داءَ الجَسَدِ

إنّ عُقْبَى العِلْمِ مِنْ غَيْرِ هُدَى
                                         هذه العُقْبى الّتي لَمْ تُحْمَدِ

مَنْ أتانا بالهُدى مِنْ حَيْثُ لَمْ
                                             يَتَأدّبْ حائِرٌ لَمْ يَهْتَدِ

غَيْرُ مُجْدٍ-إن جَهِلْتُمْ قَدْرَكُمْ-
                                             عَدَدُ العِلْمِ وعِلْمُ العَدَدِ

وإذا لَمْ تَرْصُدوا أحْوالَكُمْ
َ                                             لمْ تُفِدْكُمْ دَرَجاتُ الرّصَدِ

وإذا لَمْ تَسْتَقِمْ أخْلاقُكُمْ
                                               ذَهَبَ العِلْمُ ذَهابَ الزّبَدِ

عَدّ عَنْكَ الرّوضَ لا أرتادُ لي
                                        غَيْرَ أخلاقٍ هيَ الرّوضُ النّدي

بُورِكَتْ ناشِئَةٌ مَيْمُونَةٌ
َ                                            شَأتْ في ظِلّ هذا المَعْهَدِ

مَنْ جَنَى مِنْ عِلْمِهِ فائِدَةً
                                             غَيْرُ مَنْ عاشَ فَلَمْ يَسْتَفِدِ

مايُرَجّى-لَيْتَ شِعْرِي-والِدٌ
                                               أهْمَلَ التعليمَ عِنْدَ الوَلَدِ

سِيرةُ الآباءِ فِينا قُدْوَةٌ
                                                كلٌ  طِفْلٍ  بأبِيْهِ يَقْتَدِي

ليس هذا الشّعرِ ما تَرْوُونَه
                                              إنّ هذِي قِطَعٌ مِنْ كَبِدِي


       ***************************************




                                  21

            عبد الحميد بن باديس
                            
                             الامام المصلح



     هو الإمام المصلح المجدّد الشيخ عبد الحميد بن محمّد بن المصطفى بن المكّي  بن  باديس القسنطيني الجزائري، رئيس  جمعية  العلماء المسلمين بالجزائر، ورائد النهضة الفكرية والإصلاحية والقدوة الروحية لحرب التحرير الجزائرية.

           وُلد عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن المكي بن باديس الجزائري  بقسنطينة سنة \ 1889م   وسط  أسرة  من  أكبر  الأسر القسنطينية، مشهورة بالعلم والفضل والثراء والجاه، عريقة في التاريخ، يمتدّ نسبها إلى المعزّ بن باديس الصنهاجي، فهو في مقابل اعتزازه بالعروبة والإسلام لم يُخْفِ أصله الأمازيغي  بل كان   يُبدِيه ويُعْلِنُهُ وقد
أ تمّ حفظ  القرآن الكريم في أوّل مراحل تعلّمه بقسنطينة في السنة الثالثة عشر من عمره، على يد الشيخ( محمّد المدّاسي) وتقُدم لصلاة التراويح اماما بالناس على صغره، وأخذ مبادئ العربية ومبادئ الإسلام على يد شيخه (حَمدان لُونِيسي )وقد أثّر فيه القرآن الكريم وهزّ كيانه ليكرّس فيه بعد ذلك ربع قرن من حياته في محاولة إرجاع الأمّة الجزائرية إلى هذا المصدر والنبع الرباني بما يحمله من حقيقة توحيدية وهداية أخلاقية، وهو طريق الإصلاح والنهوض الحضاري.

      في سنة 1908 التحق الشيخ عبد الحميد بجامع الزيتونة بتونس  فأخذ عن جماعة من كبار علمائها الأجلاّء  وفي طليعتهم زعيم النهضة الفكرية والإصلاحية في تونس العلاّمة ( محمّد النخلي القيرواني ) والشيخ (محمّد الطاهر بن عاشور) اضافة الى مربين آخرين من المشايخ الذين كان لهم تأثير في نمو عقليته و استعداده لتقبل العلوم وتعهّدوه بالتوجيه والتكوين منهم (البشير صفر) و( سعد العياض السطايفي ) و  ( محمّد بن القاضي) وغيرهم، وقد سمحت له هذه الفترة بالاطلاع على العلوم الحديثة وعلى ما يجري في  البلدان العربية   والإسلامية  من إصلاحات  دينية وسياسية، في مصر وفي الشام والعراق وغيرها ممّا كان لهذا المحيط  العلمي  والبيئة الاجتماعية  والملازمات المستمرّة  لرجال العلم والادب والإصلاح الأثر البالغ في تكوين شخصيته ومنهاجه في الحياة.

    وبعد تخرّجه وتأهيله بشهادة التطويع سنة 1912 عاد من تونس متأهّبًا بطموح قويٍّ للتفرّغ للتدريس الممثّل في بدايته بعقد حلقات دراسية بالجامع الكبير،  غير  أنّ صعوبات واجهته  في  بداية  نشاطه العلمي حالت دون تحقيق طموحه وآماله، وبعد طول تأمّل رأى من المفيد تزامنًا مع موسم الحجّ أن يؤدّي فريضة الحج مغتنمًا الفرصة في رحلته المشرقية للاتصال بالعلماء والمفكّرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي الأمر الذي يسمح له بالاحتكاك المباشر وتبادل الرأي معهم، والتعرّف على مواقع الفكر الإصلاحي، فضلاً عن الاطلاع على حقيقة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة في المشرق العربي. وفي أثناء تواجده بالحجاز حضر لدروس العلماء من مختلف البلدان الوافدين إلى هذه البقاع المقدّسة كالشيخ (حسين الهندي) الذي نصحه بالعودة إلى بلاده لاحتياجها إلى علمه وفكره، وقد حظي بإلقاء  دروس بالمسجد النبوي الشريف  من بعض الشيوخ الذين كانوا يعرفون مستواه، وقد تعرّف على كثير من شباب العائلات الجزائرية  المهاجرة  مثل (محمّد البشير الإبراهيمي) وقد استفاد الشيخ عبد الحميد بن باديس من التيارات الفكرية ومدارس الإصلاح الديني بالمشرق التي ظهرت في العالم الإسلامي وبعد عودته إلى قسنطينة سنة 1913 ساهم في بلورة الفكر الإصلاحي ميدانيًّا وتطبيق مناهجه التربوية عمليًّا، ساعده زملاؤه الأفاضل من العلماء الذين شَدُّوا عَضُدَه وَقَوَّوْا زناده، فكان تعاونهم معه في هذه المهمّة الملقاة على عاتق الدعاة إلى الله تعالى منذ فجر النهضة العربية دافعًا قويًّا وعاملاً في انتشار دعوته و سطوع نجمه، وذيع صيته، ، كما ساعده أيضًا الواقع الذي كانت تمرّ به الجزائر بين الحربين العالميتين.

           وقد شرع ابن باديس رحمه الله تعالى في العمل التربوي، وانتهج في دعوته منهجًا يوافق الفكر الإصلاحي في البعد والغاية، وإن كان له طابع خاص في السلوك والعمل يقوم على ثلاثة محاور أساسية،
  الاول إصلاح عقيدة الجزائريين ببيان التوحيد لذلك ظهرت عنايته الأكيدة بتربية الجيل على القرآن وتعليم أصول الدين وعقائده من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إذ كان همّه تكوين رجال قرآنيين يوجّهون التاريخ ويُغيّرون الأمّة، وقد تجلّى ذلك في بعض مقالاته حيث يقول
رحمه الله: «فإنّنا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجّه نفوسهم إلى القرآن في كلّ يوم…».

         أمّا المحور الثاني فيتمثّل في إصلاح عقلية الجزائريين، بإصلاح العقول بالتربية والتعليم، ولتكوين أجيال قائدة في الجزائر، تعمل على بعث نهضة شاملة تخرج بها من حالة الجمود والركود إلى الحيوية والنشاط، وقد كان يرى أنّ تحقيق هذه النهضة المنشودة يتوقّف بالدرجة الأولى على إصلاح الفرد الجزائري وبعث الروح الوطنية فيه من الناحية الفكرية والنفسية.

       والمحور الثالث يظهر في إصلاح أخلاق الجزائريين، حيث ان هذا الميدان قد تدهور كثيرًا نتيجة لفساد العقول وفساد العقيدة الدينية كنتيجة لقرب الجزائر من فرنسا وما قامت به من احتلال للجزائر وماولة فرنسة الاوضاع واللغة فيها وطمس المعالم العربية والاسلامية منها وقد كانت عنايته بالغة من داخل الفرد بتطهير الباطن الذي هو أساس الظاهر، وتهذيب النفوس وتزكيتها وإنارة العقول وتقويم الأعمال  وإصلاح العقيدة

            باشر عمله ونشاطه الاصلاحي جاعلا من المسجد منطلقا فاهتم بتعليم الصغار وتوعية الكبار واتخد من الصحافة وسيلة أخرى لنشر الوعي الديني والسياسي حارب الخرافات والبدع ورفض فكرة ادماج الجزائر بفرنسا في وقت الاحتلال الفرنسي وأعتبر كل من تجنس بالجنسية الفرنسية مرتدا
         بدأ الشيخ  عبد الحميد  بن  باديس مهمته  الإصلاحية بعد أن نضج وعيه الإسلامي و تأثر بأفكار الجامعة الإسلامية ، و أدرك أن طريق الإصلاح يبدأ بالتعليم لأنه لا يمكن للشعب الجاهل أن يفهم معنى التحرر و محاربة الاستعمار ، لذلك باشر بن باديس تأسيس المدارس و تولّى بنفسه مهمة التعليم ، و ركزّ على تعلم الكبار بفتح مدارس خاصة لمحو الأمية ، كما اهتم بالمرأة من خلال المطالبة بتعليم الفتيات إذ أنشأ أول مدرسة للبنات بقسنطينة سنة 1918 ، واعتبر تعليم المرأة من شروط نهضة المجتمع تعليم المرأة لا يعني تجاوز التقاليد و الأخلاق الإسلامية .وسع بن باديس نشاطه ليفتتح عدة مدارس في جهات مختلفة
ساهم في فتح النوادي الثقافية مثل نادي الترقي بالعاصمة الجزائر
، وساعد على تأسيس الجمعيات المسرحية

          اشرف على عدة مجلات منها  المنفذ  والشهاب  و البصائر وعمل على تفسير القرأن الكريم وفي سنة 1931 كان من اشهر العلماء البارزين المتحمسين في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

          كان عبد الحميد بن باديس مفكرا ومرشدا ومربيا سخر كل طاقاته المادية والبشرية لاصلاح أحوال المجتمع الجزائري وللحفاظ على الهوية الجزائرية الاسلام وكان منهجه الاصلاحي ينبثق من الثلاثية (الاسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا ) تصدى لفكرة الادماج عن طريق اصدار الفتاوى ونجح في بناء جيل ساهم بقوة في اذكاء ثورة تشرين الثاني عام 1954.

       كان عالما دينيا وشيخا فاضلا سخر كل جهوده في نهوض شعب الجزائر البطل وبث روح الثقافة العربية والنهضوية والاسلامية في نفوس السباب وغرسها في قلوبهم

         توفي الامام في 16 نيسان 1940 وأعتبر يوم وفاته يوم العلم احياءا لذكرى وفاته اذ انه أحد أبناء وأبطال الجزائر العربية باديس رحم الله الإمام المصلح المجدّد الشيخ عبد الحميد بن باديس القسنطيني الجزائري فقد رئيسا لجمعية العلماء المسلمين بالجزائر، ورائد النهضة الفكرية والإصلاحية والقدوة الروحية لحرب التحرير الجزائرية.

       انشد الكثير من الشعر في الدين والسياسة والاجتماع وكان شعره هادفا غلبت عليه السمة الدينية ومن شعره هذه القصيدة التي يعرف بها الشعب الجزائري بعروبته وردا قاطعا للفرنسة ودعاتها الظالمين ويدعوه للثورة والحياة\

        شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ
                                           وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ

         مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ
                                             أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ

          أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ
                                         رَامَ الـمُحَـال   من الطَّـلَـبْ

         يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا
                                           وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ

          خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا
                                        وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهبْ

        وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ
                                        حْـسـانِ وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ

        وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ
                                               فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ

         وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّــالـمِـينَ
                                              سُـمًّـا يُـمْـزَج بالـرَّهَـبْ

       وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ
                                               فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ

         مَنْ كَــان يَبْغـي وَدَّنَــا
                                             فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحبْ

           أوْ كَـــانَ يَبْغـي ذُلَّـنـَا
                                              فَلَهُ الـمـَهَـانَـةُ والـحَـرَبْ

           هَـذَا نِـظـامُ حَـيَـاتِـنَـا
                                             بالـنُّـور ِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ

         حتَّى يَعودَ لـقَــومــنَـا
                                            من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ

          هَــذا لكُمْ عَـهْــدِي بِـهِ
                                              حَتَّى أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ

         فَــإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحـتـي
                                           تَحيـَا الجَـزائـرُ وَ الْـعـرَبْ




            *******************************













                                22

         ابراهيم المازني


                  هو إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني
     ولدعام   بقرية ( كوم مازن) بمحافظة المنوفية المصرية 1890 م واكمل دراسته الاولية والثانوية في ( المنوفية )  ثم تطلع المازنى إلى دراسة الطب بعد تخرجه من المدرسة الثانوية اقتداءً بأحد أقاربه، ولكنه ما إن دخل صالة التشريح بكلية الطب حتى أغمى عليه .

      ترك الدراسة الطبية وذهب إلى مدرسة  الحقوق ولكن  مصاريفها او اجورها زيدت في ذلك العام من خمسة عشر جنيها إلى ثلاثين جنيها، فعدل عن الدراسة في مدرسة الحقوق إلى مدرسة المعلمين. وعمل بعد تخرجه منها عام 1909 مدرساً .

        ضاق بقيود الوظيفة,بعد ان حدثت له بعض المعوقات فاعتزل التدريس وعمل بالصحافة لكي يكتب بحرية, عمل بجريدة( الأخبار ) مع أمين الرافعي، ثم محررا بجريدة (السياسة ) الأسبوعية، و عمل بجريدة (البلاغ ) مع عبد القادر حمزة وغيرهم في الكثير من الصحف الأخرى، كما أنتشرت كتاباته ومقالاته في العديد من المجلات والصحف الأسبوعية والشهرية.

    عرف عن المازني تمكنه من اللغة الإنجليزية والترجمة منها إلى العربية فقام بترجمة العديد من القصائد الشعرية إلى اللغة العربية،
انتخب عضواً في كل من مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع العلمي العربي بدمشق.

       عرف المازني انه  شاعر من شعراء العصر الحديث، كما عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره و عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من ايجاد مكاناة مرموقة بجوارهم على الرغم من اتجاهاته المختلفة ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان التي ينتمي اليها كواحد من مؤسسيها الاوائل.

       حاول المازني ان يبتعد عن العمود الشعري وقصيدة القافية الوزن فجاء بتجربة الشعرالحر او كتابة قصيدة النثركمجدد  نقلته هذه الوضعية من كتابة الشعر المرسل إلى الكتابة النثرية، فخلف لنا تراث غزير من المقالات والقصص والروايات بالإضافة للعديد من الدواوين الشعرية، كما عرف كناقد متميز.

      اهتم ايضا بقراءة الكتب الفلسفية والاجتماعية، وقام بترجمة الكثير من الشعر والنثر إلى العربية وقد قال الايب عباس محمود العقاد عنه ( إنني لم أعرف فيما عرفت من ترجمات للنظم والنثر أديباً واحداً يفوق المازني في الترجمة من لغة إلى لغة شعراً ونثراً).

     يعد المازني من رواد مدرسة  الديوان وأحد مؤسسيها مع  كل من
عبد الرحمن شكري، وعباس محمود العقاد، عشق الشعر والكتابة الأدبية وعمل في شعره على التحرر من الأوزان والقوافي ودعا كغيره من مؤسسي مدرسة الديوان إلى الشعر المرسل، الا انها كانت اشبه بمحاولات فقد غلب على شعرهم وحدة القافية وعمود الشعرالعربي الخالد،

     اتجه المازني للنثر كما انه أدخل في أشعاره وكتاباته بعض المعاني المقتبسة من الأدب الغربي، وتميز أسلوبه بالسخرية والنكتة واتخذ في كتاباته الطابع الساخر وعرض من خلال أعماله الواقع الذي كان يعيشه في شخوص أو تجارب شخصية أو من خلال حياة المجتمع المصري في تلك الفترة، فعرضه بكل سلبياته وإيجابياته من خلال رؤيته الخاصة وبأسلوب مبسط بعيداً عن التكلف الشعري والأدبي.

        توقف المازني عن كتابة الشعر بعد صدور ديوانه الثاني في عام 1917م، واتجه إلى كتابة القصة والمقالة الصحفية والنقد الادبي
لقد كان المازني شاعراً يعظم الشعر ويجسد فيه كل انفعالاته ويصورفيه همومه وأحزانه وذكرياته . امتاز شعره بجزالة اللفظ ونصاعة الفكرة جمع بين الثقافة العربية التراثية وبين الثقافة الغربية وكان وزميلاه شكري والعقاد من اتباع المدرسة الرومانسية ومن أصحاب مدرسة الديوان، وكان بينهم وبين مدرسة شوقي وحافظ مساجلات نقدية حيث أصدر كتاباً بعنوان: (شعر حافظ) كما أصدر مع العقاد كتاب (الديوان) نقدا فيه الشاعرين حافظً ابراهيم – شاعر النيل واحمد شوقي اميرالشعراء وتعرض بعد ذلك في دراسة نقدية لشكري والمنفلوطي، ولقد تميز أسلوبه بالسخرية والفكاهة التي شاعت في مقالاته وله فلسفة خاصة في الحياة ظهرت من خلال عمله في الصحافة فترة من الزمن حيث كتب في الأهرام والهلال والبلاغ والرسالة وغيرها من الصحف والمجلات وكان يقدم تجارب حياته اليومية في قصصه التي جمعها بعد نشرها في الصحف في كتب ويصفه الناقد الدكتور( محمد مندور) بأنه كان رائداً للتجديد الأدبي عامة والشعر بخاصة في النصف الأول من هذا القرن.

      توفي الشاعر ابراهيم عبد القادر المازني سنة 1949

       ترك لنا  المازني  ثروة ثقافية وادبية والعديد من الأعمال الشعرية والنثرية المميزة نذكر من أعماله:
إبراهيم الكاتب
وإبراهيم الثاني – رواياتان،
أحاديث المازني- مجموعة مقالات
حصاد الهشيم في النقد
خيوط العنكبوت،
ديوان المازنى
رحلة الحجاز
صندوق الدنيا( في السياسة والاجتماع )
عود على بدء
قبض الريح
الكتاب الأبيض
قصة حياة
من النافذة
في الطريق
شعر حافظ
الديوان بالاشتراك مع عباس محمود العقاد
الجديد في الأدب العربي

       لقد كان المازني أديباً عظيماً وصاحب مدرسة ومذهب في الأدب ليس له نظير في أدب المشرق والمغرب في إجادته لأدب الترجمة فهو يترجم الشعر و النثر كأسلوب الجاحظ وقد أضفى على ترجماته من حسه وروحه وطلاوته وموسيقاه مما جعل الناس يقبلون بشوق وشغف عليها واتسم نتاجه بالخصوبة والتنوع وقد تاثر في شعره بشعرالشريف الرضي وابن الرومي وبشار بن برد وغيرهم من الشعراء العباسيين وكان يكثر من الشكوى والالم والحسرة يقول  :

خيم الهم على صدري يا صديقي
                                       وبدت في لحظة الليل الهموم

      لقدكان منذ صغره أخلص الأدباء للشعر والأدب والكتابة ورسم صورة قلمية تنبض بنبض حياته في مسراتها وأحزانها وقوتها وضعفها في طليعة رواد النهضة العربية ولعمري لست اتحسس شيئا  هو أحلى جنى وأعذب زلالا من الشعر إذا صدقنا قائله وترفع عن التقليد الذي لا حاجة بنا إليه ولا ضرورة تحملنا عليه، وتنزه عن مجاراة الناس ومشايعة العامة وتوخّي مرضاتهم فإن لنا أعينا حداسة وقوة حساسة وتذقا سليما ومادة الشعر واسعة فياضة لا تفني ولا تزول .

      وما الشعر إلا معان لا يزال الإنسان ينشئها في ذاته ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه ويراجعها في عقله، معانيها في كل ساعة تتجدد وفي كل لحظة تتولد لتشكل احساسا صادقا منبعثا من قلب مفعم بالشوق غارق بالعاطفة ثم تنهال محتدمة عليه الافكارالمتعلقة باهداب الخيال الثر وتشده الاحاسيس في شعر رومانسي قل مثيله ليكون نغما صادقا ولحنا را ئعا يسع الدنيا ومن فيها ذلك هو الشاعر المازني
ومن روائعه قوله:


فؤادي من الآمال في العيش مجدب
                            وجوى مسود الحواشي مقطب

تمر بي الأيام وهي كأنها
                               صحائف بيضٌ للعيون تقلب

كأن لم يخط الدهر فيهن أسطرا
                            يبيت لها الإنسان يطفو ويرسب

شغلت بماضي العيش عن كل حاضرٍ
                              كأني أدركت الذي كنت أطلب

وما كلت الأيام من فرط عدوها
                         ولا عطل الأفلاك خطبٌ عصبصب

وما فتئ المقدار يمضي قضاءه
                     وما انفك صرف الدهر يعطي ويسلب

وما زلت ظهر الأرض في جنباته
                             مراحٌ لم يبغي المراح وملعب

ولكن قلباىً خالجته همومه ترى
                                أي ملهى طيب ليس يجنب

وكيف يسري عنه ملهى ومطرب
                              وما يطبيه غير ما بات يندب

لقد كان الدنيا بنفسي حلاوةٌ
                            فأضجرني منها الأذى والتقلب

وقد كان يصيبني النسيم إذا هفا
                           ويعجبني سجع الحمام ويطرب

ويفتنني نوم الضياء عشيةً
                            على صفحة الغدران وهي تسبسب

فمالي سقى اللَه الشباب وجهله
                                   أراني كأني من دمائي أشرب

وما لي كأني ظللتني سحابة
                                فها من مخوفات الأساود هيدب

وليلٍ كأن الربح فيه نوائحٌ
                                 على أنجم قد غالها منه غيهب

تجاوبها من جانب اليم لجةٌ
                                    نزاءر فيها موجها المتوثب

كأن شياطين الدجى في أهابه
                                تغنني على زمر الرياح وتغرب

لقيت به ذا جنةٍ وتدلةه
                                  له مقلةٌ عبرى   وقلبٌ معذب

فقلت له ويلي عليك ولهفتي
                              ترى أين يوميك السرى والتغرب

ركبت الدجى والليل أخشن مركبٍ
                                  فهل لك عند الليل ويبك مطلب

فقال وفي عينيه لمعٌ مروعٌ
                                     وفي شفتيه رجفةٌ وتذبذب

ليهن ترابٌ صم حسنك أنه
                                 سيرويه منه عارضٌ متصبب

سقاها ورواني من المزن سمحةٌ
                                    فإني في ملحودها سأغيب

كفاني إذا ما ضم صدري صدرها
                                     تحية سحب قلبها يتلهب

أأنت معيني إن قضيت بدمعة
                                يحدرها عطفٌ علينا ويسكب

فقلت له ما لي لدى الخطب عبرةٌ
                                  تراق ولا قلبٌ يرق ويحدب

سكنت فما أدري الفتى كيف يغتدي
                              تجد به الأشجان طوراً وتلعب

ولكنني إن لم تعنك مدامعي
                           سأستهول الموت الذي بت تخطب

سأصرخ أما هاجت الريح صرخةً
                              تقول لها الموتى ألا أين نهرب



------------------------------------------------







                           23

الشاعر ايليا أبو ماضي
                             شاعر الأمل والتفاؤل


        ولد ايليا ظاهر ابو ماضي في قرية (المحيدثة)  في لبنان سنة 1890  ورحل  إلى  مصر عام 1902  .ونزل مدينة (الاسكندية)  ثم     ( القاهرة ) وعمل في بيع السجائر والدخان. ، وكان مولعا  بالادب والشعر  فانكب على قراءة الشعر وحفظه ومطالعة الادب من اوسع مصادره العربية  خاصة وان  مصر  كانت مركزاً للمفكرين اللبنانيين الهاربين  من  قمع  الأتراك  في ظل الدولة  العثمانية  ثم الاستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الاولى .

      نشر قصائد له في مجلاتٍ لبنانية صادرة في مصر، أهمها مجلةا(لعلم )ومجلة (الاكسبرس) وهناك، تعرف إلى الأديب( أمين تقي الدين) ، الذي تبنى المبدع الصغير ونشر أولى اعمال إيليا في مجلته (الزهور) .

      هاجر إلى أمريكا عام 1911 واتخذها مهجراً. ولذلك فهو من شعراء المهجر وهم الشعراء العرب الذين هاجروا من الشام ومصر إلى أمريكا وكتبوا وألّفوا هناك باللغة العربية،

        أحتضنته  الطبيعة في طفولته، وكانت قرية (المحيدثة)  تفتن إيليا أبو ماضي بأشكال الجمال الأخضر والجداول المغردة للجمال الطبيعي، فتعلم حب الطبيعة والتحليق في الاجواء اللبنانية ذات الشذى العبق والنسيم المنعش الاخاذ الذي يعي للنفس هناءتها ويشعرها بالفرح الغامر بحيث تتفتح اعطافها فينشرح القلب وتنشط الروح – وكان احد اخوالي  قد باع بستانا كاملا مليئا باشجارالنخيل والبرتقال والكروم في خمسينات القرن الماضي  لاجل ان يسافر من العراق الى لبنان لتمتع بهوائها وعبقها الشذي ولينفس عن قلبه الضيق والكمد فعاد معافى    - وتعلق بمناجاتها ومحاكاتها . ثم انه  قاسى مرارة الفقر، اذ نشأ من اسرة فقيرة معدمة  فنشأته في قسوة الفقر، جعلت منه  رفيقا  للفقراء ، لذا نراه  يكتب دوماً عن المساواة الاجتماعية، فكلنا من تراب، لا فرق بين  غني ولا فقير. وفي قصيبدته ( الطين)  المشهورة  خير دليل على ذلك ثم انه عاني من  الاغتراب  منذ صغره،و كان التشرد في الغربة ثاني ديدن  في اتجاه أبي ماضي، ومن التشرد  تعلم الوفاء للوطن ، فأغزر واكثر في الشوق اليه والحنين لوطنه  والعناية بطيفه الباقي في قلبه.فنراه يجتمع في الغربة بابناء وطنه لبنان وابناء عروبته هذا الاختلاط هو الذي مهد له السبيل  للتعرف بالنخب العربية المهاجرة، ففي المهجر، كان أبو ماضي منغمساً في علاقته برواد النهضة العربية وقادة الفكر التحرري الأدبي العربي ، من امثال ميخائيل نعيمة وجبران  خليل جبران  واحمد  ابوشادي  وغيرهم  فاستفاد منهم ، وبنى منهجه الشعري وأسلوبه الأدبي الجديد.
    
           وكان لبنان في نظر أبي ماضي خريدة نفيسة من خرائد الزمان، ودرة غالية من درر الكون، فلا شمس تشبه شمسه، ولا ماء أعذب من مائه، ولا جبال أكثر شموخاً من جباله، ولا سهول أمرع من سهوله. وفوق ذلك  كله ، فلبنان أبي ماضي كان انفتاحاً  بالنسبة  اليه  على الحضارة العالمية ، وتفاعلاً إنسانياً، ووحدة مشتركة  تصهر جميع أبنائه في بوتقة واحدة  يجمعهم حب الوطن والاخلاص له  لا زيف  فيها  ولا خلاف ولا ضغينة.

           وأحب شاعرنا الحياة وتفاءل بها فإذا هو كنهر ينساب بين الغدران، وروض اخضر يشع سناءا و يفوح عطراً وعبيراً، ونجم ساطع يمزق جلباب الظلام ويهتك استار الظلم ، وفجر يشع على الكون حباً وبشاشة ونوراً واملا  وسعادة وهناء ..

       ففي مصر، أصدر أبو ماضي أول دواوينه الشعرية عام \1911، بعنوان (تذكار الماضي) وكان يبلغ من العمر \22 سنة ً، كما ان شعره السياسي والوطني جعله عرضةً لمضايقات السلطة الرسمية، فهاجر عام 1912 إلى أمريكا الشمالية، وصل أولاً إلى مدينة( سينسيناتي)حيث يقيم اخوه مراد وهناك عمل مع أخيه  في التجارة، وتنقل بعدها في الولايات المتحدة إلى ان استقر في مدينة (نيويورك )عام 1916 وهناك عمل نائباً لتحرير جريدة مرآة الغرب وتزوج من ابنة صاحبها \ السيدة دورا نجيب دياب التي أنجبت له اربعة أولاد.

           تعرف إلى عظماء القلم في المهجر، فأسس مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة الرابطة القلمية، التي كانت أبرز مقومات الأدب العربي الحديث، وتعتبر هذه الرابطة أهم العوامل التي ساعدت أبا ماضي على نشر فلسفته الشعرية.

في 15 أبريل 1919، قام إيليا أبو ماضي بإصدار أهم مجلة عربية في المهجر، وهي (مجلة السمير) التي كانت موئلا ومنارا للأقلام العربية  المغتربة، وقدمت الشعر الحديث على صفحاتها، واشترك في إصدارها معظم شعراء المهجر لا سيما أدباء المهجر في امريكا الشمالية  وقام بتحويلها عام 1936 إلى جريدة يومية. وتميزت هذه الصحيفة بوجهها العربي المشرق  و لم تتوقف (السمير) عن الصدور حتى فارق الشاعر الحياة اثر نوبة قلبية

          نشر أبو ماضي في حياته أربعة دواوين وهي\
      تذكار الماضي
 و  ديوان ايليا أبو ماضي
 و  الجداول
 و  الخمائل ،
 وأعد للطبع ديوانه الخامس \ تبر وتراب .

          اشتهر ايليا أبو ماضي بالتفاؤل وحب الحياة والإيمان بجمالها، ودعا الناس إلى الأمل، كما دعا إلى المساواة بين الغني والفقير. ومن أشهر قصائد ايليا ابي ماضي (قصيدة الطين) و(فلسفة الحياة).

  اطلق عليه النقاد  لقب  ( شاعر الأمل والتفاؤل )والشاعر  يستحق هذا اللقب عن جدارة لاحظ قوله \

قال السماء كئيبةً وتجهمَ،
                   قلت ابتسم يكفي التجهم في السما،

 قال الصبا ولّى فقلت له ابتسم،
                     لن يرجع الأسف الصبا المتصرّما

         إيليا أبو ماضي شاعر رومانسي حالم، أحب الطبيعة فغناها أجمل شعره، ورأى في هدوئها وروعتها ما تقر به نفسه. أعجبته في بساطتها وجمالها وبعدها عن أدران الحياة وأكدارها، فكان ينشد الراحة بين أفيائها والهدوء بين مناظرها، فألهمته صوراً رائعة، وأخيلة مجنحة، ومعاني تسمو بالإنسان إلى مراتب السمو والجلال.  و كان الامل  الجمال حاضراً في أغلب أعمال أبي ماضي، الذي امتاز  بعشقه للطبيعة والحياة الطبيعية  يقول\

يا ليتني لصٌ لأسرق في الضحى،
                          سرَّ اللطافة في النسيم الساري

   وأَجسَّ مؤتلق الجمالِ بأصبعي
                          في زرقة الأفقِ الجميلِ العاري

 وجعل هذا الجمال قريناً لكل شيء،
   
          ابوماضي  كان يحمل روح الشرق في المهجر، ويحمل هم أمته العربية وما تقاسي من الام  وهموم وهي ترزح في ظل الاستعمار الغربي  الذي  سرق كل شيء  المال والارض والنفوس العربية وحاول طمس معالم هذه الامة واذلالها  فكتب لمصر عندما هددها الطغيان لاحظ قوله في مصر :
خَلِّني أستصرخُ القومَ النياما
                                          أنا لا أرضى لمصرٍ أن تُضاما

 لا تلُم في نصرة الحقِ فتىً
                                          هاجه  العابثُ  بالحق   فلاما

ومع كل هذه الامور لم ينس أوجاع الفقراء والمسحوقين فكتب لهم كثيراً وجعلهم من ثوابت قلمه ارائه وكتاباته  يقول فيهم \

وإن هم لم يقتلوا الأشقياء،
                                       فيا ليت شعريَ من يقتلونْ

 ولا يحزننكمُ موتُهمْ،
                                            فإنهمُ  للردى  يولدونْ

 وقولوا كذا قد أراد الإله
                                           وإن قدر الله شيئا يكونْ

           أما ا كتاباته عن وطنه لبنان هذا الوطن الغالي في نفس كل عربي  فلم يغب عنه في غربته  فكان لبنان محور يوميات ايليا أبي ماضي، قال فيه\
  
اثنان أعيا الدهر أن يبليهما
                                             لبنان والأمل الذي لذويه 

 وأجاد مع الحرب العالمية في ترجمة الحنين إلى العائلة الام والاخوان  والأرض شعراً  لاحظ قوله :

 وكان لي امل اذ كان لي وطن
                                لا    يا جارتي كان لي أهلٌ وإخوان

 فبتت الحرب ما بيني وبينهم
                                     كما  تقطع  أمراس   وخيطان

 فاليوم كل الذي فيه مهجتي ألم
                                    وكل  ما حولهم بؤس وأحزان

          اما في  الحب والشوق والحنين الى الحبيبة فقد  كانت تجارب أبي ماضي قاسيةً عاطفياً، ولكنه احتفظ بالأمل الذي لم يفارق كتاباته، فكان يخرج دوماً حالماً مبرراً القسوة والانكسار جاعلاً من هذا الانكسار ومن قسوة الحب  قلعة تفاؤل وتمسك بالحب وصدقه ممزوجة بالحزن واللوعة مع أنه لم ينف الحزن في قلبه، الا انه ميزه عن اليأس :

إنما تلك أخلفت  قبل ليلين من موعدي
لم تمت لا وإنما أصبحت في سوى يدي

           شغف  شاعرنا الحياة وتفاءل بها فإذا هو نهر ينساب في الغدران، وروض رياض يفوح عطراً وعبيراً، ونجم ساطع يمزق جلباب الظلام، وفجر يشع على الكون حباً وبشاشة ونوراً.

         ابو ماضي شاعر فلسف الحياة  فقد  كان ذو رؤيةٍ فلسفية في كل شيء حوله  فله في الموت فلسفة وفي الكون والوجود   فلسفة  وفي السياسة وفي المجتمع وفي الحب فلسفة .

     كان يؤمن  أن الإنسان خالد وأن الموت ليس آخر المطاف، بل تكملة للمسيرة، شارك جبران خليل جبران في ايمانه بالتقمص والعودة بأشكالٍ حياتية أخرى، خصص مساحةً من شعره لما بعد الموت  صب العداء على  التعصب والطائفية، ونبذها في قصائده مبشراً بديانة الإنسان وانسانيته الفاضلة .

     وتوفي  اثر نوبة قلبية عام \ 1957 في نيويورك.\امريكا .

      ويعتبر ايليا أبو ماضي من أهم شعراء المهجر في أمريكا الشمالية. ومن المميزات التي ظهرت  في أسلوبه الشعري هي وحدة الموضوع وشدة الارتباط بين أجزائها وعناصرها بالإضافة إلى الفكرة الموحدة، لذلك وضع عناوين لقصائده تتناسب مع ما تناولته هذه القصيدة اوتلك    

     فقد  أحدث تجديداً في الكلمة الشعرية، وجعلها تتسع لتشمل فضاءات  متدفقة حياتا  لمضامين شعرية جديدة وواسعة  في  الحياة الاجتماعية والفكرية والنفسية من غير أن تخرج عن إطار البساطة والوضوح.

         وفي الختام نطلع على بعض من شعره يقول في قصيدة الطين وهي من اروع قصائده :

نسى الطين ساعة أنه طين
                              حقير فصال تيهاً وعربد

وكسا الخز جسمَه فتباهى
                             وحوى الماَل كيسُه فتمرد

يا أخي لا تَمل بوجهك عني
                             ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

أيها المزدهي إذا مسَّك السقم
                             ُ  ألا تشتكى؟    ألا تتنهد؟

قمر واحد يطل علينا وعلى
                              الكـوخ والبناء الموطد

إن يكن مشرقاً لعينكِ إني
                          لا أراه من كوة الكوخ أسود

النجوم التي تراها أراها
                             حين تخفى وعندما تتوقد

لستَ أدنى على غناك إليها
                         وأنا معْ خصاصتي لستُ أبعَد

أنت مثلي من الثرى وإليه
                        فلماذا يا صاحبي التيه والصد؟

 ويقول في رائعته الاخرى قصيدة ( ابتسم )


قال: السماء كئيبة، وتجهما
                       قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما

قال: الصبا ولّى فقلت له ابتسم
                        لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

قال: التي كانت سمائي في الهوى
                          صارت لنفسي في الغرام جهنما

خانت عهودي بعدما ملكتها
                              قلبي فكيف أطيق أن أتبسما ؟

قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها
                                 قضّيت عمرك  كله  متألما

قال: التجارة في صراع هائل
                              مثل المسافر كاد يقتله الظما

أو غادة مسلولة محتاجة
                                 لدم وتنفث  كلما لهثت دما

قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها
                               وشفائها فإذا ابتسمت فربما..

أيكون غيرك مجرما وتبيت في
                              وجل كأنك أنت صرت المجرما

قال: العدى حولي علت صيحاتهم
                            أأسر والأعداء حولي في الحمى ؟

قلت: ابتسم لم يطلبوك بذمة
                               لو لم تكن منهم أجل وأعظما

قال: المواسم قد بدت أعلامها
                          وتعرضت لي في الملابس والدمى

وعلي للأحباب فرض لازم
                           لكنّ  كفي  ليس    تملك  درهما

قلت: ابتسم يكفيك أنك لم تزل
                              حيا ولست  من الأحبة معدما

قال: الليالي جرعتني علقما
                          قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما

فلعل غيرك إن رآك مرنما
                            طرح   الكآبة جانبا   وترنما

أتراك تغنم بالتبرم درهما
                           أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما

يا صاح لا خطر على شفتيك
                             أن تتثلما والوجه أن يتحطما

فاضحك فإن الشهب تضحك
                        والدجى متلاطم ولذا نحب الأنجما

قال: البشاشة ليس تسعد كائنا
                            يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

قلت: ابتسم مادام بينك والردى
                              شبر فإنك   بعد  لن  تتبسما


****************************************




                                  24

             أحمد زكي أبو شادي


           هو أحمد زكي بن محمد  ابوشادي بيك    

    ولد بحي (عابدين ) بالقاهرة في التاسع من شباط (فبراير)سنة 1892 م وكان والده  نقيباً للمحامين وأحد كبار (حزب الوفد )البارزين,  وكان أبوه ذا مكانة مرموقة في المجتمع نقيباً للمحامين وصاحب جريدة ( الظاهر ) وله صالون أدبي يلتقي فيه كبار شعراء مصر وأدبائها وفي هذا الجو نشأ أحمد زكي أبو شادي .

      دخل المدرسة وهو ابن الرابعة من عمره  وتلقى أحمد زكي تعليمه الابتدائي بمدرسة الهياتم الأولية بحي الحنفي  ثم بمدرسة عابدين الابتدائية. وأكمل دراسته الثانوية بالمدرسة التوفيقية الثانوية في مدينة (شبرا ) وفي القسم الداخلي حيث افترق ابواه عن بعضهما  سنة 1905  وتخرج  من القسم العلمي منها  سنة 1911  وكان في أثناء دراسته الثانوية  صوتا مدويا في مدرسته للحركة النهضوية العربية المتمثلة بالزعيم المصري الثائر ( مصطفى كامل )  فكان ينظم الشعر وخاصة الوطني  ويثير عواطف الطلبة ويحرك الدم في قلوبهم ونفوسهم الشابة الثائرة  اضافة الى  كتابة المقالات في الصحف المصرية انذاك وقيل انه  الف بعضا من الكتب اثناء دراسته الثانوية . وكان لابيه مجالس للادباء والشعراء يحضرها احمد زكي  وقد تعرف على كثير من الشعراء الذين يحضرون مجلس ابيه  اذكر منهم  احمد شوقي بك اميرالشعراء وحافظ ابراهيم شاعرالنيل وخليل مطران شاعرالقطرين .

     التحق أحمد زكي بمدرسة الطب بقصر العيني،  وفي سنة 1913 وعمره عشرون سنة سافر إلى انجلترا ليدرس الطب. وتزوج من سيدة انجليزية فوفرت له الجو الملائم وقد أتم دراسة الطب وتخصص في علمي الأمراض الباطنية والجراثيم وفاز في عامين متتاليين بشهادة الشرف وجائزة " وب " في علم البكتريولوجي من مدرسة مستشفى " سانت جورج " وهي إحدى مدارس جامعة لندن الشهيرة وعندما رجع الدكتور أحمد زكي أبو شادي إلى وطنه مصر عمل طبيباً  متنقلاً  بين القاهرة والاسكندرية  والسويس  وبورسعيد وظل يعمل  في الوظيفة العمومية حتى أصبح وكيلاً لكلية الطب بجامعة الاسكندرية . حيث أتقن اللغة الانجليزية واطلع على آدابها. ثم تخصص في البكتريولوجي . ثم تحول إلى النحالة وأسس «نادي النحل الدولي». كما أسس جمعية آداب اللغة العربية. وفي سنة 1922 عاد إلى مصر ليعيد نشاطه الثقافي والوطني   وبعودته  كانما أعيد إليها نشاطه الوطني. والثقافي 

      فقد أنشأ في سنة 1933 مجلته   (ابوللو )  ودعى فيها إلى التجديد في الشعر العربي والتخلص من التقاليد التي تحجرت  وكان من انصار دعوته  الشاعرين  ابراهيم ناجي  وعلي محمود  طه  الا ان  دعوته اصطدمت  بجدار قوي  وواجهت دعوته بحرب قاسية وشديدة من قبل  الشعراء المحافظين بل وحتى من  أنصار التجديد (مدرسة الديوان التي يرأسها العقاد والمازني)  فأصيب بخيبة أمل شديدة. جعلته يفضل الهجرة على البقاء في مصر  .

          ضاق أبو شادي بالنقد الموجه له والهجوم عليه، فهاجر إلى نيويورك سنة 1946 في الولايات المتحدة الامريكية  وكتب في بعض صحفها العربية، وعمل في التجارة وفي الإذاعة العربية في  امريكا، وألف في نيويورك جماعة أدبية أسماها ( رابطة منيرفا ) وقد ضمت الرابطة عددًا من الأدباء والمفكرين العرب. كما  درس العربية في معهد اسيا  بنيويوك في امريكا .

    كانت وفاته  فجأة  في واشنطن  حيث قضى نحبه في الثاني عشر من نيسان ( ابريل )عام \1955

      امتازت شخصية الشاعرالمجيد والطبيب  القدير والمفكر الاديب احمد  زكي  أبي شادي بالطموح والثقة بالنفس والايمان القوي بقدرات الانسان والتحلي  بالمثل العليا والكفاح الثابت  من أجل تحقيق ما يصبو إليه في مجال خلق التعاون والاخاء الأدبي وخدمة اللغة العربية والنقد الادبي .

   وترك لنا العديد من الدواوين الشعرية  حيث انه يمتاز بكثرة الانتاج  الشعري  ويعد من المكثرين في الشعر  العربي  منها :
   الشفق الباكي
  أطياف الربيع
  أنين ورنين 
 أنداء الفجر 
 أغاني أبي شادي 
  مصريات  
 شعر الوجدان
  أشعة وظلال 
 فوق العباب والينبوع
  الشعلة
 الكائن الثاني
 و  دعوة الراعي 
 كما نظم قصصاً تمثيلية منها :
  أردشير
  إحسان
 عبده بك 
 الزباء ملكة تدمر
  الالهة
   اخناتون فرعون  مصر

           كان أبو شادي شاعراً صادق الحس رقيق الشعور, وقد مكنته حياته في انجلترا وأمريكا من الوقوف على التيارات الفكرية المعاصرة فتأثر بها وتحمس لها. واشتغل بالأدب والنقد ونظم الشعر بالعربية والانجليزية, وأسس في أمريكا جماعة أدبية سماها «رابطة منيرفا» وقام  بتدريس اللغة العربية في معهد آسيا بنيويورك واختير عضواً عاملاً في «لجنة حقوق الإنسان». وكان هواه موزعاً بين أغراض مختلفة لا تقارب بينها فبالوقت الذي نراه شاعرا ذا انتاج شعري ثر ووفيرغلب على شعره  الطابع الوطني والحنين الى مصر
 انظراليه يقول :

         وددت  قبل  مـماتي                أراك يا "مصر" مرة
         وإن أكن  في  جنان                فريدة  الحسن  حرة

 ويقول ايضا  :         

         وطني لو دعيت أن افتديه       
                                                ما تمنيت غير تخليد رمسي
 
  اخرج لنا العديد من الدواوين الشعرية وقد انفق عليها كل ماورثه عن ابيه من ثروة وما كسبه في اعماله  وكان اديبا  ناثرا له العديد من الكتب الادبية والنقدية ومن خلال صفحات مجلته ( ابو للو). في الوقت الذي كان عضوا في ( جمعية  حقوق الانسان  ) نراه مؤسسا  لنادي النحل الدولي  اي ان حياته كانت متشعبة الجوانب   ومختلفة الامور وقد اثبت كفاءته في كل  جانب طرقه منها  .

. وقد صدرت عدة دراسات عنه وعن تأثيره الفكري والثقافي في تطور الشعر العربي الحديث .

 ومن قصائده هذه القصيدة   بعنوان ( المناجاة )

طرفتْ،  فلما اغرورقتْ عيني       وصَحَتْ صحوتُ للوعةالبيْنِ

خمسٌ  من السنوات قد ذهبتْ        بـأعـزِّ  مـا سميتُه «وطني»

مـا زالـتِ «الأفراحُ» تنهبهُ      وهْي  «المآتمُ» في رؤى الفَطِن

«أفـراحُ»  ساداتٍ  له نُجُبٍ           مـن كـل   صُـعلوك  ومُمتنِّ

طـالـتْ أياديهم، وإذ لمسوا         أعلى  الذُّرا  سقطوا عن القُنَن

يـا  ليتهم  سقطوا وما تركوا           زُمَـراً     تُـتـابـعهم بلا أَيْن

تـركوا الوصوليّين، صاعِدُهُمْ         صِـنْـوٌ لهابطهم، أخو ضَغَن

وكـأنَّـهـم       أكـوازُ  ساقيةٍ          دوَّارةٍ   بـالـشـرّ     لـلفَطِن

لا شـيءَ يشغلهم ويسعدهم          إلا   الأذى فـي الـسرِّ والعلن

عـبـثوا  بنا وبكلِّ ما ورثتْ      (مصرُ) العزيزةُ من غِنى الزَّمن!


                                  ****

هـذا  الربيعُ  السمحُ،واكفُهُ         دمعي.. ودمعُ البؤسِ في وطني

خـلَّـفتُهُ أَسْوانَ.. قد  سلبوا             قـهـراً  وشـائجَ    نفعِهِ  منّي   

خَـلَّـفـتُه لا شيءَ يشغلني               إلاهُ،  وهْـو    بـشـغله  عنِّي!

وتـركتُه  الأغلى الذي فُتنتْ            روحـي  به، وأشاح عن فنِّي

يـا  لـلـربيع مُمازحاً فَرِحاً               ولـئـن بكى، ومُشنِّفاً   أُذني!

أُصـغـي  إليه  ولا أُحسُّ بهِ             وهـواه  فـي قلبي وفي عيني

يـجـري ويـقفز في مداعبةٍ                نـشـوانَ  مـن فَنَنٍ إلى فنن

والـشمسُ قد تركتْ غلائلَها               نَـهـبـاً لديه، فلجَّ في الفِتَن

وبـدتْ  عرائسُهُ وقد  وُلدتْ             فـي  الـفجر راقصةً تُغازلني

عَـرِيـتْ،  وكلُّ كيانها عَبَقٌ               ورؤى وأطـيـافٌ من اللَّوْن

يـا  لُـطـفَها  في ما تُبادلني                بِـمـنوَّعٍ من سحرها الفنِّي!

وأنـا  كـأنّـي لم أخصَّ بِها             شِـعري ولم  يزخر بها زمني

وكـأنّـمـا غفرتْ مُجانبتي                ورأتْ أسـايَ أجلَّ من دَيْني!

مـن  ذا يُحسُّ شعورَ مُغتربٍ            غـيـرُ  الـربيع  بدمعهِ الهَتِن

غـيـرُ (الطبيعة) وهيَ حانيةٌ           تـسعى  وتمنحنا  الذي تجني؟

هـيَ  بي ولَوْعة مهجتي أدرى          وبـكـلِّ  مـا ألقاه   من  محن

ولـئن تكن عصفتْ فغَضْبَتُها             شِـبـهُ   العتاب يُسا ا للوَسِن

إنْ  حـال دون لقائها مرضي          وغـدا الفِراشُ مُحاصِراً ذهني

فـبـكـلِّ   جارحةٍ لها   شغفي            وبـهـا   أظـلُّ مُناجياً وطني!

                                     ****

 

   =================================











                       25

خير الدين الزركلي




          هو الشاعر والكاتب  خيرالدين  الزركلي  
       ولد بمدينة  بيروت من أبوين سوريين وبالتحديد من  دمشق
 ونشأ في دمشق وترعرع فيها ،  ودرس على علمائها أمثال جمال الدين القاسمي  وعبد القادرالبدران، وأبي الخير الميداني، فنشأ محبا للادب شغوفا بالعربية ولغتها وادابها  يسري في قلبه الولاء  للدم العربي وقوميته الخالدة ونستبين ذلك من خلال مواقفه الوطنية  ونشاطه السياسي للذود عن حياض وطنه وامته وتحررها من ايدي الاستعمار الفرنسي الأمر الذي دفع المستعمر الفرنسي  إلى الحكم عليه بالإعدام  لكنه عندما سنحت له الفرصة هجر بلده الشام مرغما وتخلصا من اذى اعداء بلاده المستعمرين  والطغاة  وظل شاعرنا يتنقل حينذاك  بين مكة المكرمة  والقاهرة  وعمان وينشر قصائده الوطنية ومنها القصيدة التي وصف معركة ميسلون الشهيرة والتي تعتبر من روائع الشعر العربي فيصور الفاجعة التي حلت  بوطنه الغالي فلسطين  العربية .

         وكانت الصحف  تتناقل هذه  القصائد  التي كانت  تتساقط  على المستعمر سهاماً مسمومة وضربات موجعة  له  بل تعد  سياط ممضة ونار لاهبة تحرق المستعمرين الفرنسيين و تفضح  اباطيلهم  وتثير الرأي العام العربي و العالمي ضدهم  ولنقرأ معا هذه الابيات للشاعر خير الدين الزركلي وهو يصور معركة  ميسلون الخالدة  هذه المعركة غير المتكافئة يقول فيها :

                 الله للحدثان كيف تكيد

.                                     بردى يغيض وقاسيون يميد

         غلت المراجل فاستشاطت أمة
                                           عربية غضباً وثار وقود

       زحفت تذود عن الديار ومالها
.                                       من قوة، فعجبت كيف تذود

        الطائرات محوّمات حولها
                                        والزاحفات صراعهن شديد

        واثناء وجوده في مصرعام \ 1929 أقيم مهرجان خطابي شعري لمساندة ومؤازرة الثورة العربية في سوريا ضد الاستعمار الفرنسي فوقف ا امير الشعراء  احمد  شوقي  ليلقي قصيدته القافية الرائعة والتي تعتبر من روائع الشعر العربي في العصر الحديث ايضا  ومطلعها :

    سلام من صبا بردى ارق
                                   ودمع لا يكفكف يا دمشق

      وقف خير الدين الزركلي بعده وأنشد قصيدته الرائعة ومطلعها :

      الأهل أهلي والديار دياري

.                               . وشعار وادي النيرين شعاري

         لقد تغني خير الدين الزركلي بأفراح سوريا خاصة والشام عامة ، وبكى أتراحها  وكانت مواقفه مشهودة محمودة فقد  اشتهر معظم شعره بالطابع الوطني الجياش الذي  يفيض عاطفة  ويقطر  ثورة  في  نفوس الشباب الشامي والعربي عموما ،وهذا ما ينم عن انه شخصية وطنية عربية فذة تحمل بين جنباتها روحا عربية خالصة .فقد كان صوت الشام المدوي  والناطق بلسانها   والمعبر عن خلجاتها ومشاعرابنائها  فكان حقاً شاعر الشام  و ابنها البار .

         توفي خير الزركلي في عام\ 1976ميلادية  تاركا خلفه ثروة طائلة للغة العربية وامتها وقرائها وهو( كتاب الاعلام ) النفيس الذي صدر في عدة أجزاء  و مجموعة من الكتب والمؤلفات  والقصائد
.

 وفي نهاية بحثي اقدم  قصيدة ( الفاجعة ) التي انشدها في احتلال  دمشق  من قبل الفرنسيين عام \1920 ميلادية وهذه هي :


الله للحدثان كيف تكيد‏
                                    بردى يغيض وقاسيون يميد‏

بلد تبوأه الشقاء فكلما‏
                                        قدم استقام له به تجديد‏

لانت عريكة قاطنيه ومادروا‏
                                      أن الضعيف معذب منكود‏

ما تنفع الحجج الضعيف وإنما‏
                                      حق القوي معزز معضود‏

غلت المراجل فاستشاطت أمة‏
                                      عربية غضباً وثار رقود‏

زحفت تذود عن الديار ومالها‏
                                     من قوة فعجبت كيف تذود‏

الطائرات محومات حولها‏
                                    والزاحفات صراعهن شديد‏

ولقد شهدت جموعها وثابة‏
                                  لو كان يدفع بالصدور حديد‏

جهروا بتحرير الشعوب وأثقلت‏
                                  متن الشعوب سلاسل وقيود‏

خدعوك ياأم الحضارة فارتمت‏
                                      تجني عليك فيالق وجنود‏

والشعب إن عرف الحياة فما له‏
                                  عن درك أسباب الحياة محيد‏

- حلم على جنبات الشام أم عيد‏
                                  لا الهم هم ولاالتسهيد تسهيد‏

- يايوم أيار والنيران ملهبة‏
                                    على دمشق تلظيها جلاميد‏

- ذكرى سجونك ماتنفك ماثلة‏
                                  لم يمح من هولها عيد وتعييد‏

- هذي ضحاياك في الأيام آبدة‏
                                     وللضحايا على الأيام تأبيد‏

- الطفل في المهد لم تهدأ مضاجعه‏
                                   مروّع من لهيب النار مكمود‏

- تلفه أمه مابين أضلعها‏
                                    وموقد النار مطراب وغريد‏

- فقل لصحبك والأمواج تحملهم‏
                                     هل الحضارة تذليل وتعبيد‏



*****************************************   






                                     26

احمد  الصافي
( شاعر المعاني )



 هو أحمد بن علي بن صافي النجفي 
   ولد عام \1897 اي قبل بداية القرن العشرين في قرية من قرى مدينة النجف  في أسرة علمية  دينية و كان  والده علي  الصافي  قد ورث علوم الدين عن أجداده .

     أما جدّه لأُمه فهو الشيخ محمد حسين الكاظمي أكبر علماء عصره وله عدد من المؤلفات الدينية. تعلم الصافي بعض اجزاء القرآن الكريم على يد (شيخة) في النجف ثم تعلم الكتابة وأكمل قراءة القرآن الكريم  في (الكتّاب) اي في (الملاّ) والملا رجل اتخذ مهنة تعليم القراءة والكتابة بالطريقة الابجدية وتعليم القران الكريم حتى اتمامه على احسن وجه وكانت هذه الطريقة موجودة عند العراقيين لحد الستينات من القرن العشرين .و كان برغم صغر عمره ينوب عن المعلم في تدريس الخط للتلاميذ .

            توفي   والده بالكوليرا التي عمت العراق عام\ 1907 وكان أحمد في العاشرة من عمره  فقام شقيقه الأكبر  محمد رضا بإعالة العائلة.
بعد تخرجه من (الملاّ) درس الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان وأصول الفقه على  كبار الاساتذة والمجتهدين منهم السيد أبو الحسن الأصفهاني حيث درسها على يده لثمانية اعوام فأتقن هذه العلوم بجدارة وحاز عليها . وكان يقول الصافي  عن بلدته النجف( فصادرات بلدتي مشايخ وواردات بلـدتي جنائز) .

         كان أحمد الصافي  ضعيف البنية فأرهقته الدراسات حتى أصيب بالانهيار العصبي الشديد فأشار الأطباء عليه التوقف عن متابعة الدراسة فاتجه إلى المطالعة في الأدب القديم وخاصة الشعر وقراءة الصحف الشريف والمجلات فاكتسب معلومات ثقافية عامة واسعة وأخذ ينشر مقالاته في مجلتي  المقتطف والهلال وكانت مجلة الهلال مجلة صغيرة الحجم مصورة جامعة تنشر مقالات فيها الكثير مما يحدث في اوربا،و كانت تثقيفية يجد القراء فيها كل ما هو جديد من الانجازات العلمية والافكار المتطورة في اوربا و كانت هذه المجلة تصل العراق حتى البصرة ولم يكن بوسعه شراءها فكان يقرأها في المكتبة العامة في البصرة كما يقول الشاعر  متحدثا عن نفسه.

     اما مجلة ( المقتطف ) فكان يصدرها  فريق من المثقفين وهي اول واوحد مجلة علمية كانت تصدر في العالم العربي  وهي المجلة الوحيدة التي عرّفت العالم العربي بنظرية  تطور( داروين)  وكانت تصدر من القاهرة

         وعند بلوغه سن العشرين وابان الحرب العالمية الأولى انتقل من النجف إلى البصرة بحثا عن العمل  ولكنه لم يحظ بتلك الفرصة لضعف بنيته واعتلال صحته, فتركها  وسافر إلى عبدان ومنها إلى الكويت. ثم
عاد الى النجف  بعد أشهر قليلة  حيث لم يجد عملا فانكب على دراسة اللغة العربية وقواعدها وفنونها. وهكذا العلماء والادباء  يؤثرون الدراسة على حالتهم الصحية .

            في عام \1920م شارك و اسهم مع اخيه اسهاما فعالا في الثورة العراقية الشعبية( ثورة العشرين ) التي اشتعلت شرارتها من ارض جنوب العراق فحكم على اخيه بالاعدام الذي خفف الى السجن فيما بعد  بينما هو انهزم متخفيا  وراح هو ينظم الشعر ويهاجم الاستعمار والغاصبين حتى ألهب الحماس في قلوب الشعب العراقي وشدد على نهضتهم وثورتهم وقد تمكن من إيصال رسالة الثورة -  ثورة العشرين - في مناهضة قوى الاحتلال الانكليزي ومطالبته بالاستقلال من خلال الكثير من القصائد الوطنية التي كتبها ودوّن فيها  تفاصيل الثورة  ومواقف  الثوار والاحداث  التي  حصلت  من  المقاومة  الباسلة  والقتال  الذي  تكبدت  فيه  بريطانيا  وقواتها افدح الخسائر ويصف نفسه في ذلك  فيقول:

سعيت لتحصيل السعادة جاهدا
                                               فزاد شقائي من ضياع جهودي

فطورا حسب العلم يحبو سعادة
                                                إذا السعد يمشي  نحو كل بليد

وطورا ظننت الصيت يسعد أهله
                                               فلم  أستفد  بالصيت غير قيود

       ولما شددت عليه القوات الانكليزية  استطاع الصافي من  التخفي والتنقل من بلدة الى اخرى في صفوف الثوار حتى انتهى به الهرب إلى إيران  فعكف هناك على دراسة اللغة الفارسية وعمل مدرسا للادب العربي في المدارس الثانوية في طهران. و بعد عامين ترك التدريس واشتغل بالترجمة والتحرير في الصحف الإيرانية. واستقر بولاية (شيراز) وهناك تعلم اللغة الفارسية وعمل مدرساً للآداب العربية في ثلاث مدارس وتابع نشر مقالاته في الصحف والمجلات فلفت الأنظار إليه وانتخب عضواً في النادي الأدبي وبعدها عيّن عضواً في لجنة التأليف والترجمة، ثم كلفته وزارة المعارف في ايران ترجمة كتاب في (علم النفس) لمؤلفيه علي الجارم وأحمد أمين من العربية إلى الفارسية كي يتم تدريسه في دار المعلمين  بطهران فترجمه بدقة الى الفارسية  ثم ترجم رباعيات الخيام من الفارسية  إلى العربية  حيث  تعتبر ترجمته  من أفضل الترجمات   لهذه الرباعيات  لأنه نقلها عن الأصل  الفارسي  وطبعت  للمرةر  الأولى في طهران.

      اما موقفه من امارة الشعر – فكان  يشعر ويصرح ان  ليس للشعر اميرا  فاذا كان له امير فهويعني (الصافي نفسه) وليست احمد شوقي اذ ان احمد شوقي كان  شاعر الخديوي  وتربى بعزه وانما هو  وأيليا ابو ماضي. وفي ذلك يقول :

(سألتـني الشعراء أيـن أميرهم
                                                  فأجبـت إيليـا بقـول مطلق)

(قالوا وأنت! فقلت ذاك أميركم
                                                فأنا   الأمير لأمة  لم تخلق).

         قضى ثماني سنوات في طهران ثم عاد إلى العراق بطلب من الحكومة العراقية وأصدقائه ليخدم بلده العراق فعيّن قاضياً في مدينة الناصرية شغلها لثلاث سنوات.

          عاد للعراق بعد\ 8 سنوات قضاها في إيران معتلا  لكن صحته تتدهورت بشكل سريع وتكالبت عليه الامراض المختلفة فنصحه الاطباء بالسفر الى الشام  ( سوريا و لبنان)لاعتدال الجو فيهما مما يعينه على الراحة والاستشفاء.

          في عام \1930 تم سفره  إلى سورية للاستشفاء وكان يتنقل بين دمشق وبيروت متابعاً رسالته الأدبية.

      عندما اندلعت الحرب بين الحلفاء والمحور عام \1941 أدخل الصافي النجفي السجن في سوريا بأمر السلطات الإنكليزية  و مكث في التوقيف أربعين يوماً تحت إدارة الأمن العام الفرنسي ثم أفرج عنه ونظم في السجن ديوانه (حصاد السجن) منه هذه بعض الأبيات التي مظمها في السجن:

(لئن أسجن فما الأقفاص إلا
                                              لليث    الغاب أو للعندليب)

(ألا يا بلبلاً سجنوك ظلماً
                                           فنحت لفرقة الغصن الرطيب).

          اشتدّ عليه المرض في السجن وکان الإنجليز يعلّلونه کل يوم بأنهم أبرقوا إلي الحکومة العراقية  يسألونها رأيها فيه، وقد مرّ عليه  قرابة الشهر وهو يستغيث من الداء ولا يسمحون بنقله إلي المستشفى للعلاج
او لتخفيف الامه ، ولمّا اشتدّت عليه وطأة الداء أنشد قائلاً :

سُجِنتُ وقد أصبحت سلوتي
                                                     من السقمِ، عَدّي لأضلُعي

أعالجُ بالصبرِ برحَ السّقامِ
                                                    ولکنّ  علاجيَ  لم    ينجعِ

أتاني الطبيبُ وولّي سُديً
                                                      وراحَ الشفيعُ  فلم يشفعِ

وکم قيلَ مدِّدْ مدي الاصطبارِ
                                                       ومهما عراکَ فلا تجزع

وکم ذا أمدُّ مدي الاصطبارِ
                                                       فإن  زدتُ في مدِّه يُقطع

ولکنّهم صادفوا عقدةً
                                                   بأمريَ تُعيي حِجي الألمعي

حکومةُ لبنانَ قد راجعت
                                                      فرنسا لفکِّي فلم تسطعِ

وراحت فرنسا إلي الإنکليزِ
                                                     تراجعُهم  جَلَّ مِن مرجعِ

وقد راجعَ الإنکليزُ العراقَ
                                                    ولليومِ  بالأمرِ لم  يُصدَعِ

فقلتُ: إعجبوا أيّها السامعونَ
                                                  ويا أيّها الخلقُ قولوا معي:

أمِن قوّتي صرتُ أم من ضعفِهم
                                                   خطيراً علي  دول ٍ أربعِ؟!

            أمضى الصافي 36 عاماً متنقلاً بين سورية ولبنان وكانت المقاهي  ضالته في دمشق  حيث  كان يرتاد مقاه معينة مثل (الهافانا)     و (الكمال) و (الروضة) لانها كانت ملتقى الشعراء والأدباء والصحفيين. ويتغزل بحبيبته سوريا فيقول:

يا سوريا ما أنت غير خريدة
                                                  قد كثر العشاق  فيك  جمال

هذا الجمال عليك جر مصائبا
                                                إن الجمال  على  ذويه وبال

قد كان يعطيك المحب فؤاده
                                              لو عز منك على المحب وصال

وفي دمشق قال :

( أتيت جلّق مجتازاً على عجل
                                               فأعجبتني حتى اخترتها وطنا)

( يكاد ينسى غريب الدار موطنه
                                         
                                         في ربعها  ويعاف  الأهل  والسكنا).

ويصف اسوار بعلبك وقلعتها واثارها فيقول:


ا لست   من العواميد   ظلت
                                              كشموع الدهر تجلو الظلاما !

قد  تعالين  فاتحدن   رؤوسا،
                                               ثم أحكمن في الثرى الأقداما

حكايات وسط الفضا أخوات
                                                قد تماسكن، واتحدن غراما

وحد  الحسن  بينهن    بتاج
                                          حيث في الحسن قد بلغن التماما

فتعاهدن في كفاح الليالي
                                               لا يبارحن  خطهن  انهزاما

أو كقواد جحفل قد أطلوا
                                              يعدون   الآراء   والأحكاما

      كان الصافي قليل الدخل  ضعيف الحال  فاتخذ غرفة قديمة في (مدرسة الخياطين) وكان من أصدقائه بدمشق الدكتور عبد السلام العجيلي وسعيد الجزائري وعمر ابوريشة وفخري البارودي  واحمد الجندي وبدوي الجبل . ومن أصدقائه في لبنان الشاعر القروي   وميخائيل نعيمة  ومارون عبود. وغيرهم من القامات الادبية العربية . وفي إقامته في لبنان كان يرتاد ومقهى البحرين ومقهى فاروق ومقهى الحاج داود وفي المساء كان يأوى إلى غرفة متواضعة قرب مستشفى (أوتيل ديو).و كان في كل هذه المقاهي معه النا رجيلة يدخن بها وهي ممارسة شائعة في العراق ولبنان وسوريا وفي مصر .

       عاش احمد الصافي النجفي حياة الفقر- كما يصفه احد الذين كتبوا عنه - كانت ايامه بائسة بين غرفة بائسة بسوق الحميدية بدمشق مساءً   وبالمقاهي نهاراً. في هذه  الغرفة كان يتدفأ برؤية المصباح   وفي المقهى كان يلتحف بالجرائد حول صدره إن مسه البرد  وهي قراطيسه أيضاً، كان يدون قصائده على ورقها  وكان يحرر ما كتبه على حواشي الجريدة أو أغلفة علب السكائر  ثم يحررها بعد عودته إلى غرفته في دفاتر أشعاره.) ويصف حالته  هذه ومرضه الذي لم يفارقه طوال حياته  فيقول :

يضعضع الداء أيامي فأمسكها،
                                                 ويقتل الدهر آمالي فأحييها

تبنى على الليالي من نوائبها
                                               سجنا، فتنفد روحي من مبانيها

يا علة رافقت جسمي بمولده
                                          حتى استحالت كجزء الروح أحويها

أخاف فقد حياتي حين أفقدها،
                                                وأختشى من فنائي حين أفنيها

كانت دموعي نصيري عند كارثتي،
                                                 ترش نيران أحزاني فتطفيها

         أمضى  مدة\ 46 عاما  متنقلا  بين  سوريا  ولبنان. لقد اختار العروبة واظهر اعتداده  وايمانه  المطلق  بها  وليس  لعقيدة او حزب    معين   فالصافي  بقي محتفظا بلباسه العراقي الجنوبي لباس الكوفية والعقال والدشداشة لباسا عربيا مميز ا.

      لقد عاش الصافي الشاعرالكبير حياة الفقر المدقع  وذلته  فقال  يصف حالته وما جرته عليه شاعريته  :

لقد جر لي شعري الشقاء كأنني
                                           بنظم قريضى، أنظم البؤس لا الدرا

قبلت بحظ، وارتضيت بقسمي
                                      من الشعر لو أستطيع أن أنشر الشعرا

        اصيب في الحرب الاهلية اللبنانية حيث اصابته رصاصة طائشة أطلقها  قناص في منتصف يناير \ 1976م  بينما كان  الشاعر  يبحث
عن رغيف خبز يأكله بعد أن أمضى ثلاثة أيام لم يذق فيها الطعام  فحمله بعض المارة إلى المستشفى ولسان حاله يقول :

بين الرصاصِ نفدتُّ ضمنَ معاركٍ
                                           فبرغمِ أنفِ الموتِ ها أنا سالمُ

ولها ثقوبٌ في جداري خمسةٌ
                                            قد أخطأتْ جسمي وهنّ علائمُ

   ولم يطل بها  مكوثه  لصعوبة  الوضع القائم انذاك , فنقل إلى بغداد
وقد كف بصره قبل عودته فلما وصلها انشد قائلا:

ياعودة    للدار  ما  أقساها
                                               أسمع    بغداد  ولا  أراها

             وفي بغداد اجريت له عملية جراحية لإخراج الرصاصة من صدره  ولكن العملية لم تنجح وزادت جسده نحولا وضعفا فاسلم الروح بعد عدة  ايام  من  اجرائها  فتوفى في السابع  والعشرين  من  شهر تموز(يوليو) من عام\ 1977 وقد ناهز الثمانين من العمر.

         عُرف الصافي بشاعر المعاني ويتميز بسهولته ونظرته البسيطة خال من التعقيد فشعره  اشبه بمرآة مجلية تعكس حياته ومجتمعه وإن أول تلك المميزات وأهمها هي البساطة في طرح الأفكار  وتناول الأشياء، والمعالجة الفنية للموضوعات، وهو يعبر عن ذلك أصدق تعبير .

       وفي قصائده  نلاحظ تجاربه بسيطة الا انها غنية نابعة من واقعه المعيشي  وتنطوي على نظرته الفاحصة للحياة اتجاه  الانسان  والواقع وما  يحيط  به وبحياة  الاخرين  فشعره  يمتاز باسلوبه السهل  الممتنع والممتع  سلس الاسلوب سائغ المحتوى واضح المعاني  جلية بعيدة عن الغموض  والابهام نابعة من ثقافته العامة  وقد تداخلت فيها  الطرافة  والسخرية في بعض منها  لاسيما في انتقاده وهجائه على قلته  .
ورحم الله الاديب عباس محمود العقاد الذي قال فيه :

(  كان الصافي  اشعر شعراء العربية )

      صدرت بعد رحيله مجموعته الشعرية ( قصائدي الأخيرة )التي تضم آخر ما كتب من قصائد.


من مؤلفاته الشعرية:
الامواج صدرت عام \1932
اشعة ملونة صدرت عام \1938
الاغوارصدرت عام \ 1944
الحان اللهيب  صدرت عام \ 1944
شرارصدرت عام \ 1952
اللفحات صدرت عام \ 1955
كما له مقالات جمعت في كتاب عنوانه
حصاد السجن
رباعيات عمر الخيام\ صدرت عام\ 1934 ترجمها من الفارسية الى العربية


اختم  بحثي بهذه الابيات من قصيدته (دولة الشعر ) :

بمجتمع النفاقِ أضعتُ عمري             
                                          وفي سوق الكسادِ عرضتُ شعري

ولولا أنني    أرضيتُ   فنّي
                                              بشعري ما   ظفرتُ  بأيّ  أجر

ولكن كيف أسلو عن لسانٍ
                                                     وتاريخٍ تضمَّن  كل  اجر

ولو صحَّ الطلاقُ لأيّ قومٍ
                                                   إذن طلَّقتُ قومي منذ دهر

أمُتُّ لهم بجسمي لا بروحي
                                             وأحيا بين عصرٍ غيرِ عصري

وكنتُ اخترتُ شعباً غيرَ شعبي
                                                    وَلُوعاً بالحقائق حُرَّ فكر



وكيف أعاف أجملَ ذكرياتي
                                                   وعهدَ صِباً بقلبي مستقرّ؟

يُكلِّفني النفاقَ محيطُ سوءٍ
                                                وتأبى همّتي  وكريمُ  نَجْري

أبعدَ الأربعين أعاف خُلْقي
                                                وحتى اليوم ما لَوّثتُ سِفْري

أرى زمني تجاهَلَني وإني
                                             على رغم الزمانِ عرفتُ قدري

هويتُ صلاحَهُ وهوى فسادي
                                                كلانا   في   نضالٍ   مستمرّ

إذا ما الكونُ كلّفني فساداً
                                            فأجملُ موضعٍ في الكون، قبري

وإن ساد النفاقُ على بلادٍ
                                                   فأغربُ  ما تراه وجودُ حُرّ

رأيتُ العلمَ يُفسد جُلَّ قومي
                                                  كأن   العلم  مجبولٌ  بشرّ

بذورُ العلمِ تأتينا بشوكٍ
                                                    وتأتي  للأنام بخير زهر

وكانت دولةٌ للشعر دالتْ
                                                    ودالت مثلها دولاتُ نثر

وجاءت دولةٌ للمال تسعى
                                                     وتاجرَ أهلُها لكنْ بخُسر

بنبذ الشعرِ قد باهت ولكنْ
                                                  تُتاجر باسم (تذكارِ المعرّي)

فقلْ لـ «ابن العميدِ» سعدتَ عهداً
                                                   فقد كنتَ الوزيرَ بدون وِزْر


------------------------------------




                                       27

ابراهيم ناجي
شاعرالاطلال


          هو إبراهيم ناجي بن أحمد ناجي بن إبراهيم ناجي القصبجي

        ولد في حي شبرا بالقاهرة في الحادي والثلاثين  من  شهر كانون الاول (ديسمبر) عام \1898، من أسرة القصبجي المعروفة بتجارة الخيوط المذهبة، عمل والده في شركة البرق (التلغراف)، وهي شركة إنجليزية، اذ كانت مصر تحت الهيمنة البريطانية، فأجاد اللغة الإنجليزية، وتمكن من الفرنسية والإيطالية، وكان شغوفاً بالمطالعة، وامتلك في بيته مكتبة حافلة بأمهات الكتب،

فنشأ ابنه إبراهيم على حب المطالعة، وشجعه على القراءة، وكان يهدي إليه الكتب، فأتقن العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية، وأمه هي السيدة (بهية بنت مصطفى سعودي) التي ينتهي نسبها إلى الحسين السبط  بن علي بن ابي طالب عليه السلام، وتمت بصلة قربى من جهة الأخوال إلى الشيخ عبدالله الشرقاوي .

       حصل ناجي على شهادة الدراسة الثانوية سنة \ 1917 ثم انتسب إلى كلية الطب، وتخرج منها سنة 1923، وافتتح عيادة بميدان العتبة بالقاهرة، وكان يعامل مرضاه معاملة طيبة، وفي كثير من الحالات بدون أجرة معاينة ، بل يدفع لبعضهم ثمن الدواء، ثم شغل عدة مناصب في وزارات مختلفة، فقد نقل إلى سوهاج ثم المنيا ثم المنصورة، واستقر فيها من عام\ 1927 إلى عام\ 1931 عاد إلى القاهرة وسكن فيها .
.
        عاش في بلدته (المنصورة) في بداية حياته وفيها رأى جمال الطبيعة وجمال نهر النيل فغلب على شعره الاتجاه العاطفى. وكان قد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين اشهر الشعراءالمتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي.

        بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه و توماس مور شعراً وينشرها في مجلة (السياسة) الأسبوعية ، وانضم إلى مدرسة ( أبولو )عام 1932م التي أفرزت نخبة   من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا قيادة حركة  تجديد ية  للقصيدة العربية الحديثة من الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة .

            تفتحت موهبة إبراهيم ناجي الشعرية مبكرا فقد نظم الشعر وهو في الثانية عشرة من العمر، وشجعه والده علي ذلك وفتح له خزائن مكتبته، وأهداه ديوان شوقي ثم ديوان حافظ وديوان الشريف الرضي، ومن شعره في الصبا قصيدة قالها وهو في الثالثة عشرة من عمره، عنوانها \على البحر، وفيها يقول  :

إني    ذكرتك     باكيا
                                      والأفق مغبر الجبين

والشمس  تبدو  وهي
                                 تغرب شبه دامعة العيون

والبحر مجنون العباب
                                  يهيج    ثائرة   جنوني


      ابراهيم ناجي يميل الى الرومانسية  كما اشتهر بشعره الوجداني . وكان وكيلا لمدرسة (أبولو ) الشعرية التجديدية  وترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن الماضي .

         ترجم إبراهيم ناجي بعض الأشعار عن الفرنسية ل(بودلير )تحت عنوان( أزهار الشر )، وترجم عن الإنجليزية رواية( الجريمة والعقاب) لديستوفسكي ، وعن الإيطالية رواية( الموت في إجازة )، كما نشر دراسة عن( شكسبير) وكتب الكثير من الكتب الأدبية مثل (مدينة الأحلام و عالم الأسرة) . وقام بإصدار مجلة (حكيم البيت) . ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها أم كلثوم. و لقب (بشاعر الأطلال ).عام \ 1953

ولهذه القصيدة قصة في حياته مؤلمة :

      فقد احب فتاة أيام كان في الدراسة الثانوية كانت زميلته وتعلق بها الا أنها تزوجت بغيره فتهدمت مشاعره وكتب أكثر قصائده شهرة عن نظرته لهذه التجربة مصوراً أن ما بقي من عمره مجرد أطلال لروحه ولكنه عاد في نهاية القصيدة يستسلم للقدر و القصيدة عنوانها (الأطلال) وتقع في أكثر من مائة وثلاثين بيتاً على شكل مقاطع شعرية يتألف كل مقطع من أربعة أبيات، نظمها على بحرالرمل وبتصرف وقد غنت أم كلثوم مقاطع منها مع بعض التعديل في الألفاظ و بعد ضم مقاطع من قصيدة أخرى عنوانها (الوداع):

. يا فؤادي لا تسل أين الهوى
                                             كان صرحاً من  خيا ل  فهوى

      في شهرايلول من عام \1932 صدر العدد الأول من مجلة (جمعية أبولو)، وكان رئيس تحريرها\ أحمد زكي أبو شادي، وقد اشترك إبراهيم ناجي مع أحمد زكي أبو شادي في إصدار المجلة، وفي العدد الثاني من المجلة تم الإعلان عن تأسيس جمعية أبوللو الشعرية .

           في تشرين الثاني من نفس العام اجتمع لفيف من الأدباء في كرمة ابن هانئ، وفيهم إبراهيم ناجي، وانتخب أحمد شوقي رئيساً للجمعية، ولكنه توفي بعد أربعة أيام، فخلفه نائبه مطران خليل مطران، وكان إبراهيم ناجي من الأعضاء المؤسسين لها ، وبعد أقل من عام جرت انتخابات جديدة في 22 سبتمبر ايلول عام \1933 وانتخب مطران رئيساً وأحمد محرم وإبراهيم ناجي وكيلين وأحمد زكي أبو شادي سكرتيراً.

           هدفت هذه الجماعة إلى البعد عن الأغراض التقليدية وادب المناسبا ت  وتوجهت  لتوغل  في الاتجاه  الذاتي أي  تعبير  الشاعرعن مكنونات   نفسه  وما يعتلج  في قلبه  ويحس  به حقا  وصدقا  بصورة اكثر  انفتاحا  وقربا  من الادب  الغربي اضافة  الى التحرر من  الصنعة والتكلف .

       نشر إبراهيم ناجي معظم ما كتب من شعر وما ترجم على صفحات مجلة ابوللو ، وكان من أشهر ما ترجمه قصيدة (البحيرة) للشاعر الفرنسي لامارتين وقصيدة (أغنية الريح الغربية) للشاعر الإنجليزي الروما نتيكي شيلي، وقد صدر من المجلة خمسة وعشرون عدداً من ايلول \1932 إلى كانون الاول\1934، ثم توقفت عن الصدور.

        اشتهر ناجي بشعره الوجداني ورأس رابطة الأدباء في مصر في الأربعينيات من القرن الماضي وعرف عنه تأثره بالشاعرين رفيقيه مطران خليل مطران وأحمد شوقي. سأم الحياة فاخذ يكتب قصائد الهجاء في هذا وذاك  و يترجم ويكتب القصص، فكتب قصة (مدينة الأحلام)، تحدث فيها عن حبه الطفولي الأول، ونشرها مع قصص أخرى مؤلفة ومترجمة في كتاب يحمل العنوان نفسه، قال في مقدمته: (وداعاً أيها الشعر، وداعاً أيها الفن، وداعاً أيها الفكر).

        نقل الشاعر إلى وزارة الأوقاف، حيث عيّن رئيس القسم الطبي، فاطمأنت نفسه، لما وجد فيها من تقدير وتكريم، وقد عاصر ثلاثة وزراء كانوا يقدرون الشعر والشعرا ء، وهم عبد الهادي الجندي وإبراهيم الدسوقي وعبد الحميد عبد الحق وفي هذه المرحلة أخذ يمدح كل من ساعده ومد له يد العون وكان من أبرز من مدحهم إبراهيم الدسوقي وزير الأوقاف، وفي الاحتفال الطبي الذي عقد عام \ 1937الذي حضره العديد من الوفود من الاقطار العربية قا ل قصيدته التالية مرحبا :

يا شاعرَ الوادي وغرّيد الرّبى
                                                قُلْ للضيوفِ  تحيّةً  وسلاما

مصرالعريقُ وفادُها حفَظْتُ
                                          لكُم َهْداً على طُول المَدى وزِمَاما

لستُمْ بها غُرَباءَ, أَنْتُمْ أَهْلُها
                                                     أَنّى حَللَتُم تَنّزِلُون كِراما

الشّرْقُ مَهْدٌ للنبوغِ ومَوْلدٌ
                                                 للمجْدِ فيه رَبَا وشَبّ غُلاما

زَكَت النبوّة في حِمَاهُ ورعْرعتْ
                                                   وتألّقت كالفرقديّنِ نِظَاما

مُوسى الذي شَقّ العُبابَ وفجّر
                                               الصخّر العنيدَ سواكباً تترامى

عيسى الذي فدّى الوجودَ وعلم
                                                الغفّران والإحسانَ والإكراما

ومحمّدٌ يَكْفيكَ أنّ محمّداَ
                                                  بيّن البريّةِ  أَوْجَدَ  الإسلاما

هذا هو الشّرْقُ العظيم لم يزل
                                                نوراً لمن رَام الهدى وإماما

                  أخرج من وظيفته عام 1952، ولم يكن يدخر شيئا فعاش في ضنك وتنكر له أقرب الناس إليه، بمن فيهم زوجته، لذا تغيرت حاله وأخذ ينغمس في السهر، وفي هذه المرحلة تعرف إلى الممثلة زازا وأحبها ، ونظم فيها قصيدة مطولة باسمها مصوراً إياها بالربيع الذي حل على خريف حياته و في قصيدته (أنوار المدينة) يقول:

ضحكت لعيني المصابيح التي
                                                   تعلو رؤوس النيل كالتيجان

ورأيت أنوار المدينة بعدما
                                                  طال المسير وكلت القدمان

وحسبت أن طاب القرار لمتعب
                                                    في ظل تحنان وركن آمان

فإذا المدينة كالضباب تبخرت
                                                وتكشفت لي عن كذوب اماني

قدر جرى لم يجر في الحسبان
                                                   لا أنت ظالمة ولا انا جاني


       اهمل ابراهيم ناجي صحته في اواخرايامه وكان مصابا بداء السكري ، ولا يأخذ العلاج، فاشتد عليه المرض داء السكري،

        توفي في 25 مارس(ايار ) 1953 عن عمر ناهز الخامسة والخمسين، ودفن إلى جوار جده لأمه الشيخ عبد الله الشرقاوي، في مسجده بجوار مقام الحسين رضي الله عنه.

صدرت عن الشاعر إبراهيم ناجي بعد رحيله عدة دراسات مهمة، منها:

إبراهيم ناجي       للشاعر صالح جودت
ابراهيم ناجي   للدكتورة نعمات أحمد فؤاد

كما كتبت عنه العديد من الرسائل العلمية بالجامعات المصرية

           ابراهيم ناجي مر بظروف عصيبة في حياته وتخلى عنه الأقارب والأحباب في أحيان كثيرة لذا جاء شعره معبرا عن نزوع فردي رومانسي حزين، فشعره ذاتي، يكاد يكون خالصاً للحب والوجدان، للقهر والحرمان، فهو يعبر عن قلب محروم، ويصدر عن رؤية متشائمة، ونظرة حزينة، وروح مكتئبة. فانت تشعر وانت تقرا شعره بنوع من العذاب اوالفرقة عن الحبيب  كتب يقول :

سألتك يا صخرة الملتقى متى
                                                 يجمع    الدهر   ما   فرقا

إذا  نشر الغرب     أثوابه
                                                وأطلق في النفس ما أطلقا

أريك مشيب الفؤاد الشهيد
                                               والشيب  ما   كلل  المفرقا

      الشاعر رومانسي يجد ضالته و سعادته في ظلال الحب الخالدة باعتباره يحمل عاطفة قد تضم الكون بأسره فهو دائما وأبدا حزين يبحث عن عوالم المثل الانسانية التي ينشدها ليغرق  فيها يقول:

إني امرؤ عشت زما ني حائرا معذبا
                                       أمشي بمصباحي وحيداً في الرياح متعبا

أمشي به وزيته كاد به ان ينضبا
                                            عشت زماني لا أرى لخافقي متقلبا

       الا ان شعره لا يخلو من الأبيات المتفائلة بالطبيعة  مثل قصيدته (الربيع) والتي يخاطبه فيها بقوله:

مرحى ومرحى يا ربيع العام
                                                     أشرق فدتك مشارق الأيام

بعد الشتاء وبعد طول عبوسه
                                                       أرنا بشاشة ثغرك البسام

وابعث لنا أرج النسيم معطراً
                                                     متخطراً   كخواطر الأحلام

و قصيدة كتبها  مخاطبا  إبنيه عماد وأميرة:

يا ابنتي إني لأشعر أني
                                             ملأت مهجتي شموس منيرة

أشرقت فرحتان عندي
                                                  فهذي لعماد وهذه لأميرة

أنتما فرقدان ، وهو جديد
                                                    بالذي ناله وأنت جديرة

اغنما كل ما يطيب وفوزا
                                                 بالمسرات والأماني الوفيرة

وافرحا بالذي يطيب ويرجى
                                                   عيشة نضرة وعين قريرة

ومن قصيدة بعنوان مصر يفتتحها بقوله:

أجل إن ذا يوم لمن يفتدي مصرا
                                          فمصر هي المحراب والجنة الكبرى

أجل عن ماء النيل قد مر طعمه
                                                  تناوشه الفتاك لم يدعو شبرا

فهلا وقفتم دونها تمنحوها
                                                   أكفاً كماء المزن تمطر خيرا

سلاما شباب النيل في كل موقف
                                    على الدهر يجني المجد أو يجلب الفخرا

تعالوا فقد حانت أمور عظيمة
                                               فلا كان منا غافل يصم العصرا

شباب نزلنا حومة المجد كلنا
                                             ومن يغتدي للنصر ينتزع النصرا

      واختم  مقالتي  عن  الشاعر ابراهيم ناجي بقصيدة (الاطلال) التي لاتزال نرددها على شفاهنا وسيرددها الاجيال بعدنا وتعد من
روائع الشعرالعربي :

يا فؤادي، رحم الله الهوى
كان صرحا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله
وارو عني، طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرا
ً وحديثاً من أحاديث الجوى

وبساطاً من ندامى حلم
هم تواروا أبداً، وهو انطوى

*****************

يا رياحاً، ليس يهدا عصفها
نضب الزيت ومصباحي انطفا

وأنا أقتات من وهم عفا
وأفي العمر لناس ما وفى

كم تقلبت على خنجره لا
الهوى مال، ولا الجفن غفا

وإذا القلب - على غفرانه –
كلما غار به النصل عفا

***************

يا غراماً كان مني في دمي
قدراً كالموت، أو في طعمه

ما قضينا ساعة في عرسه
وقضينا العمر في مأتمه


ما انتزاعي دمعة من عينه
واغتصابي بسمه من فمه

ليت شعري أين منه مهربي
أين يمضي هارب من دمه ؟

***************

لست أنساك وقد ناديتني
بفم عذب المناداة رقيق

ويد تمتد نحوي، كيد
من خلال الموج مدت لغريق

آه يا قبلة أقدامي، إذا
شكت الأقدام أشواك الطريق

وبريقاً يظمأ الساري له
أين في عينينك ذياك البريق ؟

******************

لست أنساك، وقد أغريتني
بالذرى الشم،فأدمنت الطموح

أنت روح في سمائي، وأنا
لك أعلو، فكأني محض روح

يا لها من قمم كنا بها
نتلاقى، وبسرينا نبوح

نستشف الغيب من أبراجها
ونرى الناس ظلال في السفوح

****************

أنت حسن في ضحاه لم يزل
وأنا عندي أحزان الطفل

وبقايا الظل من ركب رحل
وخيوط النور من نجم أفل

ألمح الدنيا بعيني سئم
وأرى حولي أشباح الملل

راقصات فوق أشلاء الهوى
معولات فوق أجداث الأمل

********************

ذهب العمر هباء، فاذهبي
لم يكن وعدك إلا شبحا

صفحة قد ذهب الدهر بها
أثبت الحب عليها ومحا

انظري ضحكي ورقصي
فرحا وأنا أحمل قلباً ذبحا

ويراني الناس روحا طائراً
والجوى يطحنني طحن الرحى

******************

كنت تمثال خيالي، فهوى
المقادير أرادت لا يدي

ويحها، لم تدر ماذا حطمت
حطمت تاجي، وهدت معبدي

يا حياة اليائس المنفرد
يا يباباً ما به من أحد

يا قفاراً لافحات ما بها
من نجي، يا سكون الأبد

************************

أين من عيني حبيب ساحر
فيه نبل وجلال وحياء

واثق الخطوة يمشي ملكاً
ظالم الحسن، شهي الكبرياء

عبق السحر كأنفاس الربى
ساهم الطرف كأحلام المساء

مشرق الطلعة، في منطقه
لغة النور، وتعبير السماء

*******************

أين مني مجلس أنت به
فتنة تمت سناء وسنى

وأنا حب وقلب ودم
وفراش حائر منك دنا

ومن الشوق رسول بيننا
ونديم قدم الكأس لنا

وسقانا، فانتفضنا لحظة
لغبار آدمي مسنا !

**********************

قد عرفنا صولة الجسم التي
تحكم الحي، وتطغى في دماه

وسمعنا صرخة في رعدها
سوط جلاد، وتعذيب إله

أمرتنا، فعصينا أمرها
وأبينا الذل أن يغشى الجباه

حكم الطاغي، فكنا في العصاة
وطردنا خلف أسوار الحياه

******************

يا لمنفيين ضلا في الوعور
دميا بالشوك فيها والصخور

كلما تقسو الليالي، عرفا
روعة الآلام في المنفى الطهور

طردا من ذلك الحلم الكبير
للحظوظ السود، والليل الضرير

يقبسان النور من روحيهما
كلما قد ضنت الدنيا بنور

******************

أنت قد صيرت أمري عجبا
ثرت حولي أطيار الربى

فإذا قلت لقلبي ساعة
قم نغرد لسوى ليلى أبى

حجب تأبى لعيني مأربا
غير عينيك، ولا مطلبا

أنت من أسدلها، لا تدعي
أنني أسدلت هذي الحجبا

*********************

ولكم صاح بي اليأس انتزعها
فيرد القدر الساخر : دعها

يا لها من خطة عمياء، لو
أنني أبصر شيئاً لم أطعها

ولي الويل إذا لبيتها
ولي الويل إذا لم أتبعها

قد حنت رأسي، ولو كل القوى
تشتري عزة نفسي، لم أبعها

********************

يا حبيباً زرت يوماً أيكه
طائر الشوق، أغني ألمي

لك إبطاء الدلال المنعم
وتجني القادر المحتكم

وحنيني لك يكوي أعظمي
والثواني جمرات في دمي

وأنا مرتقب في موضعي
مرهف السمع لوقع القدم

**************

قدم تخطو، وقلبي مشبه
موجة تخطو إلى شاطئها

أيها الظالم : بالله إلى كم
أسفح الدمع على موطئها

رحمه أنت، فهل من رحمة
لغريب الروح أو ظامئها

يا شفاء الروح، روحي تشتكي
ظلم آسيها، إلى بارئها

*******************

أعطني حريتي واطلق يديّ
إنني أعطيت ما استبقيت شيّ

آه من قيدك أدمى معصمي
لم أبقيه، وما أبقى علي ؟

ما احتفاظي بعهود لم تصنها
وإلام الأسر، والدنيا لدي !

ها أنا جفت دموعي فاعف
عنها إنها قبلك لم تبذل لحي

*********************

وهب الطائر من عشك طارا
جفت الغدران، والثلج أغارا

هذه الدنيا قلوب جمدت
خبت الشعلة، والجمر توارى

وإذا ما قبس القلب غدا من
رماد، لا تسله كيف صارا

لا تسل واذكر عذاب المصطلي
وهو يذكيه فلا يقبس نارا

*******************

لا رعى الله مساء قاسياً
قد أراني كل أحلامي سدى

وأراني قلب من أعبده ساخراً
من مدمعي سخر العدا

ليت شعري، أي أحداث جرت
أنزلت روحك سجناً موصدا!

صدئت روحك في غيهبها
وكذا الأرواح يعلوها الصدا

************************

قد رأيت الكون قبراً ضيقاً
خيم اليأس عليه والسكوت

ورأت عيني أكاذيب الهوى
واهيات كخيوط العنكبوت

كنت ترثي لي، وتدري ألمي
لو رثى للدمع تمثال صموت

عند أقدامك دنيا تنتهي
وعلى بابك آمال تموت

*******************

كنت تدعوني طفلا، كلما
ثار حبي، وتندت مقلي

ولك الحق، لقد عاش الهوى
في طفلا، ونما لم يعقل

وأرى الطعنة إذ صوبتها
فمشت مجنونة للمقتل

رمت الطفل، فأدمت قلبه
وأصابت كبرياء الرجل

******************

قلت للنفس وقد جزنا الوصيدا
عجلي لا ينفع الحزم وئيدا

ودعي الهيكل شبت ناره
تأكل الركع فيه والسجودا

يتمنى لي وفائي عودة والهوى
المجروح يأبى أن نعودا

لي نحو اللهب الذاكي به
لفتة العود إذا صار وقودا

********************

لست أنس أبداً ساعة في العمر
تحت ريح صفقت لارتقاص المطر

نوحت للذكر وشكت للقمر
وإذاما طربت عربدت في الشجر

****************

" أيها الشاعر تغفو
تذكر العهد وتصحو

وإذا ما التام جرح
جد بالتذكار جرح

فتعلم كيف تنسى
وتعلم كيف تمحو

أو كـل الحب في
رأيـك غفـران وصفح ؟

***************

هاك فانظر عدد الرمـــــل
قلوباً ونساء

فتخير ما تشاء
ذهب العمر هباء

ضل في الأرض الذي
ينشد أبناء السماء

أي روحانية تعـــــصر
من طين وماء؟ "

***************

أيها الريح أجل، لكنما
هي حبي وتعلاتي ويأسي

هي في الغيب لقلبي خلقت
أشرقت لي قبل أن تشرق شمسي

وعلى موعدها أطبقت عيني
وعلى تذكارها وسدت رأسي

***************

جنت الريح ونادتــــــــــه
شياطين الظلام

أختاماً ! كيف يحلو لك
في البدء الختام ؟

*************
يا جريحاً أسلم الــــــــــجرح
حبيباً نكأة

هو لا يبكي إذا النـــــــــــاعي
بهذا نبأه

أيها الجبار هل تصــــــــرع
من أجل امرأه ؟

*******************

يا لها من صيحة ما بعثت
عنده غير أليم الذكر

أرقت في جنبه، فاستيقظت
كبقايا خنجر منكسر

لمع النهر وناداه له
فمضى منحدرا للنهر

ناضب الزاد، وما من سفر
دون زاد غير هذا السفر

**********************

يا حبيبي كل شيء بقضاء
ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا
ذات يوم بعدما عز اللقاء

فإذا أنكر خل خله
وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل إلي غايته
لا تقل شئنا،وقل لي الحظ شاء !

********************

يا مغني الخلد، ضيعت العمر
في أناشيد تغنى للبشر

ليس في الأحياء من يسمعنا
ما لنا لسنا نغني للحجر !

للجمادات التي ليست تعي
والرميمات البوالي في الحفر

غنها، سوف تراها انتفضت
ترحم الشادي وتبكي للوتر

**********************

يا نداء كلما أرسلته
رد مقهوراً وبالحظ ارتطم

وهتافاً من أغاريد المنى
عاد لي وهو نواح وندم

رب تمثال جمال وسنا
لاح لي والعيش شجو وظلم

ارتمى اللحن عليه جاثياً
ليس يدري أنه حسن أصم

*******************

هدأ الليل ولا قلب له
أيها الساهر يدري حيرتك

أيها الشاعر خذ قيثارتك
غن أشجانك واسكب دمعتك

رب لحن رقص النجم له
وغزا السحب وبالنجم فتك

غنه، حتى ترى ستر الدجى
طلع الفجر عليه فانهتك

************************

وإذا ما زهرات ذعرت
ورأيت الرعب يغشى قلبها

فترفق واتئد واعزف لها
من رقيق اللحن، وامسح رعبها

ربما نامت على مهد الأسى
وبكت مستصرخات ربها

أيها الشاعر، كم من زهرة
عوقبت، لم تدر يوماً ذنبها !

***************


28

محمد مهدي الجواهري
شاعر العرب


       هو الشاعر محمد مهدي الجواهري واسرته أسرة نجفية محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر ، نسبة إلى أحد أجداد الأسرة والذي يدعى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر ، والذي ألّف كتاباً في الفقه واسماه (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ).

   ولد  الجواهري في مدينة النجف  الاشرف  في السادس والعشرين من تموز عام 1899م  ولد من أسرة نجفية محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر ، وكان لهذه الأسرة ، كما لباقي الأسر الكبيرة في النجف مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار الشخصيات الأدبية والعلمية .

      مدينةالنجف كانت ولاتزال مركزا دينيا وأدبيا ، وللشعر فيها أسواق تتمثل في مجالسها ومحافلها ، وكان أبوه عبد الحسين عالماً من علماء النجف ، أراد لابنه الذي بدت عليه علائم الذكاء والمقدرة على الحفظ أن يكون عالماً من علماءالدين ، لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العا شرة.

      قرأ القرآن الكريم وهو في سن مبكرة وتم له ذلك بين أقرباء والده وأصدقائه، ثم أرسله والده إلى مُدرّسين كبار ليعلموه الكتابة والقراءة، وعلوم اللغة العربية  لترابط  علوم اللغة بعلوم القران الكريم فأخذ عن شيوخه النحو والصرف والبلاغة والفقه وما إلى ذلك مما هو معروف في منهج الدراسة آنذاك . وخطط له والده وآخرون أن يحفظ في كل يوم خطبة من نهج البلاغة  وقصيدة  من ديوان المتنبي  فيبدأ الفتى بالحفظ  طوال نهاره منتظراً ساعة الامتحان مساءا بفارغ الصبر ، وبعد أن ينجح في الامتحان يسمح له بالخروج فيشعر انه خُلق من جديد ،ثم صحب والده إلى مجالس الكبار .

       أظهر ميلاً كبيرا منذ الطفولة إلى الأدب فأخذ يقرأ في كتاب البيان والتبيين ومقدمة ابن خلدون  ودواوين الشعرالعربي ، فنظم الشعر في سن مبكرة ، متأثراً ببيئته ، واستجابة  لموهبة  كامنة  فيه .

        كان أبوه يرغب ان عالماً لا شاعراً ، لكن ميله للشعر غلب عليه . وفي سنة 1917، توفي والده وبعد أن انقضت أيام الحزن عاد الشاب إلى دروسه وأضاف إليها درس البيان والمنطق والفلسفة.. وقرأ كل شعر جديد سواء أكان عربياً أم مترجماً عن الغرب .

       كان في أول حياته يرتدي العمامة وهي لباس رجال الدين حيث نشأ نشأةً دينيه محافظة ، واشترك بسب ذلك في ثورة العشرين عام\ 1920م ضد السلطات البريطانية معمما فكان من الدعاة لها ويدعو  ليقضة عراقية عربية ضد المستعمرين ، انتقل الى بغداد حيث اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك  فيصل الأول عندما  تُوج ملكاً على العراق  وكان لا  يزال  يرتدي العمامة ، ثم هجر العمامة كما ترك الاشتغال في البلاط الملكي وراح يعمل بالصحافة بعد أن غادر النجف إلى بغداد ، فأصدر مجموعة من الصحف منها جريدة ( الفرات ) وجريدة ( الانقلاب ) ثم جريدة ( الرأي العام ) وانتخب عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين .

    لم يبق من شعره الأول شيء يُذكر ، وأول قصيدة له كانت قد نشرت في شهر كانون الثاني عام 1921 ، وأخذ يوالي النشر بعدها في مختلف الصحف والمجلات العراقية والعربية .

     نشر أول مجموعة له باسم ( حلبة الأدب ) عارض فيها عدداً من الشعراء القدامى والمعاصرين .

      ترك النجف عام \1927 بعد ان تم تعيينه معلماً على الملاك الابتدائي في الكاظمية وكان يطمح ان يعين مدرسا على الملاك الثانوي بدلا من الابتدائي .

      أصدر في عام\ 1928 ديواناً أسماه ( بين الشعور والعاطفة ) نشر فيه ما استجد من شعره .

        استقال من البلاط سنة 1930 ، ليصدر جريدة (الفرات) ، ، ثم      ألغت الحكومة امتيازها بعد اصدار العدد العشرين منها فآلمه ذلك كثيراً ، وحاول أن يعيد إصدارها فلم يوفق ، فبقي بدون عمل إلى أن عُيِّنَ معلماً في أواخر سنة\ 1931 في مدرسة (المأمونية )، ثم نقل الى ديوان وزارة المعارف ( التربية حاليا ) رئيساً لديوان التحرير .

     و في عام\1935 أصدر ديوانه الثاني بإسم ديوان الجواهري .

           وفي أواخر عام \1936 أصدر جريدة (الانقلاب) إثر الانقلاب العسكري الذي قاده بكر صدقي لكنه شعر با نحراف حكومة الانقلاب عن أهدافه  التي أعلن عنها  فبدأ يعارض  سياسة الحكم  فيما ينشر في هذه الجريدة ، فحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر وبإيقاف الصحيفة عن الصدور شهراً .

      وبعد سقوط حكومة الانقلاب غير اسم الجريدة إلى (الرأي العام) ، ولم يتح لها مواصلة الصدور ، فاغلقت مرات عديدة بسبب ما كان يكتب فيها من مقالات ناقدة ولاذعة للسياسات المتعاقبة .

     لما قامت حركة مارس\ 1941  التي نفذها السيد رشيد عالي الكيلاني والضباط الاحرار أيّدها الا انها فشلت  بسبب  وجود  قواتر  الاستعمار البريطاني في العراق وبعد فشلها غادر العراق مع من غادر إلى إيران ، ثم عاد إلى العراق في العام نفسه ليستأنف إصدار جريدته .

        في عام\ 1944 شارك في مهرجان أبي العلاء المعري في دمشق .

     ثم أصدر بين  عامي\ 1949 و 1950 الجزء الأول والثاني من ديوانه في طبعة جديدة ضم فيها قصائده التي نظمها في الأربعينيات والتي برز ت فيها شاعريته ًالكبيرةً .

       شارك في عام\ 1950 في المؤتمر الثقافي للجامعة العربية الذي عُقد في الاسكندرية  ثم  انتخب  رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين  ونقيباً للصحفيين .

       واجه مضايقات مختلفة في زمن حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم التي اعلن تاييده لها منذ البداية لما اكتنفها من احداث دامية فاضطر لمغادرة  العراق عام \1961 إلى لبنان  ومن  هناك  سافر الى اوربا ليستقر به المقام في (براغ ) ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين .

     أقام في (براغ ) سبع سنوات ، وصدر له فيها في عام\ 1965 ديوان جديد سمّاه ( بريد الغربة ) .

       عاد إلى العراق في عام\ 1968 بعد قيام حكومة حزب البعث الثانية بقيادة المرحوم احمد حسن البكر وخصصت له حكومة الثورة راتباً تقاعدياً قدره\ 150 ديناراً في الشهر .

       في عام\ 1969 صدر له في بغداد ديوان (بريد العودة) .

      و في عام\ 1971 أصدرت له وزارة الثقافة والإعلام العراقية ديوان ( أيها الأرق) .وفي العام نفسه رأس الوفد العراقي الذي مثّل العراق في مؤتمر الأدباء العرب الثامن المنعقد في دمشق . وفي العام نفسه أصدرت له وزارة الإعلام ديوان ( خلجات ) .

     في عام 1973 رأس الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء التاسع الذي عقد في تونس .

       الجواهري شاعر كبير فتحت بلدان عديدة أبوابها اليه لتحتضنه ولتضيفه مثل مصر، المغرب، والأردن وسوريا وجيكوسلوفاكيا بمزيد من الاجلال والتقدير و الاحترام الذي حظي به الا انه اختار دمشق فاستقر فيها  واطمأن إليها واستراح فكانت محطة لا ستراحته الاخيرة .

      كرمه الرئيس السوري حافظ الأسد بمنحه أعلى وسام في البلاد بعد القاء قصيدته دمشق وان قصيدة الشاعر الجواهري (دمشق جبهة المجد ) لهي اشراقة حديدة في الشعر العربي الحديث .

      توفي الجواهري في السابع والعشرين من تموز\ 1997 ، ورحل   بعد أن تمرد وتحدى الزمن والطغاة الظالمين ودخل معارك كبرى وخاض غمرتها واكتوى بنيرانها فكان بحق شاهد العصر الذي لم يجامل ولم يحاب أحداً . , ولم يرضخ لاحد فكان نارا فوق علم وان الجواهري لهو متنبي العصر الحديث لتشابه اسلوبه باسلوبه وقوة قصيد ه ومتانة شعره

         ومن دواعي الصدف ان الجواهري ولد وتوفي في نفس الشهر، وكان الفارق يوماً واحداً مابين عيد ميلاده وذكرى وفاته. فقد ولد في السادس والعشرين من تموز عام \ 1899 وتوفي في السابع والعشرين من تموز 1997\

      يتصف أسلوب الجواهري بالصدق في التعبير والقوة في البيان والحرارة في الإحساس الملتحم بالصور الشعرية الهادرة كالتيار في النفس ، ولكنه  يبدو من خلال أفكاره متشائماً حزيناً  ككل  الشعراء العراقيين المحدثين لما ألم ببلدهم من احداث و من الحياة . تغلف شعره مسحة من الكآبة والإحساس القاتم الحزين تخرج من نفسية معقدة تنظر إلى كل أمر نظر الفيلسوف الناقد الذي لا يرضيه شيء.

ومن قصائده هذه الابيات  الرائعة :

أرح ركابكَ من أيـنٍ ومن عثَرِ
                                           كفاك جيلانِ محمولاً على خـطر ِ

كفاك موحشُ دربٍ رُحتَ تَقطعهُ
                                                  كأنَّ مغـبرَّة لـيل بلا سحَرِ

ويا أخا الطير في ورْد ٍ وفي صَدَرٍ
                                           في كلَّ يومٍ له عـُشٌ عـلى شجرِ

عريانَ يحمل مِنقاراً وأجـنحةً
                                             أخـفَّ ما لمَّ مـن زادٍ أخو سَفَرِ

بحسبِ نَفسَكَ ماتعيا النفوسُ به
                                          من فرط منطلق ٍ أو فرط منحدر

أناشدٌ أنت حتفاً صنعَ منتحرِ
                                             أم شابكٌ أنت , مغتراً, يدَ القدر

خفـَّضْ جَناحيكَ لا تهزأ بعاصفةٍ
                                           طوى لها النسر كشحيه فلم يطر ِ

ألفى له عِبرةً في جؤجؤٍ خضبٍ
                                              من غيره, وجَـناحٍ منه منكسِر ِ

ياسامرَ الحي بي شوقٌ يرمِضٌني
                                       إلى الَّلداتِ, إلى النجوى إلى السمَرِ

ياسامر الحي بي داءٌ من الضجَرِ
                                         عاصاه حتى رنـيـنُ الكـأس والوترِ

لا أدَّعي سهرَ العشاق يشبعَهُم
                                         ياسامرَ الحي بي جْـوع إلى السهَرِ

ياسامر الحي حتى الهم من دأبٍ
                                            علـيه آب إلى ضربٍ  من الخدَرِ

ياسامر الحي انَّ الدهرَ ذو عجبٍ
                                              أعيت مذاهبه الجلىٌ على الفِكَرِ

كأنَ  نـُعماءه  حبلى    بأبؤسهِ
                                        من ساعةِالصفو تأتي ساعة الكـَدَرِ

تـندسُ في النـَّـشوات الحُمسِ عائذَةً
                                          هذي فـُتـدركها الأخرى على الأثَرِ

ينَغٌص العَيش إنٌ المَوت يدرِكهُ
                                         فنحن من ذين ِ بين الناب والظفرِ

والعمرُ  كالليل  نـحييه  مغالطة
                                       يـُشكى من الطول أو يشكي من القِصَرِ

وياملاعــبَ أترابـي بمنعَطَفٍ
                                               من الفرات إلى كوفـانَ فالجِزُرِ

فالجسرُ عن جانبيه خفقُ أشرِعةٍ
                                               رفـّافةٍ في أعالي الجو كالطررِ

إلى (الخورنق) باق في مساحبهِ
                                            من أبن ماء السما ماجرٌ من أثرِ

تلكم (شقائقه) لــم تــأل ناشرةً
                                              نوافج المسك فضـّتها يدُ المَطَرِ

بيضاءَ حمراءَ أسراباً يموجُ بها
                                         ريشُ الطواويس أو مـَوْشـية الحَبَرِ

للآنَ يـُطرب سمعـي في شواطئه
                                           صدحُ الحمـام وثغيُ الشـاة والبقر

والرملة ُ الدمثُ في ضوءٍ من القَمَرِ
                                      والمدرجُ السَمحُ بين السـُوح والحُجَرِ

يا أهنأ الساع في دنـياي أجمَعُها
                                        إذا عددتُ الهنيء الحلوَ من عُمري

تصوبـَّي من علٍ حتـى إذا إنحَدَرتْ
                                          بي الحتـُوفُ لذاك الرمل فانحَدري

تـُمحى الغضارات في الدنيا سوى شفق
                                             من الطفولة عـذبٍ مثلها غضَرِ

وتـُستطار طيوفُ الذكرياتِ سوى
                                                طيفٍ من المهد حتى الـلحد مُدٌكَرِ

في(جنـَّـة الخلد) طافت بي على الكـبر
                                                رؤيا شبابٍ وأحلام ٍ مـن الصِغَرِ

مجنـَّـحاتُ أحاسـيـس ٍ وأخلية
                                         مثل الفراشات في حقل الصـِبا النضِـر

أصطادهنَّ بزعمي وهي لي شركٍ
                                              يصطادُني بالسنا واللطـِف والخفَرِ

أقتادهـُنَّ إلى حربٍ على الضجر
                                              فيصْطلن على  حربي مع الضجرِ





------------------------------------------------------

       










                   29

              محمد العيد المناصيري
                        شاعر  ثورة الجزائر




            هو محمد العيد بن محمد علي بن خليفة  من محاميد (سوف )  المعروفين( بالمناصير) من أولاد ( سوف) من شرق الصحراء .

   ولد في مدينة _(عين البيضاء )وهي مدينة بأقصى الشرق الجزائري) بتاريخ \ 1904 وينتسب الى قبيلة المحاميد الليبية اصلا والتي هاجر بعض ابنائها الى الجزائر .

         حفظ  القرآن الكريم في سن مبكرة وسنه دون الثانية عشر من العمر ودرس الحديث وأصول الدين و اللغة العربية وادابها على يد الشيخين محمد الكامل بن عزوز و أحمد بن ناجي .

      انتقل مع أسرته إلى مدينة ( بسكرة )– التي تعتبر بوابة الصحراء الجزائرية - سنة 1918 وعمره اربعة عشر عاما ليواصل دراسته  بها على ايدي المشايخ علي بن إبراهيم العقبي الشريف واحمد مكي الجنيدي والمختار بن عمر اليعلاوي .

       غادر الشاعر إلى ( تونس) في عام \ 1921 حيث التحق ب(جامع الزيتونة(  الذي يعتبر بمثابة جامعة  علمية اسلامية عربية ودرس فيها على ايدي مجموعة من العلماء لمدة سنتين عاد بعدها الى مدينة(بسكرة) ليشارك  في حركة الإصلاح عن طريق التعليم و النشر في الصحف  و المجلات منها ( صدى الصحراء ) للشيخ  أحمد  بن العابد  العقبي  و ( المنتقد ) و (الشهاب ) للشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس المصلح الكبير والذي ترجمت حياته فيث هذا الكتاب و (الإصلاح ) للشيخ الطيب العقبي.

        دعي إلى العاصمة (الجزائر )في عام\1927 للتعليم بمدرسة الشبيبة الإسلامية الحرة حيث عين مدرسا فيها ثم اصبح مديرا لها مدة اثني عشر عاما .

       وفي هذه الفترة أسهم في تأسيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)  و كان من أعضائها النشطين  وبقيت حتى   عام\ 1931 .
و قد تمكن من نشر الكثير من قصائده في صحف الجمعية مثل (البصائر) ولسنّة) و(الشريعة) و (الصراط ) و كذلك في صحيفتي (المرصاد)       و (الثبات(  التابعتين للشيخ (محمد عبابسة الأخضري) . وكان دائما
بجانب الحق يقو ل :

ما أجدر الحقّ ّأن تُحنى الرؤوس له
                                             وأن يُشال على الاعناق كالعلم

الحق ثوب تعالى الله ناسجه
                                                 تبّت يدا كل عاث فيه بالجلم

فمل الى الحق في الدنيا تُصب أملا
                                           يُنسيك ما قد يشوب الحقّ من ألم

وكن على البغي حربا لا تكن سلما
                                          فالنّصر للحرب ليس النصر للسّلم

لا تخش سيفا من الباغي ولا قلما
                                                 فغارة  الله فوق السيف والقلم

الظّلم في الارض سار كالظّلام بها
                                               وكاشف الظُّلْم فيها كاشف الظُّلَم


        في سنة 1940 بعد نشوب الحرب العالمية الثانية غادر العاصمة الجزائر إلى مدينة( بسكرة) و ثم إلى مدينة( باتنة )- في شرق الجزائر والتي تعتبر عاصمة الاوراس بالشرق الجزائري -للإشراف على مدرسة التربية و التعليم حيث بقي فيها قرابة سبع سنين ثم انتقل إلى مدينة (عين مليلة) التي تبعد عن مدينة (قسنطينة) بحوالي 50 كم ) للإشراف على الإدارة و التدريس بمدرسة العرفان الإسلامية وبقي فيها إلى سنة 1954 حيث اندلعت الثورة الجزائرية المباركة في وجه الاستدمار الفرنسي الغاشم. وكانت شرارتها من الاوراس يقول \

قف حيث شعبك مهما كان موقفه
                                                وْلاَ فانك   عضو منه منحسمُ

تقول أضحى شتيت الرّأي منقسما
                                               وأنت عنه شتيت الرأي منقسم

فكن مع الشعب في قول وعمل
                                                 ان كنت بالرّجل الشّعبي تتّسم

ولا يَرُقك شفيف الذات مائعها
                                               كالماء في وجوه الناس ترتسم

أعدى عدى القوم من يُعزى لهم نسبا
                                                ويسمع القدح فيهم وهو يبتسم

         أغلقت  المدرسة  المذكورة كغيرها من  مدارس جمعية  العلماء المسلمين بعد اندلاع الثورة في الجزائر و ألقي القبض عليه و زج الشاعر محمد العيد في السجن وذاق مرارة التعذيب الاانه صبر محتسبا مثله مثل اخوانه  المجاهدين  و لما لم  تنفع  معه جميع أساليب الضغط  والترهيب بادرت السلطة الاستعمارية بإطلاق سراحه و فرضت عليه الإقامة الجبرية
 في  مدينة( بسكرة ) فلبث معزولا عن المجتمع تحت رقابة مشددة إلى أن فرج الله عليه و على الشعب الجزائري بالتحرر و الاستقلال. ومن قصائده يعبر عن احساسه ازاء مأساة الثامن من مايس 1945 الدامية:

فظائع ماي كذّبت كل مزّعم
                                              لهم ورمت ماروّجوه بافلاس

ديار من السكان تخلى نكاية
                                             وعسفا واحياء تساق لأرماس

وشيب وشبّان يسامون ذلة
                                               بأنواع  مكرلا تحدّ   بمقياس

وغيد من البيض الحسان أوانس
                                               تهان على أيدي أراذل أنكاس

ويسلبن من حلي لهنّ مرصع
                                                 بكل كريم من جمان وألماس

ويُنكبن في عرض لهنّ مطهر
                                       مصون الحواشي طيّب العرف كالآس

       قام احد تلامذته يجمع قصائد الديوان سنة 1952 م, وتم طبعه    سنة 1967 م, ثم قام الاخر من تلامذته ايضاغ بالتعرف على قصائد الشاعر التي لم تنشر فقام بجمعها من الصحف الوطنية القديمة، ومن النسخة  المخطوطة من ديوان  الشاعر، ومن أسرته ومعارفه, فجمع
العديد من القصائد وتعتبر بذلك تكملة واستدراك على الديوان،ونشرها
 في كتاب اسماه بـ (العيديات المجهولة.(

      بعد استقلال الجزائر واحداث الثورة وملابساتها آثر شاعرالجزائر الكبير وشاعرالثورة الجزائرية الانزواء حيث لم ينصفه رجال الثورة والذين جاؤوا من بعدهم  فنفوه  الى ( تونس ) فتفرغ للعبادة والاعتكاف للتعبد حتى توفّاه الله تعالى في رمضان 1399هـ (يوليو) 1979م) وكان منفيا  فارا  بدينه في(تونس) ومن ثم شيع جثمانه الى الجزائر و دفن في مدينة ( بسكرة) التي قضى بها اغلي مدة طفولته وشبابه بالجنوب الشرقي من الجزائر .

       يُعدّ محمد العيد آل خليفة من رواد النهضة العربية ورواد الشعر العربي الحديث  .

     يقول فيه رئيس العلماء وشيخ الأدباء محمد البشير الإبراهيمي :

 (رافق شعره النهضة الجزائرية في جميع مراحلها, وله في كل نواحيها, وفي كل طور من أطوارها، وفي كل سجل صادق لهذه النهضة وعرض رائع لأطوارها(..

          الشاعر محمد العيد ينطلق في شعره بتصوُّر واضح لفكره الإصلاحي، واتّجاهه الإسلامي من أربع كليات هي : الإسلام ، الوطن ، العروبة والإنسانية يقول  :

قف حيث شعبك مهما كان موقفه
                                              أ وْلاَ فانك عضو منه منحسمُ

تقول أضحى شتيت الرّأي منقسما
                                             وأنت عنه شتيت الرأي منقسم

فكن مع الشعب في قول وعمل
                                              ان كنت بالرّجل الشّعبي تتّسم

ولا يَرُقك شفيف الذات مائعها
                                             كالماء في وجوه الناس ترتسم

أعدى عدى القوم من يُعزى لهم نسبا
                                            ويسمع القدح فيهم وهو يبتسم

       فكان سجلا أمينا لأحداث الوطن الصغير والكبير على السواء, ومعبرا عن آمال الأمة وآلامها  وشعره  يطغى عليه الطابخ الديني ولا تكاد تخلو قصيدة  من هذا  الطابع الديني حتى في القصائد الذاتية وقصائد الرثاء والوصف.
يقول في احدى قصائده:

يسائلني عن نسـبتي كلُّ وافِدٍ
                                     عليَّ، وعنْ شعري، وعنْ كُنهِ مطْلبي

فقلتُ لهمْ: أرْضٌ العروبةِ موْطِني
                                          وديـني هُو الإسلامُ، والقدوةُ النَّبي

من آثاره
:
أنشودة الوليد
رواية بلال بن رباح (مسرحية شعرية)
ديوان محمد العيد.
العيديا ت المجهولة

        يقودنا إلى الحديث عن الشعر الإسلامي الحديث في الجزائر. في  هذا المقام يقول الدكتور الشاعر ( صالح الخرفي)  في دراسة له عن شعر محمد العيد : (

(يحلق محمد العيد في الأفاق البعيدة للرسالة السماوية والمواقف البطولية لظهور الإسلام, والتركيز في حياة *محمد صلى الله عليه وسلم* على جانب الجهاد, والوقوف مليا عند فتوحاته  وتلك هي مطامح الشعب الجزائري, وهو يعاني من التحكم الأجنبي)

       وكان لمحمد العيد حوليات شعرية اعتاد إلقاءها في المناسبات الخاصة بجمعية العلماء، وفيها تنويه بالقيم السامية للدين الإسلامي، .يقول الشيخ محمد العيد بقصيدة عصماء يدحض  فيها  اباطيل احد الفرنسيين والذي تجاوز على المصحف الشريف ومنافحا فيها عن كتاب الله عز و جل القرآن الكريم ، و منوهاً فيها بموقف الإمام (عبد الحميد بن باديس )رئيس (جمعية العلماء المسلمين) الذي كتب سلسلة من المقالات في مجلة (البصائر(  فند فيها أكاذيب و أباطيل المُستعمِر الفرنسي .

.
هيهات لا يعتري القرآن تبديل
                                                   وإن   تبدل  توراة  وإنجيل

قل للذين رموا هذا الكتاب بما
                                                  لم يتفق معه شرح وتأويل

هل تشبهون ذوي الألباب في خلق
                                                 إلا كما تشبه الناس التماثيل

فاعزوا الأباطيل لقرآن وابتدعوا
                                         في القول هيهات لا تجدي الأباطيل

وازروا عليه كما شاءت حلومكم
                                                فإنه   فوق هام  الحق إكليل

ماذا تقولون في آي مفصلة
                                                 يزينها  من فم الأيام  ترتيل

ماذا تقولون في سفر صحائفه
                                              هدى من الله ممض فيه جبريل

آياته بهدى الإسلام ما برحت
                                               تهدي المماليك جيلا بعده جيل

فآية ملؤها ذكرى وتبصرة
                                                   وآية ملؤها حكم وتفصيل

فليس فيه لا على الناس منزلة
                                           (عدن) وفيه لأدنى الناس سجيل

ولا احتيال ولا غمص ولا مطل
                                                ولا اغتيال ولا نغص وتنكيل

إن هو إلا هدى للناس منبلج
                                            ضاحي المسمى أغر الاسم تنزيل

لئن مضت عنه أجيال وأزمنة
                                               تترى فهل سامه نقض وتحويل

ما بال (آشيل) في (الدبيش) يسخر.
.                                            
من آيات محكمة لا كان (آشيل(

ما بال (آشيل) يهذي في مقالته
                                                 كحالم راعه في النوم تخييل

ما بال (آشيل) يزري المسلمين وهم
                                                    غر العرائك انجاب بهاليل

أفكارهم بهدى القرآن ثاقبة
                                               فلا يخامرها في الرأي تضليل

وأمرهم بينهم شورى ودينهم
                                                  فتح من الله, لا قتل وتمثيل

لا يعدم الحق أنصارا تحيط به
                                            سورا ولو كثرت فينا الأضاليل
 
هذا ابن باديس يحمي الحق متئدا
                                                   كذاك  يتئد الشم  الأماثيل

(
عبد الحميد) رعاك الله من بطل
                                           ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل

دمغت أقوال (آشيل) كما دمغت
                                             أبطال (أبرهة) الطير الأبابيل

عليك مني, وإن قصرت في كلمي
                                                تحية ملؤها بشر وتحليل

        وقبل ان اختم هذا البحث اقول  : ضحت الجزائر في سبيل حريتها تضحية يعتز بها  التاريخ .وكانت   جبال  الاوراس من  المراكز  المهمة  و الاساسية التي انطلقت منها اول شرارة الثورة وقدمت عشرات الآلاف من أبنائها الابطال ضحايا في سبيل تحرير الجزائر واستقلالها فوقف الشاعر على قبورهم في عيد الاضحى1965  وجاشت عواطفه بالقصيدة التالية يقول فيها:

رحم الله معشر الشهداء
                                             و جزاهم عنّا كريم الجزاء

وسقى بالنعيم منهم ترابا
                                                مستطابا   معطر الارجاء

هذه في الثرى قبور حوَتْهم
                                            أم قصور تسمو على الجوزاء

أيها الزائرون ساحة الطهر
                                              قدسي    وعزة     القعساء

إنّهم عند ربّهم حول رزق
                                               منه في  نعمة  و في سرّاء

هكذا أخبر الإله فصدَّق
                                              نبأ الله أصدق الأنبـــــــــــاء

شهداء التمدين في كل عصر
                                          سرج الأرض بل نجوم السماء

لم أجد في الرجال أعلى وساماً
                                               من شهيد مخضّب بالدّماء

إنَّ ذكرى الشهيد أرفع من أن
                                                ترفعوها بالصّخرة الصمّاء

واقتدوا وائتسوا بهم في المزايا
                                                   انهم أهل قدوة وائتساء

واخلفوهم بالصدق في خدمة
                                          الشعب و في أهلهم وفي الأبناء

إنهم قادة الفيالق في الزحــف
                                                  لخوض المعارك الحمراء

انهم رادة البطولة في النصر
                                                    وعزّالحمى ورفع اللواء


إنهم أوفوا العهود فهل أنـتم
                                                       لميثاقهم من الأوفياء

إنهم تربة الجزائر مهد
                                                    عبقري لثورة العظماء

وهي أرض الإسلام ذي المبدأ
                                          السمـح وأرض العروبة العرباء .

هكذا كانت الجزائرميعا
                                                    دا كريما لأقدس الايحاء

تتعالى منائر الحق فيها
                                                  من بعيد لخائضي الظلماء

ثورة الشِّعر أنتجت ثورة
                                                   الشعب وعادت عليه بالآلاء

كل من لم يثر على الهون
                                                  والذلة داسته أرجل الأقوياء

أيها الشعب أنت ملهم شعري
                                                   في كفاحي وملهب الاحشاء

أين منا ما سامنا من عذاب
                                                   أين منّا ما ساءنا من شقاء

جلّ من أخضع الطّغاة فذلوا
                                                     وعليهم قضى بحكم الجلاء

أصبحت أرضنا مثالا من الفر
                                                 دوس في أمن شعبها والهناء



*****************************








                    30

             حافظ جميل


            ولد حافظ جميل ببغداد عام \ 1908من أسره عريقه محافظه, فنشأ فى بيئة محافظة متزمتة شديدة التزمت . درس اللغه العربية ونحوها وبلاغتها وصرفها والادب العربى على يد الاستاذ ( منيرالقاضي ) .

          قرض الشعر صبيا حيث أصدر مجموعته الشعرية الاولى وهو لايزال على مقاعد الدراسه الثانويه\. وقد اسماها ( الجميليات ) .

    سافر عندما  بلغ  السنة السابعه  عشر من عمره  الى لبنان  وسكن في ( بيروت ). حيث درس فى الجامعه الامريكيه وأنصرف الى دراسة العلوم فتفتحت لديه آفاق عديده وعوالم جديدة لم يألفها  فى بغداد  ولم يشهد مثيلها فى بيئته المحافظه  فمما شاهده وانبهر به مشاركة الفتيات  في الدراسة الجامعية و فى الاندية  والمجتمعات  ورأى  معالم الحضاره بحلاوتها ومرا رتها .كما شاهد كؤوس الخمر تدار وحلقات الرقص تنتظم فأنطلق من روح الشباب المحروم الى افاق اوسع فنظم أجمل القصائد فى المرأة  عندما كان طالبا في الجامعه الامريكيه فى لبنان ومنها قصائد( ياتين يارمان ياعنب) و (بائعة الورد) وغيرهما من القصائد الغزلية
 حيث يقول  :

ياتين ياتوت يارمان ياعنب
                                    ياخير ما أجنت الأغصان والكثب

         ويناجى الكاس و الراح ويرى في الخمرة العلاج الشافي و دواء لكل كلوم النفس واوجاعها الخفية فينشد قائلا؛

ألامل كان أعظمني شقاءا
                                                   وأكثرني بلا سكر عناءا

وأنزلني على أحكام دهر
                                                   قضى أن لا أرد له قضاءا

    عاد حافظ جميل الى بغداد بعد أن أنهى دراسته فى بيروت والتحق بسلك التدريس , لكن حياته بقيت  تتجاذبها عوامل متباينة  ومتناقضة, بقى متقيدا بالاصل العربى الاصيل فى مبانيه ومعانيه جامعا بين القدم و الحداثة من شعراء العرب الاقدمين وشعراء النهضه العربية الحديثه . حافظ جميل درس الادب الانكليزى وفنونه الا أنه لم يتأثر شعره به و لا بصوره الشعرية لذا بقي شعره بعيدا عن التطور والثقافة الغربية حيث لم يحاول أن يصنع أساليبه بما تقتضيه حالة التغير . وبقي  ينسجلا  حلته الشعرية بمنوال الشعرالعربي وا ساليبه الشعرية القديمة والحديثة وينسج القصيدة وفق المفهوم العربي الخالص .

           الشاعر حافظ جميل سريع البديهة طويل النفس كثير تصحيح شعره والرجوع اليه لينقد القصيدة التى ينظمها نقدا قاسيا ويزن كلماتها وأبياتها وفق الميزان الشعري كما يوزن الذهب الخالص في ميزانه و كما كان يفعل( زهير بن أبى سلمى)  فى حولياته و(مروان بن أبى حفص) فى مديحه , وكما كان يفعل الشاعر الاديب الفرنسى (غوستاف فلوبير) صاحب التربيه العاطفيه, وقد تأثر حافظ  جميل  بشعر  أبى نؤاس وأبن الرومى والمتنبى .

        اشتهر حافظ جميل بغزلياته وخمرياته التى يعبر فيها عن قلب فتى شبابي لا يؤمن بالهرم  وشعور لا يعرف الشيخوخة , وعاطفة مرهفة جياشة تحكي حكايا الشباب في ساعة هرمها و كهولتها  و عاش سن الكهولة بالأمال وليترقب ( ليالى لبنان ) ويحن الى الكأس وهو يقول :

حبب بما يحلو لديك وسلمى

                                                 بالعين ان أحببت اوبالمبسم

حسب الحبيبة لحظهاأن سلمت
                                                      وشفاها ان أومأت لمسلم

ويكتب عن الشوق الى الحبيبة قائلا :

ماذا     أراد   على    اكتئا ب
                                             ان كان مابى فوق مابك؟

ويسخط لجفاء الحبيبة ان هجرته او صدت عنه فيخاطبها قائلا :

ودعت     عهدك    وانتهيت
                                                     وخرجت منه بما اكتفيت

        وشعر حافظ جميل بعد ذلك في لبنان وفى بغداد سائر على الالسنة محبب الى القلوب فبغداد ولدته وذكريات الطفولة الجميلة ونشأته وصباه  فلا غرابة أن يخاطبها ويتغزل بجمال عشيقة طفولته وصباه فيخاطبها :

لغيرك يابغداد لم يهف جانحي
                                                      ولا شاقني في ظلك أن أشدو

ولاطاب لي في غير دجلة مرتع
                                                    ولا لذ لي فى غير شاطئها ند

        حافظ جميل لا يعترف بالهرم ولا يودع الحب و الشباب وهو في سن الستين سن الشيخوخة له الكثير من القصائد في الحب. وكان الشاعر أصبح مراهقا بعد سن الستين حيث يقول:

مالى أهيم ولات حين هيام
                                             أيكون في الستين بدء غرامي

    أما لبنان فهو المرتع الروحى له لا يفتأ يشيد بمحاسنه ومحامده    فكان كهف مشيبه وهو يقول :

در الدمع الملح يزيد وكفا
                                              فمالك غير لبنان وتشفى.......

أظلت في الشباب فكان وكنا
                                        وحطك في المشيب فكان كهفا

ومن لك في النوازل ان ألمت
                                           بأرعى   دمه   منه  وأوفى

ويقول في لبنان  :

يقولون ماشأني ولبنان كلما
                                          تغنيت فيه جن في الشعر شيطاني

فقلت هبوني فخر بغداد محتدا
                                            ممن غير لبنان رعاني ورباني

ومن غير لبنان ادا ما وهبته حياتي
                                                 أحال   الارز قبرا فواراني؟

للشاعر حافظ جميل عدة دواوين منها\
نبض الوجدان,
اللهب المقفى,
الجميليات.. وفيها شعر الصبا والشباب
وهذه بعض ابيات من قصيدته (صرخه الشريد)  

أشكوى مارفعت أم احتجاجا
                                             وحد السيف خيرهما علاجا

تحلم قبلك المطبوع جهلا
                                                فزاد جهاله الباغي لجاجا

وهل ترك التلملم منك آخدي
                                                  وأكثر منك للشر أحتياجا

كفى باللين في معوج طبع
                             
               يظل يزيده    اللين اعوجاجا

وهل يتألم الشرير طبعا
                              
                 وهل تتبدل    الافعى مزجا

ويقول في قصيدة اخرى :

من زيف الناس أخلاقا وأيمانا
                          
                      وصبر الراهب الزميت شيطانا

حلاوة المال لم تترك لدي ورع
                          
                        دينا ولا لرقيق القلب وجدانا

ويقول ايضا :

هات صهباءك ياخمار هات
                          
                         أأخاف الموت حبا ...الحياة

ولمن أحيا وعمري أن يطل
                          
                       فهو بالساعات لا بالسنوات

ولمن أصحو لعمر الذى
                                
                أحتمي سكرا به من سكراتي

حبذا اليوم الدي اقطعه
                                               بين خمر وقان .........وسقاة

       ولما  تقدم العمر بالشاعر حافظ  جميل بعد ان احيل على التقاعد وعاش في شيخوخة هادئة هانئة الى أن وفاه الاجل في يوم الجمعه الرابع من  مايس( أيار ) سنة \1984 في بغداد بعد ان ناهز الثمانين عاما.

  ترك لنا  ثروة شعرية في دواينه التي نشرها  وهي:
نبض الوجدان,
اللهب المقفى,
الجميليات.. وفيها شعر الصبا والشباب


 ومن جميل شعره هذه القصيدة  بعنوان ( اللغة العربية ) :

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
                                      ونا ديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني
                                          عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت فلما لم أجد لعرائـــســـي
                                       رجـالاً وأكـفــاءً وأدت بـنـــاتي

وسعت كتاب الله لفظاً وغــايــة
                                        وما ضقت عن آيٍ به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
                                      وتنسيق أسماءٍ لـمخـتـرعــات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن
                                        فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
                                      ومنكم، وإن عـز الـدواء، أسـاتـي

أيطربكم من جانب الغرب ناعب
                                           ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟
!
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً
                                          من القبر يـدنـيـني بغـيـر أناة!!

وأسمع للكتاب في مصر ضجةً
                                         فـأعـلــم أن الصائحـيـن نعاتي!!

أيهجرني قومي عفا الله عنهم
                                          إلى لـغــة لــم تـتـصل بـــرواة؟
!
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى
                                          لُعَابُ الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوبٍ ضم سبعين رقعة
                                         مُشَكَّلَةَ الألـوان مـخـتـلـفــــــات

إلى معشر الكتاب والجمع حافل
                                        بسطت رجائي بعد بسط شَكَاتِي

فإما حياة تبعث الميت في البلى
                                         وتُبْنِتُ في تلك الرموس رفاتي

وإما مــمات لا قـــيــامــة بعـــده
                                        مــمات لعمري لم يُقَــسْ بممـات



**************************************









                                   31

ابو القاسم الشابي
 شاعر الخضراء



            أبو القاسم الشابي شعر تونس  الخضراء  ولد  في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شباط (فبراير) عام 1909م الموافق الثالث من شهر صفر سنة 1327 هـ في مدينة( توزر) احدى مدن تونس الخضراء

         قضى الشيخ محمد الشابي( والده ) حياته المسلكية في القضاء حيث كان قاضيا يتنقل بحكم عمله لمختلف المدن التونسية  حيث  تمتع الشابي بجمالها الطبيعي الخلاب، ومن اغلب الاحتمالات أن يكون الشيخ محمد قد نقل أسرته معه وفيها ابنه البكر أبو القاسم وهو يتنقل بين هذه البلدان، وقيل ان القاضي محمد الشابي الكبير قد بقي في مدينة( زغوان) حتى مرض مرضه الأخير ثم رغب في العودة إلى مدينة( توزر) فرجع، ولم يعش الشيخ محمد الشابي طويلاً بعد رجوعه إلى ( توزر ) فقد توفي في الثامن من أيلول –(سبتمبر) 1929 الموافق للثالث من ربيع الثاني 1348 هـ.

          الشيخ محمد الشابي كان رجلاً صالحاً تقياً يقضي يومه بين المسجد والمحكمة والمنزل وهذه حالة كثيرا ما تلازم رجال القضاء وفي هذا الجو نشأ أبو القاسم الشابي فقد ولد في عام 1909 وقيل في  عام  1917  في ( قابس) وقيل ولد (الشابية ) واليها نسب ثم مات عنه أبوه وهو في سن الحادية عشر من عمره ولكنه أتم تعليمه في ( المدرسة الصادقية) أقدم المدارس في القطر التونسي لتعليم العلوم الحديثة واللغات الأجنبية وقد أصبح الأمين وهو شقيق ابي القاسم الشابي الشاعر مديرا لفرع خزنة دار المدرسة الصادقية نفسها ثم اصبح الأمين الشابي أول وزير للتعليم في الوزارة الدستورية الأولى في عهد الاستقلال فتولى المنصب من عام 1956 إلى عام 1958م.

       تخرج ابو القاسم الشابي من جامعة الزيتونة اعرق الجامعات العربية وكان يشعر خلال دراسته أنه مريض قلبه الا ان أعراض الداء لم تظهر عليه واضحة إلا في عام 1929 وكان والده رغب  بتزويجه  والح عليه في ذلك فلم يجد أبو القاسم الشابي مع شعوره بالمرض والهزال بغية التوفيق  بين رغبة والده وبينر مقتضيات  حالته  الصحية  بداً من أن يستشير طبيباً في ذلك .

       ذهب الشابي برفقة صديقه المخلص اليه ( زين العابدين السنوسي) لاستشارة الدكتور( محمود الماطري)  وهو من افضل الأطباء، ولم يكن قد مضى على ممارسته الطب يومذاك سوى عامين وبسط الدكتور الماطري للشابي حالة مرضه  وحقيقة أمر ذلك المرض  وقد حذر الشابي على من عواقب الإجهاد الفكري والبدني وبناء على رأي الدكتور الماطري وامتثالاً لرغبة والده عزم الشا بي على الزواج وتمى عقد قرانه.

          كان ابو القاسم الشابي مصاباً بالقلب منذ نشأته وأنه كان يشكو انتفاخاً وتفتحاً في قلبه ومع مضي الايام ر حالته الصحية ازدادت سوءاً  فيما بعد بعوامل متعددة منها التطور الطبيعي للمرض بعامل الزمن ثم ان الشابي كان في الأصل ضعيف البنية نحيل الجسم ومنها أحوال الحياة التي تقلّب فيها في طفولته ومنها الأحوال السيئة التي كانت  تحيط  بالطلاب عامة في مدارس السكن التابعة لجامعة الزيتونة ذات التاثير السيء على حياته . ومنها الصدمة التي تلقاها بموت محبوبتة الصغيرة والتي كانت من اسباب إهماله لنصيحة الأطباء في الاعتدال في حياته البدنية والفكرية ومنها أيضاً زواجه فيما بعد. حيث  لم يأتمر الشابي  بنصيحة  الأطباء إلا بترك الجري والقفز وتسلق الجبال والسياحة ولعل الألم النفسي الذي كان يلم به من الإضطراب عن ذلك كان أشد عليه مما لو مارس بعض أنواع الرياضة باعتدال. وقد كتب في مذكراته يوما فقال :

    ( ها هنا صبية يلعبون
 بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية).

        وقد وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال:

(إن صدقنا أطباؤه وخاصة الحكيم الماطري قلنا إن الشابي كان يألم من ضيق الأذنية القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافياً وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً (سبيله) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب ما بين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث وهم على وشك البلوغ).
فالأطباء كانوا يصفون له الإقامة في الأماكن المعتدلة المناخ.
قضى الشابي صيف عام 1932 في (عين دراهم) مستشفياً وكان يصحبه أخوه محمد الأمين ويظهر أنه زار في ذلك الحين بلدة( طبرق) برغم ما كان يعانيه من الألم، ثم أنه عاد بعد ذلك إلى( توزر) وفي العام التالي اصطاف في( المشروحة) إحدى ضواحي مدينة ( قسنطينة) من أرض القطر الجزائري وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر تشرف على مساحات مترامية وفيها من المناظر الخلابة ومن البساتين ما يجعلها متعة الحياة الدنيا وقد شهد الشابي بنفسه بذلك ومع مجيء الخريف عاد الشابي إلى تونس الحاضرة ليأخذ طريقة منها إلى( توزر) لقضاء الشتاء فيها. غير أن هذا التنقل بين المصايف والمشاتي لم يجد الشابي نفعاً فقد ساءت حاله في آخر عام 1933 واشتدت عليه الآلام فاضطر إلى ملازمة الفراش مدة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه (حامة توزر) طالباً الراحة والشفاء من مرضه المجهول ومنعه الأطباء الاشتغال بالكتابة والمطالعة. غادر الشابي توزر إلى العاصمة وبعد أن مكث بضعة أيام في أحد فنادقها وزار حمام الأنف، أحد أماكن الاستجمام شرق مدينة تونس نصح له الأطباء بأن يذهب إلى( أريانة) وكان ذلك في أيلول من نقس العام (واريانة )ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة تونس وهي موصوفة بجفاف الهواء. ولكن حال الشابي ظلت تسوء وظل مرضه عند سواد الناس مجهولاً أو كالمجهول وكان الناس لا يزالون يتساءلون عن مرضه هذا: هل هو داء السل هو أم مرض القلب؟.

           ثم أعيا مرض الشابي الاطباء على عناية وتدبير فرديين فدخل مستشفى الطليان في العاصمة التونسية فظهرانه مصاب بمرض القلب

           توفي أبو القاسم الشابي في المستشفى في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً في الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين الموافق لليوم الأول من رجب سنة 1353 هـ.

       نال الشاعر التونسي الكبير ابو القاسم الشابي بعد موته عناية كبيرة ففي عام 1946م  تألفت في تونس لجنة لإقامة  ضريح  اليه  نقل   اليه جثمانه باحتفال  كبير جرى يوم الجمعة في السادس عشر من جمادى الثانية عام 1365 هـ.

        ويتعبر الشابي  افضل شاعر في أجمل  تعبير عن  انوار تونس والمغرب العربي التي  استفادت منها بلاد المشرق  والمغرب العربي
نظم الشابي قصائده في مدى ثماني سنوات أو عشر في الأكثر. مما يلفت النظر أن الشابي ظهر فجأة كشاعر تام النضج كما يقول ( الحليوي ) أو على شيء كبير من النضج فهو قد نبغ في هذه الشعر نبوغا وقال الشعر صبيا وشعره في الصبا  كان  تاما  كاملا  من  حيث  البلاغة  الادبية والتصوير الشعري الجميل  للطبيعة التي  افتتن  بها  فهو ابن تونس الخضراء  التي تلم به من كل جانب وصوب اضافة الى ذلك فهو شاعر وجداني وهو برغم صغر سنه شاعر مجيد مكثر يمتاز شعره بالرومانسية فهو صاحب لفظة سهلة قريبة من القلوب وعبارة بلاغية رائعة يصوغها باسلوب او قالب شعري جميل فهو بطبيعته يرنو الى النفس الانسانية وخوالجها الفياضة من خلال توسيعه  لدائرة الشعر وتوليده  ومسا يرة نفسيته الشبابية في شعر جميل وابتكار افضل للمواضيع المختلفة بحيث جاءت قصائده ناضجة مؤثرة في النفس خارجة من قلب معني بها ملهما اياها كل معاني التاثرالنفسي  بما حوله من حالة طبيعية رائعة مستنتجا النزعة  الانسانية العالية  لذا جاء  شعره عالي الجودة في اغلبه  متاثرا بالعالمين النفسي والخارجي .

       جرب الشابي في شعره على أسلوبين : اسلوب فخم متين النسج جاء به في طوره الأول في الأكثر وخص به قصائده في الحكمة والرثاء والفخر ، و أسلوب اخر لين سلس جاء به في القصائد التي طواها على أغراضه الوجدانية والخيالية. وكان من الطبيعي أن تضم قصائده التي على الأسلوب الأول الفاظاً جزلة والفاظاً غريبة وأن تكون متخيرة تدل على إحاطته بالقاموس العربي إلى حد كبير.   
   
      والشابي كان ثائرا على عمود الشعر العربي ، وعلى الحياة العربية الأصلية ، أراد أن يتجنب الألفاظ الإسلامية ذات النفحه العربية وملامحها ليتبدل  بها  ألفاظاً  وثنية  الأصل عامية الاستعمال في  بعض  قصائده ، وخصوصاً في طوره المتأخر.لما يحسه في قرارة نفسه من مرارة الحياة في المرض وعدم جدوى العلاج  وسأمه من الحياة  حيث انه في شعره شبه ثورة على كل ماهو ماض وقديم .

          والتراكيب الشعرية عند الشابي كالفاظه تجري مجريين: مجرى أساليب العرب ومجرى آخر كثير التحرر والانفلات من الأساليب العربية يجب أن يكون التركيب صحيحاً متيناً. ونعني بالتركيب الصحيح أن تجري الجملة على الأساليب العربية  في الترتيب  ووجوب  التقديم  والتأخير أو جوازهما وفي الاضماروالابدال وما إلى ذلك من القواعد اللغوية العربية والشعرية  من اناقة  التعبير ورصانته وأصالته  وهذه هي الدعائم الأولى التي يقوم عليها اسلوب الشابي الذي امتاز بالبعد عن (ا لركاكة ) التي أخذت على كثيرين من شعراء العربية .
  
      يتميز الشابي كونه خيالي التفكير خيالي التعبير يبحث عن مثل أعلى من صنع هذا الخيال فلا يجده في العالم الذي يعيش فيه فينقلب شاكياً باكياً ثم تصطبغ آراؤه وتعابيره بالأسى والحزن والكآبة والوجوم. و قد امتلك ناصية الشعر الممتزجة  بالخيال ورغم انه سكت عن الخيال عند الشابي أن التصور عند الشابي كان صادقاً حقيقاً لمن عاشرهم  وسكنوا نفسه وتقربوا اليه وانطبعوا في روحه وهي اشباح لأناس حقيقين لا خياليين فما كان ابوه رمزاً خيالياً ولا كانت عشيرة صباه  بجنة شاعر أو حلم كاذب.انه يترجم في شعره الحقيقة ذاتها ومع كل ذلك كان للشابي خيال مولد موغل في الغرابة يصطنع من الأمور العادية مشاهد وقصصاً جميلة .
وفي بعض الاحيان نجد الجد يغلب على قصائد ديوان الشابي ولا ريب في ان اتجاه الرجل كان جدياً حزيناً ولكن يبدو أنه كان في ايام تلمذته قبل ان يعلم مرضه أو قبل أن يدرك خطورة مرضه يميل إلى الهزل والمعابثة ككل شاعر آخر أو ككل أنسان  في صباه اوحداثته .

            اما اغراضه الشعرية فقد كانت أغراض الشابي محدودة في نطاقها فهي تدور في الوجدانيات وما يتبعها من التأمل في الحياة وكان الشابي منذ صباه وفي اول احياته الشعرية قال إنه  عازف عن الفنون الشعرية المألوفة او التقليدية و ملتزم بما يعبرّ فيه عن شعوره ونفسيته ، لذا نلاحظ ان الا غراض الشعرية اوالفنون الشعرية في قصائده مستوحاة من التأمل في الحياة الطبيعية في كل مجرياتها  فهو يتنقل  بين  زقزقة العصافير وتغريد البلابل ونوح الحمام ويتنقل بشعره او  هوينشد شعره بين الغابات والحدائق والبساتين والورود والجبال والشجر وفي الحياة الاجتماعية و السياسية والوطنية والحياة الأدبية بما تمليه عليه الظروف و بما يشعر به ازاء كل منها و كذلك في الحياة العامة وما يشعر به ازاء الحياة والموت .

       اما الموضوعات الوجدانية مثل رثاء أبيه او اي شخص عزيزعليه او الاباء والتفس و المجد  والموضوعات النفسية الاخرى فقد كانت قصائده مليئة بها، مثل التبرم بالحياة و الشعور بالضيق و بالغزل والحب. فقد تغنى بالحياة والحب كثيرا ولكل شاعر سلوبه في ذلك .

       ومن اروع ما قاله ابوالقاسم الشابي قصيدته- (ارادة الحياة ) التي لايزال كل الشعب العربي في المشرق والمغرب وقد خلدته  اكثر من اي  قصيدة اخرى قالها فالقصيدة بداياتها رائعة ومطلعها  جميل ورائع  واختم بها مقالتي هذه :

  إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ
                                         فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي
                                          وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ
                                         تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ
                                       مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر

كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ
                                       وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر

وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ
                                     وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر

إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ
                                   رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ
                                     وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ
                                   يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ
                                  وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر

وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ
                                   وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ :
                                     أ َيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟

أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ
                                     وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر

وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ
                                   وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ
                                      وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ  مَهْمَا كَـبُر

فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ
                                     وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم
                                    لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ
                                       مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"

وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ
                                       مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر

سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ
                                       وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر

سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ
                                         لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيعَ العُمُـر؟

فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ
                                       وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر

وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ
                                         مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر

يَجِيءُ الشِّتَاءُ ،شِتَاءُ الضَّبَابِ
                                     شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر

فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ
                                      وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر

وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ
                                    وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر

وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا
                                          وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر

وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ
                                         وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر

وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ
                                         تَأَلَّـقَ  في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر

وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ
                                        ذَخِيـرَةَ  عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر

وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ
                                       وَأَشْبَاح دُنْيَا  تَلاشَتْ زُمَـر

مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ
                                    وَتَحْتَ الثُّلُوجِ  وَتَحْـتَ  الْمَدَر

لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ
                                   وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر

وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِ
                                   وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْمِ الثَّمَـر

وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ
                                     حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر

فصدّعت الأرض من فوقـها
                                 وأبصرت الكون عذب الصور

وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه
                                      وأحلامـهِ وصِبـاهُ   العطِـر

وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه
                                       تعيد الشباب الذي قد غبـر

وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ
                                       وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر

وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي
                                      شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر

ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ
                                          يباركهُ  النـورُ أنّـى ظَهر

إليك الفضاء ، إليك الضيـاء
                                       إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر

إليك الجمال الذي لا يبيـد
                                      إليك الوجود الرحيب النضر

فميدي كما شئتِ فوق الحقول
                                       بِحلو الثمار وغـض الزهـر

وناجي النسيم وناجي الغيـوم
                                     وناجي النجوم وناجي القمـر

وناجـي الحيـاة وأشواقـها
                                       وفتنـة هذا الوجـود الأغـر

وشف الدجى عن جمال عميقٍ
                                       يشب الخيـال ويذكي الفكر

ومُدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ
                                         يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَدِر

وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء
                                     وَضَاعَ البَخُور بَخُورُ الزَّهَر

وَرَفْرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ
                                        بِأَجْنِحَـةٍ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَـر

وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ
                                      في هَيْكَـلٍ   حَالِمٍ قَدْ سُـحِر

وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ
                                    لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر

إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ
                                   فَلا بُدَّ  أَنْ  يَسْتَجِيبَ  الْقَـدَرْ





  ********************************










32

  عمر ابو ريشة

 

       هو عمر بن شافع بن الشيخ  مصطفى أبو ريشة، من  منطقة القرعون في سوريا وكان ابوه قائممقاما في( منبج ) و (الخليل )،وقد أمضى سنين طويلة منفياً أو دائم الترحال، وبعد عودته من المنفى أقام في (حلب )، حيث عمل في الزراعة، ثم ترك الزراعة،  عندما اصبح قائم مقام  (طرابلس ). وكان شافع شاعراً مجيداً، كتب عدة قصائد في رثاء شوقي وحافظ وعمر المختار .
      اما والدته هي خيرة الله بنت إبراهيم علي نور الدين اليشرطي، اصلها من فلسطين  متصوفة منذ طفولتها  اشتهرت بالطريقة الشاذلية وعنها اخذها  حيث كان ابوها شيخ مدينة (عكا ) ويذكر عمرابو ريشة   ان والدته كانت بمثابة مكتبة ثمينة  تحفظ القصائد والاشعار والمطولات  وانها كانت تروي الشعرالصوفي .

      ولد في (منبج ) في سوريا عام 1910م ونشأ يتيما وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في (حلب ) و اشتهر من إخوته  وأخواته  ظافر وزينب. فقد كان ظافر شاعرا وله ديواني شعر الاول بعنوان (من نافذة الحب) والاخر بعنوان (لحن المساء)، وأما زينب فكانت شاعرة مجيدة، تهافتت كبريات الصحف على نشر قصائدها. وله اخت كبرى اسمها (سارة ).وأكمل دراسته الجامعية ببيروت في الجامعة الأمريكية وحصل على البكالوريوس في العلوم عام \1930م .


     ارسله ابوه لاكما ل دراسته في لندن فدرس الكيمياء الصناعية في صناعة النسيج ، في لندن قام بدعوة واسعة للدين الإسلامي ،

          يعتبر عمر أبو ريشة من كبار شعراء وادباء العصر الحديث وله مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي وهو الإنسان الشاعر الأديب الدبلوماسي الذي حمل في عقله وقلبه الحب والعاطفة للوطن وللإنسان وللتاريخ السوري والعربي وعبر في اعماله وشعره بأرقي وأبدع الصور والكلمات والمعاني.

          عمل عمر أبو ريشة مديرا لدار الكتب الوطنية في حلب وانتخب عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1948 وعضو الاكادمية البرازيلية للآداب وعضو المجمع الهندي للثقافة العالمية وعمل ملحقا ثقافيا لسورية في الجامعة العربية ثم عين سفيرا لسوريا في البرازيل وبعدها تنقل في عمله الدبلوماسي بين الأرجنتين وتشيلي والهند والولايات المتحدة. وبقي يعمل في السلك الدبلوماسي لبلده طوال حياته فهو ممثل لبلده سوريا في العديد من الدول  في العالم .

حصل على الكثير من الاوسمة والاوشحة منها مايلي :
 الوشاح البرازيلي
الوشاح الأرجنتيني
الوشاح النمساوي
الوسام اللبناني برتبة ضابط أكبر
الوسام السوري من الدرجة الأولى
آخر وسام ناله هو وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى وقد منحه إياه
الرئيس اللبناني إلياس الهراوي.

      ا ُدخل عمر ابو ريشة المستشفى لإجراء عملية قلب فكتب وصية وغلفها  وسلمها لزوجته وطلب منها عدم فتحها الا  بعد خروجه  من المستشفى ظانا أنه سيموت فكتب الله تعالى له الشفاء ولما خرج سألها عن الرسالة ففتحتها وإذا فيها وصيته شعرا يوصيها بها :

رفـيقتي لا تُـخبري إخوتي كيف
                                              الردى كيف عليّ اعتدى

إن يـسألوا عني وقد راعَهم
                                          أن أبـصروا هيكلي الموصدا

لا تـقلقي لا تُـطرقي خشعةً
                                           لا تسـمحي للحزن أن يولدا

قـولي لـهم سافرَ قولي لهم
                                          إن لـه فـي  كـوكبٍ   موعد ا

      توفي الشاعر عمر أبو ريشة في مدينة (الرياض)في المملكة العربية السعودية يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة عام 1410هـ، الموافق للرابع عشر من شهر حزيران من عام /1990م ونقل جثمانه الى بلده ودفن في مدينة (حلب ) في سوريا .

      للشاعر عمر أبو  ريشة الكثير من الاعمال والمسرحيات الشعرية الهامة في تاريخ الشعر العربي الحديث. ومن هذه الأعمال والدواوين والمجموعات الشعريه نذكر:
• ديوان   بيت وبيتان.
• ديوان   نساء.
• ديوان  كاجوارد. فقببيس
• ديوان  غنيت في مأمتي.
• ديوان  أمرك يا رب.
• مسرحية تاج محل
• مسرحية علي
• مسرحية سمير اميس
• مسرحية محكمة الشعراء
• مسرحية الحسين
• مسرحية شعرية رايات ذي قار
• مسرحية الطوفان
• مجموعة  قصائد شعرية
• ملاحم البطولة في التاريخ الإسلامي

         وللشاعر الكبير ديوان شعر باللغة الإنجليزية، والكثير من المؤلفات والقصائد الشعرية الهامة والتي تعد من أبدع الأعمال الشعرية عند شعراء العربية  في النصف الثاني من القرن العشرين،

       عمر أبو ريشة من رواد النهضة العربية  واعلام الشعر العربي
شردته  الكلمة  اثنين وعشرين عاما في مشارق الأرض ومغاربها.

           الشاعر عمر أبو ريشة شاعر أصيل متمكن في مجال الشعر له أسلوبه المميز والمنفرد ، وله طريقته في الشعر وسمته التي يتميز بها عن غيره من الشعراء فأنت تقرأ قصيدة من شعره تسير على نمط معين ولكنه  يفاجئك  في أخرها  ببيت يختم  به  قصيدته  تلك ويكون هذا البيت خلاف ما تتصور فيكون بيت مفاجأة أو إثارة بالإضافة  إلى أن الشاعر يحشد كماً هائلا من الصورالشعرية والأخيلة في قصيدته حتى لكأنك وسط معمعة من المفاجآت والخيالات والظواهر التي لا تتخيلها في الموقف فمثلا في قصيدته (اقرائيها) نجد :

إنها حجرتي لقد صدئ النسيان
                                                 فيها وشاخ فيها السكوت

ادخلي بالشموع فهي من الظلمة
                                                   وكر في صدرها منحوت

وانقلي الخطو باتئاد فقد
                                              يجفل منك الغبار والعنكبوت

عند كأسي المكسور حزمة أوراق
                                                وعمر في  دفتيها   شتيت


             الشاعر عمرابوريشة يقدم خلال قصيدته الواحدة كما هائلا من الصور والأخيلة .التي تنهال على خيال الشاعر وقد يحلق في الفضاء مع النجوم والشموس والكواكب وكأنما يشعرنا أنه  يتطلع إلى الصعود لكنه معوقات الواقع  تقيده وله نظرة سامية  عليا  يعبر عنها كثيرا بالنجوم والكواكب والشمس والفضاء نجدها في العد يد من قصائده  كانها  كلمات تتعلق بالسماء وانها لتعبر عن نفسية الشاعر الذي عاش يبحث عن الرقي والكمال والرفعة  والعلو والتألق فهو صاحب همة عالية وارتقاء في الفكر والسلوك لا يرضى بالوضيع بل يحب ان يحلق عاليا على الرغم مما يعانيه من معوقات ومن متاعب جنتها عليه همته العالية إلا انه ظل كذلك يقول:

عشت حرا بلغت  جنة  دنياي
                                                   وجفني   بنورها   اكتحلا

إنها  نعمة  أقطع     فيها
                                                     العمر مستغفرا ومبتهلا

اعف عني يارب بدد همومي
                                                       فلقد عشت مرة رجلا

           ونلاحظ في شعر الشاعر نبرة الفخر والاعتزاز بالنفس والثقة وقد تجرع غصص المجد ليصل إلى مبتغاه و بذل من أجله الكثير فاستطاع أن يصل إلى الكثير مما تمناه مع الاحتفاظ  بكرامته التي يراها أعز واغلى
ما لديه . وما أغلى الكرامة والمجد  يقول في الحفلة التذكارية التي أُقيمت في (حلب ) ابتهاجاً بيوم الجلاء (جلاء الفرنسيين) عن سورية:

يا عروس المجد تيهي ، واسحبي
                                             فـي مـغانينا ذيـول الـشهب

لـن تـري حـفنة رمل فوقها
                                             لـم  تـعطر  بدم  حـر  أبـيّ

درج  الـبـغي  عـليها  حـقبة
                                            وهــو ى دون بـلوغ الأرب

وارتـمى كـبر الـليالي دونها
                                             لـين الـناب كـليل الـمخلب

لا يـموت الـحق مهما لطمت
                                        عـارضيه قـبضة المغتصب

مـن هـنا شـق الهدى أكمامه
                                         وتـهادى مـوكبا فـي موكب

وأتـى الـدنيا فـرقّت طـربا
                                     وانـتشت مـن عبقه المنسكب

وتـغـنت بالمروءات الـتي
                                        عـرفتها فـي فـتاها العربي

أصـيد ضـاقت به صحراؤه
                                          \فـأعـدته   لأفــق أرحــب

هـب لـلفتح فـأدمى تـحته
                                       حـافرُ الـمهر جـبينَ الكوكب

وأمـانيه انـتفاض الأرض من
                                          غـيهب الـذل وذل الـغيهب

وانـطلاق الـنور حتى يرتوي
                                        كـل جـفن بـالثرى مختضب

حـلم ولـى ولـم يُـجرح به
                                      شـرفُ المسعى ونبلُ المطلب

يـا عروس المجد طال الملتقى
                                        بـعدما طـال جوى المغترب

سـكرت أجـيالنا فـي زهوها
                                         وغـفت عـن كـيد دهر قلّب

وصـحـونا فــإذا أعـناقنا
                                             مـثـقلات بـقيود الأجـنبي

فـدعوناكِ فـلم نـسمع سوى
                                        زفـرة مـن صـدرك المكتئب

قـد عـرفنا مـهرك الغالي فلم
                                        نـرخص الـمهر ولم نحتسب

كـم لـنا مـن ميسلون نفضت
                                          عـن جـناحيها غـبار التعب

كـم نـبت أسـيافنا في ملعب
                                         وكـبت أفـراسنا  فـي ملعب

مـن نـضال عاثر مصطخب
                                         لـنـضال  عـاثر مـصطخب

شرف الوثبة أن ترضي العلى
                                         غـلب الـواثبُ أم لـم يغلب

           وخلاصة القول ان عمر ابا ريشة شاعر بارع مفعم بالروما نسية في اغلب قصائده واثرها واضح في ريادته لمحاولات  التجديد  في الشعر العربي ذا اسلوب شعري مؤثر وصور حية مبتكرة نابعة من اعماق الحياة متاثرة في بعض الاحيان بالرمزية الشعرية .

واختم بحثي هذا بقصيدته ( نسر ) التي يجسّد من خلال هذا النسر اغتراب الفرد المعاصر ، وألمه وشعوره بالوحدة ، وبأنه متروك ومهمل  من قبل المجتمع ويعتد بشموخه العربي المتعالي وشخصيته العربية الفذة وتمثل انطلاقا في افق النهضة العربية يقول :

أصـبح الـسفح ملعباً للنسور
                                              فاغضبي يا ذرا الجبال وثوري

وقفَ النسرُ جائعاً يتلوّى
                                               فوق شلوٍ على ا لرمال نثيرِ

وعجافُ البغاث تدفعُه
ب                                          المخلب الغضّ والجناح القصيرِ

فسَرتْ فيه رعشةٌ من جنونِ
                                                    الكِبر و اهتزّ هزّةَ ا لمقرورِ

ومضى ساحباً على ا لأفق
                                               ا لأغ برِ أ نقاضَ هيكلً منخورِ

وإذا ما أتى الغياهبَ واجتاز
                                                مدى الظنّ من ضمير ا لأثير

جلجلت منه زعقةٌ نشّتِ الآفاقَ
                                                 حرّى من وهجها ا لمستطير

وهوى جثةً على الذروة ا لشّماء
                                                     في حضنِ وكْرِه المهجورِ

أيـها النسر هل أعود كم عدت
                                                  أم السفح قـد أمات شعوري


***************************************** 








33

               حمزة  شحاته
                        شاعرالحجاز  




         ولد حمزة  شحاته في مكة المكرمة سنة 1910 م يتيم الاب
نشأ وتربى في مدينة ( جدة) لدى جاره العم والمربي( محمد نورجمجوم) ، درس في مدارس الفلاح النظامية في ( جدة ) وكان متفوقاً في دروسه ومتقدماً على سنه فيها ، وقد أثّرت أجواء هذه المدينة الانفتاحية في شخصية شحاتة كما فعلت مع بقية أبناء جيله من الشباب في تلك الفترة،
     
     ثم درس لكبار كتاب التيارات التجديدية والرومانسية العربية التي انتشرت في البلاد العربية والمهجر، وقد تأثر كثيراً بجبران خليل جبران، وايليا أبوماضي وجماعة الديوان.

       رحل إلى الهند، واقام بها مدة سنتين، مبعوثاً لمباشرة الأعمال التجارية لإحدى البيوتات التجارية في (جدة) وتشكل هذه الرحلة منعطفا تاريخيا في حياته، حيث انكب  فيها على تعلّم اللغة الإنجليزية والتزود بالمعارف والاطلاع على الإنتاج الأدبي البريطاني الغربي ، فكانت رافداً أساسيا في تكوين  شخصيته الفكرية ونزعته التجديدية  اوجدت رؤيا فلسفية حكيمة في النتاج الشعري والنثري له الذي كان في زمن بعيدعن واقع العالم من حوله، نظم خلال هذه الفترة قصيدته المشهورة ( جدة) يتجول بكلماته الشعرية بين تأملاته للمكان الذي ولد وعاش فيه  وسط أناس لم يقدروا فكره، ولذلك لم تكن مجرد مقطوعة شعرية تجسدت في شخصية الشاعر وكانت معشوقة الفيلسوف الغامض كما وجده الكثيرون، فهي قصيدة حملت دلالات فلسفية وقد قال عنه احد اصدقائه إنه:
 (قمة عُرفت ولم تُكتشف).

     وقصيدة (جـدة) التي أطلقت عنانها غربة قاسية من نفحات ذاكرة رجل ولد داخلها عام 1328هـ، وعاش راكضا  بين أزقتها وتنقلت طفولته بين رائحة حاراتها العتيقة.. الشام.. اليمن.. البحر.. المظلوم.. لتكون بكل ذلك جسدا غضا لامرأة عذراء مراهقة ساحرة القوام، تتلحف ببحرها، المطرز بالزرقة، كما وجدها شحاتة منذ أول رحلة له في صباه إلى الهند لمزاولة العمل  لعدة سنوات، والتي تركت أثرها  في نفسه،
و تقول ابنته الصغرى ( زلفى):
 (رحلته إلى الهند كانت منعطفا ثقافيا في حياته)

         عاد من الهند شابا فارع الطول مرتب الهندام وطامحا مكافحا وسيما وصاحب ثقافة دسمة استطاع تكوينها من ولعه بالقراءة التي لا يتوقف عنها أبدا في أي مكان يكاد يصله، تقول( زلفى ) :
(إنه مولع بها بشكل كبير، وليس ذلك فحسب، لقد كان واجبنا اليومي الذي إن لم نفعله نعاقب عليه، وما زلت أتذكر كلماته لنا  رغم صغر عمري: (ستقرؤون.. ستقرؤون.. الآن بعد قليل.. ستفعلون ذلك)).

      ذاع صيت شحاتة في المشهد الثقافي بالحجاز في محاضرة مطولة وشهيرة ألقاها في خمس ساعات متواصلة في جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة في عام 1938م، حيث قام بتغيير عنوان هذه المحاضرة الى(الرجولة عماد الخلق الفاضل) بدلا من (الخلق الفاضل عماد الرجولة) الذي اختارته جمعية الاسعاف الخيري عنوانا لمحاضرته ولم يتقيد به مما أثار به  فضول واندهاش  شيوخ  ومثقفي مكة من بلاغته  ونمط تفكيره، دلل على أبعاد فكرية ومضامين فلسفية  واجادات  لغوية جاءت باكرة في حياة شاب في الثلاثين من عمره .

      احب المطالعة وكان يستمتع كثيرا بالقراءة والموسيقى التي كان يعزفها بالفطرة على العود رغبة منه في التحليق لعوالم ما وراء الحياة في نتاجه الفكري فكان شبيهه بأبي العلاء المعري الشاعر الضرير الذي رأى العالم من حوله بقلبه وعقله ولم يره بعينيه .

       حمزة شحاتة شاعر الحجاز وأديب مكة وفيلسوف الحرية في الجزيرة العربية، وطليعة الخطاب النهضوي والأخلاقي فيه. انه قمة الحجاز التي لم تكتشف، وهي الصرخة الأخلاقية التي سبقت زمانها، وارهاصة الشعر الحديث  في ثوبها الريادي على مستوى الحجاز والسعودية، والجزيرة العربية أجمع.

      اعتبر حمزة شحاتة من رواد الشعر الحديث في الحجاز وناثرٌ بمضامين فلسفية عميقة، وخطيب  مفوّه بانطلاقات أخلاقية وأفكار نهضوية. كما تبين انه عازف على العود وملحن  وموسيقي  بارع.

     عرف بنفوره الاضواء و الشهرة وحريص على العزلة في المشهد الثقافي على الرغم من إجماع أقرانه على ريادته وعبقريته وتقديمهم له. عُد شعره ونثره - من قبل النقاد -  في طليعة الأدب الحجازي، وضمن الرعيل الاول  حيث  انه  ترك من خلفه  مدرسة أدبية وفكرية عريضة في الحجاز،.

        رحل إلى القاهرة ساخطاً على أحوال البلد عام 1944م، وهو ذات التاريخ الذي توقف فيه توقفا تاماً عن نشر أي إنتاج أو أدب، كما لم يشأ قط التواصل مع أدباء مصر على الرغم من عز الأدب في مصر في تلك الفترة، ورغم كل المحاولات التي قام بها (عبد الله عبد الجبار) و( عبد المنعم خفاجي ) من تقديمه لأدباء مصر. إلا أن الاباء  كان  سمة  من سمات الشحاتة الواضحة.  فقد عاش في مصر منعزلاً في شقته صارفا اهتمامه في آخر سنواته إلى تربية  بناته الخمس  وتعليمهن القراءة  والكتابة والتلحين دون نشر أو تسجيل.

   وفي اخريات  ايامه  فقد البصر قبل وفاته. وقد  توفي عام 1972م في (القاهرة )، ونقل جثمانه الى الحجاز ودفن في (مكة المكرمة) في (مقبرة المعلاة)، عن عمر يناهز ال 62 عاما.

         من مؤلفات ومنتجات شحاتة :

1- الرجولة عماد الخلق الفاضل- محاضرة أخلاقية ونهضوية 1940 -
2- رفات عقل- نثر فلسفي رائد.
3- حمار حمزة شحاتة - نثر فلسفي.
4- المجموعة الشعرية الكاملة أو ديوان حمزة شحاتة - وقد جمعها   (محمد علي مغربي وعبد المجيد شبكشي).
5- غادة بولاق- ملحمة شعرية كتب مقدمتها الناقد المصري( مختار الوكيل).
6- شجون لا تنتهي - من مطبوعات دار الشعب / القاهرة.
7-إلى ابنتي شيرين- تحفة في أدب الرسائل الرومانسية.

      إضافة إلى العديد من القصائد والأعمال النثرية الفلسفية والآراء الفكرية التي لا تزال مخطوطة، كانت موزعة لدى أشخاص محمد نور جمجوم وعبد الحميد مشخص ومحمد علي مغربي ومحمد سعيد بابصيل، وقد تعهدت ابنته مؤخراً بطباعتها.

        من أجود شعر شحاتة  قصيدة بعنوان (المعاناة).. وقصيدة شهيرة في وصف مدينة جدة، و تتزين إحدى ميادينها بمطلع القصيدة الذي يقول:

النهى بين شاطئيك غريق

                                            والهوى فيك حالم ما يفيق

ورؤى الحب في رحابك شتى

                                          يستفز الأسير منها الطليق

    كُتب في مسيرة شحاتة النضالية والريادية العديد من التراجم لعل أشهرها :
كتاب عزيز ضياء (حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف)،
كتاب (حمزة شحاتة.. ظلمه عصره) للأديب عبد الفتاح أبو مدين. كما امتلأت المكتبة النقدية بالدراسات النقدية حول شعره وخصائصه، مثل كتاب الدكتور عبد الله الغذامي (الخطيئة والتكفير) والمنشور عام 1983م، إضافة إلى كتاب الدكتور عاصم حمدان
كتاب  (قراءة نقدية في بيان حمزة شحاتة الشعري) للدكتور عاصم حمدان والذي كتب مقدمته رائد النقد الحديث بالسعودية الأديب عبد الله عبد الجبار،
إضافة إلى العديد من الدراسات والمقالات النقدية. كما كرمه مؤخراً (عام 2006) الملتقى السادس لقراءة النص بنادي (جدة الأدبي الثقافي) تحت رعاية وزير الثقافة والإعلام السعودي إياد مدني، في احتفالية وظاهرة نقدية كبيرة امتدت إلى خمسة أيام..

         من أقوال حمزة شحاتة من خطبته الشهيرة (الرجولة عماد الخلق الفاضل) :

(الرذيلة لا تنتصر إلا متى كان صوتها قويا، وصوتها لا يكون قويا إلا إذا نفخت في بوق الفضيلة).

(كانت القوة في الرجل مصدر الإعجاب والتقديس، والقوة ما تعرف الهوادة في تأمين سبيل حياتها ومطالبها).

 فمن قصيدة (سطوة الحسن) مطلع قصائد ديوان حمزة شحاتة ومنها  هذه الابيات :

وتهيأت للسلام ولم تفعل
                                            فأغريت بي فضول رفاقي

هبك أهملت واجبي صلفا
                                          منك فما ذنب واجب الأخلاق

بعد صفو الهوى وطيب الوفاق
                                           عزّ حتى السلام عند التلاقي

يا معافى من داء قلبي وحُزني
                                           وسليماً من حُرقتي واشتياقي

هل تمثَّلتَ ثورة اليأس في وجهي

                                            وهول الشقاء في إطراقي؟

ويقول:

سطوة الحسن حللت لك ما كان
                                                حراما فافتن في إرهاقي

أنت حر والحر لايعرف القيد
                                               فصادر حريتي ..........

  واختم البحث بقصيدة للشاعر حمزه شحاته ( مالي اراها ) :

مــالــي أراهــــا لا تـــــرد ســلامـــي
                                   هــل حـرّمـت عـنــد الـلـقـاء كـلامــي

أم ذاك شـــأن الـغـيـد يـبـديـن الـجـفـا
                                 و فـؤادهــن مــــن الـصـبـابـة دامــــي

يـــا قـلــب ويـحــك إن مـــن علـقـتـهـا
                                    رأت الـوفـا فــي الـحـب غـيـر لـزام ِ

هـــي لا تـبـادلـك الــغــرام فـنـاجـنـي
                                 لـمـا أنـــت فـــي أحضـانـهـا مـتـرامـي

مـا كـان يبكـي يـومـه كــي تضحـكـي
                                     مـــا كـــان يـسـهــر لـيـلــه لـتـنـامـي

بل كـان ينشـد فـي هـواك سعـادة
                                         فجعلتـهـا حلـمـا مـــن الأحـلا م ِ

يـــا ربّـــة الـطــرف الكـحـيـل تـذكــري
                                     عهـدي وخافـي الله فـي استسلامـي

لـــولا رجـائــي فــــي ودادك و الــوفــا
                                 لكرهـت عيشـي فـي الهـوى ومقـامـي

أصـبـحــت عــبــدا فــــي هـــــواك
                                        و إنني لسليل قوم ماجدين كرام ِ

روحــي فـداك إذا ملـكـتـي تـرفـقـي
                                    لا تـتـركـيـنـي فــريــســة الــلــوّام ِ







**************************************************





















34

              احمد  علي  باكثير
                          شاعر حضرموت


        هو علي بن أحمد بن محمد باكثير الحضرمي  من قبيلة( كندة)  في الجزيرة العربية ، وينتسب علي أحمد باكثير إلى واحدة من أعرق الأسر في حضرموت وأُكثرها إيغالاً في العروبه، فأسرة باكثير ينتهي نسبها إلى كندة وهو نسب تقف الفصاحة  قديماً  وحديثاً عنده  وقفة اجلال واكبار .

         ولد في 15 ذي الحجة 1328 هـ الموافق 21 كانون الاول (ديسمبر )من عام \ 1910م، في جزيرة (سوروبايا) بإندونيسيا لأبوين يمنيين من منطقة حضرموت.

          وحين بلغ العاشرة من عمره سافر به أبوه إلى حضرموت لينشأ هناك نشأة عربية إسلامية مع إخوته لأبيه فوصل مدينة ( سيئون ) بحضرموت في 15 رجب سنة 1338هـ الموافق الخامس من نيسان (أبريل ) سنة \ 1920م.

          ولم يكن في حضر موت في ذلك الوقت أي نوع من المدارس النـظامية، وإنما كان التلاميذ  يتلقون علم مبادئ القراءة  والكتابة في الكتاتيب ثم يتلقون الدروس المتقدمة في اللغة والعلوم العربية والفقهية على أيدي مشايخ يلزمونهم حتى يتموا معهم قراءة مجموعة من كتب النحو واللغة والبلاغة  والفقه وحفظ النصوص المطلوبة . وقد انتظم باكثير في الدراسة بهذه المدرسة ( مدرسة النهضة العلمية) لمدة أربع سنوات وختم دراسته بها حوالي سنة 1342هـ، كان فيها من المتقدمين،       وقد شهد له في حضرموت من رفاق دراسة الصبا بالنبوغ، فقد كان على قلة التزامه أكثرهم تفوقاً وفهماً.  وقيل  أن علياً إذا غاب مرة عن دروس العلوم المستعصية يسأل الزملاء عن  موضوع الدرس فيطلع  عليه  في مظانه ثم يعود في اليوم التالي إلى المدرسة وقد نظم تلك المعاني شعراً فيُسِّهل على التلاميذ حفظه.

      وهناك تلقى تعليمه في مدرسة (النهضة العلمية)  ودرس علوم العربية والشريعة على يد شيوخ أجلاء منهم عمه الشاعر اللغوي النحوي القاضي( محمد بن محمد باكثير) كما تلقى علوم الدين أيضا على يد الفقيه (محمد بن هادي السقاف )وكان من أقران علي باكثير حينها الفقيه واللغوي (محمد بن عبد اللاه السقاف).

     ظهرت مواهب باكثير مبكراً فنظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتولى التدريس في مدرسة (النهضة العلمية ) وتولى إدراتها وهو دون العشرين من عمره .

      كان طبيعياً أن تتفجر ينابيع الشعر في نفس علي أحمد باكثير في سن الثالثة عشرة من عمره، فقد كان الشعر في أسرته ميراثاً، وكانت البيئة العربية الخالصة في حضرموت لم تعرف ـ في ذلك الوقت ـ من فنون الأدب غير الشعر يبدع فيه الأدباء خير ما تجود به قرائحهم ويصورون فيه قضاياهم وقضايا مجتمعهم ومن خلاله يألمون ويأملون ويرسمون أحلامهم. يقول باكثير من قصيدة نظمها وهو في الثالثة
عشرة من عمره :

أما الدنيا تصير إلى الفناء
                                 فـما هذا الضجيج مع البكاء

أما هذي الجبال الشم يوماً
                                 تصيــر إذا أتــى مثل الهباء

إذا جــاء الحمام فلا فرار
                               لديك وليس يجدي من دُعا ء

       ولما توفي والده وهو في سن السادسة عشرة فرثاه بقصيدة  طويلة نجتزيء منها هذه الابيات:

عبثاً تحـاول أن تـكف الأدمعا
                                    وأبوك أمسى راحلاً مستودعا

كيف السلو وما مررت بموضعٍ
                                    إلا وسـاد الحزن ذاك الموضعا

كيف السلو وما مررت بمعدمٍ
                                      إلا وأجهــش بالبكاء مرجّعا؟

والعيش أضيق ضيق لكن إذا
                                    مـــا حلت الآمــال فيــه توسـعا

ولقد سئمت العيش في الدنيا
                                  وما جاوزت بعد ثلاث عشر وأربعا

علماً بأن سرورها لا ينتهــي
                                     إلا إلـــى حــــزنٍ يهـــز الأضلعا

       وفي عام\ 1938م - ألف مسرحيته (أخناتون ونفرتيتي) بالشعر الحر ليكون بذلك رائد هذا النوع من النظم في الأدب العربي. ثم التحق باكثير بعد تخرجه في الجامعة بمعهد التربية للمعلمين وحصل منه على الدبلوم عام\ 1940م وعمل  مدرسا للغة الإنجليزية لمدة أربعة عشر عاما.

      تزوج باكثير مبكراً عام\ 1346 هـ ولكنه فجع بوفاة زوجته وهي في غضارة الشباب وريعان الصبا  . فغادر حضرموت عام \ 1931م وتوجه إلى عدن ومنها إلى الصومال والحبشة واستقر زمناً في الحجاز، وفي الحجاز نظم مطولته( نظام البردة) كما كتب أول عمل مسرحي شعري له وهو( همام أو في بلاد الأحقاف) وطبعهما في مصر في أول قدومه إليها.

     وصل باكثير إلى مصر سنة \1352 هـ، الموافق\ 1934 م، والتحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) حيث حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الأنجليزية عام \ هـ / 1939م، وقد ترجم عام\ 1936 م أثناء دراسته في جامعة فؤاد الاول مسرحية ( روميو وجولييت) لشكسبير بالشعر المرسل، ساهم في شعره في القضايا العربية ومما قاله في ثورة مايس في العراق  في حفلة تأبينية كبرى أقيمت لشهيد عربي- قتل ظلمًا- قال الأستاذ علي أحمد باكثير قصيدة كانت حديث المجتمعين كلهم؛ لأن الشاعر قد انتحى منحىً مفاجئًا، إذ جاء بالقصيدة على لسان البطل الشهيد العراقي صلاح الدين الصباغ وقد وقف في وجه الإنجليز .. ولسوء حظه وقع في يد من قبض عليه لينفذ فيه حكم الإعدام فيه علنًا ببغداد، فهاج الرأي العربي العام في كل مكان، فتأججت مشاعر الشاعر علي باكثير  فقال هذه القصيدة مبتدئًا بقوله على لسان الشيهد:

فيم احتشادكمو هذا لتأبيــــني
                                        أنتم أحق بتأبين الورى دونـي

إني نزلت بدار الخــلد في رغدٍ
                                         بين الخمائل فيها والريــاحين

في جنة ما بها خوف ولا حـزن
                                        لولا رثاء لحال العرب يشجيني

لا تندبوني فإني لم أمت ضـرعًا
                                         فإن علمتم عني الـذل فابكوني

وإن تريدوا لوجه الله تكــرمتي
                                          فابغوا الشهادة للدنيا وللديــن

فأين الولـيد على اليرموك يرقبكم
                                           وليث أيوب يرعاكم بحطــين


        تزوج باكثير مرة ثانية في مصر عام\ 1943م من سيدة مصرية ومن عائلة محافظة لها ابنة من زوج سابق، وقد تربت الإبنة في كنف باكثير الذي لم يرزق بأطفال. وبعد انتهاء الدراسة فضل الإقامة في مصر حيث أحب المجتمع المصري وتفاعل معه وأصبحت صلته برجال الفكر والأدب وثيقة، من أمثال العقاد والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وغيرهم .

       اكتسب باكثير الجنسية المصرية بموجب مرسوم ملكي في عام 1371 هـ / 22 اب أغسطس \1951 م.

      سافر باكثير من مصر إلى فرنسا عام\ 1954م في  بعثة دراسية
 و بعد انتهاء الدراسة  فضل الإقامة  في مصر حيث أحب المجتمع المصري وتفاعل معه حيث أصبحت صلته برجال الفكر والأدب وثيقة، من أمثال العقاد والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وغيرهم كما شغل بقضية العرب المصيرية قضية فلسطين فالف الكثيرمن المسرحيا ت والروايات والقصائد الشعرية فيها

        اشتغل باكثير بالتدريس في مصر خمسة عشر عاماً منها عشرة أعوام ب(المنصورة)  ثم نقل إلى ( القاهرة) . وفي سنة\ 1955م انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصلحة الفنون وقت إنشائها، ثم انتقل إلى قسم الرقابة على المصنفات الفنية وظل يعمل في وزارة الثقافة حتى وفاته.

      حصل باكثير على منحة تفرغ لمدة عامين (1961-1963) حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في 19 جزءاً، وتعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمياً، وكان باكثير أول أديب يمنح هذا التفرغ في مصر. كما حصل على منحة تفرغ أخرى أنجز خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر (الدودة والثعبان - أحلام نابليون - مأساة زينب)
  طبعت الأولى في حياته  والأخرتان بعد وفاته.

       زار باكثير العديد من الدول مثل فرنسا وبريطانيا والإتحاد السوفيتي ورومانيا، بالإضافة إلى العديد من الدول العربية مثل سوريا ولبنان والكويت التي طبع فيها ملحمة عمر. كذلك زار تركيا حيث كان ينوي كتابة ملحمة مسرحية عن فتح القسطنطينية ولكن المنية عاجلته قبل أن يشرع في كتابتها.وفي المحرم من عام 1388 هـ الموافق نيسشان أبريل 1968م زار باكثير حضرموت قبل عام من وفاته.

          كان باكثير يجيد من اللغات الإنجليزية والفرنسية والملايوية بالإضافة إلى لغته العربية.

          توفي علي باكثير في القاهرة  بمصر في غرة رمضان عام\ 1389 هـ الموافق 10 تشرين الثاني (نوفمبر)\ 1969 م، إثر أزمة قلبية حادة ودفن بمدافن الإمام الشافعي في مقبرة عائلة زوجته الثانية المصرية.

           تنوع أنتاج باكثير الأدبي بين الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية، ومن أشهر أعماله الروائية (وا إسلاماه) و(الثائر الأحمر) ومن أشهر أعماله المسرحية (سر الحاكم بأمر الله) و(سر شهر زاد) التي ترجمت إلى الفرنسية و(مأساة أوديب) التي ترجمت إلى الإنجليزية.

       كما كتب باكثير العديد من المسرحيات السياسية والتاريخية ذات الفصل الواحد وكان ينشرها في الصحف والمجلات السائدة آنذاك، وقد أصدر منها في حياته ثلاث مجموعات .

        لم ينشر باكثير أي ديوان في حياته وتوفي وشعره إما مخطوط وإما متناثر في الصحف والمجلات التي كان ينشرشعره فيها.

 الاانه صدرت له  ثلاثة دواوين شعرية :
الاول  ( ازهار الربى في اشعار الصبا ) أصدره الدكتور (محمد أبو بكر حميد) عام\ 1987 ويحوي القصائد التي قد  نظمها باكثير في حضرموت قبل رحيله.
 الثاني ( سحر عدن  وفخر اليمن ) اصدرته مكتبة كنوز  ب( بجدة ) سنة 2008  وضم  شعره  بين 1932 – 1933 وهي السنة التي قضاها في عدن  بعد مغادرته حضرموت .
الثالث  (صبا نجد وأنفاس الحجاز) وفيه شعره الذي نظمه سنة\ 1934   السنة التي أمضاها في المملكة العربية السعودية قبيل هجرته النهائية إلى مصر .

    شارك في كثير من المؤتمرات الأدبية والثقافية واختير عضوًا في لجنة الشعر والقصة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كما كان عضوًا في نادي القصة وحصل على منحة تفرغ لتأليف ملحمة تاريخية عن عمر بن الخطاب.

         ترك إنتاجًا أدبيًا وفيرًا حيث ألف أكثر من ستين قصة ورواية، بين مسرحية شعرية ونثرية .

       يتحدث باكثير نفسه في قضة العرب الكبرى قضية فلسطين
 حين يقول:

(على أثر حرب فلسطين التي انتهت بانتصار اليهود على الجيوش العربية مجتمعة انتابني إذ ذاك شعور باليأس والقنوط من مستقبل الأمة العربية والخزي والهوان مما أصابها، أحسست أن كل كرامة لها قد ديست بالأقدام، فلم تبق لها كرامة تصان، وظللت زمنًا أرزح تحت هذا الألم لمعض الثقيل، ولا أدري كيف أنفس عنه)

         ومن العجب أن باكثير عالج قضية فلسطين قبل وقوع الكارثة في ثلاثة مسرحيات:

الأولى: عام\ 1944 تحت عنوان (شيلوك الجديد) قبل النكبة، وقد تنبأ فيها بنكبة فلسطين وقيام الدولة اليهودية وخروج أهلها العرب.
الثانية: شعب الله المختار.
الثالثة: إله إسرائيل.

      ثم كانت مسرحيته بعد نكسة الخامس من حزيران بعنوان:
 (التوارة الضائعة) وكان يرى أن قضية فلسطين ما زالت تنتظر
العمل الأدبي الذي يتكافأ مع خطرها وأهميتها.

         باكثير لا يؤمن بالفصل بين العاطفة والعقل، ولكنه يرى أنه من الطبيعي أن تركز الأعمال الشعرية في قضية فلسطين على العاطفة؛ لأن أولئك الشعراء يصفون الجراح الغائرة التي في قلوبهم.... والرسالة التي يحملها هؤلاء الشعراء هي أن يعمقوا إحساس الأمة بالمأساة ويذكرونها بأنها قضية حياة أو موت، قضية مصير ويثيرون همم الرجال في طرد المعتدين اليهود وقيام النهضة العربية او قل الامة العربية قومة رجل واحد في ذلك .

         لقد كان باكثير على اتصال دائم بالحياة الأدبية في مصر والشام والعراق من خلال ما صدر فيها من مجلات وصحف وكتب كانت تصل إليه بشكل منتظم، وكانت هناك أشواق للانفتاح على ما في تلك البلاد من حركة نهضوية قوية وتجديد وفكر و يصل صدى كبار الشعراء العرب و المحدثين، المسيطر على الأسماع هناك ولهذا كان وجود شوقي وحافظ أكثر من وجود العقاد وطه حسين مثلاً.

      ومن بدائع قصيده هذه الابيات من قصيدة بعنوان ( لوثقفت حضرميا )  يقول:

عــلى إخــواننــا الـمتديـريـنــا
                                   (أديس ابابا) سلام المخلصـيـنا

ســلام الـشاكرين لما بنوا من
                                   عـلا لـبـنـي الـعـروبـة اجمعينا

تـذكـرنا بهـم عـهد (النجاشي)
                                     وهـجـرة آل طـه الأكـرمـيـنــا

أبوا ضـيـم الأعـادي يـمتطيهم
                                    بـدار الـشرك فامتطوا السفينا

الى حـيث الـمـقـام يـطـيب فيه
                                    لــعــبـــاد الإلـــه الـذاكـريـنــا

رأت أخلاقهم عين (النجاشي)
                                     فــآمـن إذ رأى الـحـق المبينا

فيــا لـمـواطـن هـبطـت الـيـهـا
                                     مـلائـكـة الـسـلام مـبـشـريـنا

تــلـقـتـهـم بـحـب واحـتـــــرا
                                    كـمـا يـسـتـقبل الخدن الخدينا
          
                    ***
عــلــــى ذاك الأساس فـشيدوهــا
                                        مــدارس عـامـرات للـبنـينــا

على ذاك الاسـاس فــشـيـدوهــــا
                                                                                                                        ن                                      نـوادي للـشبــاب الناهـضـينا

هـنـالـك فـأرفـعوا الاسلام شـأنــا
                                        وبـثـوا هـديه في الـعـالـمـينـا

وكونوا حجة لـلــديـن فـيــــــهـــم
                                         وردّوا عـاديـات الـمـعـتـديـنا

ألا لـلـه دركــم رجــــــــــــــــــالا
                                        سـعـيـتـم لـلـعـلا مـتـكـاتـفـينا

(بـنـادي الاتـفـاق ) قـد اتـفـقـتــم
                                        عـلـى إعـلاء شـأن المسلمينا

رحـلـتـم تبتغون هـنـاك رزقـــــا
                                         فـعـدتم تـنـشرون هناك دينا!

رأيـتم سـوء عـاقـبـة التعـــــاد
                                        فـكـنـتـم بـالإخـا مـسـتمسكينا

فهـل لبني أبينا أن يــــروكــــــم
                                        بأقصى الشرق هل لبني ابينا

لـعـلـهـم بـكـم إمـــــــا رأوكـــــم
                                         نـهـضـتم بــالـتـآخي يـقتدونا

وأهـــــواء بـأدمـغـة صـغـــــار
                                         تلاعبت كالصواريخ بالكرينا

غرور) قد مشى (حسد) الـيـه
                                    عـلـى عـلـمـيـهـمـا يـتـقـاتـلونا!

فمن خمريهما اضحوا سكارى
                                      وفـي كأسيهما إحتسوا المنونا

فوا أسفا شعوب الأرض ترقى
                                      وقـومـي بـيـنـهـا يـتـشـاتـمـونا

اذا طالعت صحفهم بدت لــــي
                                       أفـاعـي الـحـلـف رافعة قرونا

بـهـا الأهـواء عـالـيـة صـراخا
                                      ولـيـس بـهـا صدى للمصلحينا

                         ***

فــثـوبـوا لـلـوفـاق ولا تكونوا
                                 (براقش) واسمعوا النصح الثمينا

ودعـوا الأقـدار لـلتاريخ يرقم
                               عـلـيـكم أولـكـم مـا تـعـلـمـونــــــا

وربــكـم بـكـم أدرى تـعـــالـى
                               فـفـيم عـلـى الـمـدى تـتـنـابـزونــا
؟
ومن يحسن ويعمل صالحات
                               فـإن الـلـه يـجـزي الـمـحـسـنـيـنــا

مضى زمن الجمود فودعوه         
                                   ووافـاكـم زمـان الـعـامـلـيـنــــا !

زمــان لـيـس يـعـلو فـيـه إلا
                                  عـصـامـي جـرى في السابقينا

وإن لـنـا مـواهـب سـامـيـات
                                  بني الأحقاف- أدهشت القرونا

الا فاستعملوها في الـمـعـالـي
                                تنالوا في الورى المجد الأثـيـنتا

فـقـد لـعـبـت بـأدوار كـبــــار
                                 جـدودكـم الـكـرام الـسـالـفـونــــا

ولـو ثـقـفت يوما (حضرميا)
                                 لـــجــائـك آيــــة فــي الـنـابـغينا



                      **********************




                       36
            التجاني يوسف بشير




       هوالتجاني احمد بن يوسف بشير بن الأمام جزري الكتيابي ينتسب الى قبيلة الجعليين العربية في السودان .

        ولد بمدينة (أم درمان) عام 1912 عاصمة السودان الثانية ، وفيها تلقى دراسته الاولية والثانوية ولم اكمل دراسته في المعهد العلمي حيث فصل لأسباب سياسية وبالحقيقة هي ليست سياسية  اذ انه مثل بعض  قصائد الشاعر احمد شوقي بدلائل بعض ايات القران الكريم مما اثار غضب وحفيضة الاسرة التعليمية عليه فطرد من الدراسة.

      التجاني أحمد بن يوسف بشير من قبيلة (الجعليين)؛ شاعر سوداني متمكن ولد في ( أم درمان ) من أسرة علم وأدب فحفظ القرآن الكريم  في وقت مبكرثم التحق بجامع أم درمان حيث المعهد العلمي الذي أصبح الآن (جامعة أم درمان الإسلامية.) .

       عمل التجاني في الصحافة وكان مشهوراً بالذكاء وسعة الإطلاع والإلمام بأدب العالم العربي القديم والمعاصر بل تعدى ذلك ليكون مطالعاً على الأدب الغربي وصحافته. لكنه عاش حياة عملية بائسة حيث عمل في أكثر مهنة برواتب زهيدة كان أفضلها الإشراف على أحد المجلات تحريراً وإخراجاً وتصحيحاً مقابل أربعة جنيهات شهرياً .

         وعمل بائعا فى محطه بنزين بعد ان انسدت ابواب الحياة ومنها السفرالى مصر لاكما ل تعليمه فما تمكن من مواصلة تعليمه فانكب على دراسة كتب الادب مجهدا نفسه حتى اعتلت . لاحظ قوله :

أملى فى الزمان مصر فحيا
                                               الله مستودع الحضارة مصرا

نضر الله وجهها فهى ما تذداد
                                                   الا  بعدا علي  وعسرا

       وتتكرر هذه الالام والمتاعب في جل قصائده يقول فى قصيدته (حيره) :

بين اثنين اسر ام ابكى
                                قبس اليقين وجذوة الشك

فى النفس حاجات وان خفيت
                                    فلعلها ضرب من النوك

حبك القضاء شراكه ورمى
                                   للعقل منه بضيق ضنك

والعقل ينصب من حبائله
                                 نصبا معاقدها من الشوك

انا من فوادح ما تجر يد
                                    ابدا قنيصة ذلك الحبك

مازلت اقطعه ويعقدنى
                                   والمرء بين  قلاقل ربك

     وقد اصيب بمرض عضال نتيجة الجهد المضني والتعب الشدبد فيرزح الشاعر تحت وطأة الالام النفسيه والجسديه والروحيه والتى ظهرت فى شكل شئ من الوسواس القهرى فى قصيدته (يؤلمنى شك)   لاحظ قوله :

ما كنت أؤثر فى دينى وتوحيدى
                                         خوادع الآل عن زادى ومورودى

غررن بى وبحسبى ان روايتى
                                         ملأى هريقت على ظمأى من البيد

افرغتها وبرغمى انها انحدرت
                                        بيضاء كالروح فى سوداء صيخود

ورحت لا انا عن مائ بمنتهل
                                             ماء ولا انا عن زادى  بمسعود

اشك يؤلمنى شكى وابحث عن
                                              برد اليقين فيفنى فيه مجهودى

اشك لا عن رضا منى ويقتلنى
                                            شكى ويذبل من وسواسه عودى

الله لصرح الدين من ريب
                                          مجنونه الرأى ثارت حول معبودى

ان راوغتنى فى نسكى فكم ولجت
                                              بى المخاطر فى دين  وتوحيدى

     يصف الشاعر حالته المرضيه فى اخر قصيده كتبها وهو يصارع الموت فيقول :

 انا اليوم لا حراك كأن قد
                                          شد فى مكمن القوى أوثاق

بت استنشق الهوى اقتسارا
                                          نفس   ضيق  وصدر  طاق

وحنايا معروقة.... وعيون
                                       غائران.... ورجفة.... ومحاق

     توفي وهو في الخامسة والعشرين من عمره وذاك عام \ 1938.

     التجانى يوسف بشير يمتاز بروعة شعره وقوته ومتنانته وجزالته فهو برغم قصر سنى عمره التى ما تجاوزت الخمس والعشرين سنة فأضاف  الى التراث  الادبى السودانى  والعربى  ديوانا  رائعا   اسماه (اشراقه)  وتسمت الكثير من بنات السودان في حينه بهذا الاسم  تيمنا  باسم  الديوان  ويضم هذا الديوان  قصائد روعة في الانشاد والبلاغة والخيال  والفن الشعري فهذه السنوات القصيرة من عمره كانت مليئه بالآلام والمحن .  يقول :
يا مُظلم الروح كم تشقى على حُرَقٍ ـ
                                          مما يكابدُ منكَ القلبُ والروحُ  

هدىً بجنبك مذبوحٌ يحفُّ به
                                      في عالم الصَّدر قلبٌ منك مذبوحُ

          التجاني شاعر مبدع  فقد تمكن في اللغة والفصاحة والأسلوب الشعري و في شعره تتمثل البيئة السودانية وعاداتها وأخلاقها وتقاليدها، ويعد من شعراء الرومانسية العربية الحديثة. وله شعر في حب الوطن ومقارعة المستعمرين يقول عنه د.عبدالله الطيب:
     (لم يجد التجاني يوسف بشير من نقاد العربية ما يستحقه من التقدير، ولم يشتهر بما هو أهل له من الاشتهار وذلك عائد لحداثته ولكونه من السودان ) .

     واختم بحثي من جميل قصائده هذه القصيدة بعنوان
( الصوفي المعذب) يقول فيها :

.. هذه الذرةُ كم تحملُ         في العالم سراً!

قف لديها وامتزج في ذاتها عمقاً وغورا

وانطلق في جوِّها المملوءِ إيمانا وبرّا

وتنقَّلْ بين كبرى في الذراريِّ وصُغرى

ترَ كلَّ الكون لا يفتر تسبيحاً وذكرا

وانتش الزهرةَ, والزهرة كم تحمل عطرا

نديتْ واستوثقتْ في الأرض إغراقاً وجذرا

وتعرتْ عن طرير خضِلٍ يفتأ نضرا

سلْ هزارَ الحقل من أنبتَهُ وردا وزهرا

وسلِ الوردةَ من أودَعَها طيباً ونشرا

تنظرِ الروحَ وتسمعْ بين أعماقِكَ أمرا

                     * * *

الوجودُ الحقُّ ما أوسع في النفس مداهْ

والكونُ المحضُ ما أوثق بالروح عُراهُ

كلُّ ما في الكون يمشي في حناياه الإلهْ

هذه النملة في رقتها رجعُ صداهْ

هو يحيا في حواشيها وتحيا في ثراهْ

وهي إن أسلمتِ الروحَ تلقّتْها يداهْ

لم تمت فيها حياةُ اللهِ إن كنْتَ تراهْ

                     * * *

أنا وحدي كنت استجلي من العالَمِ همسَهْ

اسمع الخطرة في الذر وأستبطنُ حسَّهْ

واضطرابُ النور في خفْقتِهِ أسمعُ جرسَهْ

وأرى عيدَ فتى الوردِ واستقبلُ عرسَهْ

وانفعالُ الكرمِ في فقعتِهِ أشهدُ غرسَهْ

ربِّ سبحانَك! إن الكونَ لا يقدر نفسَهْ

صغْتَ من نارِكَ جِنِّيَّهُ ومن نورِك إنْسَهْ

               * * *

ربِّ في الإشراقةِ الأولى على طينة آدمْ

أممٌ تزخرُ في الغيبِ وفي الطينة عالَمْ

ونفوسٌ تزحم الماءَ وأرواحٌ تحاومْ

سبَّحَ الخلقُ وسبّحْتُ وآمنْتُ وآمنْ

وتسللْتُ من الغيبِ وآذنْتُ وآذنْ

ومشى الدهرُ دراكا ربذ الخطو إلى منْ...?

                     * * *

في تجلياتك الكبرى وفي مظهر ذاتِكَ

والجلا الزاخر الفياضُ من بعض صفاتِكْ

والحنانُ المشرقُ الوضاحُ من فيضِ حياتكْ

والكمالُ الأعظم الأعلى وأسمى سبحاتكْ

قد تعبدتُكَ زُلفى ذائداً عن حُرماتِكْ

فَنِيتْ نفسي وأفرغْتُ بها في صلواتِكْ

                  * * *

ثم  ماذا  جدَّ  من  بعد ِ   خُلوصي      وصفائي

أظلمت    روحي.. ما   عدتُ  أرى    ما     زنا   راءِ

ثُم في صحوِ سمائي أيهذا العثير الغالي وللموت رجائي

للمنايا    السود    آمايا     يوم       قضائي

آه يا موت جنوني آه قف تزودْ أيها الجبارُ من زادي ومائي

واقتربْ     إنَّ    فؤادي      مُثْقَلٌ       بالبُرَحاءِ



         **********************************






    







          تم  هذا المجلد  وهو المجلد  الثامن   من
(موسوعة   شعراء العربية ) - شعراء النهضة العربية -
 بعون الله تعالى  وفضله .















                 الفهرس

الاهداء
 المقدمة  
  النهضة العربية
الشعر والنهضة العربية
 النهضة والاتجاهات الشعرية
 شعراء النهضة العربية :-
  ناصيف اليازجي
 محمود سامي ا لبارودي
 ابراهيم اليازجي
 محمد سعيد الحبوبي
 اسماعيل صبري
 جميل صدقي الزهاوي
احمد شوقي
سليمان الباروني
عبد المحسن الكاظمي
 صالح القيرواني
 حافظ ابراهيم
خليل مطران
معروف الرصافي
امين الريحاني
علي الجارم
حبيب فارس
بشارة الخوري
رشيد سليم الخوري
ميخائيل نعيمة
محمد رضا الشبيبي
عبد الحميد باديس
ابراهيم المازني
 احمد ابوشادي
خير الدين  الزركلي
محمد ابراهيم  المراكشي
احمد الصافي النجفي
 ابراهيم ناجي
 محمد مهدي الجواهري
محمد العيد المناصيري
حافظ جميل
ابو القاسم الشابي
عمرابوريشة
حمزة شحاته
احمد علي باكثير
التجاني يوسف بشير

الفهرس



              *****************



























 من مؤلفات فالح نصيف الحجية الكيلاني


ا-الدواوين الشعرية :

           نفثات القلب                1978
           قصائد من جبهة القتال   1986
           من وحي الايمان          8 0 20 
           الشهادة والضريح         2010
           الحرب والايمان            2011 
            سناءات مشرقة           2014

ب – الكتب النثرية :
1 -في الادب والفن
2 -تذكرة الشقيق في معرفة اداب الطريق – دراسة وتحقيق وشرح للقصيدة التي تحمل نفس العنوان والمنسوبة للشيخ عبد القادرالكيلاني
3-الموجز في الشعر العربي \ دراسة موجزة في  الشعرالعربي عبر العصور بدءا من العصر الجاهلي وحتى عصر النهضة او الحديث ثم المعاصر اعتبر او قيم من قبل اغلب المواقع الادبية على النت - انه احد امهات الكتب العربية في الادب واللغة  في موضوع الشعر والادب       اربعة اجزاء
4-شرح ديوان الشيخ عبد القادر الكيلاني وشيء في تصوفه – دراسة شاملة في ادب الشيخ عبد القادرالكيلاني كنموذج للشعرالصوفي وشرح القصائد المنسوبة  اليه             اربعة اجزاء
5    -   كرامة فتاة ( قصة طويلة )
6-   اصول في الاسلام
7-   عذراء القرية (قصة طويلة )
8-  الاشقياء  ( مجموعة قصص قصيرة )
9-  بلدروز عبر التاريخ
10-  دراسات في الشعر المعاصر  وقصيدة النثر
11- الغزل في الشعر العربي
12– عبد القادر الكيلاني  وموقفه من المذاهب والفرق الاسلامية     دراسة
13--شرح القصيدة العينية \ مع دراسة  بحثية في شاعرها  الشيخ عبد القادر الكيلاني
14-  -مدينة بلدروز في الذاكرة
15- شذرات من السيرة النبوية المعطرة

 ج- موسوعة  التفسير الموضوعي للقران الكريم  وقد انجز منها الكتب التالية :
1-اصحاب الجنة في القران الكريم                 جزءان
2-القران في القران الكريم
3- الادعية المستجابة في القران الكريم
4-الانسان ويوم القيامة
5- الخلق المعاد في القرآن الكريم
6-يوم القيامة في القران الكريم                      جزءان

     د – موسوعة  ( شعراء العربية )   وقد انجز منها الكتب التالية  :

1- شعراء جاهليون
2-شعراء صدر الاسلام
3- شعراء  العصر الاموي                            جزءان
4- شعراء  العصرالعباسي الاول                     جزءان
5- شعراء العصر العباسي  الثاني                   جزءان
6- شعراء العربية في الاندلس                        جزءان
7 - شعراء  الفترة الراكدة والعثمانية
8- شعر اء النهضة العربية
9- شعراء  الحداثة  العربية                          جزءان
10-  شعراء  المعاصرة العربية                     جزءان




********************************