الخميس، 24 أكتوبر، 2013

دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر تاليف -فالح نصيف الحجية القسم الثاني



الشعر المعاصر بين التعبيرية والتجريد

        ان الاساليب الشعرية  العربية  اختلفت  وتشعبت  في   هذا العصر بين  الحداثة والمعاصرة  كثيرا عما كانت عليه في  العصور السابقة  كالعصر الجاهلي  والاسلامي  وما  بعدهما حيث اوضحنا في هذا الموجز الاساليب الشعرية في كل عصر من العصور وما زاد فيها او نقص  وكانت متوازية مع القصيدة العربية  الا في هذا العصر  فقد عظمتها التحولا ت  العلمية والثقافية  والادبية  وشعبتها الى  اساليب  كثيرة.
          واذا  كانت هذه  التحولات  كثيرة  في قصيدة  العمود الشعري  او في القصيدة  العربية  القديمة في اسلوبها  ومعا نيها   فانها في  قصيدة  النثر الشعري  فاقت  ذلك   كثرة اسلوبية  وتعقدت  المعايير   بحيث  يصعب  تحجيمها  او  الهيمنة  النقدية  على كل  اساليبها  المختلفة  او قل ان لكل شاعر اسلوبا  خاصا به  ولكل  كاتب ايضا   واصبح من الصعب  ايجاد  قاسم   مشترك بين كل هذه الاساليب  المتعاركة في مدينة  الشعر  وطرقاتها  الكثيرة  ومتاهاتها  المختلفة.
         ان الاساليب   الشعرية  المعاصرة  والحديثة  والتي تتمثل في  الشعر الحر او قصيدة النثر  مهما كثرت زواياها واختلفت  طرقها  فانها تتمثل  في مجموعتين أسلوبيتين هما الأساليب التعبيرية  والأساليب التجريدية.
          يتمثل الاسلوب  التعبيريّ بالنمط الذي تنتجه أشكال اللغة الأدبية  اسلوبا ملونا  بلون من المعايشة  غير المباشرة أوغير المعهودة، حيث  تقدم  نوعاً  من الحقائق  المبتكرة بتحريف  يسير للغة  المعبرة  وتفعيل  معقول لكل آليات التوازي  والاستعارة  والترميز  بشكل  يؤدي إلى الكشف عن التجربة  الادبية  الحرة  في   مستوياتها  العديدة  التي  قد تصل  إلى أبعاد  محددة   لكنها  تظل  تعبيرية  في  الحقيقة المكنونة .
            أما الأساليب  التجريدية  فتعتمد على زيادة  معدلات الانحراف   وتغليب  الإيحاء   والرمز على التصريح  فتعطي القصيدة إشارات مركزة يتعيّن على المتلقي إكمالُها وتنميتها من الداخل مع فارق جوهري بين التعبيرية والتجريدية  يتمثل في إشارة  الأولى  إلى التجربة   السابقة  على عملية  الكتابة نفسها سواء أكانت حقيقية أم تخيلية، واختفاء هذه الإشارة في التجريدية  بناء على غيبة هذه التجربة فتكون متجردة منها .
ويندرج تحت التعبيرية  أربعة أساليب، هي:
1-الأسلوب الحسي يتمثل طرديا  حيث  تزيد فيه الإيقاعية والنحويّة؛ في حين تقل درجة الكثافة والتشتت والتجريد،
2-   الأسلوب الحيوي الذي ينمي الإيقاع الداخلي ويعمد إلى كسر         يسير في درجة النحوية  ويتوافر  فيه مستوى  جيد  والتنويع  من دون  أن يقع  بالتشتت.
3- الأسلوب الدرامي الذي يعتمد على تعدد الأصوات والمستويات     اللغويّة، ويحقق درجة من الكثافة والتشتت من دون أن يخرج عن الإطار التعبيري.
4- أسلوب  الرؤيا  الذي تتوارى فيه التجربة الحسيّة مما يؤدي إلى امتداد الرموز في تجليات عديدة ويفتر او يضعف  الإيقاع الخارجي  فيها ولا تنهض فيه أصوات  مضادة، ويحقق مزيداً  من الكثافة  مع التناقص  البين لدرجة النحويّة و الأساليب . فمن  الاسلوب الحسي تلاحظ   ان   شعر نزار قباني ا فضل  نموذج  للشعر  الحسي، و في شعر بدر شاكر السياب  نموذجاً  للشعر الحيوي،  أما الشعر الدرامي فيتمثل  في   شعر صلاح عبد الصبور الشاعر  المصري من خلال نتاج صلاح ؛ في حين  يكون الأسلوب الرؤيوي ممثلا  بشعر عبد الوهاب البياتي  وهكذا بقية الشعراء لكل منهم نوع مميز واسلوب خاص   وكثير  منهم  جمع  اكثر من اسلوب في شعره .
          اما اذا اردنا ان تكون كل هذه الاساليب مجتمعة بواحد  فخير مثال  لنا هو  شعر محمود درويش  كنموذج   للتحولات التي تتسع لكل هذه الأساليب التعبيريّة، فقد بدأ من الأسلوب الحسي الذي خرج فيه من تا ثير نزار قباني  فيه  لانه  يعتبره  معلمه  الاول ، ومثّل  على  ذلك قصيدة  (بطاقة هوية ) حيث   تتميز  ببنية  بالغة التحديد  في  التنظيم المقطعي  تمثل الواقع  الواقع الحسي الملموس  بحيث  تتحول انماط  الكلام   فيها  الى وقائع  ذوات   قوام  فعلي وقانوني  وتشتمل على كثافة  وجودية   محددة  في  مقابل  تهويد الارض العربية في فلسطين وتهويد انسانها  الجديد او المستقبل في الاقل  وطمس الهوية العربية  في فلسطين   وتاتي  تحقيقا  يتسم  بالكفاءة  والفعالية  والخصوصية لاسلوبية تقتضي  نقل الحدس الشعري  بجمالية   وواقعية  مبينة .  اذ يقول فيها :

 سجل انا عربي

 ورقم بطاقتي  خمسون الف

 واطفالي ثمانية

 وتاسعهم  سياتي بعد صيف

 فهل تغضب
_____________ 

 سجل

 انا عربي

 واعمل مع رفاق الكدح في محجر

 واطفالي ثمانية

 واسل لهم رغيف الخبز

 والاثواب والدفتر   

 من الصخر

ولا اتوسل الصدقات من بابك

 ولا اصغر

 امام بلاط اعتابك

فهل تغضب

      وانتقل إلى الأسلوب الذي اجتمعت  فيه  الحيوية  والدرامية،   كما هو  الحال  في  كتابة  قصيدة    (على  ضوء  بندقية ) وانتهى الى اسلوب الرؤيا  الشعرية  الذي  تمثله قصيدة( أرى ما أريد ).

       وربما  تكون  التجريدية  تقتصر على أسلوبين  فقط يتداخلان  فيما  بينهما  هما:
 الاول  التجريد الكوني الذي  تتضاءل  فيه درجات الإيقاع  والنحويَّة  إلى  حدٍّ كبير، مع التزايد المدهش  لدرجتي الكثافة  والضياع،  ومحاولة استيعاب التجربة  الوجودية   الكونيّة باستخدام  بعض  التقنيات  السيريالية  والصوفيّة  الدنيويّة .
الثاني : التجريد الإشراقي الذي ربما يقع على خط  الاتجاه السابق معترضا اياه في سلم الدرجات الشعرية، مع التباس أوضح بالنظرة الشعرية والنزوع  الصوفي   الميتافيزيقي، والامتزاج  بمعالم  ورؤى ايجادية   تختلط  فيها  الأصوات المشتركة  والرؤى  الحالمة  المبهمة،  مع  نزوع   روحي بارز يعمد  إلى  التراث  الفلسفي  بدلا  من  الضياع   في التراث العالمي ..
       ولعل الإسراف في  الحداثة  والمعاصرة بشكلها الشعوري الحالي  هذا الشعور الذي تحمل موادّه دلالات عميقة موروثة، قد يميل الشاعر إلى  تشكيلها من جديد فإن  وجودها الظاهر في هذا  التشكيل  الجديد  يحيل إلى موروثها  بوصفه غائباً يحضر لدى المتلقي لمجرد وجوده في النص، فيشعر او يحس بعداً  أيديولوجياً ، وان أهم  الملامح  الأسلوبيّة  في  شعر هذا الاسلوب  متمثلا  بضياع  القناع، والأسلوب الصوفي في شعر الصوفيين،
       على الرغم من إيراد هذا التعريف للأسلوب التجريدي  لم يرد  لحد  الان  تمثيل صريح  له وهذا  ما يجعل   تصنيف الأساليب  الشعريّة  الموغلة في  التجريديّة  معلقاً في الهواء، فالناقد يطرح فرضيّة جديدة لم تأخذ حقها من التطبيق  فيما  يتعلق  بالشعر التجريدي  الإشراقي. هذا  ما  لاحظناه  في شعر  قصيدة  النثر  او قصيدة  الشعر الحر بعد ان تم فك الشعر من  عقاله التقليدي  وهب قائما  يتخطى  بخطى وئيدة  كيفما  يشاء ويتلمس  الامور  كيفما احب الشاعر اواراد   .

*************************************
























بناء  القصيدة العربية المعاصرة



             ان بناء  القصيدة العربية المعاصرة من موجبات الحداثة الشعرية  اذ توحي الى تعزيز وتأسيس وعي هذه  التجربة لدى الشاعر   والناقد على حد سواء لذا  فان بنية القصيدة العربية المعاصرة تؤكد لنا بأنها القصيدة التي يبرز فيها الانسان في  الشاعر، وموضوعاتها مستمدة مما يخص الشاعر ذاته  ويتضح فيها حالتان:
 اولاهما :
 ظاهرة  والآخر ى مضمرة .

         ونجد  في  الحالة  الظاهرة  البينة  الواضحة  للشاعر والمتلقي والناقد في  سيرة  لشخصية  الشاعر  ونستشف  من الحالة  الثانية  غير الواضحة الدلالة او المضمرة كل العلاقات والدلالات التي يتوخاها الشاعر دون ان يصرح بها، والوصول الى ذلك هو الاهم في قراءة هذه القصيدة، كما يتبين   ايضا   ان بنية  القصيدة  المعاصرة المتكاملة  تتميز  بالبناء الدرامي الذي يقوم على التعبير بالشخوص الواضحة او المقنعة او شبه الرمزية  وبالحدث والصراع، وقد هذب  هذا البناء العناصر الغنائية التي لابد من حضورها في بنية القصيدة ،بصفتها احد  العناصر الشعرية التي  لابد منها، فغد ت بعيدة عن التقرير والمباشرة  والنغمية التي لا  تستهدف سوى نفسها، وتسيء الى النمو العضوي  ومفهوم  التكامل  في   بنية القصيدة المعاصرة.‏

            والقصيدة المتكاملة  تكمن في كونها  احدى  مظاهر التجديد بل اهمها ،وهي  متصلة بالتراث تتعامل معه من منظار جد لية الحداثة الشعرية، فتستمد منه شخوصها واقنعتها وبعض احداثها، ولكن الشاعر لايعيد  صياغتها، كما جاءت في القصيدة الشعرية القديمة، وانما  يستعير حركة او موقفاً او حدثاً مناسباً ويحاول بواسطة الاسقاط الفني ان يوظف ما  استعاره توظيفاً ينسجم مع  المعاصرة الشعرية وفنيتها  ،ولذلك تبدو القصيدة المتكاملة  اشبه  بحالة او بمركبة   يتداخل فيها  الماضي  والحاضر وتتلاقى  فيها   الاصالة  والمعاصرة  الايجابية  والسلبية ، والذات والموضوع  للتعبير عن تجربة معاصرة ايجابية .‏

                لذا  فان القصيدة المتكاملة تعبير بالتراث عن المعاصرة وبالماضي عن الحاضر. والعلاقة بين الشاعر وتراثه علاقة صميمية  جدلية، يتبادل فيها الشاعر والتراث، التأثر والتأثير وان مفهوم الحداثة غير متناقض مع مفهوم التراث  فالحداثة  تكون  حتما من التراث ، وهي تنبثق منه كانبثاق الغصن من الساق و انبثاق الساق من الجذو ر وكذلك التجديد  فالتجديد الشعري ذو ثلاثة  اطوار متلازمة متفاعلة هي:

1-المؤثرات الخارجية المساعدة
2- المكونات التراثية
3- موهبة الشاعر

       وان التأثر سمة انسانية مشروعة تشترك فيها الشعوب وهي لا تعني النقل عن الاخر وانما تعني   المعرفة  والاطلاع  وبذلك سيفضي الى  الابداع  والاصالة، حيث  كان  للمدارس الادبية المختلفة  ولبعض   الشعراء الغربيين تأثير في بنية القصيدة العربية الحديثة،
 فالرومانسية ساهمت في  إحياء النزعة الغنائية،

      والرمزية ساهمت في تعميق الاحساس الداخلي واستخدام الاسقاط الفني في الاغلب  واضيف ان الرمزية غير مكتسبة  انما نابعة من تراثنا  الشعري واستحدثت تبعا للتطور  والتجديد ،
و السريالية  عمقت  غنائية اللغة  والصورة الشعرية  والموضوع وحرية الكشف والتعبير.

        وتجلت   التأثيرات الكلية العميقة  بالانتقال في بنية القصيدة من وحدة البيت الى الشكل  العام  ، ومن الذاتية الى الموضوعية، ومن الغنائية الى الدرامية، ضمن المكونات الغربية في بنية القصيدة العربية المعاصرة، اهمها ثلاثة:
 المكون الاسطوري
 والمكون  التاريخي
 والمكون الادبي.‏

         كما نرى ان القصيدة استفادت في بنيتها وشكلها العضوي من القصيدة   والنقد   الأوروبيين اللذين كان لهما دور مباشر في توجيه   شعرائنا الى الاستفادة من تراثنا والالتفات الى التراث الغربي بأساطيره واشكاله  الفنية للتعبير عن تجارب معاصرة وهذا سبب من   اسباب الغموض في القصيدة المتكاملة ،وهو في الوقت ذاته سبب من اسباب ثرائها وتعدد اصواتها ودلالاتها. وتطورها  نحو الافضل‏.

         اما  الموضوعات الغنائية، وغنائية التعبير في بنية القصيدة المتكاملة وقد  لقِّحت بالعناصر الدرامية لتخاطب الاحاسيس  والعقل معاً وتمتزج فيها الذات بالموضوع  ويتعادل التعبير والاحساس وتغدو اللغة والصورة والايقاع أدوات موظفة جديدة  ثابتة و ان القصيدة المتكاملة كانت  نتيجة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على مجتمعنا منذ منتصف القرن  العشرين ،فالمجتمع الاستهلاكي افرز موضوعات الموت والاغتراب كما انها ناجمة عن جهود الشعراء المتواصلة منذ بدايات القرن العشرين للنهوض بالقصيدة المعاصرة.‏  لاحظ  بدر شاكر السياب يقول:

في كلِّ قطرةٍ من المطرْ

حمراء أو صفراءَ من أجنةِ الزَهَرْ

و كُلُّ دمعةٍ من الجياعِ و العُراةْ

و كلُّ قطرةِ تُراقُ من دمِ العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مَبْسِمٍ جديدْ

أو حلْمةٌ تَوَرَّدتْ في فم الوليدْ

في عالمِ الغدِ الفتيِّ , واهبِ الحياةْ !

       كما ان بنية القناع في القصيدة العربية المعاصرة،  و مجالات استخدامه ومصادره، فهو وسيلة درامية للتخفيف من حدة الغنائية والمباشرة وهو تقنية  جديدة  في  الشعر الغنائي  لخلق  موقف درامي او رمز  فني  يضفي على صوت  الشاعر نبرة  موضوعية  من  خلال شخصية  من  الشخصيات ، يستعيرها  الشاعر من التراث او  من الواقع،  وقد  استعاره  الشعراء  من  الاساطير او الشخوص الدينية او  من التاريخ  العربي او من التراث  الادبي  كما   فعل  بعض   شعراء  الحداثة   حين  استعاروا  اقنعة  لوجوه  شعراء  كطرفة  بن العبد  وابي نواس   والحلاج  وغيرهم.‏

          وان هذا  الشاعر لابد  ان يكون  مثقفا  ثقافة  عالية بالضرورة حيث انها  تظهر في  شعره  واضحة  المعالم، فهو يطوف في التاريخ القديم  والأساطير والتراث للبحث  عن متكأ  او  مرفعا  او وسيلة او موقف  تحمل    افكاره  ورؤاه، وان هذه  القصيدة  تميل الى الطول  فهي  في  بعض اعمال  الشعراء  يعتبرها  كتاب كامل، لما  فيها من امور متكاملة.

           ان بعض الشعراء المعاصرين استفادوا من العناصر الدرامية في خلق شخصية غنية معقدة، فاتجهوا الى التراث بأنواعه للتعبير عن تجارب معاصرة، وهذا يؤكد اصالة القصيدة المتكاملة، وسنكتشف ان الشخصيات الدرامية   التي ابتدعها هؤلاء الشعراء ذات خلفيات مختلفة، فبعضها من الماضي والآخر من الحاضر وبعضها من الدين او الادب او الواقع الاجتماعي، وبعض هذه الشخصيات ذات منبت اجتماعي  طبقي او ذات مهن اجتماعية   وضيعة  وذات هموم  معيشية وهذا ما يثبت ارتباط القصيدة  المتكاملة بواقعها الاجتماعي.‏

          ان عناصر البناء العام وتكامل القصيدة وهي: الحكاية والحدث وصلاته بالشخصية وسماتها من جهة، وبالحتمية الناجمة عن تكوينها من جهة ثانية مبيناً من خلال الحكاية والحدث الدرامي والصراع والحوار الدرامي وبناء الحدث  ان الحكاية تكتسب اهميتها الفنية حين يمتلك الشاعر المقدرة على توظيفها  توظيفا   معاصراً، وان الحوار  الجيد والصراع  المتين  يؤديان دوراً بارزاً في  بناء  الحدث  ورسم  ابعاد الشخصية  الدرامية  وبناء   القصيدة  المتكاملة، وان العناصر الغنائية تغتني بالعناصر الدرامية  فيتلون الايقاع  والصورة  بتلون احساسات الشخوص ليشكلا الايقاع  والصورة ، كما  ان القصيدة المتكاملة شبكة من العلاقات التماثلية والسلبية المتفاعلة، فهي ذات  اصوات وابعاد ومستويات ينجم عنها التكافؤ بين الدلالة التراثية والدلالة المعاصرة.‏

        أخيراً.. تظهر الخاتمة ونكتشف  مدى عمق البحث واصالته فهو يقف عند بنية القصيدة المتكاملة، يحللها ويدرس جوانبها المختلفة بل ويعيد تعريف  جملة من المصطلحات النقدية التي تقربنا من القصيدة الحديثة  وتقربها   منا .ولعل في ذلك جهداً  يود   لو  يوضح  الحقيقة  ويفكك كل  تفصيلاتها  كي يقيم  منارات يهتدي بها الباحثون والمنقبون عن الحداثة   وتطوراتها   وتجلياتها، وتؤكد ان اتجاه  الشعراء  الى التراث  الثقافي او المعرفي  يختارون منه  الشخوص والحكايات،هو اشبه  بردة الى الماضي    للامتداد  منه  الى الحاضر  فنسمع   من  خلاله  اصواتنا ونرى ونتلمس  احساساتنا   ونعي  مشكلاتنا، من خلال رؤية  معاصرة  تقوم  باحياء  التراث  وتوظيفه  توظيفا    ًمعاصراً على نقيض  ما كان  يفعله  شعراء  حركة  الاحياء  في عودتهم الى بعض عناصر التراث.
           
           لقد كان الماضي هدفاً لهم يعودون اليه  لبيان جمالياته وتقديسه  والوقوف عنده ،وهكذا  تجمع القصيدة المتكاملة  الاصالة والحداثة  فهي لا تتخلى عن الاصالة  بحجة الحداثة،ولا  تتخلى عن الحداثة  بحجة  التمسك  بالتراث كما   في الطريقة المثلى   في رسم الشخوص  والاتجاه  نحو التعبير الدرامي وقدرة  الشاعر على الامساك  بالخيوط   الدرامية  والخيوط   الشعرية  التي  تنسج  القصيدة  المتكاملة.‏



              *****************





       النغم والايقاع



              ان النغم او  الايقاع  هو توزيع  الصوت  ومداه  بمقتضى  حركات معينة  والموسيقى نوع من انواع  الايقاع  والنغم وجد منذ   وجد البشر على الارض  فهو ملازم  للانسان منذ القدم  وقد تمثل في القديم  في دندنة  الانسان القديم مع نفسه في حال فرحه وحزنه حين تغلب عليه عاطفته فيصفق بيديه فرحا او سرورا  او يبكي نشيجا  يعبر عما في مكامن  النفس الانسانية  من عواطف او خوالج نفسية  .

         مر الايقاع او النغم  بمراحل  زمنية  عريقة على مر الدهور  والازمنة  وانتقل  هذا  الفن  بين الشعوب  بمراحل  ملازمة  لمراحل تطور الانسان  نفسه  وحاجته  اليه  حتى اصبح  فنا  واسعا   وانغاما  لها  خاصيتها  في كل  شعب وفي  كل عرق انساني . فالشعب الاثيني  اختلفت ا يقاعاته عن الشعب الفارسي  والروماني عن العربي وهكذا  والشعب العربي  في  المدن  مثلا  اختلفت  انغامه  عن الساكنين  في  البادية  والصحراء  فالاختلاف  حاصل  بين هذا  وذاك  وحتى  في المفصل الواحد.

        فالنغم او الايقاع  العربي عرف بحركات الشعر  العربي او في الغناء العربي  اللذين  هما  جزء من كل  وتطور بمرور الزمن  حسب  متطلبات كل مرحلة  وعصر  وغيرهم حسب المكان ايضا    بين ابنا ء  الصحراء والبادية   والحضر  والمدينة  وكان حصيلة هذا التطور هذه البحور الشعرية  المستنبطة  من النغم  العربي  الحاذ ق  التي اتخذت بعضها  - كما قيل - من حركات  سير الابل  مثلا.

           ولو  ر جعنا  تاريخيا   لوجدنا  العناية  بالنغم  العربي  وجدت في او  قبيل العصر الاموى  مكتوبة  مثل  كتاب( الاغاني ) لابي الفرج وتطورت  في العصر العباسي  هذه الانغام  لتصبح  فنا  مستقلا  واسعا علي  ايدي  فطاحل  العلماء  والفلاسفة  العرب  ومؤلفات  الفارابي  والخليل  ابن احمد  و اسحاق الموصلي  والكندي  خير دليل  على  ذلك  والبحور الشعرية  التي  وجدت  انغامها  منذ الجاهلية   سماعا  ضرب  من  ضروب  الايقاع  او اللحن  كانت  غير  معروفة    كفن  وقد  اظهرها  الخليل  الفراهيدي  البصري  ووزعها  ايقاعا ت  في  خمسة عشر  بحرا  او لونا موسيقيا  واضيف عليها  بحرا  آخر من قبل تلميذه  الاخفش  لتكون  ستة  عشرا  بحرا. سميت بحور الشعر لا زالت قائمة  لحد الان  ولم  يخرج عنها  شعراء  العربية  فهي  تمثل  اساس  الايقاع  العربي  وقمة  الانغام   في  الشعر العربي  وقد   تفرع منها  الموشح  والدوبيت وغيره تبعا  لظروف  العصر  وحاجة  الانسان  الى نوع  جديد  من  الغناء  او النغــــــــــــم   وجميع  هذه  الانغام  لا  تخرج  عن اصولها  فهي بالاصل حركات  صوتية  معينة  صدرت  في  زمن  معين  .

          فمثلا بحور الشعر  جاءت  لكل بحر حركات خاصة به
 فالبحر الطويل تكون حركاته على وزن:
  فعولن \ مفاعلين \  فعولن \ مفاعل  ونرمز له:  ن - - \ ن-  - - \    ن -  - \ ن – ن - \
والبحر الكامل  اختلفت  ايقاعاته عن  الطويل  وكثرت حركاته   وجاءت  مثلا  على وزن:
 متفاعلن \ متفاعلن \ متفاعلن او نرمزله : ن ن -  ن - \ ن ن– ن \  ن ن – ن -  \
وبحر الهزج   او  بحر الحداء  كما  يسمونه  جاء على وزن :
 مفاعيلن \ مفاعيلن   \ مفاعيلن   \ ويرمز  له: ن -  -  - \ن -  -  -  \ن -  -  -

      وهكذ ا بقية  بحور الشعر  وقد دخلت عليها  - بمرور  الوقت  والحاجة  الى  التنغيم  الجديد -  الخبن  والحذف  والخبن  والشطر     و- - -و---  والتي  كانت  تسمى امراضا شعرية في   قصيدة  العمود التقليدية .

        اما  الايقاع  الموسيقي  او النغم  الموسيقي  لربما  يخرج  عن  فن الايقاع  الشعري الا  انهما  متلا زمان  مترابطان  ولد  احدهما  في رحم  الاخر  وترعرع  معه  وفي  كنفه  فالايقاع  الموسيقي  العربي  ودساتين  هذا الايقاع  هي  السبابة  والوسطى  والبنصر والخنصر  على التوالي  اساسا  لنغم الموسيقى  وقد  جعل اسحاق الموصلي هذه  الانغام  تسع  نغمات  وضوعفت  بمرور الوقت  فاصبحت  ثماني عشرة  نغمة  فقط  وقد  بنى العرب  ألحانهم على انغام  و ايقاعات   معينة  اذكر منها   على سبيل  المثال مايلي :-

1 -  الثقيل الاول  متكون  من ثلاث نقرات  متالية ثم نقرة ساكنه ثم يكرر او تعاد  لتشكل نغما موسيقيا خاصا  ويرمز لها\:  نن ن –

2- الثقيل الثاني  متكون  من ثلاث نقرات متوالية  واخرى ساكنة  تتبعها اخرى متحركة   ويرمز لها \: ن ن ن  -  ن

3– خفيف الثقيل  متكون من ثلاث  نقرات  متتالية لا يمكن ان يكون بين واحدة زمن نقرة  وبين كل ثلاث نقرات  نقرتان  زمن  نقرة  ويرمز لها:
ن ن ن – ن ن \

4 - الرمل   متكون  من نقرة منفردة  تتبعها  نقرتين متتاليتين  بحيث  لا يمكن  بينهما زمن  نقرة   وبين رفعه  ووضعه   زمن  نقرة  ويرمز لها : \ ن  \ن ن  ن \

5 -   خفيف  الرمل  متكونة  ايقاعاتها  من نقرات  ثلاث  متحركات يرمز  لها   \: ن ن ن

6- خفيف الخفيف متكون من  نقرتين  متتاليتين لا يمكن  بينهما  نقرة زمن ثم يكرر  كل نقرتين زمن يرمز \: ن ن .

       من هذا السلم يتبين  ان الالحان  الموسيقية  والاوزان الشعرية مترادفة مترابطة متكاملة  نابعة  احدهما من  الاخر  فالغناء  العربي  واللحن الموسيقي  احدهما   يتمم الاخر  ويكون  جزء منه  وقد تطورت بالانقسام و الانشطار او التداخل  بين الخفة والثقل  تبعا لحاجة العصر  وتطور الاذن السمعية  لموسيقها  التي تحب  ونزعتها  لسماع  نغمة جديدة  آتية من حالة الابتكار  او التوليد   متفاعلة مع التقدم الحضاري وحالة الشعوب على اختلاف  مواقعها  ومواطنها عامة.

           ان قراء المقام  العراقي  على سبيل  المثال وقراء المصحف الشريف وقراء المواليد والأذكار  لا تخرج  إعمالهم  عن كونها  أنغاما  وإيقاعات موسيقية  نغمية  وصوتية اختلفت بين قارئ واخر حسب نوع الايقاع واللحن المتبع   لهذا او ذاك   وتلونت  بنفس ألوان  الموسيقى   والنغم   الصوتي  للقارئ  نفسه  متاثرة  بالزمان  والمكان   والنفس الخالص   لذا اختلفت  الاصوات  والنغمات   بينهم  وتلونت  الاطوار     و تباينت   وكذلك  في المواليد    وما شابهها  من نقر على الدفوف   والطبلات  وغيرها   من الالات الموسيقية  وغيرها  وحتى في الاجهزة الالكتروتية الحديثة  هي ذاتها  فالضارب على هذه كالضارب على تلك  كل حسب نغمته وايقاعه  وان تباينت  الاحوال  واختلفت الايقاعات  النغمية  وقد  تصل هذه  الاختلافات   الى ذات الشخص  نفسه  فعلى سبيل المثال  لو اخذنا   موسيقى  اغنية  معينة  لمطرب  عربي ولتكن  (ام كلثوم) مثلا   في اغنيتها  ( ياظالمني )  واغنية  اخرى لها  ولتكن   ( امل حياتي ) نلاحظ   النغم   الموسيقي  لتلك  مطبوع  بطابع الحزن  والثقل   ونلاحظ   خفة النغم  وايقاعاته  الراقصة  في( امل حياتي) (وقصيدة امل حياتي جاءت على نغمات عروضية راقصة وتعابير ادبية راقية  تختلف عن قصيدة يا ظالمني الشعبية ا و قل هكذا ) ويلاحظ  ذلك  ويتاثر   به  حتى الانسا ن الجاهل  ويفرق   بين   ا اللحنين  وتزداد هذه الملاحظة  مع  ثقافة  السامع   واختلاف الاذن الموسيقية  له ومدى  تعلمه  وتأثره  بهذا  النغم  او ذاك  وتظهر جلية  لدى الشاعر او الفنان  حتى  تصل  لدى الموسيقار  الى  ارقى  درجة .

         اما لدى  الموسيقي  او  العازف  فتصل الى درجة  الاكتمال  لديه  في البناء  الموسيقي  والتكامل العلوي المفضي الى الرقي  وربما تصل به  الى  حالة  الارتقاء   بها  عند  ذلك  يحصل  الابداع  والتطور  وهكذا  تتطور الحياة  في كل  مساراتها.


*****************************************








          نظرة  في تطوير  الشعر الحر
                  
                         (   شعر التفعلية )


           يُطلِق  تسمية ( الشعر الحديث  ) على الشعر العربي الذي اتشر في بدايات واواسط  القرن العشرين  بينما يطلق على الشعر الذي قيل  في النصف الثاني منه وحتى يومنا هذا  ( الشعر المعاصر ) على  ان  بعضا منه  يتصف  بعدد  من  الصفات   منها  خروجه  على  الأوزان الشعرية  المالوفة  ولو ان الاقتصار على  هذه  الصفة   فقط   للتمييز  بين  الشعر المعاصر و الشعر القديــم  والشعرالحديث  غــــير كافٍية  ونستطيع القول ان  الشكل  صورةً للمضمون الذي  أخذ  يتغير منذ بداية القرن العشرين حين ابتدأت  بنيــة القصيــدة   العربية  تتغير و تتجدد  من الشعر الغنائي الخالص إلى الشعر الدرامي فقد عرف شعرنــا الحـــــديث القصة الشعرية و الدراما الشعرية في أعمال  بعض من  شعراء الشعر الحديث مثل  خليل مطـــران و أحمد شوقي و الأخطل الصغير و شعراء  المدرسة الإبداعية في مصر و منهم  علي محمود  طه و صالح   جودت  و غيرهم  فقد  كان الخــروج عن الوزن الشعري في الفترة اللاحقة نتيجةً للتأثيرات الثقافية و الاجتماعية  من جهة , و لتطور بنية  القصيدة  العربية من جهــــــــــة أخرى  و سمي  الشعر الذي لم يلتزم  بالقافية   بشعر   التفعيلة او الشعر الحــــر ا و الشعر الجديد و الشعر الحديث  وهذه بحد ذاتها  تسمية غير دقيقة ,  والحقيقة  يمكننا أن نطلق على الشعر الذي تكون التفعيلة ركيزته الوحيدة  ب(شعر التفعيلة)  حيث  تتكرر هذه  التفعلية  في السطر الواحد وفقات لاحاسيس الشاعر وكذلك  نعتبرها  مصطلح  يمكن أن  نقابل  به شعر العمود  ذا الشطرين  الصدر والعجز وهذا الفارق  ايضا  شكلي صرفٌ  فالجديد في  شعر التفعلية  قد  ياتي  بشعر العمود  ايضا  وقد  يكون هـــــنا كما   قد  يكون  هناك  ان كانت  حرية  الشكل  تقتضي  حرية  المضمون  و جِدّته .

                 وشعر  التفعيلة   في  شكله  قد  يكون  موصولا   بحركات التجديد  المتلاحقة  منذ  العصر العباسي  حتى ولادته في  القرن  العشرين .  و بدأ  التجديد الفعلي في الشعر الذي كان  يُنظم  بقصد الغناء , فاتَّسمَ     با لليونة في القوافي و السهولة  في  الإيقاع  و اللفظ  واخذ  تراكيب  رشيقة   وغلبت  عليه   الأوزان  القصيرة  و الخفيفة  والمجزوءة   وخير مثال هي  الموشحات  الأندلسية  حيث  تم   الخروجَ  الفعلي على نظام  الشطرين , و قد  واصل  العرب  في الوطن العربي  وفي  المهجر منذ  مطلع  القرن  العشرين   محاولاتهـــم  الفاعلة  في  الخروج على  نظــــام  الشطرين و القافيـــة الموحَّـــدة او قل على عمود الشعر  الذي  سموه   بالقديم   فنظمــــوا  الثنائي  والمربع  والمخمس   والزجل وغيرها كثير .
        
           وربما  كان   بعض  الشعراء  يمزج  وزناً   بوزن  و يتلاعب بأوتار النغمــــات  الايقاعية  فيحركها  كما   تتـــحرك  الإحساسات  في داخلــــه  وخير مثال في ذلك قصيدة ( المواكب ) للشاعر جبرا ن خليل جبران  التي نظمها  في اتجاهين  متعاكسين  الأول من البحر البسيط كقوله فيها.:

الخيرُ في الناسِ مصنوعٌ إذا جُبِروا
                                و الشَّرُّ في الناسِ لا يفنى و إِنْ قُبِروا

و أكثــرُ الناسِ آلاتٌ تحــرِّكهــــــا
                                   أصابــــعُ الدهــرِ يومــــــاً ثمَّ تنكسرُ


          أما الاتجاه الآخر فقد أجراه جبران على مجزوء الرمل كقوله في ذات القصيدة:

             و سكونُ الليلِ بحرٌ
                                      مَوْجُهُ في مَسمعِكْ

                  و بِصدْر الليلِ قلبٌ
                                     خافقٌ في مَضجَعكْ

            ومن هنا كانت  ولادةِ   شعر التفعيــلة او الشعر الحر  ولادةً  طبيعيــــة , ولا يختلف الأمر كثيراً إذ   كانت هذه  الولادة  قد تمت  على يد  بدر شاكر السياب او نازك  الملائكة او خليل   شيبوب في  منتصف  القرن الماضي  او اوائله  فقد كانت  ولادتها   لجهود  الشعراء المبذولة منذ مطلع  القــــــــرن  العشرين   حتى   منتصفه   نتيجة  للتقدم  الفكري و الاجتماعي  والحضاري .

           ولو راجعنا هذه القصائد  الحرة الجديدة  لوجدنا ان لها  خا صية جديدة  ولها مميزاتها  عن قصيدة  العمود الشعري  فاذا كان العمود اصل الشعر العربي  وشجرته   المورفة فان  شعر التفعيلة   يتمثل  ببعض اغصان  هذه الشجرة   وثمارها  فهو يمثل جزءا من كل  .

               فالملاحظ  ان  شعر التفعيلة اكثر ملائمة في تحقيق وحدة القصيدة  و التمرد على  وحدة البيت و القافية  حيث  يشكل  فاصلاً طبيعياً بين نهاية  البيت  و البيت الذي يليهِ  فقصيدة  التفعلية  لا  تقف عائقاً دون تواصل الحركة  و نموها  نمواً  عضوياً  و بنائها ربما يكون في  الاغلب  بناءً  درامياً  مستمداً  من تقنية  جميلة    تتمثل  في  الإيقاع  المتصاعد  منها  او  الموسيقى الشعرية  المنبعثة عنها  و ليرتفع , و يتلوّن  و يتنوّع  يتدفق  مشكلا  سمفونية  درامية  بغية  الوصول  إلى القرار الأخير او الامر الافضل  في  نهاية  القصيدة  وفق ما يرغبه الشاعر ويرسمه لقصيدته .

 . لاحظ  هذا  النص للشاعر محمود درويش يقول فيه :

 امشي كاني واحد غيري

 وجرحي وردة بيضاء

 ويداي مثل حمامتين

 على الصليب تحلقان

 وتحملان الارض

  لا  امشي    اطير 

 اصير غيري  في التجلي

        كما  نلاحظ أن الشعرالحر اكثر مرونة  في عدم الوقوع في الحشو الذي كان الشاعر يقع فيه  في القصيدة  العمودية  او  يستخدمه  لاكما ل البيت الشعري في  نظام الشطرين  كي لا يقف  الوزن عند ه  فكثيراً ما كـــــــــان المعنى أو الإحساس  ينتهي  قبل الوصول إلى  نهاية  البيت او الى  القافية    فيضطـــر الشاعر  لاتمام الوزن بكلمة من هنا أو من هناك , أو لربما  يضطرّ الشاعر أن يستبدل  كلمة   بأخرى هي  اطوع او أطولِ أو أقصر منها   ليُتمَّ وزن  البيت في قصيدته.

      فالشاعر في هذا  اشبه   بعطار وضع  امامه  عدة   موازين  ليزن بضاعته  فيها  فيبحث عن المعيار  الافضل  لوزن   بضاعته  بينما  في  شعــــــر التفعيلة  يمنح   الشاعرَ   حريةَ  واسعة   و مرونةً  لا  يمنحها  شعــــــــر الشطرين له . وهذه  بحد   ذاتها  قد  تبعد الشاعر عن النمطية  التي  قد  تكون  في  الشعر العمودي  وخاصة  اذا  كانت  القصيدة متشابهة   في  الموضوع  و الوزن و حركة الروي  و القافية لاحظ ذلك في هذه الابيات :

يا داميَ العينين و الكفين

إنَ الليل زائلْ

لا غرفةُ التوقيفِ باقيةٌ

و لا زردُ السلاسلْ

نيرون ماتَ .. و لم تمت روما

بعينيها تُقاتِلْ

و حبوبُ سنبلةٍ تموتُ

ستملأ الوادي سنابلْ

        فشاعر  التفعيلة  اوسع  مساحة  في  انجاز قصيدته  اذ لا  قيود يتقيد بها  من خلال الوزن او القافية  قد تحده  وتعكر صفو  انشاده . ثم   أنَّ التنوع  في  القوافي  يؤدي   إلى  بعض التحــــــــرر من  سلطانها  كما يؤدي  لتنوع  الأنغام  بين  ارتفاع  و انخفاض ,  و خاصة  في قصائد ذات طابع  موجي   فكأن  كلّ  موجة  تنبثق عن  سابقتها  و تتصل  بما  يتلوها  و كأنّ  كل   نغمة   تمثل  مشهدا  قصيرا  في  عملٍ  درامي  معين  حتى  نصل  نهايـــة  القصيدة  مما   يسهل  الخروجَ  الافضل  مما هو عليه  في  موسيقى  الشطرين  و قد  يقرب النص  الشعري  من  المقطوعة  الموسيقية  بالتقطيع  و حرية الحركة و التنويع  و الاستمرار وقد يؤدي في الاغلب  إلى   البناء  الهرمي  متصاعدا  في كثير من  القصائد  الدرامية  في  قصيدة  الشعر  الحر.
 واختم في هذه المقطوعة من شعر  بدر شاكرالسياب  :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السِحِرْ

أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبْسِمانِ تورِقُ الكُرومْ

و ترقُصُ الأضواءُ .. كالأقمارِ في نَهَرْ

يرُجُّهُ المجدافُ وهناً ساعة السِحِرْ

كأنما تنبضُ في غَوْريهِما النجومْ


    *********************









              تطورالشعر المعاصر


            الشعر ديوان العرب مقولة قديمة  نجدها   في كل كتاب أو حديث عن الشعر  ا والأدب  العربي    وهذه   المقولة  تعبر عن  ذلك   الموقع  الاستثنائي  الفريد الذي  حظي   به هذا  النوع  من الأجناس الأدبية داخل الثقافة  العربية. وقد  لحق شعرنا  العربي  مثل غيره  من  ظواهر الفكر والحياة  في مجال  تطوير  وتبديل  كبير في  صيغه  المختلفة   وطرائقه وموضوعاته. والتطور  والتبدل   ليسا  بظاهرة   تستوجب  الاندهاش والاستغراب، بل الذي  ينبغي  أن يثير استغرابنا  هو  جمود   الفكر والوجدان، وصيغ  التعبير مقابل تغير المحيط   وتبدل  سياقات العيش وعوائد الاجتماع.
          ولكن إذا كان  هذا التطور والتغير والتبدل  حالة  حدسية مركزة او ثابتة  في مختلف أ مور  الحياة، فإن من البديهي  ان  هذه الظاهرة لا تعني أن كل تطور  هو  بالضرورة  امر  إيجابي، وأن معارضة  التغيير والتقويم  النقدي  لمنتجاته  فعل  سلبي  صادر عن جمود  في الاحساس  ونقص  في الوجدان، ووقوف   ساذج  أمام   مسيرة  الحياة  وحركاتها المستمرة. فكثيراً ما تطرح  الحياة  في سياق  تطورها  مستجدات  ربما تكون في بعضها  سلبية، فلا بد من معارضتها   ومواجهتها.  وان كانت  قد تجاوزت السوسيولوجيا ذلك التصور الذي  ساد  الفكر السوسيولوجي الوضعي، أعني به  التصور المعتقد  بوجود  خط  تقدمي في  تصاعد دوما، وأخذين  بالاعتبار النظر إلى الظواهر  الاجتماعية  بصفتها   لا تشهد  دائما  تسريعا  في تقدمها  وديمومة حركتها نحو المستقبل .
            ومن بين الظواهر السلبية التي أعتقد أنها أصابت الحركة الثقافية في  امتنا  في الصميم، هذا  الشعور  الفوضوي الذي سيطر على الذائقة الشعرية،  ابتداء من شعر التفعيلة،   فانكشفت  ازاء ذلك   لنا في كل لحظة  حالة  مضطربة  او مهزوزة. و قد يقول البعض: إن الشعر العربي الآن  كثيف  الإنتاج، جريء  في تجربته ، ولم   يثبت او  يستوي  لحد الان  على  سياق  معلوم، ولا حتى على  سياقات  معلومة مضبوطة ، لذا اصبح  التجريب  والإكثار من تنوع الشكلية والمضمون  والمحاولة  الجادة  حالة  مطلوبة  ومرجوة  لتطوير فكر الإنسان العربي  وثقافته، ولكن  ينبغي  إصدار  الأحكام  على  نتاج   لم  يتحقق اكتماله  واستوائه على سوقه . فانا  أعتقد  أنه   ينبغي  التقويم   والحكم، ليس فقط  لأن حركة التجريب في تراكيب وأساليب وأشكال  الشعر العربي الحديث في تجربته التى  امضى عليها اكثر من نصف قرن  لأن مختلف نقاد الشعر وحتى الشعراء  أنفسهم  يتحدثون عن وجود  أزمة في  الشعر العربي حيث   أن النقد  فعل  مطلوب  حتى في  اللحظات الأولى للتجربة  إذ لا بد  للنقد  أن يرافق  العمل  الإبداعي   ويسايره   في مختلف  لحظات  تطوره،  لأنه  في كثير  من الأحيان  ربما  يكون  صمام الأمان  للحركة  الإبداعية  في نتاجاتها  مهما كانت غثه  او سمينة  وحافزا لها  .

            وإذا كان الوجه  الذي تقمصه  الحس  والذوق الشعري مع قصيدة شاعر ما  كان  ثوبا  عبا سيا  أصلا من حيث  اللفظة  وانتقاء الكلمة  وطريقة  نظمها  فإن حركة البعث او التجديد  تشهد تجديدا ملحوظا  في اغلب  مضامين  وموضوعات  الشعر العربي  حيث ستتناول حتما  قضايا  اجتماعية  وسياسية  معبرة عن اراء و  آمال وطموحات الشعب العربي  الأ وسيستمر هذا النهج  مستقبلا  سائرا  نحو الافضل  وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة   من التفاعل  مع  اللغة الشعرية  وأنماط  التعبير خلال  ما سمي  بعصر الانحطاط، وذاك في تقديري  تجديد مهم.
          ولست أقصد بهذ ه الحالة  التجربة الشعرية المعاصرة  فحركة التجديد  الشعري  لم يكن لها  أي فضل  لكنها  جاءت  كسياق تطور  بل إن الناظر في  واقع  الشعر العربي  في القرن  التاسع عشر، سيرى أن الملكة الشعرية أصابها جفاف او ركود  في الشعور و تجمد و تكلس في أساليب التعبير، وكان لا بد  من  نهضة قوية في  الشعر يدفعه الى  حدوث تغيير  ولنا  في حركة البعث والإحياء التي برزت ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر مع البارودي  اسوة حسنة ، والتي ستلتمع  فضل بين لا ينكر.

            وإذا كان الثوب الذي ارتداه الشعر والذوق الشعري مع قصيدة البارودي ثوبا عباسيا أساسا، من حيث مواده اللفظية، وطرائق نسجه، فإن حركة البعث  شهد ت  تجديدا ملحوظا في مضامين وموضوعات الشعر العربي، حيث تتناولت  قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن آمال وطموحات الجماعة الشعب العربي  وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة المسماة بالكلاسيكية  حلحلة   في التكلس الذي أصاب اللغة الشعرية وأنماط التعبير خلال  عصر الانحطاط  او الركود  وذاك في تقديري  تجديد مهم.واستمر الشعر العربي مع الحركة الرومانسية متأثرا بشروط وعوامل جديدة و عديدة، من أهمها ما يتصل بالمثاقفة او التزاوج الثقافي  والتواصل  بين  الأدب العربي  والآداب  الغربية .  فكانت نتاجات الرومانسية الغربية  تشكل عند شعراء الرومانسية العربية نماذج للاقتداء  بها والحذو على نهجها في بناء النظرية الشعرية ونظم القصيدة الشعرية  وقد تبين ان  الشعر العربي قد تغيرتعبيريته  من النظرة  الجماعية إلى النظرة الانفرادية، حيث ا ستثمر الشاعر الرومانسي  جانبه العاطفي والوجداني في الذات الشخصية  إضافة إلى استحضار روح الشعور الطبيعي. حيث لم يكن التجديد في القصيدة  الرومانسية  مجرد تجديد في موضوعات الشعر العربي فقط   بل مس أيضا اللفظ التعبيري  الشعري ذاته ، اذ غابت عن  القصيدة الرومانسية  الألفاظ  الوحشية او الالفاظ الصعبة  التي   كانت حركة   البعث   والإحياء  تستعملها  كثيرا .
          فالرومانسية مارست التجديد  ليس في الموضوع فقط كما هو شائع، او  استحضار ذات الشاعر  والطبيعة الموجودة، بل إن التجديد المهم  هو تجديد في اللغة الشعرية، حيث تبدت لغة سهلة رائقة نابضة بالحياة. حيث  يمكن ان  نقول  إن أهم عناصر تجديد  للثقافة  الشعرية  العربية  بعد الكلاسيكية والرومانسية هو اللغة الشعرية.
            لكن حركة الشعر العربي ستشهد فيما بعد نقلة استثنائية، حيث   طال التغيير البنية  العروضية   للقصيدة  العربية، مع حركة الشعر الحر أوشعر التفعيلة  ويعتبر الشعرالحر الثورة الثانية  على العروض الشعرية الفراهدية  شهدها تاريخ الأدب العربي حيث ان الثورة العروضية الاولى   تمثلت في  الموشحات الأندلسية. وقد التمعت أسماء جديدة في فضاء الشعر العربي في منتصف القرن العشرين، بشكل قصيدي جديد، مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال، وأدونيس. لكن إذا كانت القصيدة الإحيائية، وكذلك الرومانسية كانتا حريصتين  على التوصيل وان  حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة ستحرص على تكسير هذا التقليد الموجود   بتفاعل من  إن الشعر خطاب إيحائي  وترميز  يتميز  بكل دلائل الانزياح  وكثافة المعنى وتعدد هذه  الأبعاد . وإذا كان شعر التفعيلة  في بدايته اقتصد او قلل  في كثافة الترميز  فإن تطوراته اللاحقة سرعان ما أدخلته في  سماء  ضيقة  عندما استقر في الثقافة الشعرية العربية مفهوم خاص عن الشعر و يجرده من كل معنى فيه  ورسالة له .وربما  جاء ذلك  بعد  سلسلة  من التأملات البديهية  في ظل  النكسات  السياسية   التي عاشتها  الامة العربية  في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث  ولد حالة  من اليأس النفسي  الثقافي والاجتماعي.
         و رغم وجود الحركة  التي مست القصيدة العربية  في  لغتها أو صياغتها – يحق   للباحث  أن  يبحث في  حركة  التطور التي  شهدها الشعر العربي  المعاصر عن  مصداقية  شعار التجديد   بسبب   ظاهرة تبعيتها   وكذ لك التقليد الذي ميز صلة الشاعر العربي  بصلة التجربة الشعرية الغربية.. فإذا كان الشاعر الرومانسي العربي ولج  من حيث الموضوع للتجربة الرومانسية الغربية   أن  شعر التفعيلة لا يعني الدعوة إلى الجمود على عروض الخليل   بل هو يمثل ثورة – كما اسلفت – عليها  فالتجديد  شمل  الأساليب الشعرية  والأشكال والمضامين ، .

               بالنظر إلى ايجاد  تغيير في  واقع  الثقافة ومحيط  الاجتماع ولكن النهج الذي سار فيه الشعر المعاصر اغرقه  في الغموض  وكذلك وافتعال  استخدام الأسطورة، وتقليد سريالية الشعور الأوروبي من دون إدراك الأسباب الحضارية والخلفيات الفلسفية التي جعلت الشعر -والثقافة الغربية ككل- ينساق في هذا المسار ثم انهيار قاعدة قصيدة الحر ذاتها  مع ما يسمى بـ  قصيدة النثر او قصيدة  النثر  المعاصرة   التي  اوغلت حتى العظم في الغموض والابهام  في  بداياتها  يؤكد أن هذا السياق الذي سار فيه الشعر العربي في أمسّ الحاجة إلى وقفة  ادبية   تكشف زيف شعار التجديد  وتؤكد  ضرورة الإبداع الذاتي الأصيل وتحجيم الغموض في كل من شعر التفعلية وقصيدة النثر .

         وفي  نظرة  سريعة  الى ما  ينشر حاليا  في  مواقع النشر الورقية  والالكترونية  نلاحظ   آلاف  القصائد  لشعراء  كثيرين ( جدد)  في  قصيدة  النثر . انها  مجرد  كلمات  نضدت  ألبسوها  اثوابا  مختلفة  من  الغموض  والابهام  ووسموها  انها  قصائد  معاصرة  .



*************************************


      



               اساسيات  الفن  الشعري  بين
الحداثة والمعاصرة


              من  المعلوم  ان  الشعر  العربي  يمثل   اساسية  الفن  الاول  للغة  العربية في مجتمع   الامة العر بية ككل .
      فالانسان العربي الاول  جبل على قول الشعر اوسماعه او الاهتمام  به  فهو  يمثل  أكثر  الفنون  القولية  تاثيرا   لدى الانسان  العربي  و التاريخ  الأدبي  اذا  ما  قارناه  بالنثر  او بالخطابة   وكدليل  على أهمية  الشعر عند العرب . قيل ( الشعر ديوان العرب )  وهو كذلك  بحق  نتيجة  لتعايش  الانسان العربي  و ما أبدعه  الشاعر العربي   من  شعر  تمثله  كل  معطيات  الحياة  اليومية  لديهم  منذ عصر الجاهلية  الاولى ، فهو حافظ   لتاريخ   العرب  وأيامها  وعلومها  المختلفة، ويعتبر  مصدرا مهما  بل  المصدر الاول  والرئيس  الذي  يمكن  الاعتماد   عليه  في التعرُّف على أحوال العرب  وبيئاتهم  وثقافتهم  وتاريخهم  مع  طبيعته  بالاحتفاظ   بالرؤية  الفنية  اذ  يتميز  الشعر العربي  عبر  كل عصوره المتلاحقة  بعلاقة  الإبداع  الشعري  بالموسيقى  من خلال  الإيقاع الشعري  والذي  يمثله  الوزن  والقافية انذاك .

           قصيدة  الشعر  العربية  تتكون  من  ابيات,و كل  بيت منها يتألف من مقطعين  الأول   ويسمى  الصدر، والثاني يسمى  العجز، ثم  سمي الشعر  بمجموعه  او  كليته   ( الشعر العمودي)  الذي  هو الأساس المعتمد  للتفريق   بين  الشعر  والنثر  اذ  يخضع  هذا الشعر  في  كتابته لضوابط  معينة . و كان  الشاعر العربي  يحضى  بها  بعفوية  وضمن  سياق الاذن الموسيقية  المألوفة  لدى الشعراء  او بحركات  متناغمة  ماخوذة  من  واقعهم  المعاش  كسير الابل  في  الصحراء   او حركة  الراكب  فوق  بعيره  او من  خلال  صوت هجير الرمال   في الصحراء وقد بحث  فيها  الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري - علم  اعلام اللغة     و الادب - في العصر العباسي  واوجدها  كقواعد  اساسية  في  الشعر  واطلق  عليها  علم  العروض   .
(( راجع مقالتي ( العروض – ميزان الشعر العربي ) المنشورة
في موقعي \ اسلام  سيفلايزيشن ( الحضارة الاسلامية ))

      
              ويعرف  علم  العروض  بأنه  علم  معرفة  أوزان  الشعر العربي   أو هو علم  أوزان  الشعر  الموافق  للشعر  العربي   وبما       انه  موافق  لهذه  الحالة   ولقرب  الشعر  من  النفوس.  فقد   قام    بعض علماء   اللغة  او  غيرهم   بنظم  العلوم   المختلفة   المستجدة    او المستحدثة   او التي    يراد  الاحتفاظ   بها   لنفاستها   في  قوالب  شعرية على  شكل  قصائد  مستقلة  بكل موضوع  وقد اتخذ  هؤلاء  العلماء  عمود  الشعر   اساسا  في  تنظيم   قواعدهم  وما   ارادوا  ايصاله  الى  القارئ  العربي  او السامع   العربي   وتقريبه   اليهم  بافضل  واحب  واسهل  طريقة   شائعة  الا  وهي الشعر  ( كألفية بن مالك )  في  قواعد  اللغة  العربية  مثلا  او  بعض  القواعد   والعلوم      او غيرها  وذلك  لما  ألفته  الأذن  العربية  و استساغتها   للنظم وقرب  حفظها   واستيعابها   بهذه  الطريقة . و الإيقاع  المنتظم، ما   يجعل     تلك  المنظومات  أسهل  للحفظ   والاسترجاع  في  الذاكرة.

               وقد خرجت هذه  المنظومات  من حالة  الشعر  إلى  حالة  النظم   وذلك  لانها   بصراحة  افتقدت   اهميتها  كشعر  او  فاعليتها   الجمالية   فاخرجتها  من   دا ئرة  الشعر  الذي اهم  ما يميزه  العاطفة  الشعرية   والتواصل  المشدود  الى النفس الانسانية  وخلجاتها  واتحادها  بروحية الشاعر  وما  اوحاه  اليها  من عواطف  نفسية   قد  اعتملت  في  نفسيته فاستودعها  قصيدته  او شعره  فياتي  الشعر نبضات  قلب  متدفق  حيوية ويعبر عما  في  نفس الشاعر او ما  يسمى  بالشعر الوجداني .  ولهذا  فقد  تميز الشعر عبر أدواته  ا لمختلفة  التي  لم  يكن  هذا  العمود  او المنظومة   إلا  مظهراً  من  مظاهر  الشكل  الفني غير الجوهرية،   قد فقدت روح   الشعر  ومثال ذلك  المعلقات السبع  او العشر  وهي افضل قصائد  الشعر الجاهلي   وسميت  بالعلقات   بسبب  تعليقها  في  داخل الكعبة  ( بيت  الله  الحرام )  وهو افضل  مكان  عند  العرب  لجيادتها وسمو سبكها وبلاغتها  وقوتها  الشعرية  والتعبيرية  وقيل  انها  كتبت  بماء  الذهب  لنفاستها  الفنية   وقد   نظمت  بأوزان  الشعر  العربي   دون  أن  يعتريها  أي  فقدان  لروح   الشعر او  جمالياته  الإبداعية       و بأبعاده  الفنية  والعاطفية  او النفسية  و تعد  أشهر ما  كتبه  العرب  في  الشعر  من حيث  السبك  واللغة ، وقيل   أيضا  إن هذه  المعلقات  اشبه   بالعقود النفيسة   التي  تكاد ان  تعلق  بالأذهان  وتدخل  القلوب  والافئدة  وتسيل  الى اعماق  النفس  لترويها    ولا  تزال  لحد  الان  تعمل  في   تاثيرها  الشديد  في القارئ  العربي عند   قراءته  لها  او مراجعتها  .

            وقد  لا  اخرج  عن  الموضوع  ان  قلت  إن  مفهوم   الشعر عند  أرسطو الشاعر  اليوناني  القديم   ينحصر  في  المحاكاة،  والشعر الحق عند ه  يتجلى في المأساة   والملحمة   والملهاة   فهو يقرر   بحزم أن الأعاريض  الشعرية  لا  تعتبر   الحقيقة  المميزة   للشاعر  بخلاف  الشعر العربي  الذي  تمثله ازدواجية   العروض   والجمالية   فالمحاكاة  لا الوزن  هي  التي  تفرق  بين  الشعر  والنثر  عنده  اذ  يثبت  جوهرية المحاكاة  الافلاطونية  ومعناها   بدرجات  متفاوتة  تبعا لدراسته  الكثير من  الاعمال  الفنية  واشكالياتها   المختلفة  فكل   أنواع  الشعر التي درسها  إضافة  إلى الموسيقى  مثل الرقص  والفنون  التشكيلية وأشكال المحاكاة.  فالمحاكاة  عند  ارسطو  بعيدة  عن  الحقيقة  بدرجة  متساوية بحيث   يجمل   بنا  ان   نقول   بأن  المواقف  والأفعال   والشخصيات   والإنفعالات  النفسية    ينبغي   أن  تكون  متشابهة   ومنسجمة   مع   الحياة  وليست مثل  صورة   تصويرية   او فوتوغرافية منها-   فمهمة الشاعر في  هذا المجال هدفه  ألا  يحاكي احداثاً   تاريخية   معينة   أو  شخصيات  بنفسها   بل عليه  محاكاة  ذات  الحياة في عالميتها  الشاملة  وسموها المتعالي  من حيث  الشكل  والجوهر.

          لذا  فالشعر  وجد   باعتباره  محاكاة   للإنطباعات  الذهنية ومن  ثم  يتبين انه  ليس  نسخا  ً مباشراً   للحياة.  وإنما  هو  تمثيلٌ  لها  ينبع منها   ويصب  فيها . ويتبين  بأن الشاعر  الفذ  يحاكي  الأشياء  كما هي، أو كما كانت، أو كما   ينبغي أن تكون  اي على   حالتها  او  وجوديتها  في  الطبيعة   وربما   كما  اعتقد  الناس    بأنها   كانت  كذلك، أي  أن   هذا الشاعر   الذي  ربما  كان  متهما  بالبعد  عن  الحقيقة  المعروفة  عند الناس، يمكن  أن  يدافع  عن موقفه   بأن  يعرض  الأشياء  الحاضرة والماضية  وبمثالية  أو ما  يعتقده  الناس  فيها.

.       والشعر قد  يكون  سماوياً  وهذ ا  لا  يعني أنه  يجب  أن  يكون كذلك  او انها   لازمة  ضرورية  ومن  هنا  يتضح  لنا  ان  مزامير  نبي الله  داود  عليه  السلام  هي   إغانٍ  قد  نظمت في  أوزان  معينة  الا انها ليست شعرا  حيث   ان  الوزن   وحده  لا  يقيم  شعراً  بمفرده   اذ يفتقد  الايقاع  او النغمة  الموسيقية  والعاطفة   .لذا   يتوجب  الحصول   على  الإبداع  الحيوي  الذي يمثل  الخاصية  المميزة  للشاعر  وتقاس  امكاناته  الشعرية   بقدرها  او بقدر  ما  يأتيه   منها   فهو  يبدع   أشياء   جديدة   معتمداً  على  فطنته  الذاتية  او فطرته .
 .
         فالشعر  معرفة  انسانية  تحمل  معطيات   الرؤية  و الاحساس  النابع  من  القلب  وهذا  الاحساس  هو المصدر  الوحيد  لمعرفة   الاشياء  في العالم  الذاتي  أي  ان  الشعر الذي  ينبثق   من   الروح اللاعقلية   و اللاتصورية   مضاد   لكل  تفسير منطقي  .اي ان  ما عناه الشاعر  ربما  يبقى  مبهما  عند  الاخرين   بما  يحقق  المقولة المعروفة   ( المعنى في قلب الشاعر)  ومن هنا   يتضح  ان  الشعر  في الاتجاه  الرمزي  ربما  يكون  تعبيراً  عن  العلاقات  التي  تخلفها  اللغة  لو تركت  لذاتها   بين الحد  العيني   والتجرد  المادي  والمثالي   وبين  المجالات المختلفة  للحواس. او بمعنى  اخر أن  الشعر هو  الإيحاء  بصور  مثالية   تتصاعد  إلى الإعلى  محلقة  باجنحة   شعرية   منبثقة   من  روحية الشاعر  وعاطفته  المنبعثة  من اعماقه  وممتزجة  بخوالجه  المتدفقة منها  المشحونة  بها  و التي   يخترعها  في  شعره  والتي  قد  تتبخر  في  بعض  الاحيان  فينكص  الشاعر عن  قوله  في  تلك  اللحظة  او  الفترة  الزمنية  او نقول  أن الشعر هو  الخلق  الجميل  الموقع ، و يقصد  فيه  التبصر  والسمو  و التأمل  في  تجربة  ذاتية  لنقل   الصورة الجميلة المعبرة  عما  يجيش  في  نزعات الشاعر    ممتزجة  بأقوى  عناصر الجمال  الشعري  والشعوري  الذي  يتمثل  في  الموسيقى    الكلامية  المنبعثة   من  امكانية  الشاعر في   الايتاء   بها  من  خلال  تمازج او تزاوج  الحروف  اللغوية  مع  بعضها  بحيث  تعطي    نمطا  او  نسقا موسيقيا  معينا  تبعا  لأمكانية  الشاعر ومقدرته على الخلق  والابداع وامكاناته  في اللغة  لأنها   طريق  السمو بالروح   نحو مسارات عالية ذات  نغمات   تبثق   من  نفسية  هذا   الشاعر   وعواطفه   وامكانيته التعبيرية  والتي  هي  السبيل  للإيحاء   وللتعبير عما   يعجز  التعبير عنه الاخرون . راجع مقالتيّ ( النغم والايقاع ) و( عبد القادر  الكيلا ني نموذج من الشعر الصوفي )  المنشورتا ن  في كتابي   ( في  الادب  والفن) ص  60وص 82 )

           من  هذا  نفهم ان الشاعر  يتميز  بخاصية  فنية  ابداعية  فطرية في اغلب الاحيان  تشحذ  بالاكتساب  والتعامل   مع النصوص  والمطالعة  او  بالمران   ويتحقق  من ذلك   انه  أي  الشاعر  يمثل  قمة   الاحساس  النفسي   بحيث   تنثال   شاعريته   في اغلب الاحيان  انثيالا  فلا  يتأتى ما  تورد عليه  لغيره  من   الذين  يبقون  ناكصين  مهطعي  رؤوسهم  ازاء  ذلك   بينما  ينظر أصحاب  الشعر  الخالص او الشعراء  الفحول   ويسلمون الى  أن جوهر الشعر هو  حقيقة  مستترة    عميقة وايحائية   لا سبيل إلى التعبير عنها  بمدلول الكلمات  بل بعناصر الشعر الخالصة،   وهذه  العناصر  الخالصة  غير مقصورة  على  جرس  الكلمات  ورنين القافية  وايقاع  التعبير  وموسيقى الوزن - فهذه  كلها  قد  لا  تصل إلى المنطقة  العميقة  التي   يتحدر منها  الإلهام - بل تتعداها  الى ارهاصات   التفكير  وارتعاش   القلب  ونوازع  النفس  الشاعرة   وانتشاء   الروح  بما  يحقق الامل   المرجو منها .

            بدأت  بوادر النهضة  الفنية  في الشعر  العربي   في  النصف الثاني  من القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدات  كشذرات  خافتة  لدى  بعض الشعراء  ا و  ضئيلة الشأن  وكانها  أصوات  هامشية   كما عند  الشاعر  ناصيف  اليازجي   وولده  ابراهيم  وغيرهما   ثم   أخذ عودها  يقوى  ويشتد  على ايد ي  الشاعر  محمود  سامي   البارودي  وغيره   من  شعراء  ذلك الزمن  فجاءت مندفعة  نحو الرقي والاكتمال  حتى اذا   اكتملت   خلال  القرن  العشرين  اضحت  متبلورة  في اتجاهات شعرية  مختلفة  في نهضة  ادبية   شعرية  قد  حددت   مذاهب  الشعر العربي  الحديث  و تفوقاته   ورصدت  اتجاهاته -راجع كتابي ( شعراء النهضة العربية)   -  مستفيدة    من التراث  العالمي   وخاصة   الفكر  الاوربي  آخذةً  منه  ما يوائم  القيم  والتقاليد   العربية   الأصيلة سائرة  في   سمتها  الاصيل  نحو الافضل   ودائرة  في محورها   و بالوقت نفسه  رافضة  مفهوم  القصيدة  الشعرية  كعملية   تأليف  أو تنظيم   كنظم  القواعد  او   نظريات  علمية   بل  فاتحة  آفاقاً   شعرية   جديدة  غير  مسبوقة  في  تاريخ  الشعر العربي   مثل  الشعر الحر الذي رسم  الشعر  وفق  اوزان معينة  هي نصف  بحور  اوزان  عمود  الشعر – وقصيدة  النثر  او ما  يسمى  بالسطر الشعري  بالشعر الحديث  او المعاصر  التي  أثبتت  في نهايات  القرن العشرين  وبدايات هذا القرن  حضورا  متميزا  في  الساحة  الشعرية  العربية  على الرغم  من  شدة  المعارضة – من  اصحاب  عمود الشعر  ا و  الذين   شكّلوا  دافعاً   قويّاً لاستهداف  التغيير  والحط   من قيمته  ومكانته -   غير عابهين  بهم  او غير  مستمعين  لهم -  للتطور الزمني  الرافض  لهذه  الحالة   والسائر في  مسيرة  متقدمة  نحو المستقبل   بنزعاته  وارهاصاته . 

         ان الشعر الحديث  صمد  أمام تيارات  الرفض هذه  وبدأت هذه المعارضة  الرافضة تضعف  رويداً  رويداً    أمام   رغبة  الأغلبية  في  حتمية  التغيير  والتحديث   وذلك  لان   الشعر  عالمٌ  يختلف  كليا  عن عالمنا  المرئي  فهو  عالم  ملئ  بالسحر  والجمال   والطقوس  والرمزية ( المعاصرة )  في  بعض  الاحيان   بعيداً   ومتجرداً  تماماً  من    المادة . راجع كتابي  - ( الموجز في الشعر العربي )–   الرمزية   في الشعر  المعاصر  ج 4 صفحة\632 وما  بعدها )
    
           اما  الشعر الجيد  فهو الكنز  الثمين  والوجه  الحقيقي   للواقع الإنساني  ولطالما  حلم الإنسان  به  منذ أقدم العصور  بان  يكون شاعرا او يولد  شاعرا  لذا  استطيع  ان   اقول  ان  الشعر   حالة  روحية او نفسية   تكتنفها  العاطفة  و تتأرجح   بين  التأمل  والالهام   والحدس  فالانسان الحديث  ربما  كانت  له  حالة  مركبة  من  المشاعر  الرومانسية   والألم الواقعي  والرموز  السيريالية  والقلق  الوجودي  فهو  غير  الانسان العربي  القديم الذي  كان هائما   في الصحراء  ينشد  الكلآ  والماء  ويتغنى   بما  يجيش  في  نفسه   من  مشاعر واحاسيس   في  حدود  امكانيته    وظروف  طبيعته   فالإنسان  العربي  الحديث  ربما  تعتريه   حالة   او مجموعة  حالات  متناقضة  بما  تمليه  عليه  نفسيته  والواقع   المعاش في  الوقت  الحاضر  وتناقضات  المجتمع  الانساني  المختلفة  المحيطة به
    
            فالشاعر  الحقيقي   هو هذا  الذي  يرخي عنان   قصائده  فتخرج  عفوية   حصيلة   ثقافة   انسانية   ومشاعر  مركبة  ومعبره  عن  طموحات  نفسية  الشاعر  ومدى  تأثيرها  في الاخرين  و ابداعات خلابة  وطموحة  فالقصيدة  الحالية  تمثل  كائنا  حيا  او هي  اشبه   بالكائن  الحي  حيث  يمثل  شكل  القصيدة  او بنيتها  جسده  ومضمونها  روحيته  فهي  تمثل  الصدى  الذي  تنبلج   منه   اسرار   روح   الشاعر واراؤه   ممتزجة  بعواطفه  واحاسيه

         ومن  المفيد   ان  ابين  ان  الشاعر  الحديث   المطبوع  شاعر  تتمثل  فيه  غزارة  الثقافة  في  امتدادات عميقة  وكأنه  وارث  الحضارات  كلها  ومطلع  على  ثقافات   الامم  المختلفة  لذا  اصبح  متمكنا  من  استخدام  مفردات  اللغة  لتصوير افكاره   وارائه  وعواطفه  وخلجات  نفسه  دون تاثير  من  خارج  او   امر  من  احد  و يرتكز على  فلسفة  عميقة  غنية  تحصنه  من  القول   الضحل  الفاني  او   الركيك  الى   القول العميق   والرصين  فهو  اذن  يمثل  فيضا  هادرا  وتلقائيا   للمشاعر  النفسية   القويَّةِ   المنبثقة  من اعماقه   يَأْخذُ   بها  مِنْ العاطفة  المتأملة  المتجددة  المنطلقة  نحو  الافضل   متألقة  متناغمة   تنشد    الحياة    والانتشاء   والحب  للانسان المثالي  ونحو  الافضل  في  توليده  للافكار  والابداعات  الشعرية  الجميلة ومحاولة  خلقها  من  جديد .

   **********************




            في القصيدة العربية المعاصرة

                         1   

             من المعلوم  ان المجتمع البشري قد  اعتمد  الوسيلة الشعرية رضوخا  لدوافع الحاجة   الملحة  في سبيل  التلذذ  النفسي  و قد   ولده امران  مهمان  يعودان  بالاساس إلى الطبيعة  الإنسانية وهما   الامحاكاة والتذوق  فإن المحاكاة أمر فطري موجود  لدى الناس منذ الصغر، والتذوق او الالتذاذ بالأشياء أمر عام للجميع.

              ان الحالة  الجمالية التي اوجدها  المجتمع الانساني  والتي  تعتبر  بحد ذاتها  متعة   جمالية  تهدف   لايجاد  امور    كثيرة   تعتبر كأدوات  فنية  عالية  الجودة  ومتجددة  وباساليب  جمالية  اشبه  بتجليات نفسية   في  جوهر الفكر  والرسالة  التي   تعد. لذا    فإن  الجوهر الموجود  في  جسدية  او  بنية  الفن   عامة  وخاصة  في الشعر والذي  يعتبر  جزءا  من  الفن   له   قدرة   استثنائية  على التلائم  مع الجمال  والاندماج   به   وهذا   الجوهر  يعمل  بطريقة   سحرية   عجيبة    يشد  المتلقي  شدا  وبطريقة   طردية   حيث  تكون  وظيفته  تقديم  المتعة  النفسية  للشاعر  والمتلقي   في  نفس الوقت  وهذه  المتعة  تعتبر لدى  الاخرين  هي المنفعة   الانسانية .وعليه  فان الشعر  يمكنه  من امتلاك  ما يراه  حقيقة  ووهما  في  التعبير الادبي  والنفسي ، ويزاوج   بينهما  في  خفاء   وتجلٍّ  واضح    ويكون   الكشف    عن   الجمال  عبر  هذا  التبادل  والتزاوج  والتعاور  بحيث  يشف عنه  او يكشف  عن كل منهما  محاولا   اخفاء   الآخر    وهذا  هو سر  المتعة  في  الشعر . فاذا  كان الشعر  ترنيمة   غنائية   صادقة   قد  تولدت  من  الشعور  المبدع، فإن هذه  القصيدة  ناشئة  عما   نفسية  الشاعر  وتعبر عما   في خوالجه . فهي  تمثل   صورة  من    صور   الاستقرار  الذي  يحسه   او يشعره بجماليته .

     
        إن المسيرة الشعرية في   مواجهة  الحياة  لم  تصل  بعد  إلى لحظة  انتصار  بل هي  على  الأغلب   لحظة   انحسار    قد    تعيش  بالانبعاث  و ربما  الشاعر   يدرك  بحساسية   مرهفة  أنه  يواجه  حياة  لا   تكشف عن  وجهها   مرة  واحدة   فوظيفة   الشعر  في   الانتصار الافضل   هي  مرحلة  دائمة   في  سبيل  الوصول  .للغرض  المنشود  لذلك   فهي   تمثل  حالة   الغليان  الداخلي  في أعماق  الشاعر  دائماً   ونفسيته  حتى لو ظهرت  عليه  ملامح  السكينة  وعلى  بعض  قصائده   مسحة  الشعر الوجداني  .

        فالشعر  يثبت   قدراته  الأدائية  في  استكشاف  حا ل الإنسان ويربط
  ايحا ئاته  بها  ربطاً  شمولياً، بحيث  لا  يتمكن- في الاغلب - عزل   نفسه  عن المكان  والزمان  المقال  فيه  وربما   يكون  شموليا   فيبقى  خالدا  وهذا  سر   من  اسرار  جماليته   فقد   يرى  مسرة الانسان  وفرحته  وانسياقه  نحو   التفاؤل  سرا   دائما   في  النفس  البشرية   وقد  يرى أن عذاب  او تعا سة  إنسان في  موقع   معين  هو عذاب  للانسانية  .  لذا  فإن حالة  الموت   لدى  الشاعر     تغدو  موتاً  وحالة  انسانية   وليست   شخصية   ومعاناة  ومعضلة   تكتنف  الحياة في كل مكان، لا حياة شخص بعينه.

             ومثل هذا  التوجه   الشمولي هو  الذي  يمس أعمق أعماق النفس البشرية منطلقة من الخاص إلى العام، من دائرة فقدان ضيقة بموت  واحد  من ملايين  البشر إلى المصير  الذي ينتظر هذه   الملايين

ولهذا  فأن الشعر  يعتبر  من أهم أركان الفنون  الهادفة  في خلاص البشرية   واستكشاف  حالها  ومآلها   وارتقائها   إلى  مواقع  جديدة  خارج  دائرة  الالم   والعذاب    بما   يمتلكه  هذا  الفن العظيم  من رؤية  ورؤيا، وقوى  حدسية    تنبئيه  نتيجة  المعاناة  التي  تبعث  فيه  قوة   التشبث  والامل   من  داخل  المعاناة    النفسية   وليس   فوقها    أو خارجها.
 
           ان  معظم علماء  الجمال  يميلون  إلى  القول  بأن  عمل  الفنان هو   وحده   الذي   يسمح  لنا   بفهم  الإنسان  الحقيقي  فنفس الشاعر المتلهفة   على حب  المصير الإنساني   بإحساساتها  الإنسانية   حتما  يترجمها   إلى  جمالية    طاغية   مثقلة، حانية  على الناس   والأشياء   والعالم  وعليه استطيع ان اقول ان الشاعر  يستكشف في الطبيعة ما لا تراه عين الإنسان العادية وهو في رؤيته هذه يفجر الضوء لينير  ظلمة الحقيقة في النفس  وينزع عنها  كل  أقنعتها القاتمة وهذاالشاعر  قد يضع نفسه في مواجهة  نفوس إنسانية مختلفة  ربما يكون بعضها متعبة  وبعضها معذَّبة والاخرى  متالقة نحو السمو  والارتقاء  .
 
        لذا فالشاعر  ليس مجرد  إنسان  يحيا  لذاته،  ويعمل   من أجل إشباع  رغابته  وحدسه  الشعري ، بل هو  إنسان ذو  رسالة   معينة ويشعر أنه  ينطق  باسم  قوة  عليا    قاهرة   قد  تعلو  على شخصيته وتنفعل معها  وتلهمه  افضل  ما عنده  من ابداع  ولعل  هذا  هو السبب الذي يجعل  الكثير من الشعراء  يشعرون بأن لهم  حياة   أخرى تتعدى  وجودهم  الزماني  و الذاتي  وهذه الحالة  قد تصدق  بقوة  ان الجمال الذي لا يقف عند  حد  نزع  الكره  والبغضاء  واستئصال  كل ما  يشوه الجمال  وجه  البشرية  الجميل و إنه لينهض  بالنفوس  ويدفعها  نحو حياتها  واستقرارها   والجمال الشعري  يقدم  او  يثبت  صلات لكل  ما هو  موجود  من امور  ربما  تراها  عين الشاعر  وحده،  فيكون  شعره صوت  الحياة  الصافية  وسرها،  بحيث   تكون  لها  القدرة  على  التقاط او بعث  اهتزازاته  الكامنة   في اعماقه   وهذه  الاهتزازات  انما هي  رعشة  لخفقات  قلبية  او نفسية  تصل إلى مسامع   متلهفة  لتصل  الى جوهر الحياة   فيكون الشاعر  قد  اشتري  حريته  الأبدية   وما تسمو اليه  نفسه  الابية  من  قيم  عليا  طالما  ظل  يمني  نفسه  في الوصول اليها  فيفرغ شحناته  الشعرية  المنبثقة من  نزعات  نفسه  فيها .

     ونستنتج من هذا كله  حقيقة واحدة  هي ان الشعر في جوهره خبرة انسانية من نوع معين بل  هي  خبرة جمالية  عالية الهمة  ولا يمكن فهم هذه الحقيقة  العظيمة  الا من  خلال  فهم اسس  طبيعة الخبرة الجمالية  ومساراتها  وطموح نفسية الشاعر للوصو ل اليها  والالتصاق بها بحيث تبقى متعانقة مع  نتاجه الشعري  وتكون جزءا من كل معاناته وما يعتمل في نفسه  فيولد شعرا جميلا . 



        ***********************






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق