السبت، 16 مايو، 2015

موسوعة ( شعراء العربية ) المجلد الخامس ( شعراء العصر العباسي- الثاني ) الجزء الاول - تاليف د فالح الحجية الكيلاني القسم الاول






موسوعة  شعراء  العربية


   دراسة موسوعية لشعراء الامة العربية في عشرة مجلدات


                   المجلد الخامس

                                                  
   شعراء العصرالعباسي

                             ( القسم الثاني  )

                       الجزء الاول \ الجزء الثاني

                                  تاليف

الشاعر والباحث
د.  فالح نصيف الحجية
الكيــلاني














































                     المقدمة
                                         
                    بســــــــــــــــــــم الله الرحمن الرحيم

           الحمـــد لله رب العالميـــــن  والصــــلاة  والســــلام على  محمــــد  الحبيب المصطفى وآله  وصحبه  اجمعين .
     هذا هو كتابي الخامس  من موسوعتي الثانية  ( شعراء العربيــــة ) بعد  ان  اتممت  منها  كتاب  شعراء  الجاهلية  وكتاب  شعراء   صدر الاسلام  وشعراء العصر الاموي  والقسم الاول من شعراء العصر العباسي الاول  . فقد افردت  لشعراء العصرالعباسي  مجلدين  الاول  لشعراء العصر العباسي الاول في  جزأين  والاخر هذا الذي  بين  يدي  قارئي العزيز  لشعراء العصر العباسي الثاني  في جزأ ين ايضا )  .
    
   يحتوي هذا الجزء على  ترجمة  ذا تية  وفنية  لعدد من اشهر شعراء العصر العباسي الثاني  واكثرهم عطاءا واحسنهم نظما  واسناهم بداعة  وأ سماهم بلاغة  واحسنهم  تجديدا .

        وقد اعتمدت في هذا المجلد  التسلسل الزمني لسنة  الوفاة  لكل  شاعر في تقديمه  للدراسة .
        اسال الله تعالى السداد  والتوفيق في انجاز هذه الموسوعة كي اقدمها  للفكر العربي والثقافة العربية الرائدة  كاملة  شاملة  لأكثر شعراء العربية اهمية .

                انه  نعم المولى ونعم النصير

                                              د.  فالح نصيف الحجية الكيلاني
                                    عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب
                                عضوالاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق
                            عضو الاتحاد العالمي للشعراء والمبدعين العرب
                                عصو الاتحاد العام للكتاب والمثقفين العرب  
                                             العراق -  ديالى  -   بلدروز










                                              





























المؤلف  في سطور

   سيرة ذاتية

الاسم واللقب \ فالح نصيف الحجية الكيلاني
اسم الشهرة \   فالح الحجية
تاريخ الولادة \  بلدروز \  1\7\ 1944
البلد \ العراق - ديالى – بلدروز
 المهنة\  متقاعد
الحالة الثقافية \  شاعر وباحث                                                             
فالح الحجية شاعر وباحث  واديب عراقي معروف
 من مواليد \- العراق – ديالى- بلدروز 1944  .
                                                           
  من الاسرة الكيلانية  التي لها تاريخ عريق و ترجع بنسبها الى الشيخ 
عبد القادر الكيلاني الحسني والتي انجبت العديد من الاعلام على مر العصور.   

   *   كان يشغل  مديرا  في وزارة التربية العراقية حتى إحالته الى التقاعد  2001م
*أهم مؤلفاته  "الموجز في الشعر العربي"،  يعتبر من مراجع وامهات  الكتب العربية في الأدب  والشعر عبر العصور والأزمنة، ومن اهم الموسوعات التاريخية الموضوعية في الشعر العربي في العصر الحديث، والمعاصر بكل  مفرداته وأحداثه وتطوراته وفنونه وتغييراتها  بما فيها عمود الشعر والشعرالحر وقصيدة النثر والشعراء وطبقاتهم وأحوالهم.
    * منح شهادة الدكتوراه  الفخرية في  الاداب  عام  2013
     * منح لقب ( امير البيان العربي ) في  شباط 2014
  فالح نصيف الحجية هو:
     -    عضو الاتحاد  العام للادباء والكتاب في العراق 1985
-         عضو الاتحاد العام للادباء  والكتاب العرب 1994
-         عضو مؤسس في اتحاد ادباء  ديالى  1984
-          عضو  مركز الادب العربي - العراق
-          عضو الاتحاد الدولي لعلوم  الحضارة الاسلامية – ممثل دولة العراق
-         عضو  الاتحاد العالمي للشعراء والمبدعين العرب \ وكيل دولة العراق
-         عضو اتحاد الاشراف الدولي
-          عضو  اتحاد المنتجين العرب - الامانة العامة لشعبة المبدعين العرب ( جامعة  الدول العربية)  المدير الاقليمي لشعبة المبدعين العرب - فرع العراق – ومستشار الامور الادبية فيها .
-         عضو اتحاد المنتجين العرب( جامعة الدول العربية ) \ امانة شعرالتفعيلة – لجنة    التقييم والتصحيح .
-            عضو  المنتدى العالمي لمكارم الاخلاق والتنمية الانسانية ( الهيئة المؤسسة )
-         عضو  اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
-         عضو اتحاد كتاب الانترنيت العرب
-         عضو اتحاد  كتاب الانترنيت العراقيين
-          عضو اتحاد الشعراء والادباء العرب
-         عضو اتحاد  الادباء والكتاب  التونسيين
-         عضو رابطة  الادباء والكتاب العرب
-         عضو رابطة  المبدعين  اليمنيين
-         عضو مؤسسة اقلام ثقافية للاعلام في العراق
-         عضو الملتقى الثقافي العربي
-  عضو منظمة الكون الشعري في المغرب

     *  اما  المقالات الكثيرة  التي كتبها الشاعر في الصحف والجلات العراقية والعربية      والاجنبية  الناطقة بالعر بية  .

  *  الا ف المقالات التي نشرها في موقعه او المواقع والمنتديات الالكترونية على النت او    الفيس  وخاصة  المجلس العلمي  وشبكة صدانا – فضاء الاديب فالح الحجية  واتحاد الكتاب والمثقفين العرب –روائع الاديب فالح الحجية  وغيرها كثير  .

* وكذلك مشاركاته في كثير من المهرجانات الادبية والثقافية في العراق و اتحاد المؤرخين العرب وكل الندوات والمهرجانات التي عقدت في ديالى سواء عربية أو عراقية اومحلية

 * له علاقات وصداقات مع العديد من الأدباء والشعراء العرب والعراقيين منهم الشاعر الفلسطيني  محمود درويش والشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري والشاعرالسوري نزار قباني والشاعر العراقي سركون بولس والشاعر وليد الاعظمي والادباء والمورخين الاساتذة  منهم  عماد عبد السلام رؤوف   وسالم الالوسي  وحسين علي  محفوظ  وجلال الحنفي  وغيرهم كثير  ..
  

    من مؤلفات فالح نصيف الحجية الكيلاني


ا-الدواوين الشعرية :

           نفثات القلب                1978
           قصائد من جبهة القتال   1986
           من وحي الايمان          8 0 20 
           الشهادة والضريح         2010
           الحرب والايمان            2011 
            سناءات مشرقة           2014

ب – الكتب النثرية :
1 -في الادب والفن
2 -تذكرة الشقيق في معرفة اداب الطريق – دراسة وتحقيق وشرح للقصيدة التي تحمل نفس العنوان والمنسوبة للشيخ عبد القادرالكيلاني
3-الموجز في الشعر العربي \ دراسة موجزة في  الشعرالعربي عبر العصور بدءا من العصر الجاهلي وحتى عصر النهضة او الحديث ثم المعاصر اعتبر او قيم من قبل اغلب المواقع الادبية على النت - انه احد امهات الكتب العربية في الادب واللغة  في موضوع الشعر والادب       اربعة اجزاء
4-شرح ديوان الشيخ عبد القادر الكيلاني وشيء في تصوفه – دراسة شاملة في ادب الشيخ عبد القادرالكيلاني كنموذج للشعرالصوفي وشرح القصائد المنسوبة  اليه             اربعة اجزاء
5    -   كرامة فتاة ( قصة طويلة )
6-   اصول في الاسلام
7-   عذراء القرية (قصة طويلة )
8-  الاشقياء  ( مجموعة قصص قصيرة )
9-  بلدروز عبر التاريخ
10-  دراسات في الشعر المعاصر  وقصيدة النثر
11- الغزل في الشعر العربي
12– عبد القادر الكيلاني  وموقفه من المذاهب والفرق الاسلامية     دراسة
13--شرح القصيدة العينية \ مع دراسة  بحثية في شاعرها  الشيخ عبد القادر الكيلاني
14-  -مدينة بلدروز في الذاكرة
15- شذرات من السيرة النبوية المعطرة

 ج- موسوعة  التفسير الموضوعي للقران الكريم  وقد انجز منها الكتب التالية :
1-اصحاب الجنة في القران الكريم                 جزءان
2-القران في القران الكريم
3- الادعية المستجابة في القران الكريم
4-الانسان ويوم القيامة
5- الخلق المعاد في القرآن الكريم
6-يوم القيامة في القران الكريم                    جزءان

     د – موسوعة  ( شعراء العربية )   وقد انجز منها الكتب التالية  :
1- شعراء جاهليون
2-شعراء صدر الاسلام
3- شعراء  العصر الاموي                             جزءآ ن
4- شعراء  العصرالعباسي     القسم الاول          جزءآن
5- شعراء العصر العباسي     القسم الثاني         جزءان
6- شعراء العربية في الاندلس
7 - شعراء  الفترة الراكدة والعثمانية
8- شعر اء النهضة العربية
9- شعراء  الحداثة  العربية                           جزءان
10-  شعراء  المعاصرة العربية                     جزءان





     *******************************





















       الشعر في العصر العباسي الثاني




            كان لسيطرة الاتراك على الدولة العباسية وادارتها زمن الخليفة المعتصم بالله وما بعده اثر بالغ في ضعف الدولة وسيرها في طريق الانحلال والتقهقر  فقد  عمل الرشيد على تقوية دولته – كما توقع - فتزوج  من  زوجة  فارسية  ليقرب الفرس منه  ويامن  جانبهم  لانهم سيكونون اخوال اولاده  منها  وهم  كثير في دولته  اذ  يشكلون الجزء الشرقي منها ويتخذهم انصارا له وتزوج من اخرى تركية ليقرب الاتراك منه   وليشدوا  على عضده  في  صيانة  دولته  وكانوا  كذلك في زمنه  فانجب من زوجته  ابنة عمه ( زبيدة)  ابنه  (الا مين)  ومن  زوجته الفارسية ابنه ( المأمون ) ومن زوجته التركيه ابنه ( المعتصم ) وكان هذا فيما بعد كان  سببا من اسباب سقوط الخلافة العباسية  وسبب هذا الزواج كان يقصد به توطيد العلاقة  بين العرب والفرس والترك  كنتيجة للمصاهرة  والقرابة  الا ان  ما اثمره هذا التصاهر  كان وبالا على الحياة السياسية  الى حد الاقتتال  .

         بعد وفاة الرشيد اقتتل الامين والمامون الاخوة بينهم على سدة الحكم  واستعان كل  منهم  باخواله والمقربين  منه  فاستعان الما مون باخواله الفرس على اخيه  الامين  في  قتاله  والوصول  الى الخلافة  وقربهم اليه  واعتمد عليهم في كل امورالدولة  وانعكس ذلك حتى في الامورالدينية والمذهبية وتفرق الخلق واقتتل الناس بينهم  فكان ماكان و كتب التاريخ خير شاهد على ذلك وما فيها من معارك واحداث  .
   
        وبعدها  أي بعد وفاة الامين والمامون استخلف المعتصم  وامه تركيه فقرب اليه الاتراك  واعتمد عليهم في اغلب مفاصل الدولة العربية الاسلامية   وعلى كل حال  فقد دخل الى  جسم الدولة او جسم الخلافة العربية من ليس منها  وعمل على تقويضها كان كل هذا قد حدث في العصر العباسي  الاول  واستمر  وزاد في العصر العباسي الثاني.     
                          
          وكان في اثناء وجود الاتراك  في الحكم كان الفرس  يتحينون  الفرص لاعادة مجدهم الغابر  او السالف  فقاموا  بقيادة  ال بويه  بحملة قوية  اعلنوا سيطرتهم على بلاد خراسان واكتسحوا الخلافة العباسية في بغداد  التي كان الاتراك  مهيمنين على الحكم فيها  وتنصب معز الدولة الفارسي اميرا على بغداد في ظل الخلافة العباسية التي لم يبق منها الا  اسمها  ورسمها. اماالخلفاء العباسيون فقد تحولوا الى بيادق شطرنج يلعب بهم اللاعبون من ال بويه من الفرس ومن بعدهم من ال سلجوق من الترك.

       نعم  لقد  انحدر ت قوة وعظمة  الدولة العباسية ا و بدأت بالانحدار نحو الاسوء  بعد  الخلفاء  الاشداء  فيها مثل  المنصور والرشيد ...      و سيطر البويهيون  على الحكم الاسلامي في بغداد  سنة \334 هجرية
 بعد ضعف سيطرة الاتراك عليها وان اغلب هؤلاء الامراء كانوا ضعافا في ادارتهم للدولة فسارت الدولة نحو الانهيار والتقهقر والانحلال  ويعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة \ 247 هـجرية  بداية العصر العباسي الثاني وفيه استبد القادة الاتراك  بالسلطة  وأصبح الخليفة طوع إرادتهم وأسير هواهم  وقد عبر عن ذلك احد الشعراء  فقال:

       خليفـــة   فـــي   قفــص
                                    بيـن    وصيـف    وبغـا

         يقــول مـــا  قــالا  لـه
                                    كمــــا    تقول     الببغا

        وأدى ذلك الى ظهور استقلال او انفصال بعض الامارات  عن الخلافة  العباسية  في  بغداد  فبعد  ان  كانت  خلافة  اسلامية  واحدة .  اصبحت خلافة   في بغداد  وامارات مستقلة عنها  في الاقاليم  التابعة لها  كالامارة الاخشيدية في مصر التي قامت على اثر انقراضها  الدولة الفاطمية التي استقلت عن الخلافة العباسية في بغداد بل نازعتها الخلافة وامتدت اجنحة  حكمها شرقا وغربا  وكذاك ظهرت امارات عديدة  كالامارة الحمدانية في حلب ثم  توسعت فشملت الشام كلها تقريبا  الا انها بقيت معترفة بالسلطان العباسي عليها اسما فقط  .وكذلك  مثلها  
ا مارات  قد نشات في الثغور الشرقية للبلاد الاسلامية  وهكذا تفرقت الدولة الاسلامية الموحدة وظهرت خلافات وامارات في البلاد نازعت الخلافة الاصلية  في كل امورها وخاصة الثقافية  والادبية .

        كان  هؤلاء خلفاء وامراء  هذه الاقاليم قد جمعوا حولهم الشعراء والادباء والعلماء ورجا ل الثقافة والعلم  وتباروا فيما بينهم  حول جمع كل منهم العدد الاكبر من هؤلاء  وبذلوا الاموال لهم منافسة بينهم فاثر هذا  في ازدهار كل العلوم  وعلى راسها  الادب  العربي  وخاصة الشعر حيث كثرت فنونه  وارتفعت رايته  وارتقت  خيالاته وفنونه  . الا ان اللغة العربية بدأت تظهر عليها علائم الضعف في نهاية العصر ويكتنفها  الوهن  خاصة في الثغور الشرقية من الدولة الاسلامية  لعجمية سكانها  فبدات تحل مكانها اللغات المحلية او اللغة الاصلية لاهل  تلك  البلاد مثل اللغة الفارسية التي حلت محل اللغة العربية بعد قرنين من الزمن ودفعت الحالة الثقافية والاجتماعية  شعراءهم  الى النظم في لغتهم  الفارسية كما فعل الشاعران عمر الخيا  م  ووسعدي الشيرازي  .

       وكذلك  ظهرت في البلاد الاسلامية عصبيات اشتد النزاع  بينها ومذاهب دينية تقاسمت البلاد  ا لاسلامية بينها كما اطلقت الحكومات الاسلامية  العنا ن لليهود  والنصارى  للعمل  كيفما  يشاؤون   وكذلك اختلفت  وجوه المعاش وكسب  الرزق او الحالة الاجتماعية  والاقتصادية  في البلاد وانقسم الشعب بين  غني  مترف وفقير  جائع .

        فالقسم  الاول  وهو  الامراء والقادة والتجار  واصحاب الاموال والاعمال عاشوا بترف غير معقول في كل امورهم  في الملبس والمسكن  وهم طبقات الخلفاء  والامراء والشعراء المقربين والاغنياء .

         واما السواد الاعظم من الشعب  وهم الفقراء في المجتمع فهم راسفون في  قيود من فقر مدقع وعيش ذليل  وكسب قليل لا يسد اودهم ولا يسمنهم  من جوع  وقد انعكست كل هذه الاحوال على الادب والشعر في البلاد فكان ادب الاغنياء يتمثل بوصف القصور  الفخمة والرياض الزاهرة والغزل والغناء   والخمرة  واللهو  والترف  و القسم الاخر  يتسم بالشكوى والحنين والبكاء وذم الزمن  وصروف الدهر.

      اجتمع الشعراء حول  الخلفاء والامراء واصحاب النفوذ والجاه فانتشرت الثقافة في هذا العصر امتدادا لثقافة العصر العباسي الاول  والتي آ تت اكلها  في هذا  العصر فنمت  في  ذاك  و اثمرت او اينعت  في هذا  وكذلك  لصناعة  الورق  اثر عظيم في  انتشار الثقافة  ككل  ونشوء المكتبات العامة والخاصة  والمدارس النظامية الحكومية  بجانب المدارس الخاصة  والتعليم الفردي  للابناء الخلفاء و الوزراء ...  لكل
هذا اثر عظيم في تقدم الثقافة ووصولها الى اوج عظمتها في  الدولة الاسلامية  وتقدم الشعر واتساع افاقه واخيلته وتحسين  معانيه  فازدهر في هذا العصر  اكثر من  باقي العصور العربية  وبلغ  شأوته  وظهر فحول من الشعراء كالمتنبي  وابي العلاء المعري والحمداني وابن النبيه  والشريف الرضي  وغيرهم ..

      لذا يمكننا ان نقول ان هذا العصر هو العصر الذهبي للشعر العربي
 بما  اوتي  فيه من نتاج  وتجديد  ورقة في النظم  والالفة في القول .

             ولما استولى البويهيون على السلطة بعد الأتراك  انتهجوا  نهجهم  فكان الأمير البويهي يولي الخلافة من يشاء من اولاد الخلفاء العباسيين  ويخلعها  ممن  يشاء  وكثرالخلع  . و كثيرا ما يتم بالذل والهوان.  حتى كان  يوم  خلع الخليفة  يوم ابتهاج عند الجند  وفيه يجري نهب دار الخلافة وفيه يطالب الجند الخليفة الجديد برسم (بيعته). وكان يجري على الخليفة المخلوع نفقة قد لا تكفيه, فيضطر إلى العيش  بالكفاف  واستعطاف الناس.

      وكذلك  الوزراء   فلم يكن حال الوزراء بأفضل من حال الخلفاء  فكان الوزير يأتمر بأمر المتغلبين  فإذا غضبوا عليه عزلوه وصادروا أمواله  وربما يقتلونه وكثيرا ما كان الوزير يُنصب ثم يُعزل, ويتكرر نصبه وعزله   مرات عديدة وغالبا ما كان ينتهي عزله بمصادرة امواله  ومن ثم   قتله ومع ذلك فإن الكثيرين  كانوا  يطمعون  في تولي الوزارة, ويبذلون المال في شتى المجالات  في  سبيل  توزيرهم. كما هو الحال  لدينا  حيث أن الوزارة كانت موردا للثراء الفاحش عن طريق الرشاوى  وقيل أن محمد بن عبيد الله بن خاقان وزير الخليفة المعتضد بالله  كان  يأخذ الرشوة من كل طالب وظيفة  وربما عين للوظيفة الواحدة عددا من الموظفين  وقيل إنه عين في يوم واحد  تسعة عشر ناظرا للكوفة  وأخذ من كل واحد  منهم  رشوة معينة .  الا ان بعض الوزراء  كان  حسن السياسة  ذا دهاء وذكاء  يستطيع أن ينال من الخليفة أو الأمير البويهي تفويضا بتصريف أمور الدولة  وكان أهم هذه الامور  ضمان الخراج وتعيين الولاة  والعمال  والقضاة  والكتاب  لذا يكون للوزير على من يوليه جبايات يجني منها ربحا وفيرا  ويثري به ثراء فاحشا. و من أجل ذلك كانت الوزارة هدفا  للدسائس والحسد . وكثر الطامعون  في منصب الوزارة,  فإذا  أفلح  الدس  وغلب  اهله  على الوزير عزل  هذا  الوزير وصودرت أمواله  وكان ما يصادر يعد بآلاف الآلاف من الدنانير لذا كان بعض الوزراء  يطمرون  خزينهم من الاموال  والنقد  تحت الارض  الى أن تنتهي الازمة و قيل في ذلك:

إذا أبصرت فـي خلع وزير  
                                         فقل أبشر بقاصمة الظهور

بأيام   طـوال  فــي   بـلاء
                                         وأيام   قصار في  سـرور

      وكان العرب –  ولا يزالون –  يتكنـّون - وهي عادة عرببية قديمة  -  بأسماء  أكبر أبنائهم  فيقال  ابو فلان  مثلا  وكان  الخلفاء  يتلقبون ب(أمير المؤمنين)  منذ  عهد الخلفاء الراشدين في زمن عمر بن الخطاب وما بعده  وكذلك  خلفاء  بني امية .

        وعندما  انتقلت الخلافة إلى بني العباس أضافوا إلى هذا اللقب ألقابا  اخرى  تدل على صفة  يتميز بها الخليفة. فقد عرف عبد الله أبو العباس وهو  أول خليفة عباسي  بلقب (السفاح) وتلقب أخوه الخليفة  عبد الله أبو جعفر بلقب (المنصور) وتلقب ابنه الخليفة  محمد  بلقب (المهدي) وتلقب  الخليفة  موسى بلقب موسى (الهادي)  والخليفة  هارون (الرشيد). ولقب الرشيد أولاده الثلاثة: محمد وعبد الله والقاسم بلقب محمد (الأمين)  وعبد الله (المأمون)  والقاسم (المؤتمن). وهكذا جرت  العادة  في تلقيب الخلفاء  واولادهم .

         ولما استبد القادة  الأتراك  بالسلطة فرضوا  على الخليفة  ان يطلق  لقب على من بيده السلطة منهم لقب ( أمير الأمراء)  ولماء  جاء من بعدهم  البويهيون  الزموا الخليفة العباسي ان  يطلق  عليهم  ألقابا فيها معنى الاعتراف بسلطانهم  فلقب أحمد بن بويه بلقب (معز الدولة) ولقب أخوه علي  بلقب (عماد الدولة) ولقب أخوه الحسن بلقب (ركن الدولة), وهكذا كثرت  الالقاب  في الدولة  كعضد الدولة وجلال الدولة وبهاء  الدولة  وفخر الدولة.  حتى ان  منهم  من  لقب ( السلطان ) ا و     ( شاهنشاه ) أي ملك الملوك  ثم سرت هذه الحالة  في امراء الدويلات   المستقلة  .وهكذا كثرت  الكنى والألقاب  في العصر العباسي  الثاني  ويقول احدهم  في ذلك شعرا :

أما رأيت بني العباس قد فتحوا
                                         من الكنى ومـن الألقاب أبوابا

ولقبوا رجـلا لو عاش أولهم
                                        ما كان يرضى به للقصر بوابا

قـل الدارهم في كفي خليفتنا
                                          هذا فأنفـق في الأقـوام ألقابا


        وقد نهج الخلفاء الفاطميون نهج الخلفاء العباسيين في الألقاب  فكان منها المهدي  بالله والعزيز  بالله والمعتز  بالله والحاكم  بأمر الله والمستنصر بالله, وفي  الأندلس  تسمى عبد الرحمن الثالث  بن محمد بالخليفة واتخذ لنفسه لقب الناصر لدين الله ونهج  من جاء بعده  نهجه  فكان منهم المؤيد بالله والمستعين بالله  والمستظهر  بالله والمعتمد بالله.
واتخذ ملوك الطوائف في الأندلس الألقاب فكان منهم المعتضد بالله ملك أشبيلية وابنه المعتمد على الله وكانت هذه الألقاب على ضخامتها لا تمثل لمن اتخذها لنفسه شيئا من معانيها,    

         ظهرت  في هذا العصر  الفتن المذهبية ثارت بين الشيعة وبين السنة, وخاصة الحنابلة منهم, فتن كان مسرحها بغداد . وقد بدأت في أوائل القرن الرابع الهجري وامتدت إلى أواخر القرن الخامس الهجري وكانت تتوالى الفتن عاما بعد عام, وكثيرا ما كانت تشتد, فينشب فيها قتال مرير بين ابناء البلد الواحد  والمدينة الواحدة .
 
          وقد  أزر البويهيون  الشيعة في  تشيعهم, وشد الأتراك أزر أهل السنة لأخذهم بمذهبهم  وقد افضت هذه الى اشتداد العداء  بينهم الى حد المقاتلة  فقتل  خلق كثير من الطرفين  جراء ذلك .

        وكذلك كانت الفتن تحدث  بين الحنابلة والأشاعرة  وبين الحنفية والشافعية, فكان أهل كل مذهب يتعصبون لمذهبهم  ويدفعهم التعصب إلى القتال  بينهم  مما اثر في خراب المدن واضعاف شوكة المسلمين وقوتهم   وكانت  بغداد مسرحا  لمثل هذه الامور والاحداث وقد كانت هذه وغيرها  اسبابا  لنشوب  ثورات كثيرة  في  البلاد الاسلامية   مثل  ثورة الزنج  وثورة القرامطة  وكذلك ادى الى انفصال  بعض الاقاليم عن جسم الدولة العباسية واقامة  اقاليم  وامارات في البلاد وخاصة البعيدة عن الخلافة  وربما  خلافات   جديدة  مستقلة عن الخلافة  العباسية . مثل الدولة  الاخشيدية  والخلافة  الفاطمية  والامارة الحمدانية  والدولة  الصفارية  
  فوجود  الدويلات  والامارات  وخاصة  غير العربية  المنسلخة من جسم الدولة العباسية  ضمت بين  اهدافها هذه الامور.ثم  كانت هذه الانقسامات  سببا واسعا  وكبيرا لقيام  الحروب الصليبية وطمع الدول الاوربية تحت علامة الصليب في الفضاء  على الدولة الاسلامية  او الاستحواذ  على  بعض  اجزائها  المقدسة  لديهم  وخاصة ( فلسطين)  وفي  صفحات التاريخ  الشيء  الكثير الكثير  والشواهد  القائمة  على  ما  ذكرناه .
   

            كان لهذه التطورات السياسية  اثرعظيم في الشعر العربي  وتقدمه وازدهاره  فقد  كانت بغداد ام الدنيا  ومركزالخلافة  العربية الاسلامية  ومركز الثقافة والعلوم  وفيها جل الشعراء  الا  انه ظهرت  مدن اخرى اجتمع فيها الشعراء  هي  مراكز الا مارات  كحلب والقاهرة وجرجان وبخارى وسمرقند والاندلس واماراتها  وغيرها و كل امير من امراء هذه الامارات حاول ان يجمع حوله العديد من الشعراء والادباء والمثقفين  ويتباهى في جمع اكبر عدد منهم لحبهم الادب وخاصة الشعر  وليمدحوهم ويذكروهم في شعرهم  فادى هذا التنافس  حتما والى ايجاد امور دفعت الشعر نحو علائم التقدم والرقي الثقافي والحضاري في كل مجالات الحياة .

           لذلك فقد اجزل الخلفاء والامراء العطاء للشعراء الذين نالوا حضوة كبيرة عندهم  حتى بلغ بهم حد الاستيزار  ورئا سات الدواوين الكتابية  وخاصة اذا علمنا ان بعض الا مراء والخلفاء كانوا يجيدون الشعر  وقرضه ونقده .

        و كان لتشجيع الخلفاء والامراء  للادب والشعر والثقافة عموما  الاثر الابلغ  في تقدم الشعر وتطوره فقد كانت الثقافة في العصرالعباسي  الاول  قد شهدت تقدما كبيرا  وسمت  نحو التقدم والرقي سموا عظيما  فاتت هذه الثقافة  اكلها  في العصر العباسي الثاني اي في هذا  العصر  حتى  بلغت اوج عظمتها  من التقدم والرقي .والحضارة في كل المجالا ت  الثقافية  فتطورت الاداب وتنورت العقول  وخاصة الشعر.  فتحسـنت اساليبه  وسهلت مفرداته و كثرت معانيه  وشمخت  اخيلته  وازدادت فنونه واغراضه لتشمل كل امور الحياة ومتطلباتها .
  
      وكان لنشوء المكتبات العامة اوالخاصة وايجاد المواقع الدراسية بحيث  اصبح التحصيل العلمي والادبي ابوابه مفتوحة  للدارسين  واثره واسع  في ذلك . فقد انكب الناس  وبالاخص الشعراء  على المطالعة  والتدارس ومحاولة الايتاء بما هوارق و افضل وادق  فزاد هذا في تفتق افاق الشعر واخيلة الشعراء وكذلك فتحت مدارس  نظامية  درس بها الطلاب  الادب والشعر وفنونه وعلوم اللغة العربية مثل ا لنحو والبلاغة والصرف والعلوم الصرفة والفلسفة والرياضيات والهندسة  والبناء والري وفي كل  امورالحياة  وكانت هذه من اسباب تطور الشعر ودفعه نحو التقدم والرقي والاكتمال  والعظمة فظهر شعراء  فحول لم تسبقهم سابقة مثل المتنبي والمعري ..

           الحالة الاجتماعية والمعاشية  في هذا العصر اختلفت  عما كانت عليه في العصر السابق فقد  ادى ضعف  الخلفاء  العرب في هذا العصر الى ظهور العصبيات - التي كانت  مكبوتة  في العصور السابقة اوالتي كانت تعمل في الخفاء - على نطاق واسع  ودون تخوف من احد  او  ردع  من  رادع  و اصبح لكل  قومية  جماعتها  التي  يناصرونها  ويؤيدونها  ولها  رجالها  وشعراؤها  وانتشر الانحلال الجتماعي   وعم الضعف  كل  مفاصل  الخلافة  العباسية  وتدهورت  الحالة  السياسية وتبعتها بقية الامور 

       وكذلك انقسمت الدولة الاسلامية الى مذاهب دينية عديدة وشاعت الفرقة والتباغض بين المسلمين او قل بين اتباع مذهب واخر حتى وصل في نهاية الامر حد الاقتتال  والتخريب  بين المسلمين يقتل بعضهم بعضا  ويخرب  ممتلكات البعض الاخر ويسفه اراءه .

         اما  غيرالمسلمين من الطوائف والاديان  الاخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية وما اليها  فقد اطلقت الحريات لهم يعملون ما تشاؤون ويؤدون شعائرهم ومعتقداتهم  بحرية تامة  وربما عاونهم ضعاف العقيدة  من بعض المسلمين على اداء هذه الشعائر وقد حضر بعض الخلفاء العباسيين بعض شعائرهم واعيادهم مرغمين .؟
 وكان لاختلاف  هذه العصبيا ت والمذاهب وتنازعها  اثره البالغ على الشعر فظهر شعراء غير مسلمين  وغير عرب  وخاصة الفرس  وهم كانوا اصحاب حضارة  فتمجدوا بديانتهم القديمة او بفارسيتهم .

       اما اختلاف طرق المعيشة فقد انقسم الناس في معيشتهم ومعاشهم الى طبقات  عديدة فمنهم طبقة الخلفاء والامراء والمترفين الذين اوغلوا  في الاسراف والتبذير والغلو الفاحش فانكب  اغلبهم على اللهو والمجون والصخب وعاشوا حياة  مترفة مبتذلة بين شرب الخمرة واقتناء  الجواري الحسان  والغلمان والولدان الذكور .

        وقسم اخر دون ذلك  وهو طبقات التجار واصحاب المهن والحرف فكان التجار يجلبون البضائع والمواد من الهند والصين ومن شرق البلاد وغربها واواسط اسيا   وهؤلاء في اكثر الاحيان تنهب الحكومات اموالهم بحجة الضرائب او المصادرة  مما  ادى بهم ان  يتظاهر اغلبهم  بالفقر والعوز وما هم بفقراء ولا معوزين .

     اما الاقسم الاخر فهم السواد الاعظم من الشعب فقد كانوا يعيشون في حالة من البؤس والفاقة  والحرمان  عظيمة .


       وقد رسم لنا الشعر الصور  الواضحة والجلية لكل هذه الاحداث فقد كان مرآة  صقيلة صافية  تعكس كل ما في البلاد من احداث وكل ما في المجتمع من امور .

        لقد  كا ن  الشعر سجلا حاضرا  حافلا يسجل كل  كبيرة وصغيرة  فالشعراء هم ابناء الامة  وابناء  البلد  ومن شتى طبقاته  الاجتماعية المختلفة  . وكل  يصور حالته  والحالة  التي يعيش   فيها امثاله  فهو صورة حية  للواقع المعاش  يمثل الحقيقة  الواقعة  فعلا الا ما ندر .

   انعكست هذه الامور على اللغة العربية ايضا  وبدأت تنحسر عن بعض المناطق التي انتشرت فيها  وخاصة في  الشرق  . وهكذا غربت  شمس اللغة العربية عن مناطق كثيرة كانت قد اشرقت عليها  وانارتها  بنور الاسلام  والقران الكريم  ونور العلم والادب والمعرفة .

            لقد  ظلت اللغة العربية  لغة الدين  والثقافة  والعلم  والادب  والدولة  طوال هذ العصر والعصور التي قبله وهي في اتساع وامتداد حتى وصلت فرنسا وشواطيء  البحر المتوسط  وجزره مثل  صقلية ومالطة  وحول  بحر الادرياتيك .و وصلت الى اواسط  افريقيا  و الى الهند والصين  وانشات  مدنا  وعواصم  للعربية فيها   مثل   بخارى وسمرقند  فاينما توجه العرب  نشروا الاسلام دينا والعربية لغة.  الا ان استقلال  بعض الامارات عن الخلافة في هذا العصر وفي قرنه الثاني وما بعده و تاميرها  بامراء غير عرب  وخاصة الامارات الشرقية  جعلتهم  يتعصبون  للغاتهم الاصلية وا خص الفارسية  حيث شجعوا  تلك اللغة التي  كانت عاجزة من ان تقوم  بها  الاعمال الادبية اوالعلمية خلال قرون من بعد الفتح العربي  الاسلامي لبلادهم . فقد تطورت في تلك الامارات وحلت اللغات المحلية محل اللغة العربية  وظهر فيها شعراء وادباء  وعلماء  دونوا  بهذه اللغات المحلية   مؤلفاتهم وقصائدهم  مثل عمر الخيام و سعدي الشيرازي 

       وهكذا  ضعفت  اللغة العربية  في هذه الاصقاع  وانكمشت  كلما
 تقدم الزمن  وبقيت لغة  الدين فيها  فقط  وقد  تحرج  علماء  اللغة  من الاستشهاد  باقوال الادباء والشعراء  في هذا العصر  والعصور التالية  خشية الوقوع  في الخطأ اللغوي  وانحسر الاستشهاد  بما قيل قبل هذا العصر.

     اما في الجها ت الغربية من الدولة الاسلامية في الشام   ومصر  وشمال افريقيا ووسطها  وبلاد الاندلس فقد بقيت اللغة العربية فيها  قوية وهي لغة  التخاطب  والدين والعلم والادب  لان اغلب الشعب في هذه الاقاليم  من اصل عربي  لذا حافظ  على عروبيته  فيها وخاصة اللغة . وحرص  الخلفاء  والامراء  في الدول  والامارات  فيها  على  تقدم اللغة العربية والحفاظ عليها  فتقدمت .

     اما في بلاد الاندلس فقد انحسرت اللغة العربية بمرور الزمن وحلت محلها لغة البلاد الاصليين بعد ان تم طرد العرب منها بعد ظهور دويلات الامارات التي  كانت وبالا على الحكم العربي  في هذه البلاد . فقد  تقاتل الامراء العرب فيما بينهم في بلاد الاندلس  فادى ذلك الى ضعفهم  نتيجة  التناحر والتقاتـل  فيما بيـن هذه الدويـلات.هذه المقاتلـة الطويلة  الامـد   و كانت سببا في ضياع  بلاد  الاندلس من ايديهم  ومن ثم طردهم منها حتى عذب العرب والمسلمين  اشد انواع  العذاب  وخير دليل على  ذلك قيام المحاكم الغاشمة في هذه البلاد  لقتلهم وطرهم منها.   

      مما لا شك فيه ان الشعر يمثل حياة الانسان في المجتمع ويصورها افضل  تصوير فمن  يطلع على  شعر حقبة زمنية معينة يستطيع  معرفة الكثيرعن احوال هذا المجتمع في تلك الحقبة الزمنية .
  
       واول هذه الفنون والاقرب الى نفوس  الخلفاء ووالامراء والقادة  هو الفخر و المديح فقد بلغ من التوسع شاءوا  كبيرا  وعظيما  واتسعت آفاقه  وكان  من  اهم اسباب تقدمه  ورقيه  واتساع  مفاهيمه  ودقة اساليبه تقريب الخلفاء والامراء  الشعراء  اليهم  وكثرة  وجود  العديد  من العواصم والمدن التي  يتواجد فيها الامراء ومحاولة كل منهم ان  يجمع  اكبر عدد من الادباء  الشعراء  والعلماء  في  مجلسه  ليكون افضل من مجالس الاخرين . وبذخهم المال على هذه المجالس  ومنح  الهبات  والعطايا  السنية  للشعراء وغيرهم ومنهم من امّل الشعراء بالامارة كما فعل الاخشيد مع المتنبي  ومنهم من اهدى الشعراء الضياع والجواري الحسان اضافة الى المال الكثير فكانت هذه اسباب ا زدياد  الشعراء  وتهافتهم على هذه المجالس  فكثر  المدح  والفخر والغلو فيهما .

      وقد تميز المدح  في هذا  العصر بالاطراء  والمبالغة  كما  وصف المعارك والامراء وهم  يقاتلون وينافحون عن البلاد وكذلك مدح الامراء والقواد  والشجعان من المقاتلين و ذكر تلك الانتصارات التي حققوها في هذ ا العصر  كما  فعل  المتنبي   والشريف الرضي وابن الهبارية  وابن مطروح  وابن النبيه وغيرهم .
     يقول المتنبي في  مد ح سيف الدولة الحمداني :

     رايتك محض العلم  في محض قدرة
                                  ولو شئت كان الحلم  منك   المهند ا

  وما قتل  الاحرار   كالعفو   عنهم
                                 من    لك  بالحر   الذي  يحفظ   اليدا

  اذا انت  اكرمت  الكريم   ملكته 
                                     وان انت  اكرمت   اللئيم   تمر دا

 ولكن تفوق الناس  رأ يا    وحكمة
                               كما  فقتهم    حالا   ونفسا      ومحتدا

       والغزل  من ارق الفنون اوالاغراض الشعرية واحبها الى النفس البشرية  لذ ا توسعت  وتشعبت  وظهرت فيه  عدة  فنون  جديدة  تكاد تكون فنونا مستقلة منها الغزل التقليدي  والغزل بالمذكر والغزل الخليع وغزل الحب الصادق والالم والحسرة والغرام والشكوى والوله القاتل  وما يحس به الشاعر الواله  او العاشق  وكذلك  الغزل الصوفي  الذي  يعتبر امتدادا  لشعر الزهد  حيث نشأ  بالعراق  ثم  انتقل  الى  مواطن اخرى  ومن اهم  شعراء التصوف : القشيري وابن الفارض  وابن عربي  والحلاج  ورابعة العدوية 

         اما الشعر الفلسفي فقد نشأ في الشام  او يكاد  ان يكون هكذا  ومنها تسرب .وممن  اقحم الفلسفة في الشعر ابو العلاء المعري  وابن سينا  والرازي  وغيرهم  وكانت روح العصر تتطلب ايجاد مثل هذه الفنون .
 وتعجبني هذه الابيات  للمعري :

 اذا رجع الحصيف الى  حجاه
                                         تهاون بالشرائع   وازدراها

  فخذ منها  بما  اتاك    لب
                                       ولا يغمسك  جهل في  صراها

وهت اديانهم  من  كل  وجه
                                       فهل  عقل  يشد   به   عراها

       وكذلك  توسع فن الوصف  واتسعت  معالمه  ومجالات  القول فيه           فقد وصف الشعراء  المعارك الحامية التي دارت بين المسلمين والاقوام الاخرى  ووصفوا البلدان التي فتحت على ايديهم كما وصفوا بل وا كثروا من وصف الطبيعة ومناظرها الرائعة الخلابة ومظاهرها وجمالها الساحر  ووصفوا  مجالس الخمرة  ومجالس الغناء ووصفوا النساء المشاركات فيها  وهن  يرقصن  ويغنين  ووصفوا  الرياض  والقصور  والعمران   والورود  في الحدائق  و تفتقت  اخيلتهم في  هذه الوصوف  وظهرت المقدرة لدي العديد من الشعراء مثل  الصنوبري الذي اختص في وصف الطبيعة  والوءواء   الدمشقي والحمداني  والمتنبي في وصف المعارك
     يقول الصنوبري في وصف زهرة شقائق  النعمان :

           كأن  محمر  الشقيق   
                                      اذا  تصوب  او تصعد

         اعلام  ياقوت  نشرن    
                                     على بساط  من زبرجد

          وظهر  كذلك فن  التشكي من الزمن  ومن الاحداث الاجتماعية  وكان موجودا كشذرات في قصائد الشعراء  الا انه في هذا  العصر  ظهر كفن  جديد  ويتميز بذكر الحوادث  والاحدات التاريخية  ونقد  المجتمع نقدا تحليليا والشكوى من  مصائبه واحداثه وهي كثير .
 لاحظ قول ابي العلاء  المعري  فيه :

   دنياك دار  شرور لاسرور بها
                                   وليس يدري  اخوها  كيف يحترس

  بينا امرؤ يتوقى الذئب عن عرض
                                 اتاه   ليث   على   العلات   يفترس 

 الا ترى هرمي مصر  وان شمخا
                                 كلاهما  يبقين     سوف     يندرس

            اصاب الهجاء في هذا العصر  بعض التوسع و كان من اسبابه التنافس بين الشعراء حول الحضوة لدى الامراء  والخلفاء 

      وتميز الهجاء هذا العصر بالاسراف في القول البذيء والنيل 
من الاعراض مما يذكرني بهجاء الحطيئة في العصرين الجاهلي وصدرالاسلام  او شعر النقائض بين  جرير  الاخطل  او الفرزدق 

        ومن اشهر شعراء هجاء المتنبي  وابن الصياد  وما  هجاء ابي الطيب في كافور الاخشيدي عنا  ببعيد  بعد ان مناه  وامله ثم نكث  فصب  المتنبي عليه  غضب الدهر  ولعنة  الزمن  على مدى الدهور والازمنة  وجعله  اضحوكة  للاخرين  يقول \

كلما  اغتال  عبد السوء  سيده
                                      او خانه  فله في  مصر   تمهيد

  نامت نواطير مصر عن ثعالبها
                                   فقد بشمن  وما تفنى       العناقيد

 العبد ليس  صالح   باخ
                                   لو انه  في    ثياب   الحر   مولود

لا  تشتري العبد  الا  والعصا معه
                                    ان   العبيد   لانجاس        مناكيد

 ما  كنت  احسبني ابقى الى  زمن
                                   يسيء  بي  فيه  كلب  وهو محمود

ولا توهمت ان الناس قد فقدوا
                                 وان  مثل     ابي البيضاء    موجود

 او قوله فيه :

 أمينا  واخلافا  وغدرا  وخسة ؟؟
                                      اشخصا  لحت  لي  ام مخازيا ؟؟

    وكذلك  كثرت  الاخوانيات  بما فيها  المعاتبة بين الشعراء  او غيرهم  كقول ابي  فراس الحمداني  معاتبا :

     لم  اؤاخذك  بالجفاء  لاني
                                      واثق منك  بالوفاء الصحيح

     فجميل  العدو غير جميل
                                    وقبيح   الصديق   غير  قبيح

    
  وكذلك الحكمة  والامثال  وان كانت موجودة في الشعرالعربي منذ عصرالجاهلية  وافضل من قال فيها واكثر المتنبي  يقول :

   على قدر اهل العزم تأتي العزائم
                                           وتأتي على  قدر الكرام المكارم

  وتعظم في عين الصغير  صغارها
                                      وتصغر في  عين العظيم    العظائم

 وكذلك قالوا  في  المطايبة  والمفاكهة  والهزل  وفي كل امور الحياة اليومية  فنون هذا العصر كثيرة كثيرة .

      ولو  لاحظنا  معاني الشعر  في هذا العصر  لوجدنا انها   تطورت وتوسعت  كثيرا  الى حد   لا يمكن حصره  وتحديده  بكلمات  نكتبها عنه   فمنها ما  قيلت  بحالة من الرقي  والقوة والمتانة   بعيدة عن الا بتذال  والاسراف  فكانت قصائد  ذات معان  راقية  متطورة  وخاصة تلك التي قيلت في المدح والفخر او تلك التي اختصت بالسياسة والاجتماع  اوالتي قيلت  الرثاء والهجاء  والغزل المحتشم . ومنها  من اكثر في الاسراف  الى حد الغلو في المجون  والابتذال وبالكلمات الرخيصة  وخاصة  تلك  القصائد التي قيلت في الغزل  والمجون  والغزل بالمذكر وما اليها والتي لم تكن معروفة لدى الشاعر العربي اوكان  يأنف ان يقول فيها  قبل هذا العصر.

    وكذلك ظهرت المعاني الفلسفية  في الشعر فكانت في اغلب الاحوال  معقدة وصعبة الفهم . الى جانب الشعر التعليمي  وتأييد المعرفة  او نشرها عن  طريق الشعر

               وعلى العموم  صارت  ارضية  المعاني الشعرية  خصبة  يتصرف بها الشاعر او ياتي بها على هواه  وامتداد  سعة  خياله الذي حلّق في الافاق عند بعض الشعراء الخالدين . وكذلك ادخلت على الشعر الرموز الصوفية  والفلسفية  والاخلاقية  وكانت  بداية  للرمزية  في الشعرالعربي وقد رقت معاني الشعر في الاغلب وكثرت فيه المحسـنا ت اللغويـة  والبلاغية  والتشبيهات المختلفة  والصناعة الشعرية .

         كل ذلك  كان في  اسلوبية   شعرية  اختلفت  في هذا العصر لما اصابها من تقدم وتطور  بحيث اصبح لكل شاعر اسلوبه الخاص او يكاد ان يكون هكذا  فقد اختلفت الاساليب  تبعا لنفسية الشاعر  وحالته  التي  يعيشها  و البيئة التي  قيل فيها  الشعر  بعد  امتداد  الدولة  العربية  من الصين شرقا حتى بلاد الاندلس والمغرب العربي غربا  فالبيئة الشرقية في فارس  وشرقيها اساليب الشعر فيها اختلفت عما هي عليه  في مصر والشام وبلاد الاندلس او المغرب العربي  كما اختلفت اساليب شعراء الجد عن اساليب شعراء الهزل .

          فالشعراء  الجادون اسلوبهم  فيه القوة  والمتانة وحسن اختيار اللفظ  والديباجة على غرار  الاساليب  الشعرية في العصور التي قبل هذا العصر مع  فارق التقدم والتطور الذي شمل اللغة العربية  وادابها على ايدي هؤلاء الفحول مثل المتنبي  والمعري  والحمداني والشريف الرضي  وغيرهم  بينما امتاز الشعر  الهزلي  بسهولة اسلوبه وسطحية  فكرته  وادخال الشعراء بعض الالفاظ  الفارسية والعامية فيه .

        الشعر عامة  في هذا العصر غلبت عليه  المحسنات اللفظية والبديعية وطغيان الصناعة اللفظية عند كثير من الشعراء فنجد الشاعر  كانما  ينحت  نحتا في ايجاد  الكلمة المناسبة واللفظة – صناعة شعرية -  و اهتموا باللفظ  على حساب المعنى  وخاصة في شرق البلاد وفي بغداد  وغيرها .

       اما في  الشام   ومصر  فقد  ظل الشعر  قويا متين البناء  الا انه دخلته  بعض الكلمات الغريبة والتعقيدات الكثيرة  ودخلت  اليه العلمية والفلسفة على ايدي بعض الشعراء  كالمعري  مثلا  الا  انه ساير التقدم الحضاري  ولم  يتوقف .

        كما ظهر التجديد  فغلبت على الشعر الرقة  والنعومة  عند  كثير من الشعراء بل اغلبهم  وقد  ظهر  شعراء  الموشح  والزجل  والمواليا   حتى  ان  بعض الشعراء  من  ادخل اللهجات الدارجة او العامية في الشعر مع المحافظة على  بيان  وروعة  وبلاغة العربية  كل حسب مقدرته  وكفاءته  الادبية  وثقافته  اللغوية .


                            ---------------------








































الشـــــــــعـراء     

















موسوعة  شعراء  العربية

دراسة موسوعية لشعراء الامة العربية  في عشرة  مجلدات


                             المجلد  الخامس

    شعراء العصرالعباسي

                           (  القسم  الثاني  )

الجزء  الاول



                                  تاليف
                           الشاعر والباحث
                د. فالح نصيف الحجية
                                الكيــلاني


                    







































                ابن نباتة السعدي



    هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجاج بن مطر التميمي السعدي

 ولد بغداد سنة\ 327هـجرية - 938ميلادية ، وفيها نشأ وتعلم  ودرس اللغة العربية على أيد علماء بغداد في عصره  حتى نبغ فكان شاعرا محسناً مجيداً بارعاً جمع بين السبك وجودة المعنى وهو قائل البيت المشهور:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
                                         تعددت الأسباب والموت واحد

       وطاف ابن  نباتة  في البلاد  و تنقل بين حلب والموصل وبغداد والري، ومدح الملوك والوزراء.
 ففي حلب مدح سيف الدولة الحمداني  وله فيه  غرُّ القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرساً أدهم، أغرّا محجلاً، فكتب فيه:

يا أيُّها الملكُ الذي أخلاقُـــه
                                         من خَلقِْهِ ورواؤُه من رائِهِ

قد جاءنا طُـرّ الذي أهديْــتَهُ
                                            هاديهِ يَعْقِدُ أرضَهُ بسمائِهِ

ماكانت النـيران يكمن حـرها
                                          لو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلـق الألـحاظ فـي أعطافه
                                             إلا   إذا  كفكفت  من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلـها
                                            حتى يكون الطرف من أسـمائـه

وقال في مدحه ايضا :

قد جدت لي باللهى حتى ضجرت بها
وكدت من ضجري أثني على البخل

إن كنت ترغب في أخذ النوال لنـا
 فأخلق لنـا رغبة، أو لا فلا تنل

لم يبق جودك لي شيئا أؤمــلـه
                                                تركتني أصحب الدنـيا بلا أمل

 وفي بغداد مدح عضد الدولة البويهي.

سلمت على عثرات الزمان
                     يا عضد الدولة المنتخب

ولا زلت ترفع من دولة
                     تواضعت فـيها بهذا اللقب

قسمت زمانك بين الهموم
                      مِ تنعم فـيها وبين الدأب

فـيومـا تمـير عفـاة النسـور
                       ويـومـا تمـير عُفـاةَ الأدب

  وكذلك مدح ابن العميد حين قصده في الري، وجرى بينهما
مفاوضة  يقول في مديحه:

إنّ الكبارَ  من  الأمــو رِ       تُنال  بالهـــــممِ   الكبارِ

وإلى أبي الفضل اتبعـ ـتُ    هواجسَ النفس السّواري

 ومدح الوزير المهلبي.

    توفي ابن نباتة السعدي ببغداد  صباح يوم الأحد ثالث أيام عيد الفطر عام \405هـجرية ، الموافق عام \ 1014ميلادية  ودفن من بعد صلاة الظهر في مقبرة الخيزران في جانب الرصافة  من بغداد ورثاه الشعراء والأدباء .ومنهم مهيار الديلمي بقصيدة مطلعها:

حملوك لو علموا مـن المحمـولُ
                                          لأرتاض معتـاض وخف ثقـيل

     كان ابن نباته السعدي من فحول شعراء العصر العباسي وآحادهم، وصدور  مجيد يهم، وأفرادهم الذين  أخذ برقاب القوافي، وملك  أُرقّ المعاني، وشعره مع قرب لفظه، بعيد المرام، مستمر النظام، يشتمل على غرر من الكلام. . ومن أهم خصائصه الفنية، المبالغة في الوصف، والميل إلى ابتكار الصور الفنية الجميلة، وظهور النزعة الفلسفية في شعره، وإكثاره من التشابيه والاستعارات  و صدق مودته، وصفاء مشاعره، ونبل إ حساسه تجاه الممدوحين، تجلى ذلك في تحقيقه الصدق الفني الذي  بوساطته  وفر لصياغته الشعرية ضروب الإتقان والافتنان أغراض الشعر وموضوعاته جميعها، وغلبت قصائد المدح على شعره وله  ايضا  شعر جميل في العتاب والنسيب والفخر وشكوى الزمان،
 يقول  في شكوى الزمان :

يادهرُ مالكَ لا تثني يدَ النُّوَبِ
                                          إني أخافُ عليها سَوْرَةَ الغضـبِ

ولا تأمنَنَّ حليماً رمتَ هضمتَه
                                           أن يركبَ الجهلَ عُرْياناً بلا قَتَـبِ

فالمجدُ يطلبُ بالآفاتِ طالـبَهُ
                                         لم يحظَ بالمجدِ من لم يحظَ بالنكبِ

 ويقول في الغزل :

دَعُوا شَبَحي في  الحبِّ  يَخفى    ويَظهرُ   
                                       ولا     تعذلوني     والصّبابةُ       تَعْذرُ

فإنّ      الذي      حملتموهُ        ملامَكم   
                                      فتىً  ظهرُهُ  من  حادثِ  الدهرِ     موقرُ

تلومونَ   فيكُم   كلَّ    شَيءٍ      صنعتُم    
                                      سوى   اللؤمِ   فيكُم    يُستفادُ    ويُشكرُ

فإنْ    تَنزِفوا    ماءَ    الجفونِ      فإنّما   
                                      لكَمْ   كنتُ   أستَسقي   الدموعَ   وأذْخَرُ

سَقى  اللهُ  أرضاً   لا   أبوحُ     بذِكْرِها   
                                      فتُعْرَفُ   أشجاني   بها   حينَ      تُذكرُ

سِوى   أنّها   مسكيةُ   التربِ      ريحُها 
                                     تَروقُ    وتَنْدَى     والهَواجِرُ       تَزْفُرُ

يقول في وصف  نفسه في شعره :

وكم لليل عندي من نجــومٍ            جمعتُ النّثر منها في نظامي

عتاباً أو  نسيباً  أو مديحـــاً              لخلٍّ  أو  حبيبٍ  أو  همـــامِ

تغيد بها العقول نهىً وصحواً           وقد  فَعَلت بها فِعل المُــدامِ

 ويقول في  الحكمة :

أرى المرء فيما يبتغيه كأنما  
                                             مداولة  الأيام  فيه  مبارد

ويضطرم الجمعان والنقع ثائر
                                             فيسلم  مقدام  ويهلك خامد

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
                                        تعددت الأسباب والموت واحد

فصبراً على ريب الزمان فإنما
                                          لكم  خلقت  أهواله  والشدائد

ومن بديع شعره:

بلاد أنفس الأحـرار فيها
                                           كضب القاع تروى بالنسيم
يجوز بها وينفـق كل شيءٍ
                                          سوى الآداب طراً والعلـوم

 واختم بحثي في هذه الابيات من شعره :

رَضينا وما تَرضى السّيوفُ القواضِبُ    
   نُجاذِبُ  بها   عن   هامِكم     وتُجاذِبُ

فأياكم   أنْ   تكشِفوا   عن     رؤوسكم  
     ألا    إنّ     مَغناطيسَهنَّ       الذّوائِبُ

تقول  مُلوكُ  الأرضِ  قولُكَ  ذا     لمن  
     فقلتُ  وهل  غيرُ   الملوكِ     ضرائِبُ

الآنَ   بكَتْ   بغْدادُ    حين      تشبّثَتْ    
   بنا  البيدُ  وانضمّت  علينا   الرّواجِبُ

نَصونُ  ثَرى  الأقْدامِ   عن     وتَراتِها   
    فتسرِقُهُ    ريحُ     الصَّبا       وتُسالِبُ

وَهَبْنا    منعْناه     الصَّبا       بركوبنا   
    أنَمنَعُ   منها   ما   تَدوسُ      الرّكائِبُ

فَما   فعلتْ    بيضٌ    بها      مَشرفيّةٌ    
   تَملسنَ  منها   أكلفُ   اللونِ     شاحِبُ

غُلامٌ   إذا    أعْطى    المنيّةَ      نفْسَهُ    
   فقَدْ   فَنِيَتْ   لأسبابِ   المنيّةِ    هائِبُ

أقولُ     لسَعْدٍ     والرِّكابُ       مُناخُهُ   
    أأَنْتَ     لأسبابِ     المنيَّةِ        هائِبُ

وهل  خلَقَ  اللهُ   السرورَ   فقال     لا   
    فقلتُ  أثِرْها  أنْتَ  لي  اليومَ  صاحِبُ

وخلِّ    فضولَ     الطّيلسانِ       فإنّهُ   
    لباسُكَ    هذا    للعُلا    لا     يُناسِبُ

عَمائِمُ    طُلاّبِ    المَعالي      صَوارمٌ   
    وأثوابُ    طُلاّبِ    المَعالي      ثعالِبُ

ولي   عندَ   أعْناقِ   الملوكِ     مَآرِبٌ   
    تقول   سُيوفي   هُنّ   لي     والكَواثِبُ

فإن    أنا    لم    أحربهم      بنِصالِها   
    فما   ولدتني   من   تميم      الأجارِبُ

لقد   طالما    ما    طَلُتُها      وجفوتُها    
   وطالبتُ  بالأشْعارِ   ما   لا     تُطالِبُ

أآمُل    مأمولاً     بغيرِ       صُدورِها     
  فواخَجْلتي   إنّي   إلى   المجْدِ     تائِبُ

رحمتُ بني  البَرْشاءِ  حين    صَحِبْتُهم   
    من الجهْلِ إنّ الجهْلَ بئسَ    المُصاحِبُ

وعلّمتُهم     خُلْقِي     فلم        يتعلّموا   
    وقلتُ    قبولُ    المكرُماتِ      معائِبُ

فصونوا  يدي   عن   شَلِّها     بِعطائِكم   
    فما  أنا  في  أخْذِ   الرغائبِ     راغِبُ

خُلِقْتُ   أرى   أخْذَ   الرغائبِ     سُبّةً     
  فَمِنْ   نِعَمِ   الأيامِ   عندي      مَصائِبُ

ولا   تَجْبَهوا   بالرّدِ   سائلَ      حاجةٍ  
     ولو     أنّها     أحْسابُكم       والمناقِبُ

فقد  كِدتُ  أُعْطي   الحاسدينَ     مُناهُمُ  
     مَخافةَ   أنْ   يَلقى   المَطالِبَ     خائِبُ

وكونوا على الأسْيافِ مِثلي إذا    انثَنَتْ  
     سَواعدُها      مَغْلولَةً      والمضارِبُ

فَلو كانَ بأسي  في  الثّعالِبِ    أصبحتْ   
    جماجمُها      للمُرْهَفاتِ      تُضارِبُ

ولا   تَجْهَلوا   نُعْمى    تميمٍ      عليكم  
     غَداةَ     أتَتْنا     تغْلِبُ        والكَتائِبُ

على    كلِّ    طيارِ    العِنانِ      كأنّهُ   
    لراكبهِ   من   طولِ   هاديهِ      راكِبُ

تُطالِبُنا       أكفالُها          وصُدورُها  
     بِما  نَهَبَتْ   منْها   الرّماحُ     النّواهِبُ

تَوَدُّ   من    الأحقادِ    أنّ    شُعورَها   
    سِهامٌ     فترمينا     بِها       وتُحارِبُ

وولَّوا    عليها    يَقْدَمونَ       رِماحَهُمْ  
     وتقدَمُها       أعناقُهُمْ          والمَناكِبُ

خَلَقْنا    بأطرافِ    القَنا      لظُهورِهم  
     عُيوناً  لها   وقعُ   السّيوفِ   حَواجِبُ

وأنتُم  وقوفٌ  تنظرونَ   إلى     الطُّلى  
     تُحَلُّ   وغِربانُ    الرؤوسِ    نواعِبُ

ومن   رأينا   فيكم   دُروعٌ     حَصينَةٌ 
      ولو   شاءَ    بَزَّ    السّابِريَّة      سالِبُ

أبَوا   أنْ   يُطيعوا   السّمهريةَ     عِزّةً   
    فصُبّتْ   عليهم   كاللّجينِ     القَواضِبُ

وعادتْ  إليْنا   عسْجَداً   من     دِمائِهِمْ   
    ألا   هكذا   فليكسبِ   المجدَ     كاسِبُ

بيومِ   العُظالى   والسّيوفُ   صَواعِقٌ    
   تَخُرُّ    عليهم    والقِسِيُّ     حواصِبُ

لقُوا  نَبْلَها  مُردَ   العَوارِضِ     وانثنوا  
     لأوجُههِم    منها    لحىً      وشَوارِبُ

لأيّةِ     حالٍ     يخْتَلِسْنَ        نفوسَهُمْ   
    وهُنّ     عليها     بالحَنينِ       نَوادِبُ


*********************************



الشريف  الرضي



            هو أبو الحسن  محمد بن الحسين بن موسى  بن محمد بن موسى بن  إبراهيم ابن الإمام أبو إبراهيم موسى (الكاظم.) بن جعفر بن محمد  بن علي  زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن ابي طالب  و والده أبو أحمد كان عظيم المنزلة في الدولتين  ويلقب بالشريف الرضي .

       اما أمه فهي السيدة فاطمة بنت الحسين بن أبي محمد الحسن الأطروش بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب.

        ولد ببعداد سنة \359 هجرية- 969 ميلادية  وفيها  ترعرع وشب واكتمل وتعلم في صِغَرِه العلوم العربية والبلاغة والأدب   والفقه والكلام  والتفسير والحديث  على يد مشاهير علماء بغداد   منهم ابن جني والشيخ المفيد .  فالشريف  شاعر وفقيه  كان نقيبا للطالبيين  في الدولةالعباسية حتى وفاته .

       تتلمذ  و درس هو وأخوه الشريف المرتضى على يد الشيخ المفيد أحد فقهاء المعروفين . ومن اساتذته  ايضا القاضي عبدالجبّار المعتزليّ  والشّيخ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطّبريّ  وهو أستاذه في القرآن. ومحمّد بن موسى الخوارزميّ في الفقه  وأبو جعفر عمر بن إبراهيم الكناني في الحديث   . وأبو الحسن عليّ بن عيسى الرمّانيّ الّذي تعلم  منه  النحو  والعروض والقوافي. وابن نُباتة  وعثمان بن جنّي  وأبو سعيد حسن بن عبدالله  بن مَرزُبان السيرافي  وهارون بن موسى التلْعكبري.

       اما تلاميذه فهم  كثير اذكر مهم :أبو بكر (ابن قُدامة)  ومحمد بن أبي نصر العكبري  وأبو الحسن مِهْيار بن مرزويه الديلمي  وأبو عبدالله محمد بن علي الحُلْواني  وأبو الأعز محمد بن همام.

         كان  الشريف  الرضي  شاعرا  متألقا وأديبا فذّا إلى جانب ما كان له من خطٍّ وافر في العلوم الدينية . تبين  من خلال مؤلفاته وكتبه الموجودة على    منزلته  العلمية الرفيعة.  وقد أنشأ  ببغداد مركزاً علمياً عُرف (دار العلم) و قد اوقف أمواله جميعها على الباحثين والمحققين فيه ويعتبر مدرسة علمية .

          وتعد (دار العلم )  ثاني مركز علمي كبير وجد ببغداد بعد (بيت الحكمة) الّتي تأسست في خلافة هارون الرشيد. ويرى المعنيون بالشعر والادب  أن الشريف الرضي  كان في الشعر من المبرزين في عصره وما سبقه وما تلاه  وقلما بلغ  شاعر  شأوه. وقد عده عده بعض المؤرخين من اهم شعراء قريش المشهورين . اذ اتسم شعره بالبلاغة  وعذوبة اللفظ  وقوة المعنى واستقامتها للعروض . وكان غزيرا في شعره لم يُنقص من عمقه واستقامة معانيه.

             فالشريف الرضي  يعد من فحول الشعراء قيل  نظم الشعر وعمره  عشر سنوات وأجاد  فيه  في جميع  فنون الشعر . وقد  فخر   بنفسه ونسبه الشريف فقال:

إِنَّ أَمـيـرَ الـمُـؤمِنينَ  والِــدي
                                      حَـزَّ الرِقابَ بِالقَضاءِ  الفاصِلِ

وَجَــــدِّيَ الـنَـبـيُّ فـــي آبــائِـهِ
                                       عَـلا ذُرى الـعَلياءِ  وَالـكَواهِلِ

فَـمَـن كَـأَجـدادي إِذا  نَـسَـبتَني
                                       أَم مَـــن كَـأَحـيائِيَ أَو قَـبـائِلي

مِن هاشِمٍ أَكرَمِ مَن حَجَّ وَمَن
                                      جَــلَّـلَ بَـيـتَ الـلَـهِ  بِـالـوَصائِلِ

قَــومٌ لِأَيـديـهِم عَـلـى كُــلِّ  يَــدٍ
                                      فَـضلُ سِـجالٍ مِـن رَدىً   وَنائِلِ

         ويمتاز شعره  بأنه مطبوع  بطابع البلاغة والبداوة  والبراعة وعذوبة الألفاظ  التي تأخذ  بمجامع  القلوب   بالإضافة إلى المميزات الأخرى التي لا نكاد نجدها في شعر غيره . ومما امتاز به شعر الشريف الرضي  ايضا أنه كان نقياً  فقد ابتعد  عن الغزل  الحضري والمجون ومن كل ما يتعاطاه الشعراء من الغزل المشين  والهجاء المقذع   والتلون  بالمدح تارة والذم تارة أخرى . فقد كان شاعرا  أديبا   بارعا ومفسرا  للقرآن الكريم  وحافظا للحديث الشريف 

       وبالنظر  لتقارب  معالم  الشعر والعلم والادب لديه ولدى اخيه  المرتضى فقد قيل ( أخفت المكانة العلمية لأخيه السيد المرتضى شيئاً من مكانته العلمية  كما أخفت مكانته الشعرية شيئاً من مكانة أخيه الشعرية ) .
     وله شعر كثير في الغزل  والفخر والمدح  والرثاء و من  شعره في الغزل :

رماني كالعدو يريد قتلي
                                           فغالطني  وقال  أنا  الحبيب

وأنكرني  فعرفني    إليه       
                                          لظى الأنفاس والنظر المريب

وقالوا لم أطعت وكيف أعصي 
                                         أميراً   من رعيته  القلوبُ

 ويقول ايضا في الغزل :

أَقـــولُ وَقَـــد أَرسَــلـتُ أَوَّلَ  نَـظـرَةٍ
                                      وَلَـم أَرَ مَن أَهوى قَريباً إِلى  جَنبي

لَئِن كُنتُ أَخليتُ المَكانَ الَّذي  أَرى
                                      فَـهَيهاتَ أَن يَـخلو مَكانُكَ مِن قَلبي

وَكُـنـتُ أَظَـنَّ الـشَوقَ لِـلبُعدِ  وَحـدَهُ
                                      وَلَـم أَدرِ أَنَّ الـشَوقَ لِلبُعدِ وَالقُربِ

خَلا مِنكَ قَلبي وَاِمتَلا مِنكَ خاطِري
                                    كَـأَنَّكَ مِـن عَـيني نَـقَلتَ إِلـى  قَـلبي

      مدح الشريف الرضي الخلفاء والملوك الذين عاصرهم   ووصفهم بالصفات التي اعتاد الشعراء أن يصفونهم  بها . ولكنه امتاز عنهم عن شعراء المدح  بأنه  كان بعيدا عن المبالغة المفرطة  وليس طامعا في جوائز الممدوحين  لما جبل عليه من الأَنفة وعلو النفس . ويقول في مدح الخليفة  وقد فخر بنفسه ونسبه الشريف فقال:

عَـطفاً أَمـيرَ الـمُؤمِنينَ iفَإِنَّنا
                                          فـي دَوحَـةِ الـعَلياءِ لا نَتَفَرَّقِ

مـا بَـينَنا يَـومَ الـفَخارِ تَفاوُتٌ
                                          أَبَداً كِلانا في المَعالي مُعرِقُ

إِلا الـخِـلافَةَ مَـيَّـزَتكَ  فَـإِنَّـني
                                          أَنـا عاطِلٌ مِنها وَأَنتَ مُطَوَّقُ

      قيل صحب الشريف الرضي أبا إسحق الصابي على روح  المحبة والإيثار  والسماحة  والفضل  فتصادقا  و كتب  لصداقتهما  أن   تعيش بعمريهما ويبقى ذكرها مقرونا بإسميهما  فيما تميزت به من خصال  فقد كان  الشريف الرضي شابات يافعا في مقتبل العمر  بينما كان أبو إسحق  الصابي شيخا كبيرا ولقد تفوقت علاقة الصداقة بين الإثنين على موجبات فارق السن فترى أبا  إسحق وهو في شيخوخته  يعتذر للشريف الرضي حين لا يستطيع زيارته المعتادة والمتبادلة فيقول:

أقعدتــــنا زمانـــةٌ وزمـــــــــــــانُ
                                        جــائرٌ عــن قضاء  حــق  الشريفِ

والفتى ذو الشباب يبسط
                                 في التقـ صير عُذر الشيخ العليل الضعيف


 فيقول الشريف الرضي مجيبا :

ولو أنّ لي يومــاً على الدهر إمرةً
                                        وكان  ليّ العدوى على الحدثــــان

خلعتُ على عطفيك بُرد شبيبتـــي
                                        جَواداً بعمري  وإقتبال زمـــــــاني

وحَمّلتُ ثقل الشيب عنك مفــارقي
                                        وإن فَلّ من غربي وغضّ عنـاني

ونابَ طويلاً عنك في كُل عـارضٍ
                                          بخطٍ وخطوٍ أخمصي وبنـــــانـي

أيُ محبةٍ إذن وأي فادٍ وأي صداقة
                                 تفتدى . إنها ـ لا شك ـ توامق الروحان.

  ويقول الصابي مادحا ً ومقيًماً نسب الشريف الرضي  وأحقيته في الخلافة :

ألا أبلغا فرعــاً نمَتهُ عُروقـــهُ
                                         الى كل ســام ٍ للمفاخــر بــانِ

محمّداً المحمــود من آل أحمـد
                                           أبا كل بكـر في العُلى وعوان

وقوله:

أبا حسن لي في الرجالِ فراسةٌ
                                         تعودتُ منها أن تقولَ فتصدقـا

وقد خبرتني عنك أنّك مـــــاجدٌ
                                         سترقى من العليا أبعـد مرتقى

فوفيتك التعظيم قبل أوانـــــــــه
                                        وقلت أطال الله للسيـد البقـــــا


  ولما مات  الشيخ الصابي  رثاه  الشريف الرضي  في مرثية عصماء يقول فيها :

الفضـــل ناسب بينــنا إن لم يكـن
                                           شرفي مــناسبه ولا ميـــلادي

إِلا تــكن من أُســرتي وعشـائري
                                          فلأنت أعلـقهم يــداً بــــودادي

أو لا تكن عالي الأصول فقد
                                    وفى عِظــمُ الجدود بسؤدد الأجــداد

وقوله:

مَن مبلغ لي أبـــا إسحاق مألــكةً
                                   عن حنو قلبً سليم الســرِ والعلـــــن ِ

جرى الوداد له مني وإن بعُــدت
                                    منّا العلآئقُ مجرى الماء في الغُصن

لقد توامــــقَ قلبانــــا كأنهمــــــا
                                     تراضعا بــــدم الأحشــاء لا اللبــــن


          وتوفي الشريف الرضي  ليلة السبت 25 جمادى الأولى سنة\406 هجرية – 1015 ميلادية ورثته  الشعراء  بمراث   كثيرة  وممن رثاه  ولداه  المرتضى والرضي ومهيار الديلمي ورثاه أبو العلاء المعري  وقد اختلفت الروايات في سنة وفاته فقيل توفي سنة| 403 وقيل توفي سنة |404  وقيل غير ذلك  لكن المعول عليه  هو  | 406 هجرية وقد دفن  في  داره في الكاظمية بجانب الكرخ  ثم نقل جثمانه الى كربلاء بعد ذلك  ليدفن من جديد بجوار قبر ابيه .

 ومن اثاره  العلمية والادبية :

- تفسير القران الكريم
ـ تلخيص البيان عن مجازات القرآن.
ـ حقائق التأويل في متشابه التنزيل.
- اخبار قضاة بغداد
ـ الزيادات في شعر ابن الحجاج.
ـ الزيادات في شعر أبي تمام.
ـ مختار شعر أبي إسحاق الصّابي.
ـ منتخب شعر ابن الحجّاج.
ـ انشراح الصدر في مختارات من الشّعر.
ـ ديوان شعر.
ـ خصائص الأئمّة عليهم السلام.
ـ معاني القرآن.
ـ مجازات الآثار النّبويّة.
-نهج البلاغة  وهو أبرزها وقد وقد جمع فيه ما الختاره من  خطب الامام علي بن ابي طالب .

   واختم هذه الدراسة بقصيدته الرائعة:

يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ
                                          لِيَهنَكِ  اليَومَ أَنَّ القَلبَ مَرعاكِ

الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ     
                                         وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي الباكي

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ
                                           بَعدَ  الرُقادِ  عَرَفناها  بِرَيّاكِ

ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَرَبٌ    
                                             عَلى الرِحالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ

سهم أصاب وراميه بذي سلم  
                                        مَن بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ

وَعدٌ لعَينَيكِ عِندِي ما وَفَيتِ بِهِ
                                          يا قُرْبَ مَا كَذَبَتْ عَينيَّ عَينَاكِ

حكَتْ لِحَاظُكِ ما في الرّيمِ من مُلَحٍ   
                                         يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

كَأنّ طَرْفَكِ يَوْمَ الجِزْعِ يُخبرُنا 
                                         بما طوى عنك من أسماء قتلاك

أنتِ النّعيمُ لقَلبي وَالعَذابُ لَهُ  
                                            فَمَا  أمَرّكِ في قَلْبي  وَأحْلاكِ

عندي رسائل شوق لست أذكرها
                                              لولا الرقيب لقد بلغتها فاك

سقى منى وليالي الخيف ما شربت
                                              مِنَ الغَمَامِ وَحَيّاهَا وَحَيّاكِ

إذ يَلتَقي كُلُّ ذي دَينٍ وَماطِلَهُ  
                                          منا ويجتمع المشكو والشاكي

لمّا غَدا السّرْبُ يَعطُو بَينَ أرْحُلِنَا
                                            مَا كانَ فيهِ غَرِيمُ القَلبِ إلاّكِ

هامت بك العين لم تتبع سواك هوى 
                                         مَنْ عَلّمَ العَينَ أنّ القَلبَ يَهوَاكِ

حتّى دَنَا السّرْبُ، ما أحيَيتِ من كمَدٍ
                                         قتلى هواك ولا فاديت أسراك

يا حبذا نفحة مرت بفيك لنا   
                                            ونطفة غمست فيها ثناياك

وَحَبّذا وَقفَة ٌ، وَالرّكْبُ مُغتَفِلٌ  
                                         عَلى ثَرًى وَخَدَتْ فيهِ مَطَاياكِ

لوْ كانَتِ اللِّمَة ُ السّوْداءُ من عُدَدي
                                          يوم الغميم لما أفلتِّ أشراكي




              ***********************************

  






ابو القاسم  الوزير المغربي



         هو أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي  بن محمد بن يوسف  و يقال  ان اصله  من أبناء  الاكاسرة  ملوك الفرس  والمعروف بالوزير المغربي  فهو وزير من الدهاة  و من العلماء الادباء .   
      ولد بمصر  سنة \370 هجرية -  980 ميلادية  وبها نشأ وتعلم  فاصبح عالما اديبا وشاعرا فذا .

        كان  أبوه  علي بن الحسين  من  أصحاب  سيف  الدولة الحمداني  وكانت أمه بنت النعماني صاحب كتاب(الغيبة) . فانتقل    والده إلى مصر فتولى بها  فحيكت عليه  المؤامرات  في البلاط السلطاني في القاهرة ، وصدر الحكم عام \ 394هـجرية بإلقاء القبض على جميع أفراد أسرته ، وتنفيذ حكم الإعدام بهم فقتل هو وزوجته وقتل اخويه  واحد اولاده  وثلاثة من أهل بيته .

  اما ابو القاسم  فقد استتر عن الانظار ودبر الأمر حيث  لجأ الى بعض من أبناء القري(البدو) في مصرلتهريبه ونجاته من  الفاطميين  فهرب إلى الشام  وقصد  حسان  بن المفرج بن الجراح الطائي أمير فلسطين والأردن في الرملة  فاستجار بهم ، فأجاره الأمير الطائي  وأمنه على حياته  كان الوزير المصري ابو القاسم  شاعرا  أديبا عالما متبحرا بعلوم اللغة العربية مرموق الجانب  فانشد بعد خروجه من مصر قائلا :

إذا ما الفتى ضاقت  عليه    بلادُهُ    
   وأيقن أن الأرضَ واسعةُ  القُطرِ

ودام على ضيقِ المعيشةِ   صابراً   
    على الذلِّ والحالِ الدنيةِ    والفقر

ولم يجترم للنفس عزّاً    يصونها  
     فلا فرقَ بين العبدِ والرجلِ الحرّ

            وأنشد شعرا بحضرة  الأمير الطائي عند  الدخول عليه. وتعتبر قصيد ته التي قالها بحضرة الأمير حسان بن المفرج  من أبلغ وأفصح القصائد  ومن أكثر القصائد إستنهاضا للهمم وتحفيزا   وفيها مدح  المفارجة من بني الجراح و تصف الدور المهم الذي كانت تلعبه قبيلة طيء في فلسطين والأردن ، من قوة ، وسطوة  ورهبة وإستتباب أمن لمن يعيش في أحضان الطائيين ، وربوعهم. وكانت  نبراسا لقبيلتي عرب الصقر وعرب السردية  وهم ورثة وأحفاد المفارجة و للطائيين عامة وحمله على مخالفة الحاكم والخروج عن طاعته ففعل ذلك  وحسن له مبايعة أبا الفتوح (الحسن بن جعفر العلوي) أمير مكة فأجابه إليه واستقدمه إلى      ( الرملة ) وخوطب بأمير المؤمنين‏.‏

         عاش ابو القاسم   بين المفارجة الطائيين في الشام  معززا مكرما  الا انه  اضطر ان يستاذن الأمير حسان بن المفرج بعد ان فشل على حمله على مخالفة  الحاكم والخروج عليه  بالسفر الى العراق ، فجهزه الامير  حسان بن المفرج  للسفر  وأمن  وصوله  الى العراق  .

      وتقلبت  به الأحوال  إلى أن استوزره مشرف الدولة البويهي ببغداد  عشرة أشهر  وعدة أيام. فاضطرب امره و لم يستقر فيها  حيث اتهمه  القادربالله  ( العباسي )  كونه  قادم  من مصر  فاضطر الى ترك بغداد وانتقل إلى الموصل واتصل ( بقرواش ابن المقلد ) وكتب له  ثم عاد عنه عندما  كتب اليه الخليفة العباسي  بابعاده  ففعل  الامير .

        سار الوزير ابو القاسم الى (ديار بكر) في تركيا واقام بمدينة (ميافارقين ) وفيها يقول :

كفى حزناً  أني  مقيمٌ  ببلدةٍ    
                                         يعللني   بعدَ  الأحبةِ     داهرُ
يحدثني  مما  يجمِّعُ     عقلُهُ  
                                        أحاديثَ  منها  مستقيمٌ  وجائر

          توفي في  منتصف  شهر رمضان سنة \418 هجرية -1027 ميلادية ب(ميافارين ) بالقرب من ديار بكر في تركيا  بعد مرض الم به  ونقل جثمانه الى (النجف الاشرف)   فدفن  فيها حسب وصية منه  وكان انه  خاف في مرضه أن تتعرض جنازته لسوء    فكتب الى رؤساء القبائل الذين في الطريق -إن لي حظية توفيت وأرسلت جنازتها مع فلان وفلان – يعني أصحابه- فأكرموا مثواهم وأخفروهم  فلما مات نقل جنازته  أولئك الاصحاب الذين ذكرهم في رسالته  فأكرومهم من مرّوا عليهم واحترموهم  وأخفروهم  لأجله .                                                                

 من مؤلفاته وآثاره :

رسالة السياسة .
اختيار شعر أبي تمام
  اختيار شعر البحتري .
اختيار شعر المتنبي والطعن منه .
مختصر إصلاح المنطق .
المأثور في مُلح الخدور .
الإيناس .
ديوان شعر ونثر
 أدب الخواص.

          أبو القاسم  الحسين  بن علي المغربي ، كان كان فاضلاً مصنفاً بارعاً  أديباً  شاعراً  ذا علم  وافر  وأدب  ظاهر، وبلاغة ، وذكاء ، وصناعة باهرة  في الكتابة ، ومضاء  ويتميز   شعره بسلاسته  وقوة  سبكه  وغلبة بلاغته  وكانت الصناعة الشعرية ظاهرة فيه وفي اغلب شعراء هذا العصر وقال في المدح الوصف والحكمة  والغزل من غزله  يقول :

ولما احتوى بدرَ الدجى صحنُ خدِّهِ
       تحيَّر  حتى  ما  دَرَى  أين    يذهبُ

تبلبلَ    لما    أن    توسَّطَ      خدَّهُ     
  وما زال من  بدرِ  الدجى    يتعجَّبُ

كأنَّ  انعطافَ  الصُّدغِ  لامٌ    أمالها  
     أديبٌ   يجيدُ   الخطَّ   أيّانَ     يكتب

 ويقول في الحكمة    :

خف  الله  واستدفع  سطاه    وسخطه    
   وسائله   فيما   تسألُ   الله      تعطهُ

فما  تقبضُ  الأيامُ  في  نيل     حاجةٍ 
      بنانَ  فتىً  أبدى   إلى   الله   بسطه

وكن بالذي قد  خطّ  باللوحِ    راضياً   
    فلا   مَهرَبٌ   مما   قضاهُ      وخطّه

وإن  مع  الرزق  اشتراطَ     التماسِهِ  
     وقد   يتعدَّى   إن   تعديتَ     شَرطَه

ولو شاء  ألقى  في  فمِ  الطير  قوتَهُ   
    ولكنَّه   أوحى   إلى   الطير     لقطه

إذا ما احتملت العبءَ فانظر قبيل أن  
     تنوءَ    به    ألا    ترومَ       مَحَطَّه

وأفضلُ أخلاق الفتى العلمُ    والحجى
       إذا ما صروفُ الدهرِ أخلقن    مِرطَه

فما  رفع  الدهرُ  امرءاً  عن    محلّه 
      بغير   التقى   والعلم   إلا      وَحَطَّه

      واختم  بحثي  بقصيدته الرائعة  في مدح  الطائيين  واميرهم  حسان بن المفرج:

أمـا وقـد خيمـــت وســـط الغـــاب
 فليقسـون على الزمــان عتابــي

يترنـــم الفــــولاذ دون مخيمــــي
وتزعـــزع الخرصـــان دون قبابـــي

وإذا بنيــت علـى الثنيـــة خيمـــة
 شــدت إلى كسـر القنــا أطنابــي

وتقــوم دونــي فتيــة مـن طيـــئ
لــم تلتبـــس أثوابهــــم بالعــــاب

يتناثــرون على الصريــــخ كأنهــم
 يدعــــون نحـــو غنائـــــم ونهـــاب

من كل أهـــرت يرتمــي حملاقــه
 بالجمــر يـوم تسايــــف وضــــراب

يهديهـــم حســــان يحمــل بــــزه
جــــرداء تعليـــه جنــــاح عقــــاب

يجـري الحيـاء على أسـرة وجهــه
 جــري الفرنــــد بصـــارم قضــــاب

كــرم يشــق على التـلاد وعزمـه
 يغتــال بادرهـــا الهزبــر الضابــــي

ولقـد نظــرت إليــك يابــن مفــرج
 في منظــر مــلء الزمــان عجـــاب

والمــوت ملتــف الذوائـب بالقنـــا
 والحــــرب سافـــرة بغيـــر نقـــاب

فرأيت وجهـك مثل سيفك ضاحكا
 والذعـــر يلبــس أوجهـــا بتـــــراب

ورأيــت بيتـــك للضيــوف ممهــدا
 فســح الظـــلال مرفـــع الأبــــواب

يا طيـــئ الخيـرات بيـــن خلالكـم
 أمـــن الشــريد وهمــــة الطـــلاب

سمكـت خيامكــم بأسنمـة الربــا
مـرفــوعــــة للطــــارق المنتــــاب

وتــــدل ضيفكــم عليكـــم أنــــور
 شبــت بأجــــذال قهــــرن صعـــاب

متبرجـــــات باليفــــاع وبعضهـــم
بالجــزع يكفـــر ضـوـؤه بحجـــــــاب

كلأتكـــم ممــن يعــــادي هيبــــة
 اغتكـــم عـــن رقبــــةـ وجنــــــاب

فيسيــر جيشكـــم بغيـــر طليعــة
 ويبيــــت حيكــــم بغيــــر كــــلاب

تـتهيبــــون وليــس فيكــم هائـــب
وتوثبـــون علــى الــــردي الوثــاب

ولكم إذا اختصـم الوشيـج لباقــــة
 بالطعـــن فــوق لباقـــة الكتـــاب

فالرمــح ما لـم ترسلـــوه أخطــــل
 والسيـــف مــا لــم تعمـلـوه نـــاب

يا معـن قـد أقررتـــم عيـــن العلي
 بـي مـذ وصلـت بحبلكــم أسبابـي

جاورتكـم فملأتــم عينـي الكـــرى
 وجـوانحـــــي بغرائـــب الأطــــراب

من بعـد ذعــر كان أحفــز أضلعتــي
 حتـى لضــاق بــه علـي أهابـــي

ووجــدت جار أبي النـدى متحكمـــا
 حكـم العزيـز على الذليـل الكابـي

فليهنـــه منـــــن علــى متنـــــــزه
 لسـوى مواهـــب ذي المعارج آب

قد كان من حكم الصنائــع شامسـا
 فاقتــــاده بصنيعــــــة مــن عــاب

فلأنظمــن لـه عقـــــود محامـــدي
 تبقـى جواهـرهــا علـى الأحقـاب

لا جاد غيركــم الربيـــــع ولا سـرت
غــزر اللقــــــاح لغيركــم بحـــلاب

أنا ذاكـــر الرجــل المنــــدد ذكـــره
 كالطـــود حلــي جيـــــده بشهــاب

ولقــد رجـــــوت ولليالـــي دولـــــة
 إنــــي أجازيكـــم بخيـــر ثــــواب


********************************




ابن زريق البغدادي



               هو أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق الكاتب البغدادي   ولد في بغداد  - ولم تعرف  سنة ولادته - .ونشا فيها  عاش فقيرا معدما   ولما  لم يسعفه الوقت  قررالرحيل .

        ارتحل ابن زريق البغدادي عن موطنه الأصلي في بغداد قاصداً بلاد الأندلس، عله يجد فيها من لين العيش وسعة الرزق ما يعوضه عن فقره، فرحل  وترك الشاعر في  بغداد  زوجة  يحبها وتحبه كل الحب، واخلص لها واخلصت  له  كل الإخلاص ، و من أ جلها ولاجل ان يوفر لها العيش الهني  سافر  وهاجر وتغرب لكن بدون رضاها  فقد فضلت ان تعيش معه على حالتهما التي كانا  عليها من الفقر المدقع وشظف العيش  لكنه  آثر الرحيل عساه ان يوفرلها عيشا  سعيدا  مرفها   .

      وفي الأندلس – كما  تقول لنا  الروايات والأخبار المتناثرة –  اخذ  بالعمل يكد ويتعب و يجاهد  ويكافح من أجل تحقيق حلمه، ولعله يوفق في حياته ويسعده الحظ  لكن التوفيق لم يصاحبه ، وهناك في الغربة  البعيدة  عمن احب مرض واشتد به المرض و حكم الدهر الا  ان تكون نهايته  في الغربة ؛ ويضيف الرواة بعداً جديداً للمأساة، فيقولون أن القصيدة التي لا يعرف له شعرٌ سواها وجدت معه عند وفاته سنة أربعمائة وعشرين من الهجرة.

           والقصيدة  هذه يخاطب فيها زوجته، ويؤكد لها حبه حتى الرمق الأخير من حياته، ويترك خلاصة تجربته في  الغربة والرحيل، من أجل الرزق وفي سبيل زوجته التي نصحته بعدم الرحيل فلم يستمع إليها. وفي ختام قصيدته يظهر نادم متصدع القلب من لوعةٍ وأسى، حيث لا أنيس ولا رفيق ولا معين.

      والمتأمل في  قصيدة  ابن  زريق  البغدادي لا بد  له   أن  يكتشف رقة  التعبير فيها،  وصدق العاطفة، وحرارة التجربة وقدرة الشاعر ؛ فهي  تنم عن  أصالة شاعر مطبوع له لغته الشعرية المتفردة، وخياله الشعري الوثّاب، وصياغته البليغة المرهفة، ونفسه الشعري الممتد عبر  حياته وفقره  والغريب ألا يكون لابن زريق غير هذه القصيدة  حيث  لم تحفظ له كتب التراث  في الشعر غير  ها الا اني اشك في  ذلك فهو اما احد امرين ان قصائده استغلت من قبل غيره من الشعراء او ان حرمانه وفقره جعلاه  يقول الشعر ثم يمزقه لذا لم تظهر الا هذه وبعد وفاته  ياله من شاعر  مظلوم ظلمه الدهر وظلمه اهله واحبته والمجتمع القاسي    .

       فابن زريق شاعر قتله طموحه ، يعرفه  دارسوا  الأدب  ومحبوه ، لكنهم لايعرفون له غير هذا الاثر الشعري الفريد يتناقله الرواة، وتُعنى
به كتب التراث ودواوين الشعر العربي .

ذ كر ابن السمعاني  ان لهذه  القصيدة  قصة  عجيبة فروى:

        (أن رجلا  من أهل بغداد  قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره فأعطاه شيئا نزراً فقال البغدادي إنا لله وإنا إليه راجعون سلكت البراري والقفار والمهامه والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر فانكسرت إليه  نفسه فاعتل ومات وشغل عنه الأندلسي  إياما ثم  سأل عنه  فخرجوا يطلبونه فانتهوا إلى الخان الذي هو فيه وسألوا  عنه من في الخان  فقيل  إنه كان في هذا البيت ومنذ أمس لم  يبصره  احد  فصعدوا فدفعوا الباب فإذا هو ميت وعند رأسه رقعة فيها مكتوب:

لا تعذليه   فإن  العذل    يولعه
                                        قد قلت حقا  ولكن  ليس   يسمعه

       قال فلما  وقف أبو عبد الرحمن  على هذه الأبيات  بكى حتى خضب لحيته وقال وددت أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي وكان في رقعة الرجل منزلي ببغداد في الموضع الفلاني المعروف بكذا والقوم يعرفون بكذا فحمل إليهم خمسة آلاف دينار وعرفهم موت الرجل )

               توفي  ابن  زريق  البغدادي عام \420  هجرية  - 1029 ميلادية  حيث  وجد  ميتا في فراشه في  بيته  المتواضع  في الغربة  في  بلاد الاندلس  وبجواره قصيدته  التي كتبها   لزوجته  التي  احبها  واخلص لها  حتى في غربته .
 وهذه هي القصيدة:

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ
                                        قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ

جاوَزتِ فِي لَومهُ حَداً أَضَرَّ
                                       ِهِ مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ اللَومَ يَنفَعُهُ

فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً
                                  مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ

قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ
                                           فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ المَهرِ أَضلُعُهُ

يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ
                                               مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ

ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ
                                                رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ

كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ
                                                   مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

إِنَّ الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً
                                          وَلَو إِلى السَدّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ

تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه
                                                  للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ

وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ
                                                 رزقَاً وَلادَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ

قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ
                                                لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ

لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى
                                                مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ

وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت
                                                بَغِيُ أَلاإِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ

وَالمَهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه
                                               إِرثاً  وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ

اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
                                             بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
                                                صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
                                               وَأَدمُعِي   مُستَهِلّاتٍ  وَأَدمُعُهُ

لا أَكُذبث اللَهَ ثوبُ الصَبرِ
                                           مُنخَرقٌ عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ

إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ
                                             بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ

رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ
                                         وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ

وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا
                                               شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ

اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ
                                            كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ

كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ
                                         الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ

أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ
                                          لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ

إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفِنُها
                                           بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ

بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ
                                          بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ

لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذ
                                         ا لا  يَطمَئِنُّ  لَهُ مُذ بِنتُ  مَضجَعُهُ

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ المَهرَ يَفجَعُنِي
                                             بِهِ  وَلا أَنّ بِي  الأَيّامَ   تَفجعُهُ

حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا
                                        بِيَدٍ عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ

فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ
                                          وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ

مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ
                                              كَما لَهُ عَهدُ صِداقٍ لا أُضَيِّعُهُ

وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ وَإِذا
                                              جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ

لَأَصبِرَنَّ لِمَهرٍ لا يُمَتِّعُنِي بِهِ
                                                وَلا  بِيَ    فِي   حالٍ   يُمَتِّعُهُ

عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً
                                              فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ

عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا
                                               جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ

وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ
                                               فَما  الَّذي بِقَضاءِ  اللَه ِ يَصنَعُهُ






 ************************












مهيار الديلمي



         هو  أبو الحسن ، مهيار بن  مرزويه  الديلمي  البغدادي  وينسب مهيار الى الديلم  فقيل  ( مهيار ا لديلمي )  وهم  اقوام من  بلاد  فارس. وتقع بلاد هم ما وراء طبرستان .والديلم  شعب  من ذراري الفرس ينسبون إلى ارضهم  التي تقع  في القسم الشمالي من بلاد فارس ويحدّها من الشمال  جبال الجولان  ومن الشرق طبرستان ومن الغرب آذربيجان أما  من الجنوب  فمنطقة  قزوين  ويصفها  المقدسي  بان  مناطقهم  جبلية وهي  كورة  صغيرة المدن ليس لأهلها  لياقة  ولا علم  ولا ديانة  وبقوا على الكفر   الى نهاية  القرن الرابع  الهجري حيث  اسلم الديلم على  يد  الأطروش العلوي 

       وفي منطقة (قزوين) عاش والدا مهيار وكانا فقيرين فنزحا في طلب  الرزق الى بغداد  التي كانت خاضعة  يومئذ  للنفوذ البويهي  وكانت  الخلافة  العباسية  كاأنها في  حالة احتضار.  والبويهيون  اصلهم من الديلم  فأرتقب  الوالد خيراً في ظل  سلاطين بغداد  البويهيين الذي تربطه  بهم  وشائج القربى .

         وكان  البويهيون  مجوساً  إلى أن بايعوا الحسين  بن زيد العلوي سنة\ 250 هـجرية  فأسلم اغلبهم  وبقي  الاخرون على مجوسيتهم الى ان اسلموا على يد الحسن  بن علي الاطروش.

           ولد  أبو الحسن  مهيار الديلمي البغدادي عام \ 334 هـجرية  في زمن  يموج بالاضطرابات السياسية والاجتماعية والفكرية والمشاحنات  والمنازعات  المختلفة  قائمة  في بغداد وفي غيرها  من المدن الاسلامية .

      وفي رواية اخرى كانت ولادته  في طبرستان  في منتصف القرن الرابع الهجري وقدرت ولادته  بعا م \ 365 هجرية.
 ويذكر  انه  ولد في فارس  فيقول:

وفيكم ودادي وديني معاً
                                         وأن كان في فارس مولدي
خصمتُ ضلالي بكم فاهتديت
                                         ولولاكمُ   لم  أكن    اهتدي

          نشأ  مهيار الديلمي في عائلة  فارسية ثم  سافر إلى  بغداد  وسكن فيها  وكان على  دين  قومه   فسكن  في بغداد  في  جانب الكرخ  في منطقة  يقال لها  ( درب رياح ) .  و لم  يحالف  الحظ والدي مهيار في توفير لقمة العيش لابنهما الذي لم يكن أسعد حظا من ابيه  فلازمه الشقاء منذ  طفولته وحتى  شبابه  وسقاه الدهر كأس المرارة حتى الثمالة  فكان مهيار يشكو الدهر والفقر والناس فيقول :
عيش كلا عيشٍ  ونفسٌ  مالها
                                      من  لذّةِ الدنيا سوى حسراتِها

إن  كان عند ك  يا زمان  بقية
                                       مما  يضامُ بها الكرام فهاتِها

      اتصل  مهيار  الديلمي  بالشريف  الرضي الذي كان  حجّة  الأدباء  ونقيب الأشراف ببغداد  ـ  فأثَّر هذا  الاتصال  بشخصية  مهيار  الديلمي  وعقيدته  الدينية  وشاعريته  فهجر مجوسيته  واعلن  اسلامه  فاصبح  مسلما  في  دينه ، علويا  في مذهبه ، عربيا في أدبه  فابتهج  بسؤدد عائلته  وافتخر بشرف  إسلامه وحسن أدبه   فيقول في ذلك   :

لا تخَالِي نَسَباً يَخفِضنِي
                                           أَنَا مَن يُرضِيكَ عِندَ النَّسَبِ

قَومي استَوَلوا عَلى الدهر فتىً
                                      وَمَشُوا  فَوق  رؤوسِ  الحُقَبِ

عَمَّمُوا   بالشَّمسِ    هَامَاتَهُمُ
                                           وَبَنَوا    أبياتَهُم   بالشَّهَبِ

وَأبِي كسرَى عَلَى إِيوَانِهِ
                                         أَينَ فِي النَّاسِ أَبٌ مثلَ أبِي

سُورةُ المُلك القُدَامَى وَعَلى
                                        شَرَفِ  الإِسلامِ  لِي وَالأدَبِ

قَد قبستُ المَجدَ مِن خَيرِ أبٍ
                                        وقبستُ الدِّين مِن خَيرِ نَبِي

وَضَمَمْتُ الفخرَ مِن أطرافِهِ
                                       سُؤدَد الفُرس وَدِين العَرَبِ

  ولما مات الشريف الرضي عام \406  رثاه بقصائد  عديده ومنه احداها هذين البيتين  يقول :

أقريش لا لفمٍ أراكِ ولا يدِ فتواكلي
                                           غاض  الندى  وخلا  الندي

بكر النعي فقال: أُردي خيرها إن كان
                                         يصدقُ  فالشريف  هو الردي

     ولما  اعتنق الاسلام  زهي سروراً  كبيراً والتزمه  بقوه  ويتضح  ذلك من قوله وشعره  فهو يقول :

هو منقذي من شرك قومي وباعثي
                                       على الرشد أُصفي هواي محمدا

وتارك بيت النار يبكي شراره
                                       عليَّ  دما إن  صار بيتي  مسجدا

    الا انه  كان  يتغنى  بمجوسيته وخاصة  بنسبه لكسرى ملك الفرس  حتى  بعد اسلامه:

قد قبست المجد من خير أبِ
                                        وقبستُ الدين من خير نبي

وضممتُ الفخر من أطرافه
                                       سؤدد  الفرس  ودين العربِ

 ويغتز باسلامه  فيقول:

 لهف نفسي يا آل طه عليكم
                                           لهفة  كسبها  جوى وخبال

وقليل  لكم   ضلوعي  تهتز  
                                          مع الوجد  أو دموعي  تُذال

كان هذا كذا وودي لكم حسب
                                        ومالي  في الدين بعد اتصال


         توفي مهيار الديلمي في الخامس من جمادى الثاني  من سنة \ 428 هـجرية  -1037 ميلادية .

      يتميز  شعره  بانه رقيق الحاشية طويل  النفس  قصائده طافحه  بأفانين الشعر وفنونه  وضروب التصوير وأنواعه، فهو يكاد في قريضه يلمس  حقيقة راهنة  مما  ينضده، ويذر المعنى المنظوم  كأنه تجاه  حاسته  الباصرة، ولا يأتي إلا بكل اسلوب رصين، أو رأي صحيف، أو وصف بديع، أو قصد مبتكر، فكان مقدما على أهل عصره وهو شاعر له في مناسك  الفضل  مشاعر، وكاتب  وتحت كل  كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده  بيت يتحكم عليه  وهي مصبوبة  في  قوالب  الافئدة  والنفوس وقد قال الشعر في  المدح  والفخر  والغزل  والوصف والرثاء  وفي اغلب فنون الشعر فابدع  واجاد  . فمن  رقيق شعره يقول :

إن التي علقت قلبـك حـبـهـا
                                       احت بقلب منك غير عـلـوق

عقدت ضمان وفائها من خصرها
                                     فوهى، كلا العقدين غير وثـيق

ويقول في قصيدة طويلة ومن رقيق شعره منها:

أرقت فهل لها جعة بسلـع
                                            على  الأرقين  أفـئدة  تـرق

نشتك بالمـودة ياابـن ودي
                                           فإنك  بي   من ابن أبي حـق

أسل بالجزع دمعك إن عيني
                                            إذا استبررتها  دمعا  تـعـق

وإن شق البكاء على المعافى

                                          فلم  أسألـك  إلا  مـا  يشـق


وله في القناعة  وقد أحسن فيها كل الاحسان:

يلحى على البخل الشحيح بمـالـه
                                      أفلا تكون بماء وجهـك أنـجـلا

أكرم يديك عن السؤال فـإنـمـا
                                        قدر الحياة أقل مـن أن تـسـألا

ولقد أضم إلي فضل قنـاعـتـي
                                         وأبيت مشتملاُ بهـا مـتـزمـلا


ومن  بديع  مدائحه  قوله:

وإذا رأوك تفرقت أرواحهم
                                          فكأنما  عرفتك  قبل  الأعين

وإذا أردت بأن تفل كتـيبة
                                         لاقيتها  فتسم  فيها  واكتـن

وله العتب  يقول :

إذا صور الأشفاق لي كيف أنتم
                                          وكيف إذا ما عن ذكري صرتم

تنفست عن عتب، فؤادي مفصحٌ
                                            به، ولساني للحافظ يجمـجـم

وفي فيّ ماءٌ من بقايا ودادكـم
                                          كثيراً به من ماء وجهي أرقتم

أضم فمي ضنا علـيه وبـينـه
                                          وبين  انسكاب  ريثما  أتـكـلـم

      والمتابع  لشعر مهيار الديلمي  رغم كثرته  يجد  انه  يفخر في اصوله الفارسية  ويعرض  ان نسبه  من  نسب  ابناء الملوك الكسروية . وفي  قصيدته  (أعجبت بي ) التي نظمها  في  ( بغداد )  وتتكون من  تسعة  أبيات على بحر الرمل  ذي الموسيقى الرشيقة  الخفيفة  يظهر فيه  الفخر بالفرس وبكسرى واضحا  وجليا  يقول:
أعجِبَتْ بي بينَ نادي قومِها
                                         (أمُّ سعدٍ) فمضتْ  تسألُ  بي

سرَّها ما علمَتْ مِن خُلُقي
                                            فأرادتْ علمَها من حسبي

لا تخافي نسباً يخفضُني
                                            أنا مَنْ يرضيك عندِ النَّسبِ

قوميَ استولوا على الدَّهرِ فتًى
                                         ومَشوا فوقَ رؤوسِ الحُقُبِ

عمَّمُوا بالشمسِ هاماتُهُم
                                              وبَنُوا أبياتَهم في الشُّهُب

وأبي  كِسرَى   على  إيوانِهِ
                                            أينَ في الناسِ أبٌ مثلُ أبي

سوْرَةُ المُلْكِ القُدامى وعلى
                                            شرفِ  الإسلامِ لِي والأدبِ

قد قَبَسْتُ المجدَ من خيرِ أبٍ
                                            وقَبَسْتُ الدينَ مِنْ خيرِ نبي

وضمَمْتُ الفخرَ من أطرافِهِ
                                            سُؤْدَدَ الفرسِ ودينَ العرَبِ

       فالقصيدة  نتاجٍ عربي  لشخص فارسي  يعتد  بفارسيته    غرض الشاعر منها   التعبير بوضوح  عن  وجهة  نظره  من  تفوق  الفرس  من حيث  الأصل  والمحتد  وتنم عن عظمة  الفرس، والتذكير بأمجادهم، كما يتصورها ويتخيلها  مهيار الديلمي وانها تمثل  رمزا لروح الفلسفة  الشعوبية  التي نشأت وترعرعتْ  في ظل  التسامح  الإسلامي  وأخلاقياته النبيلة. .
  وقد رد عليه الشاعرالعربي الملحمي في قصيدة طويلة  اقتطف منها هذه الابيات   :
    
لكَ يا  مهيارُ  في الشّعْرِ يدٌ
                                          ولنا  أيدٍ  لَها  لمْ    تُغْلَبِ

لا تُفاخرْ أمةَ الضَّادِ  التي
                                          خصَّها  الله  بذِكْرٍ عربي

وحَبَاها من لدُنْه  المُصْطَفَى
                                       وكَفَى العُرْبَ النبيَّ اليَعْرُبِي
لا  تفاخرْنَا  فإنَّا  أمَّةٌ
                                            شَمْسُها منذُ بَدَتْ لَمْ تغْرُبِ

لا تُفاخِرْ  أمةَ الضَّادِ  التي
                                             خَصَّها  الله   بذِكْرٍ  طَيِّبِ

كُنتُمُ مِنْ قبْلِهِ في مِحْنَةٍ
                                            والوَرَى  كُلُّهُم ُ في  نُوَبِ

تعْبُدَونَ النَّارَ ويَحْكُمُ
                                             وتجُودُونَ  لها   بالقُرَبِ

 قِصّةُ المجدِ لنا قد بدأتْ
                                        بِظُهورِ الدين فافْهَمْ يا  غَبِي

حيثُ نلْنَا ذُرْوةِ المجْدِ هُنَا
                                           وغَدًا   نَبْلُغُ  أعْلَى  الرُّتَبِ


 الاانه  يدعو  اصحابه  الى اعتناق الاسلام  بعد اسلامه  فيقول:

تبدّلت من ناركم ربها                وخبث مواقدها الخلد طيبا

افيئوا فقد وعد الله في                   ضلالة مثلكم أن يتوبا

وإلا هلموا أُباهيكم فمن                قام والفخر قامَ المصيبا

أمثل محمد المصطفى                   إذا الحكم وليتموه لبيبا

     كان مهيار غزير المادة  قل  من  جاراه  من  شعراء  العربية في كثرة شعره  وفي نفسه  الطويل   فكانت  بعض  قصائده تقارب الثلاثمائة  بيت  فهو ذو شاعرية  فذة  وابداع  رائع  تربع على رأس الحركة  الادبية  في  أواخر القرن  الرابع  الهجري
 وحتى وفاته .
 اختم  بحثي بهذه الابيات من قصيدة له طويلة :

سقى دارها بالرقمتـين وحـياهـا
ملث يحيل الترب في الدار أموالها

وكيف بوصل الحبل من أم مالـك
وبين بلادينا زرود وحـبـلاهـا

يراها بعين الشوق قلبي على النوى
فيحظى، ولكن من لعيني برؤياها

فلله ما أصفى وأكـدر حـبـهـا
وأبعدها مني الغـداة وأدنـاهـا

إذا اسوحشت عيني أنست بأن أرى
نظائر تصبيني إليها وأشـبـاهـا

وأعتنق الغصن الرطيب لقـدهـا
وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاهـا

ويوم الكئيب استرشقت لي ظبـية
مولهة قد ضل بالقاع خشفـاهـا

يدله خوف الثكل حبة قـلـبـهـا
فتزداد حسناً مقلتاها ولـيتـاهـا

فما ارتاب طرفي فيك يا أم مالـك
على صحة التشبـيه أنـك إياهـا

فإن لم تكوني خدها وجـبـينـهـا
فإنك أنت الجيد أو أنت عينـاهـا

ألومـه فـي حـب دار عـزيزة
يشق على رجم المطامع مرماها

دعوه ونجداً إنها شـأن قـلـبـه
فلو أن نجداً تلعة ما تـعـداهـا

وهبكم منعتم أن يراها بـعـينـه
فهل تمنعون القلب أن يتمنـاهـا

وليل بذات الأثل قصـر طـولـه
سرى طفيها، آها لذكرتـه آهـا

تخطت إلي مشياً علـى الـهـوى
وأخطاره، لا يصغر الله ممشاهـا

وقد كاد أسداف الدجى أن تضلها
فما  دلها  إلا  وميض  ثنـاياهـا




             *****************************










وجيه الدولة الحمداني



          هو ابو المطاع  ذو القرنين  بن  ابي المظفر حمدان  بن ناصر الدولة ابي محمد حسن  بن عبدالله بن حمدان التغلبي  ويلقب (  وجيه الدولة ).  من أسرة  بني  حمدان امراء ( حلب ) وما جاورها ومنهم  الامير سيف  الدولة الحمداني  . و كان والده   ناصر الدولة  الحسن  
 بن عبد الله بن  حمدان  التغلبي   صاحب الموصل  دمشقي الاصل .

       ولد بالموصل  سنة \ 347 هجرية -954 ميلادية  وبها ترعرع  وانتقل الى  دمشق  صغيرا  لان اصله من اهل دمشق  فيذكرها  كثيرا     في شعره  فيقول  :
   
سقى مصلّى دمشق صوب غادية  
                                        من  كلّ  منخرق   ينهلّ   بالماء

ففيه مثوى حبيب ما  مررت    به 
                                      إلا توهمت فيه  بعض    أعضائي

أظلّ    أشتمه    طوراً    وألثمه   
                                      كأن  تربته   تشفي   من     الداء

فإن يكن  ماء  عيني  قلّ    ساكبه
                                      فإنما    نشّفته    نار      أحشائي

      وفي دمشق  تربى تربية  ابناء  الملوك  والامراء  واشتد ساعده وعلمه  وادبه  ودرس  على اكابر علمائها  واساتيذها وادبائها  فكان أديبا  فاضلا  شاعرا سائسا  مدبرا  و تولى امرة ولاية  دِمَشْق  بعد لؤلؤ البشراوي في سنة إحدى وأربعمائة . ويصف  احد مجالسه شرابه  وانسه  فيها  فيقول :

ما أنس لا أنس يوم الدّير  مجلسنا
       ونحن في  نعم  توفي  على    النعم

وافيته   غلساً   في   فتية     زهر  
     ما شئت من أدب فيهم  ومن    كرم

والفجر يتلو الدّجى في اثر زهرته   
    كطاعن    بسنان    إثر      منهزم

فلم  نزل  بمطيّ   الراح     نعملها   
    محدوة   بيننا    بالزمر      والنغم

حتى اثنينا ونور  الشمس    يطرده  
     جنح من الليل في جيش من   الظلم

وليس  فينا  لفعل  الخندريس    بنا  
     من  تستقل  به  ساق   على   قدم


       وجاء عن  أبي الحسن عَلِيّ بْن المسلم الفرضي انه  قال في تولي ذي القرنين  دمشق  :

 ( دفع إلي مجير الكتامي ، شيخ من جند المصريين ، ورقة فيها أسماء الولاة بِدِمَشْقَ فكان فيها : ثم ولي الأمير أبو المطاوع بْن حمدان سنة اثنتين وأربع مائة ، ثم ولي وجيه الدولة ابن حمدان سنة اثنتي عشرة ، ثم ولي ابن حمدان ولايته الثالثة سنة ست عشرة. وفي يوم عيد النحر ، وهو يوم الجمعة عَلَى العدد سنة إحدى وأربع مائة بعد صلاة العيد ، وصل السجل من مصر إلى الأمير أبي المطاع ذي القرنين بْن ناصر الدولة بْن حمدان بولاية دِمَشْق وتدبير العساكر وخلع عليه وقرأ الشريف القاضي الحسيني النصيبي السجل  وعزل لؤلؤ البشراوي   فكان جميع ما أقام واليا  ستة  أشهر وثلاثة أيام ، وسير الأمير أبو المطاع الأمير لؤلؤا مقيدا في يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة إحدى وأربع مائة إلى مصر ، وورد الأمير لؤلؤ البشراوي الملقب بمنتخب الدولة عَلَى يد ابن الأمير أبي المطاع ، ثم عزله عنها بمحمد بْن نزال في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربع مائة ، ثم ولي الأمير أبو المطاع دِمَشْق مرة أخرى في صفر سنة اثنتي عشرة وأربع مائة للملقب بالظاهر بعد ولي العهد ، ثم ولي بعده سختطين وعزل عنها في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وأربع مائة ، ووليها مرة ثالثة في يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة ، ويقال : في شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وأربع مائة إلى أن عزل عنها في سنة تسع عشرة بالدزبري قرأت بخط أبي مُحَمَّد بْن الأكفاني مما نقله من خط عَبْد الوهاب الميداني ، وجاءت الولاية إلى ذي القرنين بْن حمدان ، وكان شاعرا ، ولقب بوجيه الدولة وبرز إلى المزة يوم السبت لست خلون من جمادى الآخرة من سنة اثنتي عشرة وأربع مائة ، وسار في عد هذا اليوم يعني معزولا إلى مصر ، وقدم وجيه الدولة يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة فنزل في المزة ، ودخل في عد هذا اليوم يوم الخميس لعشر خلون من شهر ربيع الأول فنزل في القصر.)

        وبهذا  يكون  قد  تقلد  ولاية دمشق سنة \401 هجرية  ثم عزل منها  فارتحل عن دمشق  الى مصر  فولاه  الامير الظاهر بالله  بن الحاكم  بامر الله الفاطمي ولاية  الاسكندية  سنة \ 414 هجرية  واقام  فيها  سنة  كاملة  ثم  عاد الى دمشق  سنة 415  هجرية واليا عليها  وبقي فيها واليا حتى عام\419 هجرية حيث عزل منها  لشيخوخته  فبقي  فيها  معتزلا  الامورالسياسية . وقد احب  دمشق  وتغزل فيها  ولا غرو في ذلك  فهو الأمير الكبير   نائب دمشق ، وجيه الدولة   أبو المطاع ، ابن صاحب الموصل ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ، التغلبي الشاعر  فيقول في وصفها  :

هذي دمشق وساعة  من  يومها    
                                       في  فضل  لذّتها  تقوم     بأشهر

فانعم   بيوم   غيمه      متكاثف     
                                     والثلج  يسقط  فوق  روض  مزهر

وكأنّما   يلقاك   من   خلع     له  
                                        بمعنبر     ومكفر       ومعصفر

         توفي بدمشق في  شهر  صفر  من سنة \428 هجرية – 1036 ميلادية  وجاء  في رواية اخرى  انه  توفي  في  مصر والاول عندي هو الاصوب  .

       كان ذو القرنين بن ابي المظفرأديبا فاضلا وشاعرا  متمكنا مدبرا  ظريفا  يتميز شعره  بحسن السبك و شعره رقيق الحواشي غزير المعاني  مبتكرا  مجددا  واغلب شعره في ديوانه في الغزل  و من  لطيف  شعره قوله:

لو كنت أملك صبرا أنت تملكه
                                         عني لجازيت منك التيه بالصلف

وبت تضمر وجدا بت أضمره
                                           جزيتني كلفا  عن  شدة الكلف

 تعمد الرفق بي يا حب محتسبا
                                            فليس يبعد ما تهواه من تلفي

إني لأحسد (لا) في أسطر الصحف
                                         إذا رأيت  اعتناق  اللام  للألف

وما  أظنهما  طال  اعتناقهما
                                         إلا  لما لقيا  من  شدة  الشغف

    ويقول متغزلا   :

 لو كنت ساعة بيننا ما بيننا
                                         وشهدت  حين  نكرر التوديعا

 أيقنت أن من الدموع محدثا
                                       وعلمت  أن من الحديث دموعا  

ومن شعره في الغزل :

 أفْدِي الذِّي زُرْتُهُ بالسَّيْفِ مُشْتَمِــلاً
                                       ولَحْـظُ عَيْنَيْهِ أمْضَـى مِنْ مَضَارِبِـهِ

 فمَا خَــلَعْتُ نِجَــادي للعِنَاقِ لَـهُ
                                         إلا  لَبِسْـتُ  نِجَــادًا  مِــنْ  ذَوَائِبِـه

 فبـاتَ أسْـعَدَنَا  فــي نَيْـلِ بُغْيَتِـهِ
                                       مَنْ كانَ فـي الحُـبِّ أشْقَانَا بِصَاحِبِه

 ويقول ايضا  :

لما  التقينا  معاً   والليل     يسترنا   
                                      من  جنحه  ظلم  في  طيّها     نعم

بتنا   أعفّ   مبيت   باته      بشر  
                                       ولا  مراقب  إلا  الطّرف    والكرم

فلا مشى  من  وشى عند  العذول  بنا 
                                      ولا سعت  بالذي  يسعى  بنا    قدم

 واختم بحثي في  قوله  واصفا  دمشق  :

سقى اللَه أرض الغوطتين    وأهلها   
                                  فلي  بجنوب   الغوطتين     شجون

وما ذقت طعم الماء إلا    استشفّني    
                                   إلى  برد   ماء   النيربين     حنين

وقد كان شكّي في الفراق يروعني    
   فكيف  أكون   اليوم   وهو     يقين

وواللَه   ما   فارقتكم   قاليا      لكم  
     ولكن  ما  يقضي  فسوف     يكون






                         ********************** 

























ابن الصباغ

قتيل الدلاء  او  قتيل الغواشي



           ابو طاهر  محمد بن  عبد الله  وقيل عبدالرحمن بن عبد الواحد القصار  كني (  صريع الدلاء  ) وقيل  (  ذي الرقاعتين  ) وقيل  (  قتيل الغواشي)  .  وهذا  اللقب افضل من الاول  لأن الغوا شي  افضل من الدلاء  من المعنى  المراد  ولأن الغواشي  أكثر  شبهاً  في اللفظ   بالغواني  من الدلاء  لأن القدامى  قابلوا  بلقبه هذا  لقب  الشاعر مسلم  بن الوليد ( صريع الغواني)  وهذا  لقبه ( صريع الغواشي ) ولقب ايضا   ب(ابن الصباغ) وكان  من فقهاء الشافعية .

ولد  بمدينة  البصرة  ونشأ وتعلم فيها  ثم انتقل الى بغداد وسكنها  واتصل بالسلطان فخر الملك غالب بن علي بن خلف وزير بهاء الدولة البويهي، فحظي عنده، وقد مدحه بقصيدة مزج فيها الجد بالهزل فاكرمه وانعم عليه ومنها هذه الابيات :

كيف نلقى بؤساً ودولة فخر ال        ملك فينا تعم بالإنعام

هكذا ما بقي الجديدان يبقى         للتهاني مملكاً ألف عام

كل يومٍ لنا بنعماك عيدٌ               لا خلت منه سائر الأيام

فله الأنعم الجسام اللواتي      هي مثل الحياة في الأجسام

لم يزل يطلب المحامد والعل      ياء بين السيوف والأقلام

فلقد نال بالعزائم مجداً              لم ينل مثله بحد الحسام

أدرك النجم قاعداً وسواه            عاجزٌ أن يناله من قتام

لم يزل جوده يعطعط بالإف    ضال مذ كان في قفا الإعدام

فهو في حبه المكارم والجو     د يرى الآملين في الأحلام

قد كفتنا غيوث كفيه أن         نبسط كفاً إلى سؤال الغمام

ورضعنا لديه در الأماني              ونظمنا لديه در الكلام

       ثم انتقل  الى الشام  واجتمع  بالشاعر ابي العلاء المعري في (معرة النعمان )  و عبد المحسن الصوري في (  صيدا ) وجرى بينهما  احاديث ومحاورات وحكايات وقد  روي منها :

   انه  قيل  أن معلما كَانَ بِالشَّامِ رقيقا مشهورا بشتم الصبيان   فعوتب عَلَى ذلك ، فقَالَ لمن عاتبه وأنكر عَلَيْهِ :
-        اقعدوا حتى تسمعوا ، فإن كنت معذورا ، وإلا فلوموا ،
 فقرأ عَلَيْهِ قول الله  تعالى :
(هُمُ الَّذِينَ  يَقُولُونَ لا  تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حتى ينفضوا ) سورة المنافقون آية \ 7 ،
 فقَالَ لَهُ :
-        كذبت يَا عاض .... أتلزم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نفقة لا تجب عَلَيْهِ  لعمري  إنه  أعجبك  كثرة  ماله ، قبحك الله
-    ثم  قرأ أخرى : (عَلَيْهَا  مَلائِكَةٌ غِلاظٌ  شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ  وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .)
 سورة التحريم آية \ 6  .
 - فقَالَ لَهُ : يابن الخبيثة ، ما هؤلاء إلا أكراد شهرزور ، وليس هؤلاء ملائكة  .
-  قَالَ : وقلنا لَهُ : ما نلومك بعد هذا.
  ثم هاجر الى مصر  حيث توفي  فيها
 وقد  عارض  مقصورة  ابن  دريد المشهورة التي مطلعها :

يا ظبية   أشبه   شيء   بالمها  
                                        ترعى الخزامى بين أشجار النقا

بمقصورةٍ  مثلها  لكنها ماجنة  ننقل منها هذه الابيات :

من لم يرد أن تنتقب نعاله               يحملها في كمه إذا مشى

من دخلت في عينه مسلةٌ          فاساله من ساعته عن العمى

من أكل الفحم تسود فمه            وراح صحن خده مثل الدجا

من صفع الناس ولم يدعهم .         أن يصفعوه فعليهم اعتدى

من ناطح الكبش تعجر رأسه       وسال من مفرقه شبه الدما

من طبخ الكرش ولا يغسله         سال على شاربه منه الخرا

من فاته العلم وأخطاه الغنى        فذاك والكلب على حدٍ سوى

من طبخ الديك ولا يذبحه            طار من القدر إلى حيث يشا

وقال  بعض النقاد: إن هذا  البيت  خير من مقصورة  ابن دريد  فإنه  
حكمة بالغة.

والدرج يلفى بالغشاء ملصقاً     والسرج لا يلصق إلا بالغرى

والذقن شعرٌ في الوجوه نابتٌ   وإنما الاست التي تحت الخصى


      توفي  صريع الدلاء  بمصر  سنة\  448  هجرية  .- 1056 ميلادية
 
      محمد بن عبدالواحد  ابن الصباغ  شَاعِرٌ مجيد ، لَهُ شِعْرٌ عَجِيبٌ   يَحْكِي فِيهِ أَصْوَاتَ  الطَّيْرِ وَالطُّبُولِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَكَانَ سَخِيًّا ، مَاجِنًا  يغلب على شعره الهزل   وقد قال الشعر في اغلب فنونه  .

واختم  من شعره  من قصيدة طويلة  بهذه  الابيات :

أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا    غَزِلِ    
   وَشَمَّرَت  هِمَمُ   العُذّالِ   في     العَذَلِ

هاجَ البُكاءُ عَلى العَينِ الطَموحِ هَوَىً 
      مُفَرَّقٌ    بَينَ     تَوديعٍ       وَمُحتَمَلِ

كَيفَ   السُلُوُّ   لِقَلبٍ   راحَ     مُختَبَلاً     
   يَهذي  بِصاحِبِ  قَلبٍ  غَيرَ     مُختَبَلِ

عاصى  العَزاءَ  غَداةَ  البَينِ    مُنهَمِلٌ     
  مِنَ  الدُموعِ  جَرى  في  إِثرِ  مُنهَمِلِ

لَولا  مُداراةُ  دَمعِ  العَينِ     لَاِنكَشَفَت  
    مِنّي  سَرائِرُ  لَم  تَظهَر   وَلَم     تُخَلِ

أَما  كَفى  البَينُ  أَن  أُرمى    بِأَسهُمِهِ 
      حَتّى  رَماني  بِلَحظِ  الأَعيُنِ    النُجُلِ

مِمّا جَنى لي وَإِن كانَت مُنىً   صَدَقَت    
   صَبابَةً    خُلَسُ    التَسليمِ       بِالمُقَلِ

ماذا عَلى  الدَهرِ  لَو  لانَت  عَريكَتُهُ     
  وَرَدَّ في الرَأسِ  مِنّي  سَكرَةَ    الغَزَلِ

جُرمُ الحَوادِثِ عِندي  أَنَّها    اِختَلَسَت  
     مِنّي   بَناتِ   غِذاءِ   الكَرمِ     وَالكِلَلِ

وَرُبَّ  يَومٍ   مِنَ   اللَذّاتِ     مُحتَضَرٍ  
قَصَّرتُهُ    بِلِقاءِ    الراحِ       وَالخُلَلِ

وَلَيلَةٍ   خُلِسَت   لِلعَينِ    مِن      سِنَةٍ   
    هَتَكتُ فيها الصِبا عَن بَيضَةِ    الحَجَلِ

قَد كانَ دَهري وَما بي اليَومَ مِن   كِبَرٍ   
   شُربَ المُدامِ  وَعَزفَ  القَينَةِ    العُطُلِ

إِذا   شَكَوتُ   إِلَيها   الحُبَّ   خَفَّرَها   
    شَكوايَ  فَاِحمَرَّ  خَدّاها  مِنَ    الخَجَلِ

كَم  قَد  قَطَعتُ  وَعَينُ  الدَهرِ    راقِدَةٌ    
   أَيّامَهُ  بِالصِبا   في   اللَهوِ     وَالجَذَلِ

وَطَيِّبِ   الفَرعِ    أَصفاني      مَوَدَّتَهُ 
      كافَأتُهُ     بِمَديحٍ      فيهِ      مُنتَخَلِ

وَبَلدَةٍ    لِمَطايا    الرَكبِ      مُنضِيَةٍ      
 أَنضَيتُها   بِوَجيفِ    الأَينُقِ      الذُلُلِ

فيمَ  المُقامُ   وَهَذا   النَجمُ     مُعتَرِضاً  
     دَنا  النَجاءُ  وَحانَ  السَيرُ     فَاِرتَحِلِ

يا مائِلَ  الرَأسِ  إِنَّ  اللَيثَ    مُفتَرِسٌ   
    ميلَ   الجَماجِمِ   وَالأَعناقِ     فَاِعتَدِلِ

حَذارٍ  مِن   أَسَدٍ   ضِرغامَةٍ     بَطَلٍ 
      لا  يولِغُ  السَيفَ  إِلّا  مُهجَةَ   البَطَلِ

لَولا  يَزيدُ  لَأَضحى  المُلكُ    مُطَّرَحاً    
   أَو مائِلَ السَمكِ أَو مُستَرخيَ    الطِوَلِ

سَلَّ  الخَليفَةُ  سَيفاً  مِن  بَنى     مَطَرٍ    
   أَقامَ   قائِمُهُ   مَن   كانَ    ذا    مَيَلِ

كَم  صائِلٍ  في  ذَرا   تَمهيدِ     مَملَكَةٍ    
   لَولا  يَزيدُ  بَني  شَيبانَ   لَم     يَصُلِ

نابُ  الإِمامِ  الَّذي   يَفتَرُّ   عَنهُ   إِذا      
 ما اِفتَرَت الحَربُ عَن أَنيابِها   العُصُلِ

مَن  كانَ  يَختِلُ  قِرناً   عِندَ     مَوقِفِهِ   
    فَإِنَّ   قِرنَ    يَزيدٍ    غَيرُ    مُختَتَلِ

سَدَّ  الثُغورَ  يَزيدٌ   بَعدَما     اِنفَرَجَت   
    بِقائِمِ  السَيفِ   لا   بِالخَتلِ     وَالحِيَلِ

كَم  أَذاقَ  حِمامَ  المَوتِ   مِن     بَطَلٍ     
  حامي الحَقيقَةِ  لا  يُؤتى  مِنَ    الوَهَلِ

أَغَرُّ أَبيَضُ يُغشى البَيضَ  أَبيَضُ    لا  
     يَرضى  لِمَولاهُ  يَومَ  الرَوعِ    بِالفَشَلِ

يَغشى الوَغى وَشِهابُ المَوتِ في   يَدِهِ   
     يَرمي  الفَوارِسَ  وَالأَبطالَ   بِالشُعَلِ

يَفتَرُّ  عِندَ  اِفتِرارِ  الحَربِ     مُبتَسِماً  
     إِذا   تَغَيَّرَ   وَجهُ   الفارِسِ    البَطَلِ

موفٍ عَلى مُهجٍ في  يَومِ  ذي    رَهَجٍ  
     كَأَنَّهُ    أَجَلٌ    يَسعى    إِلى      أَمَلِ

يَنالُ  بِالرِفقِ  ما  يَعيا  الرِجالُ     بِهِ      
 كَالمَوتِ  مُستَعجِلاً  يَأتي  عَلى  مَهَلِ

لا  يُلقِحُ  الحَربَ  إِلّا  رَيثَ    يُنتِجُها      
   مِن   هالِكٍ   وَأَسيرِ   غَيرِ     مُختَتَلِ

إِن   شيمَ   بارِقُهُ   حالَت      خَلائِقُهُ 
      بَينَ   العَطِيَّةِ    وَالإِمساكِ      وَالعِلَلِ

يَغشى  المَنايا  المَنايا   ثُمَّ     يَفرُجُها    
   عَنِ  النُفوسِ  مُطِلّاتٍ  عَلى     الهَبَلِ





******************************




















             الشاعر ابو العلاء المعري                            

                              الشاعر القيلسوف                                   


            هو ابو العلاء  احمد بن عبد الله  بن سليمان  المعري التنوخي ولد في معرة النعمان احدى مدن سورية  عام\ 363 هجرية  في بيت عز وشرف  وغنى ومحتمد  عربي اصيل الاانه اصيب بمرض  الجدري  في الثالثة من عمره  فافقده البصر  وعاش طيلة حياته في ليل طويل تعلم ابو العلاء  على يد والده فنشأ رغم عماه  ذكي الفوءاد  مرهف الحس  متوقد الذاكرة  وقد قا ل الشعر  في عمر الطفولة   وقد توفي والده  في صباه وعمره  اربعة عشرة سنة  تاركا لولده الاعمى  ثروة طائلة  واكتنفته امه سهرت على تعليمه وقد  تنقل في طلب العلم  بين  معرة النعمان مسكنه واللاذقية  وحلب وطرابس  وبغداد  لمواكبة دراسته وكانت انــــذاك  قبلة  الأدباء  وموئل الشعراء  وبقوا فيها ردحا من الزمن  متنقلا بين مجالس الادباء والشعراء ونواديهم وقد اجلوه واحترموه بما يليق بمكانته  وفي بغداد انكب على دراسة الادب  والفليسفة والعلوم العربية والحكمة ولم يترك علما من العلوم أو الآداب  الاوخاض غماره وتولاه  بالدرس والتحليل  ولما عاد الى المعرة عاد  بحرا  من العلوم  والاداب والفلسفة   ساعده  حدة ذكائه وحفظه المفرط وسمو وعزة نفسه الابية وهو في بغداد  علم ان والدته مريضة  فهجر بغداد مكرها  وسافر  الى المعـــــــــــرة  لاستطلاع الأمر الا انه فوجئ  بخبر وفاتها ولما يصل وعند وصوله  انقطع الى نفسه وانعزل عن الناس  وعاش منفردا وحرم  على نفسه الاختلاط بالناس  حتى انه  عبر عن حالته في شعره  يقو ل:-          

  اراني في الثلاثة من سجوني     
                                           فلا تسال عـــــن الخبر النبيـــث

 فقدي ناظري ولزوم بيتــــــي      
                                            وكون النفس في الجسم الخبيث

كان طلبة العلم يتوافدون عليه وهو قابع في بيته  فينهلون من  معين صاف لاينضب وبحر غزيرواسع المفعرفة وقد حرم اكــــــل اللحوم على نفسه حتى قيل  انه لاياكل  امام احد من الناس  فكان خادمه  يضع له الطعام في غرفـة     معزولة  ثم يتوارى عنه  كما انه لم يتزوج ابدا  قال:- 

هذا ما جناه علي ابي      وما جنيت على احد

توفي ابو العلاء  بعد اصابته بمرض خطيراودى بحياته بعد ثلاثة ايام  من اصابته به وذلك سنة \ 449 هجرية بعد عمر ناهز 86 عاما  قضاها في محبسه في ظلمة الحياة.

         لقد صب ابو العلاء جام سخطه على الحياة وحدجها  بنظرة  ماساوية شـــــــــــــــــزراء تشاؤمية  فهو يراها  مفعمة  بالشروالكدربل كلها شر وما الخير فيها الا كزهرة  تقطع فتذوى وتذبل وتنضوي بل عدها ضلالـــــة وجهالة وما هي الا مكر وحذاع وما تظاهر الناس بها الا رياء اوما يتدينون عن تعقل وروية وهو المفكر الفاحص بل يعتبره تقليد ابائهم كما فعل الجاهليون  كما يرى ان الدين سبب العداوة بين الخلق ومصدر العداوة والشقاق بينهم يقول:-                                    

ان الشرائع القت ببننا احنا        وعلمتنا  افانين العداوات

لكن  الشاعر وهو الزاهد في الحياةالمتفر بها  غير ملحد كما تصور البعض  انه مؤمن بربه  كل الايمان  لكنه يعود كل الامــــــور على العقل  فما  قبله العقل وعقله واطمان به قبله وارتضاه وسار عليه  فالعقل عنده  المرجع  والامام  لذا فهو مؤمن بوحدانية الله تعالى  :

توحد فان الله ربك واحد       ولا ترغبن في عشرة الرؤساء

          اساء المعرى الظن بالناس الى شاوى بعيد  ونزع الثقة منهم  وسخط على الحياة  كان يرى الانسا المثالي  الحر العقل  والكريم في هذه الحياة  غريب  عن هذه الدنيا  ولا مكان له فيها  لذلك انزوى عن العالمين وابو العلاء فيلسوف شاعر  فلسف الحياة في لزومياته  وقد استقى  اراءه  وافكاره التي غذاها  من انبع  مناهل العلم  واغزرها  في الادب والحكمة والفلسفة  والعقائد وظهــر كل ذلك في  قريضه   بنظم بديع  وكلام متين بليغ شعر ابي العلاء  بعد هذا وذك  قوي متين  شديد الروعة  فهو  شاعر  فنان  فيلسوف اديب  حجته بالغة  عارف باصالة الفن وروائعه  يمزج الفكر بالخيال  والفلسفة بالحكمة  واسع الادراك  والفهــــــــم  فياض المعاني  في نظم  بديع  وشعر بليغ وقافية  متينه   نظم شعره على قافية  معتمدا حرفين او ثلاثة حين الحرف الواحد يكفي  انظر اليه يقول:-                                                                  
        
اللَّه لا ريبَ فيه، وهو مُحتجبٌ،
                                             بادٍ،  وكلٌّ  إلى  طَبعٍ  له  جذبا

أهلُ الحياةِ، كإخوان المماتِ، فأهْـ
                                          ـوِنْ بالكُماةِ أطالوا السُّمرَ والعَذبا

لا يعلمُ الشَّريُ ما ألقى مرارتهَ
                                           إليه، والأريُ لم يشْعُر، وقد عذُبا

سألتُموني، فأعيْتني إجابتكمْ؛  
                                             من  ادّعى  أنّه  دارٍ  فقد  كذبا

       وهذه سمة لم يسبقه الشعراءاليها  ولم يات احد بعده عليها  فكان المعري  كان يلهي  نفسه  بها  في وحشته وانعزاليته  ومن حيث اللفظ  فهو كثير غريب اللغة ووحشي اللفظ   حتى ان المتتبع  لشعره بحاجة  الى معجم   لمعرفة  معانيه ومقاصده  وليــــس هذا  بغريب على شاعر مثل المعرى  الواسع الذكاء العارف بخفايا العربية واسرارها  وعانيها واساليبها وبلاغتها  خاصة وانــــه عاصر عهدا وصلت العربية فيه الى ارقى اللغات  اضف ان  قصائده  تطغى عليها قوة بلاغية  جناسية في اكثر الاحــــــــــــــوال :

   وجدت الناس في هرج ومرج     
                                             غواة  بين  معتز ل و مــــرج

   فشان ملوكهم غرف ونــــزف 
                                              واصحاب الامور جبا ة خرج
       
   فاللزوميات  فلسفة الحياة ومبادىء الاخلاق تتجلى فيها اساليب نقد وسخرية هذا الشاعر من الحياة  ومن الناس  بدعابة في جد  يكشف  اغوار النفس الانسانية  واسرارها  في شعر بليغ  لم يات بمثله الذين سبقوه   والذين  جائوا  من بعده  يقول:-

جهلنا فلم نعلم على الحرص مـا  
                                        الذي يراد بنا والعلم لله ذي المـــــن  

  اذا غيب المرء استسر حديثـــــه   
                                          لم تخبر  الافكار عنه بما يغنــــــي 

  تضل العقول الهبرزيات  رشدها    
                                         ولـم يسلم الراى القوي من الافــــن

 طلبت يقينا من جهينة  عنهـــــم  
                                         ولم تخبريبي  ياجهين  سوى  الظن 

   فان تعهديني  لا ازال  مســـائلا     
                                         في لم  اعط الصحيح  فاستغنــــــــي

               هذا ابوالعلاء غير متطير لكنه متشائم شديد التشاؤم  لايرى في هذه الدنيا الا شرا مستطيرا لايستطيع دفعه ولا يامل بازالته  او تحسينه  لذلك  يتظر الدنيا  بمنظارة سوداوية  حالكة يقول:- 

وهل لحق  التثريب  سكان يثرب 
                                   من الناس  لابل في الرجال غباء

اوقوله:-

أراني في الكرى  رجل  كأنــــي    
                                          من الذهب  اتخذت غشاء راسي     

قلنسوة خصصت بها  نضــــارا   
                                          كهرمز اوكملك اولى  خراســـي

فقلت معبرا ذهب ذهابــــــــــــي   
                                         وتلك نباهة  في  انـــــــــــدراس

اقمت وكان  بعض الحزم يومـــا 
                                         لركب السفن ان تلفي الرواســي

 اسمع قوله في نفي التطير :-

وما اسر لتعشير الغــــــراب اسى 
                                          ولا ابكي خليطا حل تعشــــــارا

ولا توهمت انثى الانجـــــم امــراة  
                                            ولا ظننت سهيلا  كان عشتارا

             بقي ان نقول ان الشاعر الكبير ابو العلاء المعري  شاعر الحياة وفيلسوفها  ترك وراءه جملة من الكتب والمؤلفات إضافة إلــى اللزوميات وسقط الزند في الشعر تربو على الثمانين مؤلفا و في مكتبتي منها  رسالة الغفران  ورسالة الصاهل والشاحج  ومنها  رسالة الملائكة وذكرى حبيب و الأيك والغصون  وعبث الوليد  ومعجز احمد والفصول والغابات  وغيرها رحم الله شاعر العربية وفيلسوفها  الكبير   . 

   واختم بحثي بهذه القصيدة  من شعره يقول:                                                

غير مجدٍ في ملتـي واعتقـادي
                                                 نـوح بـاكٍ ولا ترنُّـم شــادِ

وشبيهٌ صـوت النّعـي إذا قـيــس
                                                بصوت البشير في كل نـادِ

أبكـت تلكـم الحمامـة أم غـنّــت
                                                   على فرع غصنهـا الميـادِ

صاح  هذي قبورنا تملأ الرُّحــب
                                                  فأين القبور من عهد عـادِ ؟

خففِ الوطء ماأظـنُّ أديـم الأر
                                                 ض إلا مـن هــذه الأجـسـادِ

وقبيحٌ بنـا ، وإن قـدم العـهـد ،
                                                    هـوان  الآبـاء  والأجــدادِ

سر إن استطعت في الهواء رويداً
                                                لا اختيالاً علـى رفـات العبـادِ

ربَّ لحدٍ قد صار لحـداً مـراراً
                                                  ضاحكٍ مـن تزاحـم الأضـدادِ

ودفيـن علـى بقـايـا دفـيـنٍ
                                                 فـي طويـل الأزمـان والآبـادِ

فاسـأل الفرقديـن عمَّـن أحسّـا
                                                    مـن قبيـلٍ وآنسـا مـن بـلادِ

كـم أقامـا علـى زوال نهـار
ٍ                                                     وأنـارا لمدلـجٍ فـي ســوادِ ؟

تعبٌ كلها الحيـاة فمـا أعجـبُ
                                                   إلا مـن راغـبٍ فـي ازديــادِ

إنَّ حزناً في ساعة الموت أض
                                              عـاف سرورٍ فـي ساعـة الميـلادِ

خلـق النـاس للبقـاء فضلَّـت
                                                       أمــةٌ يحسبونـهـم للـنـفـادِ

إنمـا ينقلـون مـن دار أعـمــالٍ
                                                       إلـى دار شقـوة أو رشـادِ

ضجعة الموت ، رقدةٌ يستريح الــجسم
                                                     فيها ، والعيش مثل السهادِ

كل بيـتٍ للهدم ماتبتنـي الـور
                                                   قـاء والسيّـد الرفيـع العـمـادِ

والفتى ظاعنٌ ويكفيه ظـلُّ السـدر
                                                     ضـربَ الأطنـاب والأوتـادِ

بان أمـر الإلـه واختلـف النـاس
                                                      ، فداعٍ إلـى ضـلالٍ وهـادِ

والـذي حـارت البريـة فـيـه
                                                  حيـوانٌ مستحـدثٌ مـن جمـادِ

واللبيبُ اللبيبُ من ليـس
                                                 يغتـرُّ بـكـونٍ مصـيـرهُ للفـسـادِ





                      ************************











ابو القاسم  الوزير المغربي



         هو أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي  بن محمد بن يوسف  و يقال  ان اصله  من أبناء  الاكاسرة  ملوك الفرس  والمعروف بالوزير المغربي  فهو وزير من الدهاة  و من العلماء الادباء .   
      ولد بمصر  سنة \370 هجرية -  980 ميلادية  وبها نشأ وتعلم  فاصبح عالما اديبا وشاعرا فذا .

        كان  أبوه  علي بن الحسين  من  أصحاب  سيف  الدولة الحمداني  وكانت أمه بنت النعماني صاحب كتاب(الغيبة) . فانتقل    والده إلى مصر فتولى بها  فحيكت عليه  المؤامرات  في البلاط السلطاني في القاهرة ، وصدر الحكم عام \ 394هـجرية بإلقاء القبض على جميع أفراد أسرته ، وتنفيذ حكم الإعدام بهم فقتل هو وزوجته وقتل اخويه  واحد اولاده  وثلاثة من أهل بيته .

  اما ابو القاسم  فقد استتر عن الانظار ودبر الأمر حيث  لجأ الى بعض من أبناء القري(البدو) في مصرلتهريبه ونجاته من  الفاطميين  فهرب إلى الشام  وقصد  حسان  بن المفرج بن الجراح الطائي أمير فلسطين والأردن في الرملة  فاستجار بهم ، فأجاره الأمير الطائي  وأمنه على حياته  كان الوزير المصري ابو القاسم  شاعرا  أديبا عالما متبحرا بعلوم اللغة العربية مرموق الجانب  فانشد بعد خروجه من مصر قائلا :

إذا ما الفتى ضاقت  عليه    بلادُهُ    
   وأيقن أن الأرضَ واسعةُ  القُطرِ

ودام على ضيقِ المعيشةِ   صابراً   
    على الذلِّ والحالِ الدنيةِ    والفقر

ولم يجترم للنفس عزّاً    يصونها  
     فلا فرقَ بين العبدِ والرجلِ الحرّ

            وأنشد شعرا بحضرة  الأمير الطائي عند  الدخول عليه. وتعتبر قصيد ته التي قالها بحضرة الأمير حسان بن المفرج  من أبلغ وأفصح القصائد  ومن أكثر القصائد إستنهاضا للهمم وتحفيزا   وفيها مدح  المفارجة من بني الجراح و تصف الدور المهم الذي كانت تلعبه قبيلة طيء في فلسطين والأردن ، من قوة ، وسطوة  ورهبة وإستتباب أمن لمن يعيش في أحضان الطائيين ، وربوعهم. وكانت  نبراسا لقبيلتي عرب الصقر وعرب السردية  وهم ورثة وأحفاد المفارجة و للطائيين عامة وحمله على مخالفة الحاكم والخروج عن طاعته ففعل ذلك  وحسن له مبايعة أبا الفتوح (الحسن بن جعفر العلوي) أمير مكة فأجابه إليه واستقدمه إلى      ( الرملة ) وخوطب بأمير المؤمنين‏.‏

         عاش ابو القاسم   بين المفارجة الطائيين في الشام  معززا مكرما  الا انه  اضطر ان يستاذن الأمير حسان بن المفرج بعد ان فشل على حمله على مخالفة  الحاكم والخروج عليه  بالسفر الى العراق ، فجهزه الامير  حسان بن المفرج  للسفر  وأمن  وصوله  الى العراق  .

      وتقلبت  به الأحوال  إلى أن استوزره مشرف الدولة البويهي ببغداد  عشرة أشهر  وعدة أيام. فاضطرب امره و لم يستقر فيها  حيث اتهمه  القادربالله  ( العباسي )  كونه  قادم  من مصر  فاضطر الى ترك بغداد وانتقل إلى الموصل واتصل ( بقرواش ابن المقلد ) وكتب له  ثم عاد عنه عندما  كتب اليه الخليفة العباسي  بابعاده  ففعل  الامير .

        سار الوزير ابو القاسم الى (ديار بكر) في تركيا واقام بمدينة (ميافارقين ) وفيها يقول :

كفى حزناً  أني  مقيمٌ  ببلدةٍ    
                                         يعللني   بعدَ  الأحبةِ     داهرُ
يحدثني  مما  يجمِّعُ     عقلُهُ  
                                        أحاديثَ  منها  مستقيمٌ  وجائر

          توفي في  منتصف  شهر رمضان سنة \418 هجرية -1027 ميلادية ب(ميافارين ) بالقرب من ديار بكر في تركيا  بعد مرض الم به  ونقل جثمانه الى (النجف الاشرف)   فدفن  فيها حسب وصية منه  وكان انه  خاف في مرضه أن تتعرض جنازته لسوء    فكتب الى رؤساء القبائل الذين في الطريق -إن لي حظية توفيت وأرسلت جنازتها مع فلان وفلان – يعني أصحابه- فأكرموا مثواهم وأخفروهم  فلما مات نقل جنازته  أولئك الاصحاب الذين ذكرهم في رسالته  فأكرومهم من مرّوا عليهم واحترموهم  وأخفروهم  لأجله .                                                                

 من مؤلفاته وآثاره :

رسالة السياسة .
اختيار شعر أبي تمام
  اختيار شعر البحتري .
اختيار شعر المتنبي والطعن منه .
مختصر إصلاح المنطق .
المأثور في مُلح الخدور .
الإيناس .
ديوان شعر ونثر
 أدب الخواص.

          أبو القاسم  الحسين  بن علي المغربي ، كان كان فاضلاً مصنفاً بارعاً  أديباً  شاعراً  ذا علم  وافر  وأدب  ظاهر، وبلاغة ، وذكاء ، وصناعة باهرة  في الكتابة ، ومضاء  ويتميز   شعره بسلاسته  وقوة  سبكه  وغلبة بلاغته  وكانت الصناعة الشعرية ظاهرة فيه وفي اغلب شعراء هذا العصر وقال في المدح الوصف والحكمة  والغزل من غزله  يقول :

ولما احتوى بدرَ الدجى صحنُ خدِّهِ
       تحيَّر  حتى  ما  دَرَى  أين    يذهبُ

تبلبلَ    لما    أن    توسَّطَ      خدَّهُ     
  وما زال من  بدرِ  الدجى    يتعجَّبُ

كأنَّ  انعطافَ  الصُّدغِ  لامٌ    أمالها  
     أديبٌ   يجيدُ   الخطَّ   أيّانَ     يكتب

 ويقول في الحكمة    :

خف  الله  واستدفع  سطاه    وسخطه    
   وسائله   فيما   تسألُ   الله      تعطهُ

فما  تقبضُ  الأيامُ  في  نيل     حاجةٍ 
      بنانَ  فتىً  أبدى   إلى   الله   بسطه

وكن بالذي قد  خطّ  باللوحِ    راضياً   
    فلا   مَهرَبٌ   مما   قضاهُ      وخطّه

وإن  مع  الرزق  اشتراطَ     التماسِهِ  
     وقد   يتعدَّى   إن   تعديتَ     شَرطَه

ولو شاء  ألقى  في  فمِ  الطير  قوتَهُ   
    ولكنَّه   أوحى   إلى   الطير     لقطه

إذا ما احتملت العبءَ فانظر قبيل أن  
     تنوءَ    به    ألا    ترومَ       مَحَطَّه

وأفضلُ أخلاق الفتى العلمُ    والحجى
       إذا ما صروفُ الدهرِ أخلقن    مِرطَه

فما  رفع  الدهرُ  امرءاً  عن    محلّه 
      بغير   التقى   والعلم   إلا      وَحَطَّه

      واختم  بحثي  بقصيدته الرائعة  في مدح  الطائيين  واميرهم  حسان بن المفرج:

أمـا وقـد خيمـــت وســـط الغـــاب
 فليقسـون على الزمــان عتابــي

يترنـــم الفــــولاذ دون مخيمــــي
وتزعـــزع الخرصـــان دون قبابـــي

وإذا بنيــت علـى الثنيـــة خيمـــة
 شــدت إلى كسـر القنــا أطنابــي

وتقــوم دونــي فتيــة مـن طيـــئ
لــم تلتبـــس أثوابهــــم بالعــــاب

يتناثــرون على الصريــــخ كأنهــم
 يدعــــون نحـــو غنائـــــم ونهـــاب

من كل أهـــرت يرتمــي حملاقــه
 بالجمــر يـوم تسايــــف وضــــراب

يهديهـــم حســــان يحمــل بــــزه
جــــرداء تعليـــه جنــــاح عقــــاب

يجـري الحيـاء على أسـرة وجهــه
 جــري الفرنــــد بصـــارم قضــــاب

كــرم يشــق على التـلاد وعزمـه
 يغتــال بادرهـــا الهزبــر الضابــــي

ولقـد نظــرت إليــك يابــن مفــرج
 في منظــر مــلء الزمــان عجـــاب

والمــوت ملتــف الذوائـب بالقنـــا
 والحــــرب سافـــرة بغيـــر نقـــاب

فرأيت وجهـك مثل سيفك ضاحكا
 والذعـــر يلبــس أوجهـــا بتـــــراب

ورأيــت بيتـــك للضيــوف ممهــدا
 فســح الظـــلال مرفـــع الأبــــواب

يا طيـــئ الخيـرات بيـــن خلالكـم
 أمـــن الشــريد وهمــــة الطـــلاب

سمكـت خيامكــم بأسنمـة الربــا
مـرفــوعــــة للطــــارق المنتــــاب

وتــــدل ضيفكــم عليكـــم أنــــور
 شبــت بأجــــذال قهــــرن صعـــاب

متبرجـــــات باليفــــاع وبعضهـــم
بالجــزع يكفـــر ضـوـؤه بحجـــــــاب

كلأتكـــم ممــن يعــــادي هيبــــة
 اغتكـــم عـــن رقبــــةـ وجنــــــاب

فيسيــر جيشكـــم بغيـــر طليعــة
 ويبيــــت حيكــــم بغيــــر كــــلاب

تـتهيبــــون وليــس فيكــم هائـــب
وتوثبـــون علــى الــــردي الوثــاب

ولكم إذا اختصـم الوشيـج لباقــــة
 بالطعـــن فــوق لباقـــة الكتـــاب

فالرمــح ما لـم ترسلـــوه أخطــــل
 والسيـــف مــا لــم تعمـلـوه نـــاب

يا معـن قـد أقررتـــم عيـــن العلي
 بـي مـذ وصلـت بحبلكــم أسبابـي

جاورتكـم فملأتــم عينـي الكـــرى
 وجـوانحـــــي بغرائـــب الأطــــراب

من بعـد ذعــر كان أحفــز أضلعتــي
 حتـى لضــاق بــه علـي أهابـــي

ووجــدت جار أبي النـدى متحكمـــا
 حكـم العزيـز على الذليـل الكابـي

فليهنـــه منـــــن علــى متنـــــــزه
 لسـوى مواهـــب ذي المعارج آب

قد كان من حكم الصنائــع شامسـا
 فاقتــــاده بصنيعــــــة مــن عــاب

فلأنظمــن لـه عقـــــود محامـــدي
 تبقـى جواهـرهــا علـى الأحقـاب

لا جاد غيركــم الربيـــــع ولا سـرت
غــزر اللقــــــاح لغيركــم بحـــلاب

أنا ذاكـــر الرجــل المنــــدد ذكـــره
 كالطـــود حلــي جيـــــده بشهــاب

ولقــد رجـــــوت ولليالـــي دولـــــة
 إنــــي أجازيكـــم بخيـــر ثــــواب


********************************




ابن زريق البغدادي



               هو أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق الكاتب البغدادي   ولد في بغداد  - ولم تعرف  سنة ولادته - .ونشا فيها  عاش فقيرا معدما   ولما  لم يسعفه الوقت  قررالرحيل .

        ارتحل ابن زريق البغدادي عن موطنه الأصلي في بغداد قاصداً بلاد الأندلس، عله يجد فيها من لين العيش وسعة الرزق ما يعوضه عن فقره، فرحل  وترك الشاعر في  بغداد  زوجة  يحبها وتحبه كل الحب، واخلص لها واخلصت  له  كل الإخلاص ، و من أ جلها ولاجل ان يوفر لها العيش الهني  سافر  وهاجر وتغرب لكن بدون رضاها  فقد فضلت ان تعيش معه على حالتهما التي كانا  عليها من الفقر المدقع وشظف العيش  لكنه  آثر الرحيل عساه ان يوفرلها عيشا  سعيدا  مرفها   .

      وفي الأندلس – كما  تقول لنا  الروايات والأخبار المتناثرة –  اخذ  بالعمل يكد ويتعب و يجاهد  ويكافح من أجل تحقيق حلمه، ولعله يوفق في حياته ويسعده الحظ  لكن التوفيق لم يصاحبه ، وهناك في الغربة  البعيدة  عمن احب مرض واشتد به المرض و حكم الدهر الا  ان تكون نهايته  في الغربة ؛ ويضيف الرواة بعداً جديداً للمأساة، فيقولون أن القصيدة التي لا يعرف له شعرٌ سواها وجدت معه عند وفاته سنة أربعمائة وعشرين من الهجرة.

           والقصيدة  هذه يخاطب فيها زوجته، ويؤكد لها حبه حتى الرمق الأخير من حياته، ويترك خلاصة تجربته في  الغربة والرحيل، من أجل الرزق وفي سبيل زوجته التي نصحته بعدم الرحيل فلم يستمع إليها. وفي ختام قصيدته يظهر نادم متصدع القلب من لوعةٍ وأسى، حيث لا أنيس ولا رفيق ولا معين.

      والمتأمل في  قصيدة  ابن  زريق  البغدادي لا بد  له   أن  يكتشف رقة  التعبير فيها،  وصدق العاطفة، وحرارة التجربة وقدرة الشاعر ؛ فهي  تنم عن  أصالة شاعر مطبوع له لغته الشعرية المتفردة، وخياله الشعري الوثّاب، وصياغته البليغة المرهفة، ونفسه الشعري الممتد عبر  حياته وفقره  والغريب ألا يكون لابن زريق غير هذه القصيدة  حيث  لم تحفظ له كتب التراث  في الشعر غير  ها الا اني اشك في  ذلك فهو اما احد امرين ان قصائده استغلت من قبل غيره من الشعراء او ان حرمانه وفقره جعلاه  يقول الشعر ثم يمزقه لذا لم تظهر الا هذه وبعد وفاته  ياله من شاعر  مظلوم ظلمه الدهر وظلمه اهله واحبته والمجتمع القاسي    .

       فابن زريق شاعر قتله طموحه ، يعرفه  دارسوا  الأدب  ومحبوه ، لكنهم لايعرفون له غير هذا الاثر الشعري الفريد يتناقله الرواة، وتُعنى
به كتب التراث ودواوين الشعر العربي .

ذ كر ابن السمعاني  ان لهذه  القصيدة  قصة  عجيبة فروى:

        (أن رجلا  من أهل بغداد  قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره فأعطاه شيئا نزراً فقال البغدادي إنا لله وإنا إليه راجعون سلكت البراري والقفار والمهامه والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر فانكسرت إليه  نفسه فاعتل ومات وشغل عنه الأندلسي  إياما ثم  سأل عنه  فخرجوا يطلبونه فانتهوا إلى الخان الذي هو فيه وسألوا  عنه من في الخان  فقيل  إنه كان في هذا البيت ومنذ أمس لم  يبصره  احد  فصعدوا فدفعوا الباب فإذا هو ميت وعند رأسه رقعة فيها مكتوب:

لا تعذليه   فإن  العذل    يولعه
                                        قد قلت حقا  ولكن  ليس   يسمعه

       قال فلما  وقف أبو عبد الرحمن  على هذه الأبيات  بكى حتى خضب لحيته وقال وددت أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي وكان في رقعة الرجل منزلي ببغداد في الموضع الفلاني المعروف بكذا والقوم يعرفون بكذا فحمل إليهم خمسة آلاف دينار وعرفهم موت الرجل )

               توفي  ابن  زريق  البغدادي عام \420  هجرية  - 1029 ميلادية  حيث  وجد  ميتا في فراشه في  بيته  المتواضع  في الغربة  في  بلاد الاندلس  وبجواره قصيدته  التي كتبها   لزوجته  التي  احبها  واخلص لها  حتى في غربته .
 وهذه هي القصيدة:

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ
                                        قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ

جاوَزتِ فِي لَومهُ حَداً أَضَرَّ
                                       ِهِ مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ اللَومَ يَنفَعُهُ

فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً
                                  مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ

قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ
                                           فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ المَهرِ أَضلُعُهُ

يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ
                                               مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ

ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ
                                                رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ

كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ
                                                   مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

إِنَّ الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً
                                          وَلَو إِلى السَدّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ

تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه
                                                  للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ

وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ
                                                 رزقَاً وَلادَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ

قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ
                                                لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ

لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى
                                                مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ

وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت
                                                بَغِيُ أَلاإِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ

وَالمَهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه
                                               إِرثاً  وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ

اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
                                             بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
                                                صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
                                               وَأَدمُعِي   مُستَهِلّاتٍ  وَأَدمُعُهُ

لا أَكُذبث اللَهَ ثوبُ الصَبرِ
                                           مُنخَرقٌ عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ

إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ
                                             بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ

رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ
                                         وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ

وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا
                                               شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ

اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ
                                            كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ

كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ
                                         الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ

أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ
                                          لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ

إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفِنُها
                                           بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ

بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ
                                          بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ

لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذ
                                         ا لا  يَطمَئِنُّ  لَهُ مُذ بِنتُ  مَضجَعُهُ

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ المَهرَ يَفجَعُنِي
                                             بِهِ  وَلا أَنّ بِي  الأَيّامَ   تَفجعُهُ

حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا
                                        بِيَدٍ عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ

فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ
                                          وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ

مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ
                                              كَما لَهُ عَهدُ صِداقٍ لا أُضَيِّعُهُ

وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ وَإِذا
                                              جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ

لَأَصبِرَنَّ لِمَهرٍ لا يُمَتِّعُنِي بِهِ
                                                وَلا  بِيَ    فِي   حالٍ   يُمَتِّعُهُ

عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً
                                              فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ

عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا
                                               جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ

وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ
                                               فَما  الَّذي بِقَضاءِ  اللَه ِ يَصنَعُهُ






 ************************












مهيار الديلمي



         هو  أبو الحسن ، مهيار بن  مرزويه  الديلمي  البغدادي  وينسب مهيار الى الديلم  فقيل  ( مهيار ا لديلمي )  وهم  اقوام من  بلاد  فارس. وتقع بلاد هم ما وراء طبرستان .والديلم  شعب  من ذراري الفرس ينسبون إلى ارضهم  التي تقع  في القسم الشمالي من بلاد فارس ويحدّها من الشمال  جبال الجولان  ومن الشرق طبرستان ومن الغرب آذربيجان أما  من الجنوب  فمنطقة  قزوين  ويصفها  المقدسي  بان  مناطقهم  جبلية وهي  كورة  صغيرة المدن ليس لأهلها  لياقة  ولا علم  ولا ديانة  وبقوا على الكفر   الى نهاية  القرن الرابع  الهجري حيث  اسلم الديلم على  يد  الأطروش العلوي 

       وفي منطقة (قزوين) عاش والدا مهيار وكانا فقيرين فنزحا في طلب  الرزق الى بغداد  التي كانت خاضعة  يومئذ  للنفوذ البويهي  وكانت  الخلافة  العباسية  كاأنها في  حالة احتضار.  والبويهيون  اصلهم من الديلم  فأرتقب  الوالد خيراً في ظل  سلاطين بغداد  البويهيين الذي تربطه  بهم  وشائج القربى .

         وكان  البويهيون  مجوساً  إلى أن بايعوا الحسين  بن زيد العلوي سنة\ 250 هـجرية  فأسلم اغلبهم  وبقي  الاخرون على مجوسيتهم الى ان اسلموا على يد الحسن  بن علي الاطروش.

           ولد  أبو الحسن  مهيار الديلمي البغدادي عام \ 334 هـجرية  في زمن  يموج بالاضطرابات السياسية والاجتماعية والفكرية والمشاحنات  والمنازعات  المختلفة  قائمة  في بغداد وفي غيرها  من المدن الاسلامية .

      وفي رواية اخرى كانت ولادته  في طبرستان  في منتصف القرن الرابع الهجري وقدرت ولادته  بعا م \ 365 هجرية.
 ويذكر  انه  ولد في فارس  فيقول:

وفيكم ودادي وديني معاً
                                         وأن كان في فارس مولدي
خصمتُ ضلالي بكم فاهتديت
                                         ولولاكمُ   لم  أكن    اهتدي

          نشأ  مهيار الديلمي في عائلة  فارسية ثم  سافر إلى  بغداد  وسكن فيها  وكان على  دين  قومه   فسكن  في بغداد  في  جانب الكرخ  في منطقة  يقال لها  ( درب رياح ) .  و لم  يحالف  الحظ والدي مهيار في توفير لقمة العيش لابنهما الذي لم يكن أسعد حظا من ابيه  فلازمه الشقاء منذ  طفولته وحتى  شبابه  وسقاه الدهر كأس المرارة حتى الثمالة  فكان مهيار يشكو الدهر والفقر والناس فيقول :
عيش كلا عيشٍ  ونفسٌ  مالها
                                      من  لذّةِ الدنيا سوى حسراتِها

إن  كان عند ك  يا زمان  بقية
                                       مما  يضامُ بها الكرام فهاتِها

      اتصل  مهيار  الديلمي  بالشريف  الرضي الذي كان  حجّة  الأدباء  ونقيب الأشراف ببغداد  ـ  فأثَّر هذا  الاتصال  بشخصية  مهيار  الديلمي  وعقيدته  الدينية  وشاعريته  فهجر مجوسيته  واعلن  اسلامه  فاصبح  مسلما  في  دينه ، علويا  في مذهبه ، عربيا في أدبه  فابتهج  بسؤدد عائلته  وافتخر بشرف  إسلامه وحسن أدبه   فيقول في ذلك   :

لا تخَالِي نَسَباً يَخفِضنِي
                                           أَنَا مَن يُرضِيكَ عِندَ النَّسَبِ

قَومي استَوَلوا عَلى الدهر فتىً
                                      وَمَشُوا  فَوق  رؤوسِ  الحُقَبِ

عَمَّمُوا   بالشَّمسِ    هَامَاتَهُمُ
                                           وَبَنَوا    أبياتَهُم   بالشَّهَبِ

وَأبِي كسرَى عَلَى إِيوَانِهِ
                                         أَينَ فِي النَّاسِ أَبٌ مثلَ أبِي

سُورةُ المُلك القُدَامَى وَعَلى
                                        شَرَفِ  الإِسلامِ  لِي وَالأدَبِ

قَد قبستُ المَجدَ مِن خَيرِ أبٍ
                                        وقبستُ الدِّين مِن خَيرِ نَبِي

وَضَمَمْتُ الفخرَ مِن أطرافِهِ
                                       سُؤدَد الفُرس وَدِين العَرَبِ

  ولما مات الشريف الرضي عام \406  رثاه بقصائد  عديده ومنه احداها هذين البيتين  يقول :

أقريش لا لفمٍ أراكِ ولا يدِ فتواكلي
                                           غاض  الندى  وخلا  الندي

بكر النعي فقال: أُردي خيرها إن كان
                                         يصدقُ  فالشريف  هو الردي

     ولما  اعتنق الاسلام  زهي سروراً  كبيراً والتزمه  بقوه  ويتضح  ذلك من قوله وشعره  فهو يقول :

هو منقذي من شرك قومي وباعثي
                                       على الرشد أُصفي هواي محمدا

وتارك بيت النار يبكي شراره
                                       عليَّ  دما إن  صار بيتي  مسجدا

    الا انه  كان  يتغنى  بمجوسيته وخاصة  بنسبه لكسرى ملك الفرس  حتى  بعد اسلامه:

قد قبست المجد من خير أبِ
                                        وقبستُ الدين من خير نبي

وضممتُ الفخر من أطرافه
                                       سؤدد  الفرس  ودين العربِ

 ويغتز باسلامه  فيقول:

 لهف نفسي يا آل طه عليكم
                                           لهفة  كسبها  جوى وخبال

وقليل  لكم   ضلوعي  تهتز  
                                          مع الوجد  أو دموعي  تُذال

كان هذا كذا وودي لكم حسب
                                        ومالي  في الدين بعد اتصال


         توفي مهيار الديلمي في الخامس من جمادى الثاني  من سنة \ 428 هـجرية  -1037 ميلادية .

      يتميز  شعره  بانه رقيق الحاشية طويل  النفس  قصائده طافحه  بأفانين الشعر وفنونه  وضروب التصوير وأنواعه، فهو يكاد في قريضه يلمس  حقيقة راهنة  مما  ينضده، ويذر المعنى المنظوم  كأنه تجاه  حاسته  الباصرة، ولا يأتي إلا بكل اسلوب رصين، أو رأي صحيف، أو وصف بديع، أو قصد مبتكر، فكان مقدما على أهل عصره وهو شاعر له في مناسك  الفضل  مشاعر، وكاتب  وتحت كل  كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده  بيت يتحكم عليه  وهي مصبوبة  في  قوالب  الافئدة  والنفوس وقد قال الشعر في  المدح  والفخر  والغزل  والوصف والرثاء  وفي اغلب فنون الشعر فابدع  واجاد  . فمن  رقيق شعره يقول :

إن التي علقت قلبـك حـبـهـا
                                       احت بقلب منك غير عـلـوق

عقدت ضمان وفائها من خصرها
                                     فوهى، كلا العقدين غير وثـيق

ويقول في قصيدة طويلة ومن رقيق شعره منها:

أرقت فهل لها جعة بسلـع
                                            على  الأرقين  أفـئدة  تـرق

نشتك بالمـودة ياابـن ودي
                                           فإنك  بي   من ابن أبي حـق

أسل بالجزع دمعك إن عيني
                                            إذا استبررتها  دمعا  تـعـق

وإن شق البكاء على المعافى

                                          فلم  أسألـك  إلا  مـا  يشـق


وله في القناعة  وقد أحسن فيها كل الاحسان:

يلحى على البخل الشحيح بمـالـه
                                      أفلا تكون بماء وجهـك أنـجـلا

أكرم يديك عن السؤال فـإنـمـا
                                        قدر الحياة أقل مـن أن تـسـألا

ولقد أضم إلي فضل قنـاعـتـي
                                         وأبيت مشتملاُ بهـا مـتـزمـلا


ومن  بديع  مدائحه  قوله:

وإذا رأوك تفرقت أرواحهم
                                          فكأنما  عرفتك  قبل  الأعين

وإذا أردت بأن تفل كتـيبة
                                         لاقيتها  فتسم  فيها  واكتـن

وله العتب  يقول :

إذا صور الأشفاق لي كيف أنتم
                                          وكيف إذا ما عن ذكري صرتم

تنفست عن عتب، فؤادي مفصحٌ
                                            به، ولساني للحافظ يجمـجـم

وفي فيّ ماءٌ من بقايا ودادكـم
                                          كثيراً به من ماء وجهي أرقتم

أضم فمي ضنا علـيه وبـينـه
                                          وبين  انسكاب  ريثما  أتـكـلـم

      والمتابع  لشعر مهيار الديلمي  رغم كثرته  يجد  انه  يفخر في اصوله الفارسية  ويعرض  ان نسبه  من  نسب  ابناء الملوك الكسروية . وفي  قصيدته  (أعجبت بي ) التي نظمها  في  ( بغداد )  وتتكون من  تسعة  أبيات على بحر الرمل  ذي الموسيقى الرشيقة  الخفيفة  يظهر فيه  الفخر بالفرس وبكسرى واضحا  وجليا  يقول:
أعجِبَتْ بي بينَ نادي قومِها
                                         (أمُّ سعدٍ) فمضتْ  تسألُ  بي

سرَّها ما علمَتْ مِن خُلُقي
                                            فأرادتْ علمَها من حسبي

لا تخافي نسباً يخفضُني
                                            أنا مَنْ يرضيك عندِ النَّسبِ

قوميَ استولوا على الدَّهرِ فتًى
                                         ومَشوا فوقَ رؤوسِ الحُقُبِ

عمَّمُوا بالشمسِ هاماتُهُم
                                              وبَنُوا أبياتَهم في الشُّهُب

وأبي  كِسرَى   على  إيوانِهِ
                                            أينَ في الناسِ أبٌ مثلُ أبي

سوْرَةُ المُلْكِ القُدامى وعلى
                                            شرفِ  الإسلامِ لِي والأدبِ

قد قَبَسْتُ المجدَ من خيرِ أبٍ
                                            وقَبَسْتُ الدينَ مِنْ خيرِ نبي

وضمَمْتُ الفخرَ من أطرافِهِ
                                            سُؤْدَدَ الفرسِ ودينَ العرَبِ

       فالقصيدة  نتاجٍ عربي  لشخص فارسي  يعتد  بفارسيته    غرض الشاعر منها   التعبير بوضوح  عن  وجهة  نظره  من  تفوق  الفرس  من حيث  الأصل  والمحتد  وتنم عن عظمة  الفرس، والتذكير بأمجادهم، كما يتصورها ويتخيلها  مهيار الديلمي وانها تمثل  رمزا لروح الفلسفة  الشعوبية  التي نشأت وترعرعتْ  في ظل  التسامح  الإسلامي  وأخلاقياته النبيلة. .
  وقد رد عليه الشاعرالعربي الملحمي في قصيدة طويلة  اقتطف منها هذه الابيات   :
    
لكَ يا  مهيارُ  في الشّعْرِ يدٌ
                                          ولنا  أيدٍ  لَها  لمْ    تُغْلَبِ

لا تُفاخرْ أمةَ الضَّادِ  التي
                                          خصَّها  الله  بذِكْرٍ عربي

وحَبَاها من لدُنْه  المُصْطَفَى
                                       وكَفَى العُرْبَ النبيَّ اليَعْرُبِي
لا  تفاخرْنَا  فإنَّا  أمَّةٌ
                                            شَمْسُها منذُ بَدَتْ لَمْ تغْرُبِ

لا تُفاخِرْ  أمةَ الضَّادِ  التي
                                             خَصَّها  الله   بذِكْرٍ  طَيِّبِ

كُنتُمُ مِنْ قبْلِهِ في مِحْنَةٍ
                                            والوَرَى  كُلُّهُم ُ في  نُوَبِ

تعْبُدَونَ النَّارَ ويَحْكُمُ
                                             وتجُودُونَ  لها   بالقُرَبِ

 قِصّةُ المجدِ لنا قد بدأتْ
                                        بِظُهورِ الدين فافْهَمْ يا  غَبِي

حيثُ نلْنَا ذُرْوةِ المجْدِ هُنَا
                                           وغَدًا   نَبْلُغُ  أعْلَى  الرُّتَبِ


 الاانه  يدعو  اصحابه  الى اعتناق الاسلام  بعد اسلامه  فيقول:

تبدّلت من ناركم ربها                وخبث مواقدها الخلد طيبا

افيئوا فقد وعد الله في                   ضلالة مثلكم أن يتوبا

وإلا هلموا أُباهيكم فمن                قام والفخر قامَ المصيبا

أمثل محمد المصطفى                   إذا الحكم وليتموه لبيبا

     كان مهيار غزير المادة  قل  من  جاراه  من  شعراء  العربية في كثرة شعره  وفي نفسه  الطويل   فكانت  بعض  قصائده تقارب الثلاثمائة  بيت  فهو ذو شاعرية  فذة  وابداع  رائع  تربع على رأس الحركة  الادبية  في  أواخر القرن  الرابع  الهجري
 وحتى وفاته .
 اختم  بحثي بهذه الابيات من قصيدة له طويلة :

سقى دارها بالرقمتـين وحـياهـا
ملث يحيل الترب في الدار أموالها

وكيف بوصل الحبل من أم مالـك
وبين بلادينا زرود وحـبـلاهـا

يراها بعين الشوق قلبي على النوى
فيحظى، ولكن من لعيني برؤياها

فلله ما أصفى وأكـدر حـبـهـا
وأبعدها مني الغـداة وأدنـاهـا

إذا اسوحشت عيني أنست بأن أرى
نظائر تصبيني إليها وأشـبـاهـا

وأعتنق الغصن الرطيب لقـدهـا
وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاهـا

ويوم الكئيب استرشقت لي ظبـية
مولهة قد ضل بالقاع خشفـاهـا

يدله خوف الثكل حبة قـلـبـهـا
فتزداد حسناً مقلتاها ولـيتـاهـا

فما ارتاب طرفي فيك يا أم مالـك
على صحة التشبـيه أنـك إياهـا

فإن لم تكوني خدها وجـبـينـهـا
فإنك أنت الجيد أو أنت عينـاهـا

ألومـه فـي حـب دار عـزيزة
يشق على رجم المطامع مرماها

دعوه ونجداً إنها شـأن قـلـبـه
فلو أن نجداً تلعة ما تـعـداهـا

وهبكم منعتم أن يراها بـعـينـه
فهل تمنعون القلب أن يتمنـاهـا

وليل بذات الأثل قصـر طـولـه
سرى طفيها، آها لذكرتـه آهـا

تخطت إلي مشياً علـى الـهـوى
وأخطاره، لا يصغر الله ممشاهـا

وقد كاد أسداف الدجى أن تضلها
فما  دلها  إلا  وميض  ثنـاياهـا




             *****************************










وجيه الدولة الحمداني



          هو ابو المطاع  ذو القرنين  بن  ابي المظفر حمدان  بن ناصر الدولة ابي محمد حسن  بن عبدالله بن حمدان التغلبي  ويلقب (  وجيه الدولة ).  من أسرة  بني  حمدان امراء ( حلب ) وما جاورها ومنهم  الامير سيف  الدولة الحمداني  . و كان والده   ناصر الدولة  الحسن  
 بن عبد الله بن  حمدان  التغلبي   صاحب الموصل  دمشقي الاصل .

       ولد بالموصل  سنة \ 347 هجرية -954 ميلادية  وبها ترعرع  وانتقل الى  دمشق  صغيرا  لان اصله من اهل دمشق  فيذكرها  كثيرا     في شعره  فيقول  :
   
سقى مصلّى دمشق صوب غادية  
                                        من  كلّ  منخرق   ينهلّ   بالماء

ففيه مثوى حبيب ما  مررت    به 
                                      إلا توهمت فيه  بعض    أعضائي

أظلّ    أشتمه    طوراً    وألثمه   
                                      كأن  تربته   تشفي   من     الداء

فإن يكن  ماء  عيني  قلّ    ساكبه
                                      فإنما    نشّفته    نار      أحشائي

      وفي دمشق  تربى تربية  ابناء  الملوك  والامراء  واشتد ساعده وعلمه  وادبه  ودرس  على اكابر علمائها  واساتيذها وادبائها  فكان أديبا  فاضلا  شاعرا سائسا  مدبرا  و تولى امرة ولاية  دِمَشْق  بعد لؤلؤ البشراوي في سنة إحدى وأربعمائة . ويصف  احد مجالسه شرابه  وانسه  فيها  فيقول :

ما أنس لا أنس يوم الدّير  مجلسنا
       ونحن في  نعم  توفي  على    النعم

وافيته   غلساً   في   فتية     زهر  
     ما شئت من أدب فيهم  ومن    كرم

والفجر يتلو الدّجى في اثر زهرته   
    كطاعن    بسنان    إثر      منهزم

فلم  نزل  بمطيّ   الراح     نعملها   
    محدوة   بيننا    بالزمر      والنغم

حتى اثنينا ونور  الشمس    يطرده  
     جنح من الليل في جيش من   الظلم

وليس  فينا  لفعل  الخندريس    بنا  
     من  تستقل  به  ساق   على   قدم


       وجاء عن  أبي الحسن عَلِيّ بْن المسلم الفرضي انه  قال في تولي ذي القرنين  دمشق  :

 ( دفع إلي مجير الكتامي ، شيخ من جند المصريين ، ورقة فيها أسماء الولاة بِدِمَشْقَ فكان فيها : ثم ولي الأمير أبو المطاوع بْن حمدان سنة اثنتين وأربع مائة ، ثم ولي وجيه الدولة ابن حمدان سنة اثنتي عشرة ، ثم ولي ابن حمدان ولايته الثالثة سنة ست عشرة. وفي يوم عيد النحر ، وهو يوم الجمعة عَلَى العدد سنة إحدى وأربع مائة بعد صلاة العيد ، وصل السجل من مصر إلى الأمير أبي المطاع ذي القرنين بْن ناصر الدولة بْن حمدان بولاية دِمَشْق وتدبير العساكر وخلع عليه وقرأ الشريف القاضي الحسيني النصيبي السجل  وعزل لؤلؤ البشراوي   فكان جميع ما أقام واليا  ستة  أشهر وثلاثة أيام ، وسير الأمير أبو المطاع الأمير لؤلؤا مقيدا في يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة إحدى وأربع مائة إلى مصر ، وورد الأمير لؤلؤ البشراوي الملقب بمنتخب الدولة عَلَى يد ابن الأمير أبي المطاع ، ثم عزله عنها بمحمد بْن نزال في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربع مائة ، ثم ولي الأمير أبو المطاع دِمَشْق مرة أخرى في صفر سنة اثنتي عشرة وأربع مائة للملقب بالظاهر بعد ولي العهد ، ثم ولي بعده سختطين وعزل عنها في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وأربع مائة ، ووليها مرة ثالثة في يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة ، ويقال : في شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وأربع مائة إلى أن عزل عنها في سنة تسع عشرة بالدزبري قرأت بخط أبي مُحَمَّد بْن الأكفاني مما نقله من خط عَبْد الوهاب الميداني ، وجاءت الولاية إلى ذي القرنين بْن حمدان ، وكان شاعرا ، ولقب بوجيه الدولة وبرز إلى المزة يوم السبت لست خلون من جمادى الآخرة من سنة اثنتي عشرة وأربع مائة ، وسار في عد هذا اليوم يعني معزولا إلى مصر ، وقدم وجيه الدولة يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة فنزل في المزة ، ودخل في عد هذا اليوم يوم الخميس لعشر خلون من شهر ربيع الأول فنزل في القصر.)

        وبهذا  يكون  قد  تقلد  ولاية دمشق سنة \401 هجرية  ثم عزل منها  فارتحل عن دمشق  الى مصر  فولاه  الامير الظاهر بالله  بن الحاكم  بامر الله الفاطمي ولاية  الاسكندية  سنة \ 414 هجرية  واقام  فيها  سنة  كاملة  ثم  عاد الى دمشق  سنة 415  هجرية واليا عليها  وبقي فيها واليا حتى عام\419 هجرية حيث عزل منها  لشيخوخته  فبقي  فيها  معتزلا  الامورالسياسية . وقد احب  دمشق  وتغزل فيها  ولا غرو في ذلك  فهو الأمير الكبير   نائب دمشق ، وجيه الدولة   أبو المطاع ، ابن صاحب الموصل ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ، التغلبي الشاعر  فيقول في وصفها  :

هذي دمشق وساعة  من  يومها    
                                       في  فضل  لذّتها  تقوم     بأشهر

فانعم   بيوم   غيمه      متكاثف     
                                     والثلج  يسقط  فوق  روض  مزهر

وكأنّما   يلقاك   من   خلع     له  
                                        بمعنبر     ومكفر       ومعصفر

         توفي بدمشق في  شهر  صفر  من سنة \428 هجرية – 1036 ميلادية  وجاء  في رواية اخرى  انه  توفي  في  مصر والاول عندي هو الاصوب  .

       كان ذو القرنين بن ابي المظفرأديبا فاضلا وشاعرا  متمكنا مدبرا  ظريفا  يتميز شعره  بحسن السبك و شعره رقيق الحواشي غزير المعاني  مبتكرا  مجددا  واغلب شعره في ديوانه في الغزل  و من  لطيف  شعره قوله:

لو كنت أملك صبرا أنت تملكه
                                         عني لجازيت منك التيه بالصلف

وبت تضمر وجدا بت أضمره
                                           جزيتني كلفا  عن  شدة الكلف

 تعمد الرفق بي يا حب محتسبا
                                            فليس يبعد ما تهواه من تلفي

إني لأحسد (لا) في أسطر الصحف
                                         إذا رأيت  اعتناق  اللام  للألف

وما  أظنهما  طال  اعتناقهما
                                         إلا  لما لقيا  من  شدة  الشغف

    ويقول متغزلا   :

 لو كنت ساعة بيننا ما بيننا
                                         وشهدت  حين  نكرر التوديعا

 أيقنت أن من الدموع محدثا
                                       وعلمت  أن من الحديث دموعا  

ومن شعره في الغزل :

 أفْدِي الذِّي زُرْتُهُ بالسَّيْفِ مُشْتَمِــلاً
                                       ولَحْـظُ عَيْنَيْهِ أمْضَـى مِنْ مَضَارِبِـهِ

 فمَا خَــلَعْتُ نِجَــادي للعِنَاقِ لَـهُ
                                         إلا  لَبِسْـتُ  نِجَــادًا  مِــنْ  ذَوَائِبِـه

 فبـاتَ أسْـعَدَنَا  فــي نَيْـلِ بُغْيَتِـهِ
                                       مَنْ كانَ فـي الحُـبِّ أشْقَانَا بِصَاحِبِه

 ويقول ايضا  :

لما  التقينا  معاً   والليل     يسترنا   
                                      من  جنحه  ظلم  في  طيّها     نعم

بتنا   أعفّ   مبيت   باته      بشر  
                                       ولا  مراقب  إلا  الطّرف    والكرم

فلا مشى  من  وشى عند  العذول  بنا 
                                      ولا سعت  بالذي  يسعى  بنا    قدم

 واختم بحثي في  قوله  واصفا  دمشق  :

سقى اللَه أرض الغوطتين    وأهلها   
                                  فلي  بجنوب   الغوطتين     شجون

وما ذقت طعم الماء إلا    استشفّني    
                                   إلى  برد   ماء   النيربين     حنين

وقد كان شكّي في الفراق يروعني    
   فكيف  أكون   اليوم   وهو     يقين

وواللَه   ما   فارقتكم   قاليا      لكم  
     ولكن  ما  يقضي  فسوف     يكون






                         ********************** 

























ابن الصباغ

قتيل الدلاء  او  قتيل الغواشي



           ابو طاهر  محمد بن  عبد الله  وقيل عبدالرحمن بن عبد الواحد القصار  كني (  صريع الدلاء  ) وقيل  (  ذي الرقاعتين  ) وقيل  (  قتيل الغواشي)  .  وهذا  اللقب افضل من الاول  لأن الغوا شي  افضل من الدلاء  من المعنى  المراد  ولأن الغواشي  أكثر  شبهاً  في اللفظ   بالغواني  من الدلاء  لأن القدامى  قابلوا  بلقبه هذا  لقب  الشاعر مسلم  بن الوليد ( صريع الغواني)  وهذا  لقبه ( صريع الغواشي ) ولقب ايضا   ب(ابن الصباغ) وكان  من فقهاء الشافعية .

ولد  بمدينة  البصرة  ونشأ وتعلم فيها  ثم انتقل الى بغداد وسكنها  واتصل بالسلطان فخر الملك غالب بن علي بن خلف وزير بهاء الدولة البويهي، فحظي عنده، وقد مدحه بقصيدة مزج فيها الجد بالهزل فاكرمه وانعم عليه ومنها هذه الابيات :

كيف نلقى بؤساً ودولة فخر ال        ملك فينا تعم بالإنعام

هكذا ما بقي الجديدان يبقى         للتهاني مملكاً ألف عام

كل يومٍ لنا بنعماك عيدٌ               لا خلت منه سائر الأيام

فله الأنعم الجسام اللواتي      هي مثل الحياة في الأجسام

لم يزل يطلب المحامد والعل      ياء بين السيوف والأقلام

فلقد نال بالعزائم مجداً              لم ينل مثله بحد الحسام

أدرك النجم قاعداً وسواه            عاجزٌ أن يناله من قتام

لم يزل جوده يعطعط بالإف    ضال مذ كان في قفا الإعدام

فهو في حبه المكارم والجو     د يرى الآملين في الأحلام

قد كفتنا غيوث كفيه أن         نبسط كفاً إلى سؤال الغمام

ورضعنا لديه در الأماني              ونظمنا لديه در الكلام

       ثم انتقل  الى الشام  واجتمع  بالشاعر ابي العلاء المعري في (معرة النعمان )  و عبد المحسن الصوري في (  صيدا ) وجرى بينهما  احاديث ومحاورات وحكايات وقد  روي منها :

   انه  قيل  أن معلما كَانَ بِالشَّامِ رقيقا مشهورا بشتم الصبيان   فعوتب عَلَى ذلك ، فقَالَ لمن عاتبه وأنكر عَلَيْهِ :
-        اقعدوا حتى تسمعوا ، فإن كنت معذورا ، وإلا فلوموا ،
 فقرأ عَلَيْهِ قول الله  تعالى :
(هُمُ الَّذِينَ  يَقُولُونَ لا  تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حتى ينفضوا ) سورة المنافقون آية \ 7 ،
 فقَالَ لَهُ :
-        كذبت يَا عاض .... أتلزم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نفقة لا تجب عَلَيْهِ  لعمري  إنه  أعجبك  كثرة  ماله ، قبحك الله
-    ثم  قرأ أخرى : (عَلَيْهَا  مَلائِكَةٌ غِلاظٌ  شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ  وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .)
 سورة التحريم آية \ 6  .
 - فقَالَ لَهُ : يابن الخبيثة ، ما هؤلاء إلا أكراد شهرزور ، وليس هؤلاء ملائكة  .
-  قَالَ : وقلنا لَهُ : ما نلومك بعد هذا.
  ثم هاجر الى مصر  حيث توفي  فيها
 وقد  عارض  مقصورة  ابن  دريد المشهورة التي مطلعها :

يا ظبية   أشبه   شيء   بالمها  
                                        ترعى الخزامى بين أشجار النقا

بمقصورةٍ  مثلها  لكنها ماجنة  ننقل منها هذه الابيات :

من لم يرد أن تنتقب نعاله               يحملها في كمه إذا مشى

من دخلت في عينه مسلةٌ          فاساله من ساعته عن العمى

من أكل الفحم تسود فمه            وراح صحن خده مثل الدجا

من صفع الناس ولم يدعهم .         أن يصفعوه فعليهم اعتدى

من ناطح الكبش تعجر رأسه       وسال من مفرقه شبه الدما

من طبخ الكرش ولا يغسله         سال على شاربه منه الخرا

من فاته العلم وأخطاه الغنى        فذاك والكلب على حدٍ سوى

من طبخ الديك ولا يذبحه            طار من القدر إلى حيث يشا

وقال  بعض النقاد: إن هذا  البيت  خير من مقصورة  ابن دريد  فإنه  
حكمة بالغة.

والدرج يلفى بالغشاء ملصقاً     والسرج لا يلصق إلا بالغرى

والذقن شعرٌ في الوجوه نابتٌ   وإنما الاست التي تحت الخصى


      توفي  صريع الدلاء  بمصر  سنة\  448  هجرية  .- 1056 ميلادية
 
      محمد بن عبدالواحد  ابن الصباغ  شَاعِرٌ مجيد ، لَهُ شِعْرٌ عَجِيبٌ   يَحْكِي فِيهِ أَصْوَاتَ  الطَّيْرِ وَالطُّبُولِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَكَانَ سَخِيًّا ، مَاجِنًا  يغلب على شعره الهزل   وقد قال الشعر في اغلب فنونه  .

واختم  من شعره  من قصيدة طويلة  بهذه  الابيات :

أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا    غَزِلِ    
   وَشَمَّرَت  هِمَمُ   العُذّالِ   في     العَذَلِ

هاجَ البُكاءُ عَلى العَينِ الطَموحِ هَوَىً 
      مُفَرَّقٌ    بَينَ     تَوديعٍ       وَمُحتَمَلِ

كَيفَ   السُلُوُّ   لِقَلبٍ   راحَ     مُختَبَلاً     
   يَهذي  بِصاحِبِ  قَلبٍ  غَيرَ     مُختَبَلِ

عاصى  العَزاءَ  غَداةَ  البَينِ    مُنهَمِلٌ     
  مِنَ  الدُموعِ  جَرى  في  إِثرِ  مُنهَمِلِ

لَولا  مُداراةُ  دَمعِ  العَينِ     لَاِنكَشَفَت  
    مِنّي  سَرائِرُ  لَم  تَظهَر   وَلَم     تُخَلِ

أَما  كَفى  البَينُ  أَن  أُرمى    بِأَسهُمِهِ 
      حَتّى  رَماني  بِلَحظِ  الأَعيُنِ    النُجُلِ

مِمّا جَنى لي وَإِن كانَت مُنىً   صَدَقَت    
   صَبابَةً    خُلَسُ    التَسليمِ       بِالمُقَلِ

ماذا عَلى  الدَهرِ  لَو  لانَت  عَريكَتُهُ     
  وَرَدَّ في الرَأسِ  مِنّي  سَكرَةَ    الغَزَلِ

جُرمُ الحَوادِثِ عِندي  أَنَّها    اِختَلَسَت  
     مِنّي   بَناتِ   غِذاءِ   الكَرمِ     وَالكِلَلِ

وَرُبَّ  يَومٍ   مِنَ   اللَذّاتِ     مُحتَضَرٍ  
قَصَّرتُهُ    بِلِقاءِ    الراحِ       وَالخُلَلِ

وَلَيلَةٍ   خُلِسَت   لِلعَينِ    مِن      سِنَةٍ   
    هَتَكتُ فيها الصِبا عَن بَيضَةِ    الحَجَلِ

قَد كانَ دَهري وَما بي اليَومَ مِن   كِبَرٍ   
   شُربَ المُدامِ  وَعَزفَ  القَينَةِ    العُطُلِ

إِذا   شَكَوتُ   إِلَيها   الحُبَّ   خَفَّرَها   
    شَكوايَ  فَاِحمَرَّ  خَدّاها  مِنَ    الخَجَلِ

كَم  قَد  قَطَعتُ  وَعَينُ  الدَهرِ    راقِدَةٌ    
   أَيّامَهُ  بِالصِبا   في   اللَهوِ     وَالجَذَلِ

وَطَيِّبِ   الفَرعِ    أَصفاني      مَوَدَّتَهُ 
      كافَأتُهُ     بِمَديحٍ      فيهِ      مُنتَخَلِ

وَبَلدَةٍ    لِمَطايا    الرَكبِ      مُنضِيَةٍ      
 أَنضَيتُها   بِوَجيفِ    الأَينُقِ      الذُلُلِ

فيمَ  المُقامُ   وَهَذا   النَجمُ     مُعتَرِضاً  
     دَنا  النَجاءُ  وَحانَ  السَيرُ     فَاِرتَحِلِ

يا مائِلَ  الرَأسِ  إِنَّ  اللَيثَ    مُفتَرِسٌ   
    ميلَ   الجَماجِمِ   وَالأَعناقِ     فَاِعتَدِلِ

حَذارٍ  مِن   أَسَدٍ   ضِرغامَةٍ     بَطَلٍ 
      لا  يولِغُ  السَيفَ  إِلّا  مُهجَةَ   البَطَلِ

لَولا  يَزيدُ  لَأَضحى  المُلكُ    مُطَّرَحاً    
   أَو مائِلَ السَمكِ أَو مُستَرخيَ    الطِوَلِ

سَلَّ  الخَليفَةُ  سَيفاً  مِن  بَنى     مَطَرٍ    
   أَقامَ   قائِمُهُ   مَن   كانَ    ذا    مَيَلِ

كَم  صائِلٍ  في  ذَرا   تَمهيدِ     مَملَكَةٍ    
   لَولا  يَزيدُ  بَني  شَيبانَ   لَم     يَصُلِ

نابُ  الإِمامِ  الَّذي   يَفتَرُّ   عَنهُ   إِذا      
 ما اِفتَرَت الحَربُ عَن أَنيابِها   العُصُلِ

مَن  كانَ  يَختِلُ  قِرناً   عِندَ     مَوقِفِهِ   
    فَإِنَّ   قِرنَ    يَزيدٍ    غَيرُ    مُختَتَلِ

سَدَّ  الثُغورَ  يَزيدٌ   بَعدَما     اِنفَرَجَت   
    بِقائِمِ  السَيفِ   لا   بِالخَتلِ     وَالحِيَلِ

كَم  أَذاقَ  حِمامَ  المَوتِ   مِن     بَطَلٍ     
  حامي الحَقيقَةِ  لا  يُؤتى  مِنَ    الوَهَلِ

أَغَرُّ أَبيَضُ يُغشى البَيضَ  أَبيَضُ    لا  
     يَرضى  لِمَولاهُ  يَومَ  الرَوعِ    بِالفَشَلِ

يَغشى الوَغى وَشِهابُ المَوتِ في   يَدِهِ   
     يَرمي  الفَوارِسَ  وَالأَبطالَ   بِالشُعَلِ

يَفتَرُّ  عِندَ  اِفتِرارِ  الحَربِ     مُبتَسِماً  
     إِذا   تَغَيَّرَ   وَجهُ   الفارِسِ    البَطَلِ

موفٍ عَلى مُهجٍ في  يَومِ  ذي    رَهَجٍ  
     كَأَنَّهُ    أَجَلٌ    يَسعى    إِلى      أَمَلِ

يَنالُ  بِالرِفقِ  ما  يَعيا  الرِجالُ     بِهِ      
 كَالمَوتِ  مُستَعجِلاً  يَأتي  عَلى  مَهَلِ

لا  يُلقِحُ  الحَربَ  إِلّا  رَيثَ    يُنتِجُها      
   مِن   هالِكٍ   وَأَسيرِ   غَيرِ     مُختَتَلِ

إِن   شيمَ   بارِقُهُ   حالَت      خَلائِقُهُ 
      بَينَ   العَطِيَّةِ    وَالإِمساكِ      وَالعِلَلِ

يَغشى  المَنايا  المَنايا   ثُمَّ     يَفرُجُها    
   عَنِ  النُفوسِ  مُطِلّاتٍ  عَلى     الهَبَلِ





******************************




















             الشاعر ابو العلاء المعري                            

                              الشاعر القيلسوف                                   


            هو ابو العلاء  احمد بن عبد الله  بن سليمان  المعري التنوخي ولد في معرة النعمان احدى مدن سورية  عام\ 363 هجرية  في بيت عز وشرف  وغنى ومحتمد  عربي اصيل الاانه اصيب بمرض  الجدري  في الثالثة من عمره  فافقده البصر  وعاش طيلة حياته في ليل طويل تعلم ابو العلاء  على يد والده فنشأ رغم عماه  ذكي الفوءاد  مرهف الحس  متوقد الذاكرة  وقد قا ل الشعر  في عمر الطفولة   وقد توفي والده  في صباه وعمره  اربعة عشرة سنة  تاركا لولده الاعمى  ثروة طائلة  واكتنفته امه سهرت على تعليمه وقد  تنقل في طلب العلم  بين  معرة النعمان مسكنه واللاذقية  وحلب وطرابس  وبغداد  لمواكبة دراسته وكانت انــــذاك  قبلة  الأدباء  وموئل الشعراء  وبقوا فيها ردحا من الزمن  متنقلا بين مجالس الادباء والشعراء ونواديهم وقد اجلوه واحترموه بما يليق بمكانته  وفي بغداد انكب على دراسة الادب  والفليسفة والعلوم العربية والحكمة ولم يترك علما من العلوم أو الآداب  الاوخاض غماره وتولاه  بالدرس والتحليل  ولما عاد الى المعرة عاد  بحرا  من العلوم  والاداب والفلسفة   ساعده  حدة ذكائه وحفظه المفرط وسمو وعزة نفسه الابية وهو في بغداد  علم ان والدته مريضة  فهجر بغداد مكرها  وسافر  الى المعـــــــــــرة  لاستطلاع الأمر الا انه فوجئ  بخبر وفاتها ولما يصل وعند وصوله  انقطع الى نفسه وانعزل عن الناس  وعاش منفردا وحرم  على نفسه الاختلاط بالناس  حتى انه  عبر عن حالته في شعره  يقو ل:-          

  اراني في الثلاثة من سجوني     
                                           فلا تسال عـــــن الخبر النبيـــث

 فقدي ناظري ولزوم بيتــــــي      
                                            وكون النفس في الجسم الخبيث

كان طلبة العلم يتوافدون عليه وهو قابع في بيته  فينهلون من  معين صاف لاينضب وبحر غزيرواسع المفعرفة وقد حرم اكــــــل اللحوم على نفسه حتى قيل  انه لاياكل  امام احد من الناس  فكان خادمه  يضع له الطعام في غرفـة     معزولة  ثم يتوارى عنه  كما انه لم يتزوج ابدا  قال:- 

هذا ما جناه علي ابي      وما جنيت على احد

توفي ابو العلاء  بعد اصابته بمرض خطيراودى بحياته بعد ثلاثة ايام  من اصابته به وذلك سنة \ 449 هجرية بعد عمر ناهز 86 عاما  قضاها في محبسه في ظلمة الحياة.

         لقد صب ابو العلاء جام سخطه على الحياة وحدجها  بنظرة  ماساوية شـــــــــــــــــزراء تشاؤمية  فهو يراها  مفعمة  بالشروالكدربل كلها شر وما الخير فيها الا كزهرة  تقطع فتذوى وتذبل وتنضوي بل عدها ضلالـــــة وجهالة وما هي الا مكر وحذاع وما تظاهر الناس بها الا رياء اوما يتدينون عن تعقل وروية وهو المفكر الفاحص بل يعتبره تقليد ابائهم كما فعل الجاهليون  كما يرى ان الدين سبب العداوة بين الخلق ومصدر العداوة والشقاق بينهم يقول:-                                    

ان الشرائع القت ببننا احنا        وعلمتنا  افانين العداوات

لكن  الشاعر وهو الزاهد في الحياةالمتفر بها  غير ملحد كما تصور البعض  انه مؤمن بربه  كل الايمان  لكنه يعود كل الامــــــور على العقل  فما  قبله العقل وعقله واطمان به قبله وارتضاه وسار عليه  فالعقل عنده  المرجع  والامام  لذا فهو مؤمن بوحدانية الله تعالى  :

توحد فان الله ربك واحد       ولا ترغبن في عشرة الرؤساء

          اساء المعرى الظن بالناس الى شاوى بعيد  ونزع الثقة منهم  وسخط على الحياة  كان يرى الانسا المثالي  الحر العقل  والكريم في هذه الحياة  غريب  عن هذه الدنيا  ولا مكان له فيها  لذلك انزوى عن العالمين وابو العلاء فيلسوف شاعر  فلسف الحياة في لزومياته  وقد استقى  اراءه  وافكاره التي غذاها  من انبع  مناهل العلم  واغزرها  في الادب والحكمة والفلسفة  والعقائد وظهــر كل ذلك في  قريضه   بنظم بديع  وكلام متين بليغ شعر ابي العلاء  بعد هذا وذك  قوي متين  شديد الروعة  فهو  شاعر  فنان  فيلسوف اديب  حجته بالغة  عارف باصالة الفن وروائعه  يمزج الفكر بالخيال  والفلسفة بالحكمة  واسع الادراك  والفهــــــــم  فياض المعاني  في نظم  بديع  وشعر بليغ وقافية  متينه   نظم شعره على قافية  معتمدا حرفين او ثلاثة حين الحرف الواحد يكفي  انظر اليه يقول:-                                                                  
        
اللَّه لا ريبَ فيه، وهو مُحتجبٌ،
                                             بادٍ،  وكلٌّ  إلى  طَبعٍ  له  جذبا

أهلُ الحياةِ، كإخوان المماتِ، فأهْـ
                                          ـوِنْ بالكُماةِ أطالوا السُّمرَ والعَذبا

لا يعلمُ الشَّريُ ما ألقى مرارتهَ
                                           إليه، والأريُ لم يشْعُر، وقد عذُبا

سألتُموني، فأعيْتني إجابتكمْ؛  
                                             من  ادّعى  أنّه  دارٍ  فقد  كذبا

       وهذه سمة لم يسبقه الشعراءاليها  ولم يات احد بعده عليها  فكان المعري  كان يلهي  نفسه  بها  في وحشته وانعزاليته  ومن حيث اللفظ  فهو كثير غريب اللغة ووحشي اللفظ   حتى ان المتتبع  لشعره بحاجة  الى معجم   لمعرفة  معانيه ومقاصده  وليــــس هذا  بغريب على شاعر مثل المعرى  الواسع الذكاء العارف بخفايا العربية واسرارها  وعانيها واساليبها وبلاغتها  خاصة وانــــه عاصر عهدا وصلت العربية فيه الى ارقى اللغات  اضف ان  قصائده  تطغى عليها قوة بلاغية  جناسية في اكثر الاحــــــــــــــوال :

   وجدت الناس في هرج ومرج     
                                             غواة  بين  معتز ل و مــــرج

   فشان ملوكهم غرف ونــــزف 
                                              واصحاب الامور جبا ة خرج
       
   فاللزوميات  فلسفة الحياة ومبادىء الاخلاق تتجلى فيها اساليب نقد وسخرية هذا الشاعر من الحياة  ومن الناس  بدعابة في جد  يكشف  اغوار النفس الانسانية  واسرارها  في شعر بليغ  لم يات بمثله الذين سبقوه   والذين  جائوا  من بعده  يقول:-

جهلنا فلم نعلم على الحرص مـا  
                                        الذي يراد بنا والعلم لله ذي المـــــن  

  اذا غيب المرء استسر حديثـــــه   
                                          لم تخبر  الافكار عنه بما يغنــــــي 

  تضل العقول الهبرزيات  رشدها    
                                         ولـم يسلم الراى القوي من الافــــن

 طلبت يقينا من جهينة  عنهـــــم  
                                         ولم تخبريبي  ياجهين  سوى  الظن 

   فان تعهديني  لا ازال  مســـائلا     
                                         في لم  اعط الصحيح  فاستغنــــــــي

               هذا ابوالعلاء غير متطير لكنه متشائم شديد التشاؤم  لايرى في هذه الدنيا الا شرا مستطيرا لايستطيع دفعه ولا يامل بازالته  او تحسينه  لذلك  يتظر الدنيا  بمنظارة سوداوية  حالكة يقول:- 

وهل لحق  التثريب  سكان يثرب 
                                   من الناس  لابل في الرجال غباء

اوقوله:-

أراني في الكرى  رجل  كأنــــي    
                                          من الذهب  اتخذت غشاء راسي     

قلنسوة خصصت بها  نضــــارا   
                                          كهرمز اوكملك اولى  خراســـي

فقلت معبرا ذهب ذهابــــــــــــي   
                                         وتلك نباهة  في  انـــــــــــدراس

اقمت وكان  بعض الحزم يومـــا 
                                         لركب السفن ان تلفي الرواســي

 اسمع قوله في نفي التطير :-

وما اسر لتعشير الغــــــراب اسى 
                                          ولا ابكي خليطا حل تعشــــــارا

ولا توهمت انثى الانجـــــم امــراة  
                                            ولا ظننت سهيلا  كان عشتارا

             بقي ان نقول ان الشاعر الكبير ابو العلاء المعري  شاعر الحياة وفيلسوفها  ترك وراءه جملة من الكتب والمؤلفات إضافة إلــى اللزوميات وسقط الزند في الشعر تربو على الثمانين مؤلفا و في مكتبتي منها  رسالة الغفران  ورسالة الصاهل والشاحج  ومنها  رسالة الملائكة وذكرى حبيب و الأيك والغصون  وعبث الوليد  ومعجز احمد والفصول والغابات  وغيرها رحم الله شاعر العربية وفيلسوفها  الكبير   . 

   واختم بحثي بهذه القصيدة  من شعره يقول:                                                

غير مجدٍ في ملتـي واعتقـادي
                                                 نـوح بـاكٍ ولا ترنُّـم شــادِ

وشبيهٌ صـوت النّعـي إذا قـيــس
                                                بصوت البشير في كل نـادِ

أبكـت تلكـم الحمامـة أم غـنّــت
                                                   على فرع غصنهـا الميـادِ

صاح  هذي قبورنا تملأ الرُّحــب
                                                  فأين القبور من عهد عـادِ ؟

خففِ الوطء ماأظـنُّ أديـم الأر
                                                 ض إلا مـن هــذه الأجـسـادِ

وقبيحٌ بنـا ، وإن قـدم العـهـد ،
                                                    هـوان  الآبـاء  والأجــدادِ

سر إن استطعت في الهواء رويداً
                                                لا اختيالاً علـى رفـات العبـادِ

ربَّ لحدٍ قد صار لحـداً مـراراً
                                                  ضاحكٍ مـن تزاحـم الأضـدادِ

ودفيـن علـى بقـايـا دفـيـنٍ
                                                 فـي طويـل الأزمـان والآبـادِ

فاسـأل الفرقديـن عمَّـن أحسّـا
                                                    مـن قبيـلٍ وآنسـا مـن بـلادِ

كـم أقامـا علـى زوال نهـار
ٍ                                                     وأنـارا لمدلـجٍ فـي ســوادِ ؟

تعبٌ كلها الحيـاة فمـا أعجـبُ
                                                   إلا مـن راغـبٍ فـي ازديــادِ

إنَّ حزناً في ساعة الموت أض
                                              عـاف سرورٍ فـي ساعـة الميـلادِ

خلـق النـاس للبقـاء فضلَّـت
                                                       أمــةٌ يحسبونـهـم للـنـفـادِ

إنمـا ينقلـون مـن دار أعـمــالٍ
                                                       إلـى دار شقـوة أو رشـادِ

ضجعة الموت ، رقدةٌ يستريح الــجسم
                                                     فيها ، والعيش مثل السهادِ

كل بيـتٍ للهدم ماتبتنـي الـور
                                                   قـاء والسيّـد الرفيـع العـمـادِ

والفتى ظاعنٌ ويكفيه ظـلُّ السـدر
                                                     ضـربَ الأطنـاب والأوتـادِ

بان أمـر الإلـه واختلـف النـاس
                                                      ، فداعٍ إلـى ضـلالٍ وهـادِ

والـذي حـارت البريـة فـيـه
                                                  حيـوانٌ مستحـدثٌ مـن جمـادِ

واللبيبُ اللبيبُ من ليـس
                                                 يغتـرُّ بـكـونٍ مصـيـرهُ للفـسـادِ





                      ************************
            




  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق