الخميس، 17 مارس، 2016

موسوعة (شعراء العربية ) تاليف د فالح الكيلاني المجلد التاسع - شعراء العصرالحديث - الجزء الاول القسم الثاني







ابراهيم  طوقان


     هو إبراهيم بن عبد الفتاح  طوقان ولد في( نابلس) بفلسطين سنة  1905 وهو الاخ الشقيق للشاعرة الفلسطينية  فدوى طوقان والاخ الشقيق  لرئيس وزراء  الاردن في سبعينات القرن العشرين  الاستاذ  احمد طوقان وهو ا حد ابناء عائلة طوقان الواسعة الثراء .
   درس الإبتدائية في ( المدرسة الرشيدية ) في مدينة (نابلس)  وكانت الدراسة في هذه المدرسة تنهج نهجًا حديثًا مغايرًا لما كانت عليه المدارس اثناء الحكم  العثماني حيث ان اساتذة هذه المدرسة درسوا في الازهرالشريف وتاثروا بالنهضة  العربية الادبية والشعرية  في مصر  .
    ثم أكملَ دراسَتَه الثانوية بمدرسة المطران في (الكلية الإنجليزية) في القدس عام\ 1919 حيث قضى فيها أربعة أعوام   حيث تتلمذ على يد  الاستاذ ( نخلة زريق ) الذي كان له تاثير كبير في تعليمه اللغة العربية والشعر القديم.
     التحق بالجامعة الامريكية في ( بيروت ) عام \1923 ومكث فيها ست سنوات نال فيها شهادة الجامعة في الآداب  فتخرج منهاعام \ 1929. ثم عاد ليكون مدرسا  للادب العربي  في مدرسة( النجاح الوطنية ) بمدينة (نابلس ).
  مرت فلسطين قبل نكبتها الأولى بأحداث جسام سجلها الشاعر ابراهيم طوقان تناولها بالسخرية مرة والنقد اللاذع في سياق عرضه لها هادفا في كل الأحوال إلى تبصير الشعب بما يدور حوله .. إحساس الشاعر العالي إزاء اللعبة الا نكليزية  في توطين اليهود في فلسطين واقامة دولة  يهودية لهم في قلب الوطن العربي التي كانت تدور على ارض فلسطين ، والتي أوجدت فريقا من المنتفعين من اصحاب المصالح  ايضا و من وجود الاحتلال البريطاني ممن لا ينتمون إلى الأرض أصلا ، ومشاركتهم المطامح الاستعمارية والعون الذي ساهموا فيه أخيرا في ضياع الوطن .. وقد رصدته أحاسيس ووعي الشاعرابراهيم طوقان  فأطلق لسانه يفضح ويوضح ويدعو للتكاتف وصد الهجمة  العدوانية .في قصيدته ( يا حسرتا ) فيقول  :
يا حسرتا ماذا دهى أهل الحمى
                                          فالعيش ذ ل ، والمصير بوار
أرأيت أي كرامة كانت لهم
                                        واليوم كيف إلى الإهانة صاروا
سهل الهوان على النفوس فلم يعد
                                            للجرح  من ألم  وحق وعار
همدت عزائمهم فلو شبت لظى
                                           لتثيرها    فيهم  فليس   تثار
الظالم الباغي يسوس أمورهم
                                          واللص والجاسوس والسمسار  
     ثم انتقل للتدريس في (الجامعة الأمريكية ) في بيروت وعَمِلَ مدرساً للغة العربية في العامين الدراسيين  (1931\ –1932) و( 1932\1933 ) ثم عاد بعدها إلى فلسطين .
     وفي عام\ 1936 تسلم القسم العربي في (إذاعة القدس) وعُين مُديراً للبرامجِ العربية ، الا انه أقيل من عمله من قبل سلطات الانتداب الانكلزي عام| 1940.
وحذر  ابراهيم  طوقان من الركون إلى المحتل الغازي سواء اليهود الصهاينة او الانجليزي المحتل  ويرى فيهما خصمان وان وسيلتهما الترغيب والترهيب وان الهدف في كلتي الحالتين هو فلسطين – ويدق أجراس الإنذار فيقول  :
مصيرك بات يلمسه الأدنى
                                             وسار حديثه بين  الأقاصي
فلا رحب القصور غدا بباق
                                            لساكنها ولا ضيق الخصاص
لنا خصمان : ذو حول وطول
                                             وآخر ذو احتيال واقتناص
تواصوا بينهم فأتى وبالا
                                                وإذلالا لنا ذاك التواصي
مناهج للإبادة واضحات
                                           وبالحسنى تنفذ والرصاص
       ثم انتقل إلى العراق وعملَ مدرساً في مدرسة ( دار المعلمين ) كلية التربية حاليا ولقب (شاعر الجامعة ) فكان الشاعر يصدر شعره  عن إيمان مطلق بشعبه وأمته ، وكان مؤمنا اشد الإيمان بأن (لا يفل الحديد إلا الحديد)وأن المحتل اليهودي او الانكليزي  عبءٌ لا يزول إلا بالكفاح ، فالقوة لا تردع إلا بالقوة يقول  :
نبؤني عن القوي متى كان
                                         رحيما ، هيهات من عز تاها
لا يلين  القوي  حتى  يلاقي
                                          مثله  عزة  وبطشا  وجاها
لا سمت أمة ذهتها خطوب
                                         أرهقتها  ولا يثور فتاها
         فهو  صاحب دعوة إلى مواجهة القوة الغاشمة  بقوة الشعب فلا قيمة لأمة تعتورها المصائب وتبتلي بالعدوان ولا تثور ولا تتحرك حيث أنه منطق النضال السوي الذي يرفض المهادنة والخضوع ولا يجد في غير نيل الحقوق كاملة لغة تستطيع الوصول بكرامة إلى الوطن واستقلاله .لذا نراه يتصدى للمشككين بقدرة الشعب على المواجهة   يقول :
كفكف دموعك ليس ينفعك البكاء ولا العويل
وانهض ولا تشك الزمان مما شكا ألا الكسول
وأسلك بهمتك السبيل ولا تقل كيف السبيل
 ثم عاجله المرض في بغداد  فعاد إلى وطنه مريضا .
     كان إبراهيم طوقان  يعيش مهزول الجسم ، ضعيفاً ومنذ صغره ،انتابته  و نَمَت معه في حياته  ثلاث علل حتى قضت عليه  فاشتدت عليه وطأة المرض حيث توفي في مساء يوم الجمعة 2 أيار عام \1941 وهو في سن الصبا و الشباب حيث توفي  ولما يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره .
    وقد رثاه  رفيق  دربه  وصديقه  الشاعر  عبد الكريم الكرمي (ابو سلمى )  في أصدق الشعر وأنبله في قصيدة على البحر الخفيف تحمل زفرات الشاعر ولوعته:
كيف أبكي وكيف يبكي قصيدي
                                           ومضى اليوم طارفي وتليدي ؟
أين تمضي ؟ لمن تركت القوافي
                                             والمروءات خافقات البنود ؟
أنت   من  علّم   الطيور  غناء ً
                                          ما عهدناك صامتاً في الحشود !

       يتميز  شعر إبراهيم طوقان  بالجزالة والقوة من غير تعقيد   ويتسم بالمحافظة والتجديد في الصور والمعاني والأوزان الشعرية.  ويعتبر الشاعر الأول بين شعراء العربية، في ابتكار الأناشيد القومية والوطنية حيث ما تزال أناشيده حية تتردد في الإذاعات العربية إلى اليوم، وبخاصة نشيد (موطني) .  وانشد في الغزل  فهو شاعر غزل رقيق رائعة صوره الشعرية فيه ، عذب النغم، لطيف الدعابة. يقول في غزله :
وَغَرِيـرَةٍ في المَكْتَبَــهْ         بِجَمَالِـهَا مُتَنَقِّـبَهْ
جَلَسَتْ لِتَقْرَأَ أَوْ لِتَكْـ       ـتُبَ مَا المُعَلِّـمُ رَتَّبَـهْ
وَحَبَسْـتُ حَتَّى لا أُرَى         أَنْفَاسِـيَ المُتَلَهِّبَـهْ
رَاقَبْتُهَا فَشَهِـدْتُ أَنَّ            اللهَ أَجْزَلَ في الْهِبَـهْ
وَسَقَـاهُ في الفِرْدَوْسِ مَخْـ       تُومِ الرَّحِيقِ وَرَكَّبَـهْ
يَا لَيْـتَ حَـظَّ كِتَابِـهَا              لِضُلُوعِـيَ الْمُتَعَذِّبَـهْ
فَـإِذَا انْتَهَـى وَجْـهٌ ونَـا       لَ ذَكَاؤُهَا مَا اسْتَوْعَبَـهْ
وسَمِعْتُ وَهْيَ تُغَمْغِـمُ الـ       كَلِمَاتِ نَجْوَى مُطْرِبَـهْ
إحْـدَى الثَّـنَايَا النَّـيِّـرَا        تِ بَدَتْ وَلَيْسَ لَهَا شَبَهْ
هِيَ لَوْ عَلِمْـتَ مِـنَ الْـ        مَحَاسِنِ عِنْدَ أَرْفَعِ مَرْتَبَهْ
وَأَمَـا وَقَلْـبٍ قَـدْ رَأَتْ            في السَّاجِدِينَ تَقَلُّبَـهْ
خَفَقَـانُـهُ مُتَـوَاصِـلٌ            وَاللَّيْلُ يَنْشُـرُ غَيْهَبَـهْ
وَأمَا وَعَيْنِكِ وَالْقُوَى السِّـ         حْرِيَّـةِ الْمُتَحَجِّبَـهْ
وَأَرُومُ سِنَّـكِ ضَاحِكَـاً           حَتَّى يَلُـوحَ وَأَرْقُبَـهْ
وسَمِعْتُ وَهْيَ تُغَمْغِـمُ الـ       كَلِمَاتِ نَجْوَى مُطْرِبَـهْ
وَرَأَيْـتُ في الفَـمِ بِدْعَـةً             خَـلاّبَـةً مُسْتَعْذَبَـهْ
إحْـدَى الثَّـنَايَا النَّـيِّـرَا         تِ بَدَتْ وَلَيْسَ لَهَا شَبَهْ
مَثْلُـومَـةً مِـنْ طَرْفِهَـا             لا تَحْسَبَنْهَـا مَثْلَبَـهْ
هِيَ لَوْ عَلِمْـتَ مِـنَ الْـ        مَحَاسِنِ عِنْدَ أَرْفَعِ مَرْتَبَهْ
هِيَ مَصْدَرُ السِّيْنَاتِ تُكْـ         سِبُهَا صَدَىً مَا أَعْذَبَـهْ
وَأَمَـا وَقَلْـبٍ قَـدْ رَأَتْ             في السَّاجِدِينَ تَقَلُّبَـهْ
صَلَّـى لِجَبَّـارِ الجَمَـالِ              وَلا يَـزَالُ مُعَذَّبَـهْ
يقول فيه الدكتور عمر فروّخ :
 (  لقد بلغ شعر إبراهيم ثلاث ذرى متعاقبة: ذروة الحب، وذروة الشهوة، وذروة المشكلة الوطنية)
        وقد رافق إبراهيم طوقان المأساة الفلسطينية مذ كانت مشروعاً إلى أن أصبحت أزمة ، وتوفي وهي توشك أن تتحول إلى كارثة، وتهب كالعاصفة تهدّد الوطن والمواطن كتب شعره في ضوء الدم الفلسطيني. وقد فاز عن جدارة ، بلقب شاعر الوطن وسجل قضية بلاده في شعره حيث يمتاز بطابع فلسطيني خاص، ويحس به كل من عاش ويعيش الماساة التي تعرض لها فلسطين ويرى الشاعر أن حكمة الله شاءت  ان تجعل  الفلسطينين مشاريع  للاستشهاد .ويؤكد أن فلسطين تطالب  الاراذل منهم  بالابتعاد عنها فليسوا هم برجالها – انما رجالها  الذين آثروا السجن والتشريد والاستشهاد يقول :
أضحت فلسطين من غيظ تصيح بكم
                                    خلوا الطريق فلستم من رجالاتي
ذاك السجين الذي أعلى كرامته
                                         فداؤه كل طلاب الزعامات !.

واختم بحثي  بقصيدته الشهيد   يقول فيها:
عبس الخطب فابتسم           و طغى الهول فاقتحم
رابط النفس و النهى             ثابت القلب و القدم
نفسه طوع همة                  وجمت دونها الهمم
تلتقــــي فـــي مزاجهـــا    بالأعــــــاصير والحـــــمم
تجـــمع الهـــائج الخـــضم   إلــــى الراســــخ الأشـــم
وهــي مــن عنصــر الفــداء  ومــــن جــــوهر الكـــرم
ومــــن الحـــق جـــذوة       لفحهــــا حــــرر الأمـــم
ســـار فــي منهــج العــلي   يطــــرق الخــــلد مـــنزلا
لا يبــــــالي, مكبـــــلا            نالـــــــه أم مجــــــدلا
فهـــو رهـــن بمـــا عــزم
ربمــــا غالـــه الـــردى     وهــــو بالســـجن مـــرتهن
لســـت تـــدري بطاحهــا        غيبتـــــــه أم القنــــــن
إنــــه كـــوكب الهـــدى     لاح فـــي غيهـــب المحـــن
أي وجــــــه تهلـــــلا          يــــرد المــــوت مقبـــلا
إنا للـــــــه والــــــوطن
أرســل النــور فــي العيـون,   فمــــا تعــــرف الوســـن
ورمــي النــار فــي القلـوب,    فمــــا تعــــرف الضغـــن
أي وجــــــه تهلـــــلا            يــــرد المــــوت مقبـــلا
صعـــد الـــروح مرســلا        لحنــــه ينشــــد المــــلا
إنا للـــــــه والــــــوطن
أرســل النــور فــي العيـون,    فمــــا تعــــرف الوســـن
ورمــي النــار فــي القلـوب,    فمــــا تعــــرف الضغـــن
أي وجــــــه تهلـــــلا             يــــرد المــــوت مقبـــلا
صعـــد الـــروح مرســلا        لحنــــه ينشــــد المــــلا
إن للـــــــه والــــــوطن




***********************


           










عبدالرحيم محمود
 الشاعرالشهيد ))


         ولد عبد الرحيم محمود  في بلدة (عنبتا ) من اعمال (طولكرم ) بفلسطين عام \ 1913 ولد في كنف اسرة ملتزمة دينيا ووطنيا.
       درس عبدالرحيم في ( مدرسة عنبتا الابتدائية  ) ، ثم انتقل إلى (مدرسة طولكرم الابتدائية) ثم انتقل  الى (مدرسة النجاح الوطنية ) في  ( نابلس ) لدراسة المرحلة الثانوية (جامعة النجاح حاليا ) فدرس فيها خمس سنوات  من عام\ 1928 الى عام\ 1933  درس على ايدي اساتذة اكفاء  منهم  الدكتور محمد فروخ  والشاعر ابراهيم طوقان  والاستاذ انيس الخولي وغيرهم  فنهل من منهلهم  حب الوطن  وحب المعرفة و زعزة النفس وابائها  حتى تخرج منها  عام \ 1933  فعين مدرسا للغة العربية  وادابها .
         في عام \ 1935 حضر من سوريا الشيخ  المجاهد عز الدين القسام  ليشارك في الكفاح ضد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين وهو شيخ  بلغ عمره  اربع وستون سنة  فاعتصم  بالجبل  مع رفاقه  من  مِصْر وفلسطين، وظلوا  يقاتلون جنود  الاحتلال الإنكليزي  فاسْتُشْهِد الشيخ السوري في20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1935 وبهذا أصبح الشيخ القَسَّام مثلاً أعلى للمقاومة وللثورة التي بدأت بإضراب يوم 20 نيسان (أبريل) \ 1936، فانخرط الشباب الفلسطني في صفوف المقاومة العربية  في فلسطين  ومنهم الشاعر الشاب عبد الرحيم محمود الذي نذر نفسه للوطن وللنضال من اجل تحرير بلده ، فاستقال من (مدرسة النجاح)  ملتحقا بصفوف المناضلين  وهو يقول :  

إن الألى سلبوا الحقوق لئامُ
                                              واغْصِبْ حُقوقَك قَطُّ لا تَسْتَجْدِها
قَدْ سـَارَها مِنْ قَبْلِكَ القَسَّامُ
                      هذي طَرِيْقُكَ فِي الحَياة فلا تَحِـدْها
              و في عام \ 1935 قام الأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية  قبل  ان  يكون ملكا بزيارة للمسجد الاقصى، فألقى الشاعر عبد الرحيم محمود قصيدته وكان عمره اثنين وعشرين عامًا
قال فيها :
نَجمُ السُعودِ وَفي جَبينِكَ مَطلَعُهْ 
                                           أَنّى  تَوَجَّهَ  رَكبُ  عِزِّكَ   يَتبَعُهْ                           
سَهلاً وَطِئتَ وَلَو نَزَلتَ بِمَحمَلٍ
     يَوماً لِأَمرَعَ مِن نُزولِكَ بَلقَعُهْ         
وَالقَومُ قَومُكَ يا أَميرُ إِذا النَوى 
 فَرَقَتهُ آمالُ العُروبَةِ تَجمَعُهْ 
مالوا إِلَيكَ  وَكُلّ ُ قَلبٍ  حَبَّةً     
    يَحدو بِهِ شَوقاً إِلَيكَ وَيَدفَعُهْ
يا ذا الأَميرِ أَمامَ عَينِكَ شاعِرٌ   
 ضُمَّت عَلى الشَكوى المَريرَةِ أَضلُعُهْ
المَسجِدُ الأَقصى أجئتَ تَزورُهُ 
  أَم جِئتَ مِن قَبلِ الضَياعِ تُوَدِّعُهْ
حَرمٌ تُباحُ لِكُلِّ أَوكعَ آبِقٍ   
      وَلِكُلِّ أَفّاقٍ شَريدٍ أربُعُهْ
وَالطاعِنونَ وَبورِكَت جَنباتُهُ   
  أَبناؤُهُ الظِيَم بِطَعنٍ يوجِعُهْ
وَغَداً وَما أَدناهُ لا يَبقى سِوى  
  دَمعٍ لَنا يَهمي وَسِنٌّ نَقرَعُهْ
وَيُقرِّبُ الأَمرَ العَصيبَ أسافلٌ 
  عَجِلوا عَلَينا بِالَّذي نَتَوَقَّعُهْ
قَومٌ تَضِلُّ لَدى السَدادِ حَصاتهُ  
 وَيُسَيطِرُ العادي عَلَيهِ وَيُخضِعُهْ
شَكوى وَتَحلو لِلمُضيمِ شَكاتُهُ
     عِندَ الأَميرِ وَأَن تَرَقرَقَ أَدمُعُهْ
سِر يا أَميرُ وَرافَقَتكَ عِنايَةٌ  
     نَجمُ السُعودِ وَفي جبَينِكَ مَطلَعُهْ

         وفي هذه  القصيدة  تتضح  وجهة  وبُعد  نظر الشاعر الشاب  ورؤيته الواقعية  للظروف  العربية  شعوبًا  وحكامًا  ..
              وفي عام \ 1939 كانت  الثورة قد خمدت بعض الشئ فلم يحتمل البقاء في فلسطين تحت نير الاحتلال الإنجليزي والعصابات الصهيونية؛ فانتقل إلى العراق وظل به ثلاثة اعوام عمل خلالها مدرسًا للغة العربية، ثم التحق بالكلية الحربية العسكرية ببغداد، وتخرج  ضابطًا برتبة ملازم  عندما كان الملك غازي بن فيصل بن الحسين  ملكا على العراق  وقد شارك مع المناضلين العراقيين  في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق  عند قيامها في عام 1941
             وفي اثناء الحرب العالمية الثانية وانشغال انكلترا في الحروب مع حلفائها عاد الشاعر عبد الرحيم محمود إلى بلده واستأنف العمل كمعلم للغة العربية (بمدرسة النجاح الوطنية) بنابلس .
               ولما  بلغ عمره أربعة وعشرين عامًا ا نشد قصيدته (الشهيد)  ليُصَوِّر ُفيها  الشهيد كما يتمنَّاه هو فيقول :
 ســأحمل روحــي عـلى راحـتي
 وألقــي بهـا فـي مهـاوي الـردى
فإمــا حيــاة تســر الصــديق
   وإمــا  ممــات   يغيــظ    العــدى  
ونفس الشـــريف لهــا غايتــان
 ورود المنايـــا ونيـــل المنــى
ومـا العيش? لا عشـت إن لـم
 أكـن مخــوف الجنــاب حـرام الحـمى
إذا قلــت أصغــى لـي العـالمون
ودوى مقـــالى بيـــن الــورى
لعمـــرك إنــي أرى مصــرعي
ولكـــن أعــد إليــه الخــطى
أرى مصـرعي دون حـقي السـليب 
ودون بـــلادي هـــو المبتغــى
يلــد لأذنــي ســماع الصليــل
 ويبهــج نفســي مســيل الدمــا
وجســم تجـدل فـوق الهضاب
     تناوشـــه  جارحـــات  الفـــلا
فمنــه نصيــب لأســد السـماء 
ومنــه نصيــب لأســد الــثرى
كســـادمه الأرض بـــالأرجوان
 وأثقــل بــالعطر ريــح الصبـا
وعفـــر منــه بهــي الجــبين
ولكـــن عفــارا يزيــد البهــا
وبــان عــلى شــفتيه ابتســام 
معانيـــة هــزء بهــذي الدنــا
ونـــام ليحــلم حــلم الخــلود
 ويهنــأ فيــه بــأحلى الــرؤى
لعمــرك هــذا ممــات الرجـال
 ومــن رام موتــا شــريفا فــذا
فكــيف اصطبـاري لكيـد الحـقود
 وكــيف احتمــالى لســوم الأذى
أخوفــا وعنــدي تهــون الحيـاة
 وذلا وإنــــي لـــرب الإبـــا
بقلبــي ســأرمي وجــوه العـداة
 فقلبــي حــديد ونــاري لظــى
وأحــمي حيــاضي بحـد الحسـام
 فيعلـــم قــومي بأنــي الفتــى
              وفي عام \1948 صدر قرار تقسيم فلسطين فاشتعل الموقف الفلسطيني والعربي من جديد ؛ فقرَّر شاعِرُنا عبد الرحيم محمود أن يصل  الى  تحقيق اعلى درجات  الجهاد في سبيل وطنه  وآخر مدى من أجل تحرير وطنه، فتوجه إلى ( بيروت ) في كانون الثاي (يناير) 1948، ثم انتقل  الى الشام لينخرط في تدريبات عسكرية على القتال وفنونه  فانضم إلى ( جيش الانقاذ )، ولما اكمل تدريباته فيه  دخل إلى منطقة( بلعا ) بفلسطين مشتركا  في معركة  (بيارعدس)  مع سَرِيَّة من فوج (حِطِّين)، ثم شارك في معركة ( رأس العين)، وفي  شهر نيسان ( إبريل ) 1948م عُيِّن آمرًا للانضباط العسكري في  قاطع ( طولكرم )، ثم مساعدًا لآمر الفوج في مدينة ( الناصرة ) .  
            وفي قرية ( الشجرة ) الفلسطينية العربية قرب مدينة ( طبرية ) انشأ الصهاينة اليهود قرية او مستعمرة اسموها (السجرة ) بالسين وكانت منطقة ساخنة جدا فكان العرب من المسلمين والمسيحيين يقاتلون من قرية (الشجرة ) واليهود يقاتلون من قرية ( السجرة ) فكان القتال محتدما وشرسا ودارت فيه معارك كثيرة  قاتل فيها الشاعر عبد الرحيم محمود  قتال الابطال ببسالة منقطعة النظير  في ( معركة الشجرة) فأصابته قذيفة في عنقه، وكان يتمتم ورفاقه يحملونه على أكتافهم :

احملوني  احملونــي            وأحذروا ان تتركوني
وخذوني ولا تخافـوا            واذا  مت   ادفنونــي
وقد اسْتُشْهِدَ فيها  .  
        استشهد في معركة ( الشجرة ) يوم 13 حزيران ( يوليو) 1948م وهو في مقتبل  العمر حيث  بلغ عمره خمس وثلاثون سنة\
ودُفِنَ عبد الرحيم محمود في مدينة (الناصرة ) مُخَلِّفًا زوجته وابنيه (الطيب) و(طلال) وابنته رقيَّة، ووكانت  أعمارهم يوم استشهاده  بين  العام الواحد والاربعة اعوام .
       يتميز  شعر  عبد الرحيم  محمود الشاعرالشهيد  بقوتها واشاعة  روح الوطنية  والجهاد فيها  وكانت  قصائده التي جمعها  بعد استشهاده لجنة من ( الادباء ) بعد وفاته بعشر سنين  وكان قد نشر بعضها في المجلات  العربية في فلسطين وسوريا ومصر ولبنان .  واصدرت هذه اللجنة  ديوانه في (عمان) عام 1958 ويحتوي على سبع وعشرين قصيدة. هي كل القصائد التي صاغها شعرًا وعاشها حياته، وفيها استحق أن يكون مثلا أعلى للشباب الفلسطيني او للشباب العربي  في الكفاح  والجهاد  من اجل  الكرامة والوطن  والصدق فقصائده اغلبها تحمل طابع  الكفاح والجهاد  ومع ذلك نجد في شعره الغزل والرثاء والمدح و غيرها من فنون الشعرالعربي .
: يقول في الغزل

خالتني  الميت  من صدها              والعائش  الدهر معنى عليل
قالت قتيلي أنت قلت اعلمي       أن قد صحا الساهي وعاد  القتيل
ملت إلى غيري واني امروء           إن مالت الروح فعنها   أميل
قالت  لم  يزل    فاعلا                  قلت.. فهاتي  عليه   الدليل
مخلوقة  أنت فلا تكبري                 مثلك  بين الناس ألف مثيل

~*~*~*~*~*~                                
قالت  إذا  رحت فلا عودة              إما تشكيت النوى والصدود
قلت ومن يخلص من قيده             أينثني   يطلب   ذل  القيود؟
نجوت من نار فلا تحسبي              أني  إلى النار حياتي أعود
قالت أتنسى ؟ قلت لم لا وقد          نسيت ميثاقي وخنت العهود
غدا  أرى غيرك  لي   وافيا           وأبدل   الحب   بحب جديد

~*~*~*~*~*~
أخلصتك الود وجازيتني                بالغدر ما اظلم  هذا الجزاء
وإذ بأحلامي التي شدتها              تنهار من فوقي وتغدو هباء
لكن سأبنيها  فلا تشمتي                نعم ٍ ابنيها  وأعلي   البناء
مثلي كما قلت رجال ولا               يدركهم  حصر, ذاك  النساء

واخيرا اختم بحثي بهذه القصيدة من شعره :  

دعا الوطن الذبيح إلى الجهاد 
فخف لفرط فرحته فؤادي
وسابق النسيم لا افتخار
أليس علي أن أفدى بلادي ؟
حملت على يدي روحي وقلبي 
وما   حملتها إلا عتادي
وقلت لمن يخاف من المنايا    
أتفرق من مجابهة الأعادي؟
أتقعد والحمى يرجوك عونا  
وتجبن عن مصاولة الأعادي؟
فدونك خدر أمك فاقتحمه
وحسبك خسة هذا التهادي
فللأوطان أجناد شداد 
يكيلون الدمار لأي عادي
يلاقون الصعاب ولا تشاكي  
أشاوس في ميادين الجلاد
تراهم في الوغى أسدا غضايا
معاوينا إذا نادى المنادي
بني وطني دنا يوم الضحايا  
أغر على ربا ارض الميعاد
فمن كبش الفداء سوى شباب
أبي لا يقيم على اضطهاد ؟
ومن للحرب إن هاجت لظاها
ومن إلا كم قدح الزناد؟ 
فسيروا للنضال الحق نارا  
نصب على العدى في كل واد
فليس أحط من شعب قعيد   
عن الجلى وموطنه ينادي
~*~*~*~*~*~
بني وطني أفيقوا من رقاد    
فما بعد التعسف من رقاد
قفوا في وجه أي كان صفا    
حديدا لا يؤول إلى انفراد
ولا تجموا إذا اربدت سماء  
ولا تهنوا ‘ذا ثارت بوادي
ولا تقفوا إذا الدنيا تصدت  
لكم وتكاتفوا في كل نادي
إذا ضاعت فلسطين وأنتم   
على قيد الحياة ففي اعتقادي
بأن بني عروبتنا استكانوا  
وأخطأ سعيهم نهج الرشاد



                         ***************************






مصطفى  وهبي التل

(عرار )


هو مصطفى وهبي بن صالح بن مصطفى بن يوسف بن ملحم التل
ولد مصطفى وهبي التل في مدينة ( اربد) من اعمال شرق الاردن وتقع شمال الاردن في يوم 14محرم سنة 1317هجرية – الخامس والعشرين من شهر  مايو( ايار ) 1899 ميلادية.
      وقد سمي (مصطفى) تيمنا باسم جده واضيفت اليه كلمة وهبي على الطريقة السائدة بين العائلات التركية انذاك وهي اضافة اسم إلى اسم الوليد الأصلي. وقد ورث شاعرنا عن والده حسا مرهفا وخاطرا متوقدا وذكاء خارقا وميلا إلى قول الشعر ونظمه.

     تلقى تعليمه الابتدائي في( إربد ) مسقط راسه ثم سافر إلى (دمشق) عام 1912، وواصل تعليمه في (مدرسة عنبر). وخلال دراسته شارك زملاءه في الحركات التي كانوا يقومون بها ضد الترك فنفي على إثر إحدى هذه الحركات إلى ( بيروت)
وفي رواية اخرى نفي إلى( حلب )وأكمل دراسته هناك ، حيث حصل على الشهادة الثانوية
     عاد مصطفى إلى( اربد ) لقضاء العطلة الصيفية، وفي تلك الفترة نشبت بينه وبين والده خلافات حادة، مما جعل والده يحجم عن إعادته إلى (مدرسة عنبر) في (دمشق )، ويبقيه في( اربد ) ليعمل في مدرسة خاصة كان قد افتتحها والده آنذاك واسماها (المدرسة الصالحية العثمانية) و بقي مصطفى في (إربد.) وعمل في مدرسة والده مضطراً، واستمرت خلافاتهما واشتدت، فقرر مصطفى أن يترك (إربد)، فغادرها في 20/6/1917 بصحبة صديقه (محمد صبحي أبو غنيمة) قاصدين ( اسطنبول )، ولكنهما لم يبلغاها، حيث استقر مصطفى في (عربكير) حيث كان عمه (علي نيازي) قائممقاما فيها. في (عربكير ) عمل مصطفى وكيل معلم ثان لمحلة (اسكيشهر)، فعين بتاريخ 3/10/1918، واستقال منها في 9/3/1919.
      ولكنه ما لبث أن عاد إلى (دمشق)  مرة أخرى. فسافر إليها في مطلع العام الدراسي 1919-1920.ولكن عودته صادفت قيام حركات طلابية شارك فيها، بل كان مع بعض أصدقائه على رأسها، ما جعل السلطات تقرر نفيه إلى (حلب،) الا انها سمحت له بإكمال دراسته فيها، فسافر إليها في شباط 1920. ومكث فيها حتى الشهر السادس من عام 1920. حين غادرها بعد أن حصل على الشهادة الثانوية من (المدرسة السلطانية).وفي أثناء دراسته تعلم اللغة – التركية وهي اللغة الرسمية  حينذاك، ثم تعلم الفارسية،وفي احدى قصائده يصف حاله فيقول:
هواك ظننته لعبة          حبّك خلته كذبه
وقلبي كنت أحسبه      قضى واويلتا نحبه
وأحلامي وآمالي         وأيام الهوى العذبه
وتذكارات آمالي      قضت في جملة الحسبة
كفرت بكل عاطفة           لها بمبادئي نسبة
ورحت أظنّ أنّ الجري في حلب الهوى سبّة
وعشت لغير تطلاب ال   علا  والمجد لا أأبه
أبايع  من  يساومني      على الترفيه  بالنكبة
فمن سجن إلى منفى      ومن منفى إلى غربة
ومن كرّ إلى فرّ         ومن بلوى إلى رهبة
فبي من كلّ معركة       أثرت عجاجها ندبة
تعالى الله والأردنّ       لا بغداد و " والرّطبة               
       وفي أواخر العشرينات درس القانون معتمداً على نفسه، وتقدم للفحص الذي كانت تجريه وزارة العدل آنذاك فاجتازه،بنجاح وحصل على إجازة المحاماة في 3 شباط 1930.
                ثم عين معلما في (مدرسة الكرك) ، ثم حاكما اداريا لثلاث مدن صغيرة  في الأردن  هي ( وادي السير والزرقاء والشوبك)
ثم  انتقل الى (السلط ) بعد ان عين مدعي عام فيها ثم عين رئيسا للتشريفات في الديوان العالي ثم عين متصرفا مدعي عام  للبلقاء ( السلط ) بقي فيها لمدة اربعة أشهر ثم عزل واقتيد إلى (سجن المحطة في (عمّان)      
 وبعد خروجه من السجن عمل بالمحاماة.
 ثم عاد إلى وزارة المعارف فتسلم وظيفة (المفتش الأول) فيها ثم تركها .وحين تركها عُيّن ( رئيس تشريفات في الديوان العالي).ثم متصرفا للواء( البلقاء)  ومكث في منصبه هذا أقل من أربعة أشهر إذ  حيث عزل ثم،سجن في (سجن المحطة ) في(عمان ) حيث قضى قرابة  سبعين يوماً.
    مارس   بعد خروجه من السجن في مارس ( اذار) من عام 1942 مهنة المحاماة في (عمان )حيث افتتح مكتباً خاصاً به. كان له صلات واسعة مع كثير من الشعراء المعاصرين له منهم  احمد الكرمي ( ابو سلمى) وابراهيم ناجي وابراهيم طوقان  واحمد الصافي النجفي  وفؤاد وغيرهم كثير، حيث كانت تجتمع نخبة من الشعراء والأدباء، وتدور بينهم مساجلات ومعارضات شعرية.
،و كانت له صلة وثيقة ببلاط الملك عبد الله  الاول بن الحسين بينهم مساجلات ومعارضات شعرية ويقول فيه :
أمنددا  بأبي   طلا       ل ونهجه اللبق الرّشيد
ما أنت أول رائش        أصماه سهم من جحود
فاهتف بما تقضي عليك  به الغواية من قصيد
وانكر  مآثره  وته        بالسبق في حلب الكنود
وانعم بما مشليك يغدقه          عليك من النقود
حتى إذاصفرت  يدا ك   من الحجى ومن الرصيد
وحماسك الجعجاع أس    فر عن مضاعفة القيود
وغدوت   لا  وطن  ولا   أمل    بطارف   أو  تليد
فسل اليهود عن الألى         باعوا بلادك لليهود
واستمرأوا انفاق قي         متها على كاس وخود
منهم أكان العبدلي             أبو طلال ابن  الشهيد
يا من يعيرنا لمس عانا       بتوسيع        الحدود
وجهادنا لخلاص ما        لم يشر من وطن الجدود
ليس البطولة ثورة             رعناء بالأوطان تودي
لكنّها في دفعك ال           أخطار بالرأيّ السديد
  فأقعد فلست أخا العلا     والمجد وانعم بالقعود "
ما زلت أعزل والعد           وّ سلاحه حمر الحديد
                     وفي اليوم  الرابع والعشرين من ايار ( مايو)  24/5/1949  توفي الشاعر مصطفى التل ( عرار ) في المستشفى الحكومي ب(عمّان)، ونقل جثمانه إلى اربد مسقط رأسه، حيث دفن في (تل إربد) حسبما جاء في وصيته.
كان يتقن التركية و الفرنسية والفارسية
     ترك العديد من الأثار النثرية إلى جانب ديوانه الشعري   اهمها مايلي :
1-عشيات وادي اليابس : ديوان شعر
 . 2-بالرفاه والبنين - طلال - مشترك مع خليل نصر
 . 3-الأئمة في قريش
  -4-أوراق عرار السياسية
  5-ترجمة رباعيات عمر الخيام.
       شغل ولده وصفي مصطفى في التل منصب رئيس الوزاء في المملكة الأردنية الهاشمية خلال السبعينيات من القرن العشرين  وولده الاخر سعيد التل الذي شغل منصب نائباً لرئيس الوزاء في خلال التسعينات .
 واختم بحثي بهذه الابيات :

اطو الصحيفة   واتئد  بعتابي         ودع  المشيب   إليك  ينع شبابي

ظننت نصف القرن لعبة لاعب    يلهو بحصب " دواحل " " وكعاب " ؟

أو" سيجة " ما انفك يعمر سوقها      لهو الشّيوخ ومتعة الشّياب ؟

يا لعنة   الخمسين  قدك ، فإنّني     ما زلت   رغم    ذكائه  المتغابي

دنياي   ما تنفك  منتجع  الهوى   في كلّ   نجعة   صبوة     وتصابي

فعلى الذي يرضاه ضلعك فاربعي          وإذا استطعت فمزقيه حجابي

واستوضحي " وادي الشّتا   وتلاعه لم أخطأت أصمى السّهام شعابي ؟

تنبيك أنّي لم أشح عن خطتي         " سنتا "، وأنّ الحبّ ملء إهابي

والقلب ما ينفك رغمك خافقا             بهوى المكحلة المطير صوابي

هي سنة الحبّ الذي زاولته                زمنا ، وزاوله معي أصحابي

فأنا إذن ما زلت من كوخي على           علاته  سقما ، ونضو شراب

أسقى ، وأشربها ، وأن لم تسقني       حسناء مثلك ، لا أسيغ شرابي






***********************


















علي محمود طه المهندس
  

         هو علي بن محمود بن طه  من المنصورة في مصر وقيل له المهندس لانه كان لديه شهادة تؤهله للعمل في هندسة البناء  
      ولد علي محمود طه في الثالث من آب /أغسطس عام 1901بمدينة (المنصورة )عاصمة (الدقهلية ) الواقعة فرع (دمياط )من نهر النيل ينحدر أسرة من الطبقة الوسطى وقضى فيها صباه.  
             تعلّم في الكُتّاب مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وحفظ القرآن  الكريم، ثم درس بمدينة ( المنصورة ) المرحلة الابتدائية ثم التحق بمدرسة الفنون التطبيقية في (القاهرة) ، حيث تخرج  سنة \1924حاملاً شهادة تؤهله لمزاولة مهنة هندسة المباني ولهذا لقب بالمهندس.
     وعلى الرغم من دراسته العلمية، مال الى الامور الأدبية واستهوته كثيرًا, وخاصة الشعر فقرأ العديد من  دواوين الشعر ومختارات الأدب فاحب الشعر والادب وعمَّق ثقافته الادبية والشعر .
            اشتغل علي محمود طه  مهندساً لسنوات طويلة  وتدّرج في السلك الوظيفي حتى أصبح وكيلاً لدار الكتب المصرية ثم تيَسَّرَ له الاتصالُ ببعض الساسة  فرشح للعملَ في مجلس النواب. وقد عاش
 حياة  سعيدة هانئة  لينعم بملذات الحياة ورفاهيتها كما تشتهي نفسه  الشاعرة.  
               أخذ الأدب الغربي يؤثر على الأدب العربي يزداد  تاثيره منذ الثلاثينيات منذ القرن العشرين  بعد ظهور مدرسة  ابوللو كمدرسة نقدية شعرية  اسسها الشعراء احمد زكي  ( ابوشادي) وجبران خليل جبران وامل دنقال وعبدالوهاب البياتي وكان الشاعر علي محمود طه من أبرز أعضائها.
      صدر ديوانه الاول (  الملاح التائه )  والذي اخذ عنوانه من عنوان قصيدة له في ديوانه  بنفس الاسم  فيقول فيها :
أيّها الملاح قم و اطو الشّراعا
                                            لم نطو لجّة اللّيل سراعا
جدّف الآن بنا في هينة
                                      و جهة الشّاطئ سيرا و اتّباعا
فغدا يا صاحبي تأخذنا
                                           موجة الأيّام قذفا و اندفاعا
عبثا تقفو خطا الماضي الذي
                                          خلت أنّ البحر واراه ابتلاعا
لم يكن غير أويقات هوى
                                      وقفت عن دورة الدّهر انقطاعا
فتمهّل تسعد الرّوح بما
                                      وهمت أو تطرب النّفس سماعا
ودع  اللّيلة  تمضي  إنّها
                                          لم تكن أوّل ما ولّى وضاعا
سوف يبدو الفجر في آثارها
                                         ثمّ يمضي في دواليك تباعا
هذه الأرض انتشت ممّا بها
                                           فغّفت تحلم بالخلد خداعا
قد طواها اللّيل حتى أوشكت
                                    من عميق الصّمت فيه أن تراعا
إنه الصّمت الذي في طيّه
                                    أسفر المجهول و المستور ذاعا
سمعت فيه هتاف المنتهى
                                      من وراء الغيب يقريها الوداعا
أيّها الأحياء غنّوا و اطربوا
                                    و انهبوا من غفلات الدّهر ساعا
آه ما أروعها من ليلة فاض
                                         في أرجائها  السّحر  و شاعا
نفخ الحبّ بها من روحه
                                     و رمى عن سرّها الخافي القناعا
و جلا من صور الحسن لنا
                                          عبقريّا  لبق   الفن   صناعا
نفحات رقص البحر لها
                                                                                                                                  و هفا النّجم خفوقا و التماعا                 
و سرى من جانب الأرض صدى
                                               حرّك العشب حنانا و اليراعا
بعث الأحلام من هجتها
                                               كسرايا الطّير نفّرن ارتياعا
قمن بالشّاطئ من وادي الهوى
                                               بنشيد الحبّ يهتفن ابتداعا
أيّها الهاجر عزّ الملتقى
                                             وأذبت القلب صدّا و امتناعا
أدرك التائه في بحر الهوى
                                             قبل أن يقتله الموج صراعا
وارع في الدّنيا طريدا شاردا
                                       عنه ضاقت رقعة الأرض اتّساعا
ضلّ في اللّيل سراه ، و مضى
                                            لا يرى في أفق منه شعاعا

     سافر بعد صدور ديوانه الاول  الى اوربا بقصد السياحة و قضاء  فصل الصيف فيها فاستمتع  بماهج الحياة الاوربية واطلع على الادب الغربي  وتوسعت مداركه الشاعرية وصقل ذوقه الفني  بما  راى من حياة مترفة وثقافة عالية  خاصة في مجال الشعر والادب وتعرفه على الشعراء الفرنسيين  مثل لامارتين  وبودلير وفرلين  شعراء المدرسة  الابداعية في فرنسا  جعلته يحتل المكانة المرموقة بين الشعراء العرب بعد عودته الى الوطن اصداره  ديوانه الثاني ( ليالي الملاح التائه  ) الذي تاثرت قصائده بهؤلاء الشعراء فكانت قصائدة تؤسس الى فلسفة ابداعية  بجانب  قصائده الوجدانية التي اسنوحاها من  مشاهد مدينته    ( المنصورة) .  
      تعرف علي محمود طه في مطلع شبابه على فتاة يونانية ثرية في مدينة( المنصورة ) فاحبها  فكانت مصدرا للعديد من قصائده الغزلية  والعاطفية ولكنه لم يوفّق في حبّه لها فتركها  ثم أحبّ بعد ذلك امرأة ألمانية متزوجة لكنه ولم يتزوجها فعاش حياته دون زواج ، وعرف مجالس  الطرب والشراب واللهو مما أثر في شاعريته الفياضة و كان شعره صدى لتجاربه في حياته الصاخبة  يقول :.
صاحَ بالشَّمْسِ: لا يَرُعْكِ عذابي     
                                         فاسْكبي النَّارَ في دمي وأريقي
نارُكِ المشتهاةُ أندى على القَلْ
                                         بِ وأحنى منَ  الفؤادِ  الشَّفِيقِ
فخذي الجسمَ حفنةً من رمادٍ   
                                         وخذي الروحَ شعلةً من حريقِ
جُنَّ قلبي فما يُرى دَمُهُ القا    
                                        ني على خنجرِ القضاءِ الَّرقِيقِ!
     كان كثير السفر إلى أوربا،بعد سفرته الاولى التي تحدثت عنها  في رحلاته الصيفية التي بدأت منذ سنة\ 1938، فزار عدداً من بلدان أوربا وبدأها بفرنسا  فأحدثت زياراته إلى تلك البلاد انقلاباً كبيرا في نفسيته، وتفتحت أمامه  افاق ثقافية ادبية و شعرية جديدة، فلما زارمدينة فينسيا (البندقية) في صيف 1938، حضرالاحتفال السنوي فيها نظم قصيدته (أغنية الجندول)التي غنّاها موسيقلر  العرب محمد عبد الوهاب، فنالت شهرة  شهرة واسعة ومطلعها :
أين من عينيّ هاتيك ألمجالي
                                    يا عروس البحر يا حلم الخيــــال   
      وفي وفي نهاية صيف عام \1949 أُصيب  بشلل نصفّي مفاجىء وصعب ، فدخل إلى المستشفى في القاهرة، ولما أخبره  الطبيب  بعدم مقدرته السير وأنه لا يستطيع العودة  إلى  بيته ارتدى ملابسه، وحاول الخروج  فعاجلته المنية قبل أن يتخطّى باب المستشفى فوقع ميتا في باب المستشفى وكان ذلك في اليوم السابع من نوفمبر( تشرين الثاني)   1949
 ودفن في مسقط راسه  بمدينة المنصورة .
     ترك لنا الشاعر علي محمود طه المهندس العديد من المجاميع الشعرية الطافحة  بالقصائد الرومانسية  الرائعة  وهي كما يلي :
الملاح التائه   
ميلاد الشاعر
الوحي الخالد
ليالي الملاح التائه     
أرواح وأشباح    
شرق وغرب 
زهر وخمر     
أغنية الرياح الأربع – مسرحية شعرية       
الشوق العائد  
 رثا ئيات 
أرواح شاردة – كتاب في النثر
 و طبع في بيروت ديوانه كاملا  وضم كل هذه المجموعات الشعرية التي اصدرها  .
           ترك الشاعراثرا واسعا على الشعراء الذين جاءوا بعده  وقد كتب في جميع الأغراض الشعرية وفنون الشعرالمختلفة  كالغزل والرثاء والمدح والفلسفة والحكمة والوصف والتأمل. وتنوعت قوافيه وفنونه، ويمتاز شعره بالصور الشعرية الحسية التي رسمها في قصائده من خلال النزعة الرومانسية التي بدت غامرة والتي كانت صدى لرغباته واهتماماته .
       واشتهر بقصائده الوطنية التي تكشف عمق التصاقه بوطنه وحبه له  في وقت نهضت فيه الامة العربية من سباتها وكانت في بداية  نهضتها ولا يزال الاستعمارالاجنبي جاثما على ارضها ومقتطعا بعض اجزائها كفلسطين  فكانت هذه القصائد مشاعل من نور ونار يقول :

اخي  جاوز الظالمون المدى
                                           فحق الجها  د  وحق  الفدا
 
اتركهم يغصبون العروبة
                                              مجد  الابوة   والسؤدد ا

وليسوا بغير صليل  السيوف
                                          يجيبون  صوتا لنا  او  صدى

 فجرد حسامك من غمده
                                          فليس   له  بعد    ان   يغمد ا  

 اخي ايها العربي الابي
                                       اري اليوم موعدنا  لا     غدا 

اخي اقبل الشرق في امة
                                         ترد الضلال  وتحي  الهد ى

اخي ان في القدس  اختا لنا
                                      اعد  لها   الذابحون     المدى

صبرنا على غدرهم قادرين
                                         وكنا   لهم     قدرا   مرصدا

 اخي قم الى قبلة  المشرقين
                                       لنحمي   الكنيسة    والمسجدا

 يسوع الشهيد على ارضها
                                            يعانق في   جيشه     احمدا

 اخي ضمئت للقتال السيوف
                                          فاورد  سباها  الدم   المصعدا

ويقول ايضا :
هذي سماؤك أنغامٌ و أضواءُ
                                   غنّاكِ داودُ أم حيّاكِ سَيْناءُ            
أمِ النّبيّونَ قد أَزْجَتْ سفائنَهُم
                                 موعودةٌ من ليالي النّيلِ قَمراءُ  
أم طالعَتْكَ مِن السّحرِ القديمِ رُؤىً
                          وعلى شدو الثّرى و الرّيحُ و الماءُ
أم جاءَ طَيْبةَ من أربابِها نبأٌ
أ                              أ م أنّ كُهّانَها بالوحي قد جاؤوا     
أم سارَ عَمرٌو بِنورِ الفَتحِ فَائْتَلَقَتْ
                                 به زَبَرْجَدةٌ في الشَّطِّ خَضراءُ   
ماجَتْ خمائِلُ بالبشرى و أوديةٌ
                                   فهُنَّ فاكهةٌ تَنْدى و صَهْباءُ
يا مِصرُ، ذلك يومُ المُلْتَقى،
                                    صباحِهِ قَدِمَ الرُّسْلُ الأجلاّءُ
في المناجاة والتامل  يقول :                                     
إذا ما طاف بالشرفةِ ضوءُ القمرِ المُضْنَى
ورفّ عليك مثل الحلم أو إشراقة المعنى
وأنت على فراش الطهر كالزنبقة الوسنى
فضُمِّي جسمك العاري وصوني ذلك الجسم

ومن شعره الغزلي يقول:                                       
حبيبة قلبي نأت  دار ها
                                    و لم تنأ عنّي و عن ناظري      
أرى وجهها مشرقا بالجمال
                                     يطلّ من الشّاطئ الآخر
هو النّهر يفصل ما بيننا
                                     مدلا   بتمساحه  الغادر
نوسّد رملته شاخصا 
                                       إليّ و ما كنت بالخائر
إليها على رغمه فلأخص   
                                         غوارب تيّاره الثائر
إذا ما تقاذفني موجه
                                      و سال على بدني الضّامر
مضيت كأنّي على مائه     
                                      أنيل  الثّرى  قدمي  عابر
لقد حال سابسة ماؤه
                                    بسلطان هذا الهوى السّاحر
و صيّرني سحر هذا الهوى
                                        و بي قوة القادر الظّافر
ألا إنّ سلطان هذي المياه  
                                       ليعنو سلطانها  القاهر
       ومن قصائده المغناة  قصيدة ( كليوباترا) و(اخي جاوز الظالمون المدى) واغنية ( الجندول) التي اختم في  بحثي هذا  وفيها يقول:
أين من عينيّ هاتيك ألمجالي
                                  يا عروس البحر يا حلم الخيــــال
أين عشاقك سمّار الليالــــــي
                                   أين من واديك يا مهد الجمــــــال
موكب الغيد وعيد الكرنفـــــال
                                  وسري الجندول في عرض القـنال

بين كأس يتشهى الكـــــرم خمــــــــره
وحبيب يتمني الكـــــــأس ثغــــــــــره
التقـــت عينــي بــه أولّ مـــــــــــــــرّه
فعرفت الحــب مــن أولّ نظـــــــــــــــره

أين من عينيّ هاتيك ألمجالي
                                يا عروس البحر يا حلم الخيــــــــال               
مرّ بي مستضحكا في قرب ساقي
                                 يمزج الــــراح بأقــــداح رقـــــــاق
قد قصدنــاه علي غيـر اتفـــــاق
                                  فنظرنــــا وابتسمنــا للتلاقــــــــــي
وهو يستهدي علي المفــــرق زهــــــــــره
ويسوى بيد  الفتنــــــة    شـــــــــــــــعره
حين مســت شــفتي أولّ قـــــــــــــــطره
خلتـه ذوّب فــــي كأســــي عــــــــــطره
أين من عيني هاتيك المجالـــي
                               يا عروس البحر يا حلم الخيـــــــــــال
ذهبي الشعر شرقي السمــــات
                                مــرح الأعطاف حلــــو اللفتـــــــــات
كلما قلت له خـذ قال هــــــات
                               يا حبيب الروح يا أنس الحيـــــــــــاة

أنا مــــن ضيع في الأوهـــــام عـــــــــمره
نســــي التاريخ أم أنســــي ذكــــــــــره
غير يوم لـــم يعـــد يذكـــــر غيــــــــره
يوم أنّ قابلتـــــــــه أولّ مـــــــــــــــــرّه
أين من عينيّ هاتيك المجالــي
                               يا عروس البحر يا حلم الخيـــــــــــال
قال من أين وأصغـــي ورنــــا
                                قلت مـن مصـــر غريــب ههنـــــــــــا
قال إن كنت غريبــــا فأنـــــا
                                 لم تكـن فينيسيــــا لـيّ موطنــــــــــــا

أين منــــي الآن أحلام البحيـــــــــــــرة
وسماء كســـــت الشطـــــــآن نــــــضرة
منزلـــي منهــا علــي قمــة صخــــــــرة
ذات عين مــن معـــين المــــــــاء ثـــــــّره

أين من عينيّ هاتيك المجالــي
                                يا عروس البحر يا حلم الخيــــــــــال
قلت والنشوة تسري في لسانـي
                                 هاجت الذكري فأين الهرمـــــــــــــان
أين وادي السحر صداح المغانــي
                               أين مـــــاء النيــل أين الضفتـــــــــــان

آه لو كنـــــت معــــي نختـــال عبـــــــره
بشــــــراع تسبـــــح الأنجـــــــم إثـــــره
حيث يــــروي المـــــوج في أرخـــم نبـــــره
حاـــم ليــــل مـن ليــــالي كليوباتـــــــــره

أين من عينيّ هاتيك المجالـــي
                               يا عروس البحر يا حلم الخيـــــــــــال
أيها الملاح قـف بين الجســـــور
                                فتنــة الدنيـــــا وأحلام الدهــــــــــــور
صفـق المــوج لولدان وحــــــــور
                             يغرقــون الليــل فــي ينبـــوع نـــــــــور

مــا تــري الأغيــــد وضـــــاء الأســـــــره
دق ّ بالســـــــاق وقــــد أسلــــم صــــــدره
لمحـــــب لـــف بالســــاعد خــــــــــصره
ليــــت هـــــذا الليـــــل لا يطلــع فجــــره
أين من عينيّ هاتيك المجالـــي
                             يا عروس البحر يا حلم الخيـــــــــــــــال                
رقـص الجندول كالنجــم الوضيّ
                            فاشــدُ يامـــلاّح بالصـــوت الشجـــــــــــي
وترنـًّم بالنشيــــد الوثنـــــــي
                             هــــذه الليلـــــة حلـــــــم العبقـــــــــــري

شاعـت الفرحــة فيهــــا والمســـــــــــــرّه
وجــلا الحـــــبٌّ علــي العشاق ســـــــرّه
يمنــةً مِـل ْ بــــي علــــي المـــــاء ويســره
إن للجـــــندول تحــــــت الليــل سحــــره

أين يا فينسيا هاتيك المجالــي
                             أين عشـــــــاقك سمّـــــــار الليـــــــــالي
أين من عينيّ يا مهد الجمــــال
                             موكــب الغــــيد وعيــــد الكرنفــــــــــال
             يا عروس البحر يا حلم الخيــــــــــــــال

                                         


                *******************************    





  بدر شاكر السياب




            هو بدر  بن شاكر بن  عبد الجبار بن  مرزوق  السياب وال السياب  من  قبيلة ربيعة العدنانية  وجدهم (سياب ) كان من امراء ربيعة  في ( البصرة )  وهو ماكدته الروايات والمصادر التاريخية المتعلقة بالموضوع وهذه الاسرة انجبت العديد من رجال العلم والادب والسياسة في تاريخ العراق الحديث .

       اما والده  فهو شاكر بن عبدالجبار بن مرزوق السياب، فقد ولد في قرية (بكيع) واكمل دراسته في (المدرسة الرشيدية ) في (أبي الخصيب) في ( البصرة ) أثناء العهد العثماني، وزاول التجارة والأعمال الحرة الا انه خسر في الجميع ثم اصبح وظفا في دائرة (تموين أبي الخصيب) توفي في 7/5/1963. له  ثلاثة أولاد هم :  عبدالله وبدر ومصطفي  وبدر مات قبل والده .
 
      و اما والدته فتدعى كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، وهي ابنة عم ابيه  وقد  توفيت قبله بمدة طويلة، وتركته واخوانه صغارا، مما  حدى بوالده ان يتزوج بامرأة أخرى . 

        ولد الشاعر بدر شاكر السياب بتاريخ \ 25/12/1925 في قرية (جيكور) وهي احدى ثلاث  قرى تقع على نهر ( ابو فلوس ) المتفرع من نهر( شط العرب ) وهي  ( جيكور) و(كوت بازل) و(بكيع )  التابعة  لقضاء (أبي الخصيب) في محافظة البصرة.

     و(جيكور) قرية  يسقيها نهر صغير يسمى( بويب ) كما ذكره الشاعر في قصائده ياخذ ماءه  من شط العرب فيسقي حقولها وبساتينها التي كانت غناء خضراء  فيها من اطايب الفاكهة والنخيل  ويسقي مزارعها الواسعة والكثيرة . 

    توفيت  والدة بدر وتركته واخوته صغارا . فقد حنان الام  فعاش واخوته يتامى الام  وكانت تحنو عليه جدته ام ابيه .

       درس بدر في مدرسة ( باب سليمان )  الابتدائية  في أبي الخصيب
 ثم انتقل إلى مدرسة ( المحمودية)  في مدينة ( ابي الخصيب) وفي هذه المدينة وقرب المدرسة  يوجد بيت فخم  تزينه الشرفات الخشبية المزججة بالزجاج الملون (الشناشيل )  لتكون فيما بعد اسما لمجموعة شعرية له ( شناشيل ابنة الجلبي ) احدى دواوينه الشعرية - والجلبي  هو لقب للأعيان الأثرياء- وفى هذه المدرسة تعلم أن يردد مع أترابه أهزوجة يرددها أبناء الجنوب عند هطول المطر، وقد ضمنها فيما بعد لإحدى قصائده  يقول :
يا مطرا يا حلبي
عبّر بنات الجلبي
يا مطرا يا شاشا
عبر بنات الباشا

      وكانت محبة جدته له ولاخوته تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف والحنان لكنه سرعان ما فقدها فقد توفيت في أيلول\ 1942 ليكتب  في رثائها قصيدة يقول فيها :

جدتي من أبث بعدك شكواي؟
                                                طواني الأسى وقل معيني

أنت يا من فتحت قلبك بالأمس
                                               لحبي أوصدت قبرك دوني

فقليل على أن اذرف الدمع
                                              ويقضى على  طول  أنيني

           وتخرج  من  مدرسة المحمودية في  الاول من تشرين الثاني (أكتوبر ) 1938م. ثم  أكمل الدراسة الثانوية  في البصرة ما بين عامي 1938 و 1943م.  وقد  تغيرت  اوضاعه وكثرت مصاعبه  فقد فقد أمه وخسر أباه و توفت جدته وسلبت منه حبيبته. وهذا كله احتشد في أعماق روحه ليندلع فيما بعد مثل حمم بركانية  او بحر زاخر هائج  تدفق  شعرا ملتهبا  وقصائد من  حنين .

      انتقل إلى  بغداد  فدرس في  دار المعلمين  العالية من عام \ 1943 إلى \1948، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب العربي والإنجليزي بكل تفرعاته وخاصة الشعر .

     تزوج السياب إحدى قريباته، وأحب زوجته وكان لها الزوج المثالي    ، وانجبت منه  ثلاثة اولاد: غيداء وغيلان والاء،  بعدها اصيب  بمرض عضال فكانت له مثال المرأة الحنونة، وتحملت  كل متاعب والأم الحياة، حيث كانت الأيام معه اياما قاسية. تقول عنها زوجته  :

    (عندما تغدو قسوة الأيام ذكريات، تصبح جزءا لا يتجزأ من شعور الإنسان، تترسب في أعماقه طبقة صلبة يكاد يشعر بثقلها إذ ما تزال تشدني ذكرياتي معه كلما قرأت مأساة وسمعت بفاجعة..).

ويكسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر قصيدة لبدر في جريدته( الاتحاد) هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته .
 .
  واسس عندما كان طالبا في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية 1944-1945 مع اخرين جماعةاطلقت على نفسها ( أخوان عبقر)  كانت تقيم المواسم و المهرجانات  الشعرية  فظهرت مواهب للشعراء الشبان، ومن الطبيعي ات يتطرق أولئك إلى أغراض الشعر بحرية وانطلاق و وجد هؤلاء الشباب من عميد  دارالمعلمين  الدكتور متى عقراوي،وهو أول رئيس لجامعة بغداد   و من الأساتذة العراقيين والمصريين تشجيعا .
كان السياب من أعضاء هذه الجماعة البارزين وكانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها.

     وتعرف بدرشاكر السياب على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومـقـهى ا لبلدية و المقهى البرازيلية وكان يرتادها مع مجموعة من الشعراء الاخرين  فشكلوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) منهم بلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين وسليمان العيسى وعبد الوهاب البياتي وغيرهم .


والتقى امرأة فاحبها لكنها لم تبادله الشعوربالحب  فكتب يقول :
    
أبي.. منه جردتني النساء
                                               وأمي.. طواها الردى المعجل                     
                                     
ومالي من الدهر إلا رضاك
                                                فرحماك   فالدهر  لا   يعدل
 .                                            
وكتب لها بعد عشرين عاما- وكانت تكبره عمرا- فقال : 

(وتلك.. لأنها في العمر اكبر
أم لأن الحسن أغراها
بأني غير كفء
خلفتني كلما شرب الندى ورق
وفتح برعم مثلتها وشممت رياها؟ ...
غلام ضاو نحيل كأنه قصبة،
 ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل،
على عنق دقيقة تميل إلى الطول،
 وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان،
 وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله العينين الصغيرين العاديتين
 على جانبيه فم واسع،
 تبز (الضبة) العليا منه
 ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عما اقتساري
 تنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين.)

       وتزداد شـهرة بدر الشاعر النحـيل القادم من أقصى قـرى الجنوب، وكانت الفتيات يستعرن دفتر أشعاره ليقرأنها ، فكان يتمنى أن يكون هو الديوان يقول :
  
ديوان  شعر  ملؤه  غزل
                                           بين  العذارى  بات  ينتقل

أنفاسي  الحرى    تهيم
                                      على صفحاته والحب والأمل

وستلتقي   أنفاسهن  بها
                                       وترف   في   جنباته  القبل

وفى قصيدة أخرى يقول:

يا ليتني    أصبحت    ديواني
                                                   لأفر من  صدر إلى  ثان       
                                        
قد بت من حسد أقول له
                                                   يا ليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوس ولى ثمالتها
                                                     ولك الخلود وأنني فاني؟


     وبعد تخرج السياب وعين مدرسا لكادة اللغة الإنجليزية في ثانوية في مدينة (الرمادي) التي تبعد عن ( بغداد) قربة تسعين كيلومترا وتقع على نهر الفرات غرب العراقلا .الا انه ظل  يرسل قصائده من هناك  إلى الصحف البغدادية تباعا.

    وفى يناير ( مايس) 1949 ألقي عليه القـبض في جـيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد وتم الاستغناء عن خدماته في وزارة المعارف العراقية  رسميا فى25 يناير 1949 وقد افرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع  الا انه  بقي مفصولا من وظيفته ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته  ينشد الراحة من الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن .                  

    وبعد ذلك اخذ  يبحث عن عمل في البصرة لعله يسد حاجته المالية فعين (ذوّاقا ) في شركة التمور في البصرة . ثم عين كاتبا فرشركة النفط في البصرة . وذاق في هذه الاوقات مرارة الفقر شظف العيش والشقاء والظلم  مما حدى بت ان يترك كل اموره ويعود الى بغداد  فيلتقي ببعض اصحابه فيها  ثم عمل  في مخزن  لاحدى شركات تعبيد الطرق في بغداد وكان قد توقف عن قول الشعر ونشره كل هذه الفترة .

      وفي عام 1950  نشر له مجموعته الشعرية الثانية ( اساطير )
 وفي هذه المجموعة  كتب مقدمة لها أوضح فيها مفهومه للشعر الجديد المسمى ( الشعر الحر) الذي يبشر به وبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور و المومس العمياء وغيرها

      ولما اضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 حاول  بدر ان يذهب الى ايران متخفيا  ومنها انتقل الى الكويت  بجوازسفر ايراني باسم ( على ارتنك)  حيث وجد عمل له في شركة  كهرباء الكويت  وكتب كل ذلك في قصيدته ( فرار ) ثم كتب قصيدته ( غريب على الخليج )
يقول فيها :

مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث
في الدروب تحت الشموس الأجنبية
مـتخافق الأطمار
أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل وحمى
ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية
بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أوخطيه
والموت أهون من خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء.. معدنية

       وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر، وفى عام 1950 ينشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من أكرم الوتري مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، وقـد تصدرتها مقدمة لبدر أوضح فيها مفهومه للشعر الجديد الذي يبشر به ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور و المومس العمياء وغيرها .
 . ولم يطل البقاء بالكويت حيث رجع الى بغداد  ليعين  موظفا  في الاستيراد والتصدير.

       وفي عام 1955 عاد الى البصرة ليتزوج  من احدى قريباته  معلمة في احدى  مدارس البصرة . وتم نشر  كتابه ( قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث) له وقد تعرف على مجلة ( شعر ) اللبنانية واخذ ينشر فيها قصائده وترجماته  ثم دعته الصحيفة الى لبنان  فسافر اليها  عام 1957 فيلتقي  بالشعراء والمتاب :أدونيس و أنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه  ويوسف الخال وغيرهم  بعدها  ويعود إلى بغداد أشد ثقة  بشاعريته. واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث كان يشعر وعائلته مصاعب الحياة براتب ضئيل. ويرزق بولده ( غيلان ) ليكتب  قصيدته
( مرحى غيلان ) يقول فيها :

بابا .. بابا ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير
ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير
من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟
وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير
أن أودية العراق
فـتـحت نوافـذ من رؤاك على سهادي
كل واد
وهبته عشتار الأزاهر والثمار
كأن روحي
في تربة الظلماء حبة حنطة
وصداك ماء أعلنت بعثي
يا سماء
هذا خلودي في الحياة
تكن معناه الدماء

       قلت سافرالى لبنان  وفي اثناء وجوده  في لبنان اعلنت مجلة( شعر )عن مسابقة ادبية  فيقدم  ديوانه المخطوط  للسابقة  فيفوز  فيها  لترفع من  شانه  وتقوم  المجلة  بطبع  مجموعته  الفائزة ( انشودة المطر)  
 عاد من لبنان  فعين في الموانئ العراقية في البصرة  ويسكن في دار حكومية تابعة للموانئ  الا انه ظهرت عليه بوادر المرض فاعتلت صحته لتتأثر جراء  ضغط العمل المضني والتوتر النفسي .

      وفي 7 يوليو 1961 رزق بابنة ثانية  ليكون عدد اولاده ثلاثة  الا
ان حالته الصحية ساءت فيه وكذلك أحواله المالية، وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، لكن هذه  جرت عليـه العـديد من الاتهامـات والشكوك ثم تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك  في (مؤتمر للأدب المعاصر) انعقد في( روما) برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة .

    وعاد الى  البصرة منهكا الى الدار التي يقطنها منذ تعين في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض حيث امض فيه  فلم يعد قادرا على المشي بمفرده  ولم  يعد أمامه سوى السفر لغرض العلاج  فعاد إلى بيروت  في أبريل( نيسان ) 1962  وفي الثامن عشر من الشهر ذاته أدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد عدة محاولات فاشلة لتشخيص مرضه ترك المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه وكتب قصيدته (الوصية) مخاطبا فيها زوجته :

يا زوجتي الحبيبه
لا تعذليني، ما المنايا بيدي
ولست، لو نجوت، بالمخلد
كوني لغيلان رضى وطيبه
كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه
   
        وفي عام 1961 حصل على زمالة دراسية في لندن  لدراسة الدكتوراه  في اللغة الانطليزية و كانت وطأة المرض في بدء شدتها على الشاعر، حتى أخذ  يفكر في  أن لابد له من علاج  في لندن  قد يطول. وحصل  لى موقع دراسي في جامعة(درم ) من جامعات شمال إنكلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر إلى إنكلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة درم، وهو شديد القلق   المخاوف على حالته الصحية . درم مدينة جبلية صغيرة، ابتنت شهرتا على وجود جامعة فيها هي من أفضل الجامعات البريطانية.

بيد أنها رغم جمالها الطبيعي، وجمال كلياتها التي يتباهى بعضها بروائع هندستها المعمارية، مدينة يلفها الضباب في معظم أيام السنة، ولقربها من مناجم الفحم المحيط بها من كل صوب، يشتد فيها الضباب قتاما أيام الخريف و الشتاء لدرجة الكآبة . فأقام فيها بضعة أيام كانت له أيام خيبة ومرارة، كتب في كل يوم منها.

        ولم يستطع أن ير أحدا، ولم يره أحد. فعاد إلى مستشفي في لندن، حيث نظم شعرا كثيرا يحمل بعض ما أحس به من كآبة في تلك المدينة الصغيرة التي لم تتح له أن يرى فيها شيئا من فتنة كان يتوقعها .

        وفي السنتين الاخيرتين  ساءت حالته الصحية  ولم يعد بمقدوره تحمل المرض فنقل الى الكويت  ليدخل المستشفى في الكويت ثم يتوفاه الموت فيها. واخر قصيدة كتبها فيقول :

يا أم غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره

نحو الخليج. تصوريني اقطع الظلماء وحدي

لولاك ما رمت الحياة، ولا حننت إلى الديار

حببت لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار

لم توصدين الباب دوني؟ يا لجواب القفار

وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار

والباب أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصد....

ثم ينهي بدر القصيدة بنغمة عاطفية فيقول :-

إقبال مدي لي يديك من الدجى و من الفلاه
                                   جسي جراحي و امسحيها بالمحبة و الحنان

بك أفكر لا بنفسي : مات  حبك  في   ضحاه
                              وطوى الزمان بساط عرسك و الصبى في عنفوان

       توفي الشاعر بدر شاكرالسياب  في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر كانون الاول (ديسمبر)  من عام 1964  بالمستشفى الأميري في الكويت، عن عمر  يناهز \ 38 عاما  ونقل جثمانه إلى البصرة حيث  دفن في مقبرة الحسن البصري في مدينة ( الزبير) من اعمال  ( البصرة ).

        ترك بدر شاكرالسياب مجموعة من الدواوين الشعرية وبعض الكتب التي ترجمها لقصائد لشعراء غربيين  ومنها الكتب التالية:

الكتب الشعرية

   أزهار ذابلة-
 أساطـير-
 .حفار القبور-
 المومس العمياء-
 -الأسلحة والأطفال
 أنشودة المطر-
 .-المعبد الغريق
 .منزل الأقنان-
 -أزهار وأساطير
 شناشيل ابنة الجلبي-
-اقبال
 .قيثارة الريح -
  أعاصير 
 الهدايا     -
- البواكير 
-  فجر  الاسلام

اما كتبه الترجمة

 عيون إلزا أو الحب والحرب   
 قصائد عن العصر الذري      تاريخ
 قصائد مختارة من الشعر العالمي        
    اتسم شعره في الفترة الأولى بالرومانسية وبدا تأثره بجيل علي محمود طه من خلال تشكيل القصيد العمودي وتنويع القافية ذلك واضحا في ديوانه أعاصير الذي حافظ فيه السياب على الشكل العمودي وبدأ فيه اهتمامه بقضايا الانسانية وقد تواصل هذا النفس مع مزجه يثقافته الإنجليزية متأثرا بإليوت وظهرت محاولاته الأولى في الشعر الحر وقيل  ان قصيدته (هل كان حبا ) كانت نقطة التحول الى  الشكل الجديد في الشعر (الشعرالحر ).وفي أول الخمسينات كرس السياب كل شعره لهذا النمط الجديد واتخذ المطولات الشعرية وسيلة لقول الشعر الحر  وصار هو الشكل الأكثر ملائمة لشعراء الأجيال الصاعدة وأخذ السياب موقع الريادة بفضل تدفقه الشعري وتمكنه من جميع الأغراض وكذلك للنفس الأسطوري الذي أدخله على الشعر العربي بإيقاظ أساطير بابل واليونان القديمة كما صنع رموزا خاصة بشعره مثل المطر، تموز، عشتار، جيكور قريته التي خلدها. وتخللت سنوات الشهرة صراعات السياب مع المرض ولكن لم تنقص مردوديته الشعرية وبدأت ملامح  جديدة تظهر في شعره وتغيرت  رموزه من  تموز ثم توغل السياب  في ذكرياته الخاصة  وصار شعره ملتصقا بسيرته الذاتية هذه الفترة الأخيرة من حياته كثيرا للتداوي والعلاج  وكذلك لحضور بعض المؤتمرات الأدبية وكتب في  رحلاته هذه بوفرة ربما لاحساسه الدفين باقتراب النهاية.
: واختم  بحثي بهذه الابيات من شعره
       عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
                                         أو شُرْفَتَان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
                                       وترقص الأضواء كالأقمار في نهر   
                    يَرُجّه المجذّاف وَهْناً ساعةَ السحر
وتبلغ القصيدة ذورتها في قوله:
 أتعلمين أي حزن  يبعث  المطر
                                           وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر  
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع
                                        بلا انتهاء ـ كالدم المراق، كالجياع
               كالحب، كالأطفال كالموتى ـ هو المطر
`
                    **************************



الشاعر حسين مردان



        ولد الشاعر حسين مردان في قضاء ( طويريج )  وطويريج كانت ناحية تابعة لقضاء الهندية  من اعمال محافظة ( واسط ) الواقعة في وسط العراق في عام\ 1927 ميلادية . ولد لابوين معدمين فقيرين  كان ابوه قد التحق  بالشرطة العراقية  وترفع حتى وصل الى رتبة  عريف شرطة  وعاش في مدينته الى ان نقل والده الى  محافظة ديالى  فانتقل الى قضاء  الخالص  وسكن في قرية صغيرة تسمى ( جديدة الشط ) لقربها من نهر دجلة  فاستقر بها هو وعائلته  وفي هذه القرية الصغيرة  نشأ الشاعر حسين مردان  وترعرع ودرس  فاكمل دراسته الابتدائية  وفي قضاء الخالص القريب منها اكمل دراسته المتوسطة والاعدادية  ثم انتقل الى بغداد  لاكمال دراسته الجامعية  .

  انتقل الشاعر  كليا الى بغداد بعد ذلك عام \1947 ميلادية  لمارسة الاعمال الاعتيادية فيها وكسب  رزقه  فاشتغل  بالصحافة والعمل السياسي  في ظل الملكية العراقية  وكانت نفسه طموحة واسعة الطموح   فتمرد على واقعه وواقع سياسة البلد  الملكية  مما قاده عمله هذا الى ترك الدراسة وانشغاله بمهموم نفسه وبلده  وارتبط بالعمل الوطني  للقضاء على الاستعمار الانكليزي المحتل لبلده  فادى ذلك  الى اعتقاله وسجنه في عام \1952 ميلادية  لموقفه  الوطني .
     يقول في سجنه  :

لا لن اتوب
وهل يتوب مفكرُ
حر على قول الحقيقة مجبرُ
هبني سجنت فلست أول ثائر
يرمى باعماق السجون ويقبرُ
هبني شنقت فلست اول مصلح
اودت بفكرته حبال تذعرُ
اني لالعن من يعيش ببلده
يعلو الغبي بها ولا يتفجرُ

        عاش حسين مردان في  فاقة مع ابناء عصره حياة مليئة بالفاقة والحاجة والحرمان  وعسر الحال  الا انه كان يحمل نفسا   تواقة  مبدعة  غنيّة  بالفن  والأدب والجمال والعفويّة   وقد اتخذ من ( مقبرة الانكليز ) في بغداد  مكانا  ياوي اليه في اوقات راحته  لانه كان لا يمتلك حتى ايجار سكن له  في فندق او غرفة فيه او بيت فكان كثيرا من الليالي  ياوي اليها لينام فيها ..

           وكثيرا ما كان يتخذ من هذه المقبرة مكانا يأوي اليه وكثيرا ما نام فيها لياليه فلم تكن الفاقة تسمح له أن يستأجر مكانا يأويه ورغم محاولة الشاعر أن يصمد بابتسامته ولا مبالاته بوجه هذا الفقر والفاقة إلاّ إنّ قسوتهما عليه كانت ظاهرة واضحة وجليّة حتى في شعره  فكان العديد من قصائد ه التي كان كتبها قد  سرى في جسدها الاحباط  وخاصة تلك التي كان يسعى من خلالها إلى تعرية من كان سببا فيهما حتى يصل فيما يكتب إلى تعرية انظمة الحكم التي كانت تسود البلاد آنذاك وقسوته على المناضلين ضد الاستعمار الانكليزي  يقول في احدى قصائده :

أنا لا أبحث عن الحبَ
لأني لا أعرف الربيع
أعرف الجوع
الجوع الذي يلتصق بنفسي
والجوع الذي يعيش في معدتي
والجوع الذي يدور في رأسي

        احب حسين مردان  المرأة وتغنى لها  فهي تمثل الحياة الجميلة الرائعة   وكان يراها تكمن  فيها ثورة  قد تتفجر لتتحول الى بركان  كبير  نتيجة ما تعانيه  من ياس وحرمان يقول :

أنا لم أر براكانآ يتفجر أشد مما يتفجر به صدر امرأة..

 ويقول ايضا فيها :

ضقت بالارض والسماء فثوري
                                                     يابراكين نقمتي وشروري

وإشربي كل ما تبقى بكأسي
                                                       يا ليال من شراب طهور

وإخنقي كل نغمة في فؤادي
                                                 واستبدي بما يحوك غروري

وأملئي كل فجوة من خلايا
                                                     عقلي الفذ بالفناء المرير

وإرضعي كل قطرة من شبابي
                                               وإقتلي كل نبضه من شعوري

وإرقصي رقصه البلى فوق حلم
                                                   شاخ يأسآ في مقلة الديدور

ما حياتي ولم أجد في حياتي
                                               غير حزن يذيب صم الصخور

ما حياتي وفجر عمري ولى
                                              وكوت صفرت الذبول زهوري

ياليالي لم أعد اتشهى
                                                     كل ثغر مضمخ بالعطور

كرهت نفسي الوجود وملت
                                            عشرة الارض في ظلال الفجور

أنا من جف كأسه في يدية
                                                 وهو ما زال ظامئآ للخمور

ياليالي لم أكن غير خط
                                               أسود اللون في جبين الدهور

فأمسحي ظله الكرية ليفنى
                                            عطر ذكراي في بطون العصور


ويخاطبها  عن حلم المستقبل فيقول :

أطفالنا ...
 هل تفهمين سيضحكون
أذ يبصرون الموت في صمت القبور
وسيصعدون الى النجوم
ويهبطون مع المطر
ويزرعون الورد في ارض القمر
وبعينيك الزرقاء دود
وفمي يموج به الصديد
والارض ويحك
نفس هذه الارض غرقى بالهنا
فلقد مضى عنها الشقاء
ليس فيها عبيد

      في هذه الاونة  قد سادت العالم الغربي وانتشرت  حركة تدعى( الوجودية ) مؤسسها الاديب و الشاعر الفرنسي( سارتر ) وكانت قد غزت العالم العربي  فانتسب لها الشباب  ومنهم حسين مردان بنفسه المتمردة .

        تأثر حسين مردان تأثرا كبيرا بالوجوديّة من خلال ايمانه ب (سارتر) وما قرأه لسارتر .

    ( والوجودية تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم، ونظرا لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار. وتكرس الوجودية التركيز على مفهوم أن الإنسان كفرد يقوم بتكوين جوهر ومعنى لحياته. ظهرت كحركة ادبية وفلسفية في القرن العشرين، على الرغم من وجود من كتب عنها في حقب سابقة. فالوجودية توضح أن غياب التأثير المباشر لقوة خارجية ( الإله ) يعني بأن الفرد حر بالكامل ولهذا السبب هو مسؤول عن افعاله الحرة. والإنسان هو من يختار ويقوم بتكوين معتقداته والمسؤولية الفردية خارجاً عن اي نظام مسبق. وهذه الطريقة الفردية للتعبير عن الوجود هي الطريقة الوحيدة  للنهوض  فوق الحالة المفتقرة للمعنى المقنع  ).

     وحيث كانت الوجوديّة في تلك الفترة من الزمن محطّ اهتمام الكثيرين من النخب المثقفة في العراق إيمانا منهم بأنها ليست فلسفة اباحية وضيعة قدر ما أنها مرحلة فكرية تسعى إلى تحرير  العقل البشري من القيود والتقاليد بما يتناسب مع تطور الفكر البشري. تعمل على الارتقاء بالإنسان الى درجة تجعله يكون مسؤولا عن اخطائه لوحده دون أن يجد لها ما يعلقها عليه . يقول الشاعر :

أدوس على الوجود وساكنيهِ

وأبصق فوق سكّان القبورِ

واُقسم لو رأيت " الله " يوما

صرختُ  بوجهه بيدي مصيري

أساطيرٌ ملفقة  ودنيا

يكبّلها الزنا أبد العصور

دعيني أعبد الشيطان وحدي

وأعبث في الحياة بلا ضميرِ

فلست بمدع شرفا كبيرا

إذا فاخرتُ بالشرف الكبيرِ

فأنت وكلّ أهل الأرضِ  طُراً

جراثيمٌ  تعيش على البثورِ

أأزعم أنني رجلٌ  شريفٌ

وروح " أبيك " في دميَ  الحقيرِ

رويدك كلنا جيَـفٌ ولكنْ

أراكَ  شبعتَ  من عطرِ البخورِ 

        ومن هنا تظهر علامات اضطراب على من يؤمن بالوجوديّة في مجتمع تسوده الأعراف والتقاليد .مجتمع متديّن بدين يعتبر الوجوديّة كفرا وإلحادا.
      وكان حسين مردان ممن ظهرت عليهم علامات هذا الاضطراب المتمثل بالوهن  بين الشك واليقين. فكانت كثيرة قصائده التي زخرت بالتساؤلات والحيرة  .

       فظهرت علامات الاضطراب لايمانه بالوجوديّة في مجتمع تسوده الأعراف والتقاليد . هذا المجتمع العراقي المجتمع المتديّن بدين الاسلام  والذي اعتبر الوجوديّة كفرا وإلحادا.

      وكان حسين مردان ممن ظهرت عليهم علامات هذا الاضطراب  بين الشك واليقينحتى في قصائده فكانت كثيرة قصائده التي زخرت بالتساؤلات الحيرى يقول :

  كل ما في الكون شيءٌ تافهٌ
كل ما في الكون لايعجبني
أنا في ذاتي  سر  مغلقٌ
لا أرى في الناس من يفهمني
أنا شيء  أنا لاشيء  أنا
صرخة الأرض بناي الزمنِ
بعت للشيطان روحي ، فالذي
لم يرَ الشيطان لايعرفني
مات في اعماقيَ اللهُ  فلا
أعرف الخير ولايعرفني
فاترع الكأس فقد لانلتقي
في غد ! فاشرب وغنِّ  ، واسقني
كلما فكرت بالدنيا وما
مر بي من عابسات الزمنِ
لاح لي خلف ابتسامات المنى
شبح القبر ولون الكفنِ

 
      انعكست كل هذه الظروف على الشاعر حسين مردان فاردته قتيلا  دون زواج او ولد  يحنو  عليه  فانطفأ  نور حياته .

        فقد  توفاه  الاجل  وودّع الحياة فجر الأربعاء 4 أكتوبر- تشرين الاول 1972  بسبب احتشاء العضلة القلبية مع ارتجاف البطين، فتوفاه  الاجل في مستشفى (مدينة الطب)  ببغداد.

حسين مردان شاعر مجيد  له  العديد من الدواوين الشعرية  فقد ترك لنا ثروة شعرية  وادبية جيدة  ومن مؤلفاته ودواوينه الشعرية مايلي  :

قصائد عارية
اللحن الأسود
صور مرعبة
الربيع والجوع
مقالات في النقد الادبي
أغصان الحديد
الأزهار تورق داخل الصاعقة

         تميّز حسين مردان عمّن سواه من شعراء عصره بصراحته العميقة مع ذاته وحتى مع قرائه رغم كثرتهم وكان أغلبهم من المثقفين .
فقد كتب لقرائه في مقدمة ديوانه (قصائد عارية ) :

(ثق ايها القارئ المحترم انك لا تفضلني على الرغم من قذارتي وانحطاطي وتفسخي إلا بشيء واحد ، هو  أني احيا عاريا بينما تحيا ساترا  ذاتك بألف قناع ، فنصيحة مني ان لا تقدم على قراءة هذا الديوان اذا كنت تخشى حقيقتك وتخاف رؤية الحيوان الرابض في اعماقك).

       وكتب الشعر المنثور بطريقة متمردة على كلّ طرائق من سواه . وقد أفلح في ذلك حتى أعتبر مجددا في هذا المجال . فقد كانت قصائده حافلة بالمفارقات والصور المتضادة التي خلق منها ما يستعيض به عن موسيقى الشعر الكلاسيكي .

 واختم بحثي  بهذه القصيدة من الشعرالمنثور :

فوق المصباح الشاحب.
كان يقف العصفور الأسود.
إن البحر وراء الشارع.
قف..
واجتاحني الرعب.
من أي جانب يقبل هذا
الصوت!
ونظرت إلى الليل.
إلى عروقه المنتفخة بالظلمة.
أين كنت قبل الآن!
وشعرت بنسمة باردة
كحد الموسى.
ارجع. أيها الشبح.
ومرّت سيّارة إسعاف
مسرعة، ثم اختفت.
وعاد الصمت إلى الأفق.
أنا لا أعرف المكان الذي
أسير إليه.
لقد قال.. أيّها الشبح!!
ولكني لم أمت.
وتقدمت خطوة أخرى
وخيّل إليّ أنّ لقدمي رنّة
الطبل.
ألا تكتفي بالموت مرة واحدة!
إن الأشباح تموت أيضا.
آه..
ورأيت العصفور يرفرف
بجناحيه
إنه يحلّق في الفضاء.
ويقترب من وجهي.
هل هو..
لقد كان يحمل وجهي.
لماذا تريد أن تعرف
الحقيقة.. هه.
يا لك من أعمى.
سينتهي الشارع، ولم يبق
غير البحر.
وفجأة انطفأ المصباح
وارتفع غناء خافت.
الماء يخاطب الشاعر،
يطلبه،
يتمنى جسده الذابل.
وترنحت.
تلك هي جثتي مطروحة
على الرصيف.
وانبثق حولي الضجيج.
من الذي جاء به إلى هذه
الأرض؟
اذهبوا به إلى الأعلى،
إنه ثمل.
وصرخت بغضب هائل،
أنا مخدّر بالحب.
وزحفت إلى الأمام.
لقد اشتعل المصباح.
واختفى الطائر.
ثم..
ثم وصلت إلى البحر.





                     ***********************

  







محمد  عزيز اباظة

      محمد عزيز باشا  اباضة من الأسرة الأباظية المصرية المعروفة   و الشائع عائلة من اصول شركسية تركية شركسية، وفي رواية اخرى  انها تنتسب الى قبيلة (العايد) من ( غطفان ) من اليمن  من قبيلة ( جذام ) القحطانية  اليمانية  ومي من اكبر قبائل دلتا النيل في مصر.و قد أكتسبت عائلة أباظة هذا اللقب من جنسية أمهم زوجة الشيخ العايد التي كانت من إقليم أباظيا (أبخازيا)
      ولد محمد عزيز اباظة سنة 1899 ب(منيا القمح) من (محافظة الشرقية) عام وتلقى تعليمه الابتدائي في المدرسة الناصرية الابتدائية، وأكمل دراسته في كلية فيكتوريا في (الإسكندرية) ثم المدرسة التوفيقية بشبرا ثم المدرسة السعيدية. درس القانون بجامعة القاهرة – كلية الحقوق بمدينة (القاهرة )  وتخرج منها وتدرب على مهنة المحاماة في مكتب (وهيب دوس بك المحامي )لمدة عامين، ثم التحق بالحكومة وشغل عدة مناصب فيها فعمل مساعداً للنيابة فوكيلاً للنيابة في مديرية الغربية. ثم فاز بعضوية مجلس النواب ، عاد بعدها ليتولى عدة مناصب إدارية منها وكيلاً لمديرية (الغربية )ثم مديراً لمدينة (البحيرة ) ثم ( القليوبية ) ثم مديراً لمدينة (الفيوم ) ، ثم عين محافظاً لمدينة (بورسعيد) وحاكماً عسكرياً ، ومنها مديراً لاسيوط  و نال رتبة(باشا ) و أثناء خدمته في( أسيوط،)  . وعندما كانت الحركة الوطنية العربية تتصاعد ضد فرنسا وإنجلترا ، وكان الصراع الداخلي في مصر على أشده بين حزب الوفد بزعامة (النحاس باشا )من جانب وبين القصر الخديوي وأحزاب الأقلية من جانب أخر وقد لزم  (شاعرنا  ) جانب  حزب الوفد ورئيسه النحاس  وكان يخطب  بالجماهير  في مدينة ( اسيوط) يخطب فيها بعباراته البليغة وأبياته الشعرية .
     وكان رحيل زوجته ـ إبنة عمه ، في 29 يونيو عام 1942. التي  رثاها  اروع رثاء اثرا بالغا في حياته  فقد انشأ ديوانا شعريا كاملا  في حقها  اسماه ( انات حائرة).نشره قصائد متفرقة في الصحف والمجلات  و نشرته ابنته (عفاف ) بعد وفاته  .
      وقد وضع تقرير حصوله على جائزة الدولة التقديرية عام 1965 هذا الديوان في طليعة أعماله إلى جانب ما أنتجه من الشعر الغنائي الرفيع وفي طليعته (أنات حائرة)الذي يضم نخبة من القصائد الرائعة التي أوحت بها مناسبة فاجعة وفاة زوجته ، وكان لصدوره في نفوس القراء وعند الشعراء والنقاد صدى بعيد. حتى عندما  كان مديرا لبورسعيد والحرب العالمية في عنفوانها وقنابل المحور تتساقط على المدينة من كل جانب كان يخلو لنفسه ويكتب في رثاء زوجته ربة الشعر عنده فأصبحت هذه القصيدة في الغناء قصيدة تتكلم عن شط النيل وهمسات الماء ولقاء الحبيبين على ضفاف النيل الخالد ، يقول عزيز أباظة:
يا منية النفس ما نفسي بناجيةٍ
وقد عصفْتِ بها نأْيًا وهجرانا
أضنيْتِ أسوان ما ترقى مدامعه
وهجْتِ فوق حشايا السهد حيرانا
يبيت يودع سمع الليل عاطفة
ضاق النهار بها ستْرًا وكتمانا
هل تذكرين بشط النيل مجلسنا
نشكو هوانا فنفنى فيه شكاوانا
تنساب في همسات الماء أنّتُنا
وتستثير شجون النهر نجوانا
وحولنا الليل، يطوي في غلائله
وتحت أعطافه نشوى ونشوانا
لم يشهد الراصد الفضيُّ قبلهما
إلفيْن ذابا تباريحاً وأشجانا
نكاد من بهجة اللقيا ونشوتها
نرى الدُّنا أيْكةً، والدهر بستانا
ونحسبُ الكون عُشَّ اثنين يجمعنا
والماء صهباءَ، والأنسام ألحانا
لم نعتنق والهوى يغري جوانحَنا
وكم تعانق روحانا وقلبانا
نُغضي حياءً، ونُغضي عفّةً  وتُقىً،
إن الحياء سياجُ الحبِّ مذ كانا
ثم انثنيْنا، ومازال الغليل لظًى
والوجدُ محتدمًا، والشوقُ ظمآنا
         ثم عين عضواً في مجلس الشيوخ عام\ 1947. واختير عضواً بمجمع اللغة  العربية ورئيساً للجنة الشعرالعربية في القاهرة سنة \ 1959  ثم عين عضوا بالمجلس العلمي العراقي سنة \1965ونال جائزة  الدولة التقديرية  في الاداب  .
    وقد  آثر الإنزواء والإنطواء زمنا طويلا ، فظهر للناس  حتى انهم يرون عزيز أباظة المدير في احدى مديريات القطر المصري  شاعرا كبيرا ، ولم يك لهم عهد أن يروا مديرا شاعرا كبيرا كأنما الشعر حرام على الإدارة والمديرين ، وما بالهم وقد كان مديرا لل(قليوبية) فمديرا ل(المنيا) فحاكما عسكريا لمنطقة (القناة )، ومديرا لعاصمة الصعيد (أسيوط) !
        و(أسيوط ) مدينة محافظة ينصرف أهلها إلى شؤونهم وتنمية أنفسهم وبيوتهم وأولادهم وأموالهم ، يجعلون بينهم وبين حكام إقليمهم أو المشهرين الوافدين عليهم مسافة في العلاقة معهم ، يقبلون بالمحبة على كل من يأنسون إليه ويأنس إليهم ويرون فيه البذل والعطاء دون نفس شخصي فقد احسنوا وفادة  مدير  اقليمهم عزيز أباظة  لأنه أحسن التعامل معهم . فقد، ذهب إلى( أسيوط) في أواخر عام 1942 وبقي هناك ثلاثة أعوام ، أحب أهل أسيوط وأحبوه وكان كلمته  الحلوة تسبق لسانه. هذه سمة تأسر قلوب أهل الصعيد ، كان مهيب الطلعة فارع الطول أنيق الملبس وعلى وجهه جمال وجلال ، وهذه صفات لها قدرها للحاكم مع شعبه ،فقد كان  يذهب إلى مكتبه مبكرا في الصباح يباشر أعماله دون تفرقة بين الوافدين عليه ، وبعد العصر يذهب إلى نادي البلدية يجلس بين رواده ولا بأس من الإستماع إلى أحوال البلد ممن يترددون على النادي. وفي التاسعة مساء يعود إلى بيته ،حتى انهم قالوا أسعد أيام ( أسيوط )كانت في عهد عزيز أباظة.
     قيل قرض الشعر وهو في العاشرة من عمره ، وطوال عمله بالإدارة إستطاع ان يجمع  بين الإدارة والإبداع ، أحيانا كان يعطي للإدارة ما للإدارة ، ويعطي للشعر ما للشعر، حتى كانت القارعة عليه وفاة زوجته الحبيبة إلى قلبه وروحه ، فإنبعثت ملكته الشاعرة بتلك (الأنات الحائرة)
     وإذا الناس يلتفتون إلى هذا الزوج المثكول المكلوم ، وإذا هو أعظم من زوج ، وأعظم من أخ ورفيق ، ولم يكن من المألوف عندهم أن يسمعوا أو يقرأوا لشاعر يرثي زوجته هذا الرثاء  البليغ وبهذا الكم الكثيرمن الشعر
 وعندما توفي (جمال عبد النصر  رثاه  فقال:
النكسة الكبرى حملت لواءها
كالقائد   المغوار  عاد    مظفرا
ستون ألفاً - ليتني كنت الفدا
على أشلائهم  تمشي  متبخترا
يا ويح مصر وقد مشيت بروضها
فمحوت يابس أرضها والأخضرا
وياويح التاريخ كيف تفتح صفحاته
لتكون      أنت   فيها   أسطرا
حطمت أقدار الرجال بخسة
وجعلتهم سلعا تباع وتشترى 
      محمد عزيز اباظة لم يكن يكتب في غرفة  خاصة أو على مكتب إنما كان يكتب على ركبتيه وهو بملابس البيت ، وعكف في أيامه الاخيرة مع صديقه (أنور أحمد) على جمع ما تفرق من قصائده وشعره  فجمعا ديوانا صدر بعد رحيله ، وآخر بيت من الشعر له وهو مريضبالذبحة القلبية:
 يا منى النفس لا أقول من
                                      القلب قلبي فديتك نفسي ذبيح
       توفي الشاعر محمد عزيز اباظة في الثالث من آب ( اغسطس) من عام 1973
      ترك لنا عزيز اباظة  بعد وفاته اثارا  ادبية شعرية ونثرية ومسرحيات  كثيرة نذكر منها مايلي :
من اشرقات السيرة النبوية  - بصياغة شعرية)
ديوان عزيز أباظة، وضم أربعة دواوين في العاطفة والقومية والرثاء وقصائد أخرى  وصدر بعد وفاته
ديوان ( اشعار لم تنشر )  جمعه مع صديقه  انور احمد ونشر بعد وفاته
ديوان (أنات حائرة ) في رثاء زوجته  ونشرته ابنته عفاف اباظة
 إما مسرحياته ::
قيس ولبنى -.
العباسة -.
الناصر.
شجرة الدر -.
غروب الأندلس -.
شهريار -.
أوراق الخريف.
القيصر.
زهرة -    
       محمد عزيز اباظة شاعر مجيد في القصيدة الشعرية والمسرحية الشعرية ويعد  رائد المسرحية العربية  اتسم أسلوبه بالجزالة والقوة والفخامة وشعره بالغنائية ،هذه الغنائية المتدفقة، وجمال التقطيع، والفواصل التي تشكل وقفات نفسية وإيقاعية، هي خصائص شعر عزيز أباظة العاطفي، وبعض سمات شعره في التأملات والرحلات والبكائيات والوطنيات، وشعر التجليات والرؤى الروحية والكونية. وتنساب موسيقاه هادئة ناعمة، كأنها تلامس العمق النفسي ، فتحدث تأثيرها يدغدغ الحواسّ، فتنشر عطرها الفوّاح في كلِّ زاوية وموضع، وكأنها موسيقى تُلمس وتضُمّ، و تساوق حياة شعرية مفعمة، وتنطق بها لغة شعرية مُحكمة، عامرة بالبيان الساطع والصياغة الجزالة والأداء المحكم يقول في قصيدته( كيف ادعوك ):
          كيف أدعوكِ لا أقول منى النَّفْـ
سِ، ونعْماءَها، فإنكِ نفسي  نفسي
          وأنا أنتِ، إنّ روُحيَ في رُوحِـ
ـكِ تفنى، وإن حِسَّكِ حِسِّي
          ما خلوْنا إلا تساءلْتُ هل هَمْـ
   ـسُكِ هذا القدسيُّ أم هو همْسي
          لفَّ أعراقَنا الهوى، وطوانا
فأمِنّا      سُعارَ   جِنْسٍ   لجِنْسِ
          حسْبيَ النظرةُ الشهيةُ، تُلقى
لُمَعَ  النور في  غياهبِ  يأسي
   وحديث كأنه من صلاة الـ
ـلهِ  ذو طابَعٍ   وعَرْفٍ   وجَرْسِ
          أتراءاكِ والدُّجى مُسْبَلُ السِّتْـ
ـرِ، على الكونِ مُستسرُّ الجفونِ
          في زُها البدر، في حياء الثريّا
في صلاة الأطيار فوق الغُصونِ
          في سقيط النّدى يُطلُّ به النَّبْـ
ـتُ، فَيروي عن سرِّه المكنونِ
          نور عيني، مذ وادع الدمعُ عيني
 كنتِ    برْدا  ً لقلبيَ   المحزونِ
ثم كُنتِ الحياةَ حاليةَ الأَفْـن
  وافِ ريّا الأعطافِ شتَّى الفنون
قِبلتي أنتِ حيث أضربُ في الأر
ـضِ، فصوني أمانتي واذكريني
  ويقول عنه الاديب عباس محمود العقاد  في تقديمه له في حفل الإستقبال الذي أقامه مجمع اللغة العربية عام 1959:
(إهتم بالقدرة ولم يهتم بالتقدير ، فلم يعرف الراصدون هذا الكوكب إلا وهو في برجه الأسمى قد جاوز جانبي الأفق وصعد في سمت السماء).
      ويقول عنه الأديب طاهر الطناحي في كتابه (حديث الأدباء):
  (ذلك هو عزيز أباظة: بلبل من بلابل الأشعار ، وكناري من نوابغ الكناري وتحري اللسان ، مبعد الغناء والألحان ، تتبارى في شعره الأنغام والأناشيد ، فلست تعرف أيها النشيد ، وأيها القصيد؟ .. وهل تغريده بكاء أن بكاؤه تغريد؟ هو ساجع صداح ، يؤثر الليل كما يؤثره هذا الطائر الجميل ، فلا تسمعه بين الناس داعيا لنفسه بغنائه وموسيقاه ، بل يدع الناس يستمعون إليه ويتزاحمون عليه ، ويرتدون الليل ساهرين ، يمتعون أنفسهم وأرواحهم بما يبدع من شعر رائع وفن رفيع. قال الشعر منذ العاشرة من عمره ، وفي كهولته تبوأ مكانه في الطبقة الأولى من شعراء العربية يقول الشعر ويتغنى به بعيدا عن الأنظار ، وإنبعثت ملكته الشاعرة ب(أناته الحائرة) فدوت بين القلوب والأسماع ، وعرفت ما طبع منها في جميع البقاع.)
        وتتحدث عنه إبنته (عفاف عزيز أباظة) زوجة الكاتب الكبير (ثروت أباظة) تقول :
(كنت أرى أبي جالسا بين أخواله وأعماه يقرأ عليهم بصوته الحنون مختاراته من الشعر القديم ، وكان أبي يردد شعر شوقي ويطلب منا أن نردده وأن نحفظه ، فقد كان شديد الإعجاب بشوقي ، شديد التعصب له كان حبه لشوقي جمعه بصديقه (وهيب دوس المحامي). كان يعلم ذويه السلوك الإنساني ومراعاة مشاعر الآخرين.)
واختم بحثي  بهذه الابيات من شعره :

خميلةٌ في حواشي النيل مونقةٌ
                                 يلفُّها الضاحكانِ: الروضُ والماءُ

 منظورة طلْقةُ الأعطاف راوحها
                                بالضمِّ صبحٌ وبالتقبيل إمساءُ

 كأنما من شعاع الراحِ، نَمْنَمها
                                        مُجوِّداً، عبقريُّ   الفنِّ  وشّاءُ

 تُمسي، وتُضحي بها سمراء لاعبةٌ
                                        كأنها   فتنة   يقْظَى  وإغراءُ

 تمشي، تهادي دَلالاً، خطْوَ مُترفةٍ
                                لفَّاء، وهي هضيم الكشْحِ، هيفاءُ

 إذا انتشت عند صدر الليل فهي رَشًا
                                        وحين تجلو هواديه فَرقْطاءُ

 تُلقي الحديثَ، خفيفَ الجرْسِ، مُنْخَزلا
                                        كأنما   يعتريها   فيه    إغفاءُ

 وقد تُساعفُ عيناها فتكملهُ
                                        إن البلاغة   تكسيرٌ  وإيماءُ

  يا جارة النيل في عُليا زمالكهِ
                                 حيث الضحى ذهبٌ والليلُ لألاءُ

 أبثُّكِ الشوقَ مشبوباً، تُساقطه
                                        على  مغانيكِ   أرواحٌ   وأنداءُ

  تُرى، أعهديَ مرعيٌّ، أم انبعثتْ
                                        تمضي إلى لذة التغيير حواءُ

 وإن حواء والدنيا بفتنتها
                                 سحرٌ، وعرْفٌ، وأنغامٌ، وصهباءُ

 طِلَّسْمُ دهرٍ، فلن تُجْلَى له حُجبٌ
                                 ونحن للضعف والأهواءِ أنضاءُ

 إليكِ أشكوكِ، والشكوى لذي جَنفٍ
                                        ضراعة    يتحاماها   الأعزّاءُ

  لم تهْفُ لي منكِ مذْ بِنّا مُحبّرةٌ
                                        كأنها من نشيد الخلدِ أجزاءُ

 مخمورة الشوق جالت في رقائقها
                                        يدٌ   مُقبلةُ    القفّاز    بيضاءُ

  مسْكيّةٌ الرَّقْم تَسْنى في غلالتها
                                        كأنَّ أحرفها السوداءَ أضواءُ

 أطالعُ الصبح مطويًّا على شجنٍ
                             فإن دجا الليلُ فالظلماءُ رمضاءُ

 وأسأل البرْقَ، هل وافت نوابضُه
                                        والطائراتِ أفيها عنْكِ أنباءُ

  زيدي جفاءً وحسبي أنني رجلٌ
                              أنتِ الهواءُ له، والشمسُ، والماءُ

  وأنَّ عيني ترى الأيامَ مُحسنةً
                                        إذا تراءتْـكِ، والأيـامَ أعداءُ

  وأنَّ قلبي، وإن صارمْتِ مُتَّلهٌ
                                        وأنَّ أذُني إذا عابوكِ صمّاءُ


********************






الشاعر شاذل طاقة




       ولد الشاعر شاذل طاقة في  الثامن والعشرين من شهر نيسان  \1929– في مدينة الموصل العراقية . أكمل دراسته الابتدائية في (مدرسة الخزرجية)، و دراسته المتوسطة في متوسطة (الشرقية) و دراسته الإعدادية في (الإعدادية المركزية) بالموصل، والتحق بدار المعلمين العالية (كلية التربية ) ببغداد في العام الدراسي 1946-1947 فاتمها باربع سنوات وتخرج بتفوق منها في حزيران من العام 1950 حاصلا على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي بمرتبة الشرف.

     قال الشعر وبدء كتابة الشعر العمودي ومن ثم اتجه الى الشعر الحر، في سن مبكرة ونشر قصائده من الشعرالعمودي ومن الشعر الحر اثناء وجوده في مقاعد الدراسة حيث نشرت قصائده في الصحف المحلية في أربعينيات القرن الماضي.

        اهتم بالشعر الحر كثيرا ويعتبر من  مؤسسي  المدرسة الشعرية العراقية في شعرالتفعلية مع الشعراء الرواد في هذا المجال \ بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وقال عنه الشاعر بدر شاكرالسياب (شاذل شاعر كبير أضاعه بقاؤه في الموصل) الا انه لم يضع وانما تمكن من تثبيت مكانته الادبية والثقافية اذ تقلد مناصب وظيفية رفيعة حيث شغل درجة المدير العام لوكالة الانباء العراقية في عام\ 1963 ثم شغل وظيفة وكيل وزير الثقافة والاعلام العراقية عام\ 1968 ثم عمل في وزارة الخارجية العراقية ايضا حيث عين سفيرا للعراق لدى الاتحاد السوفيتي ثم وكيلا لوزارة الخارجية العراقية ثم اصبح وزيرا للخارجية العراقية\ 1974 حتى وفاته .

         الشاعر شاذل طاقة احد شعراء العراق الرواد وفي مقدمتهم في مجال الشعر الحر ( شعر التفعيلة ) حيث كانت له محاولات جادة ومهمة  في تطوير مفهوم الإيقاع الشعري حيث كانت له اجتهادات عروضية وثقافية مهدت لمحاولات كثيرة ظهرت بعده ورفدت الشعر الحر .

      شاذل طاقة شاعر يتميز بسيرته الذاتية العربية من انه شاعر عربي مناضل من خلال مكانته الادبية وكانت سيرته الشعرية والثقافية معينا ثرا للقصيدة العربية الأجمل والانتاج الأفضل حيث كرس شاذل مسيرة الادبية – رغم قصرها - لانتاج القصائد التي تعرف اليوم بالقصيدة الملتزمة وقد نرى ا و نلحظ ان قصائده تبنت منذ أربعينيات القرن الماضي اي عندما كان طالبا في الجامعة وقبل تخرجه منها الى نهاية حياته الادبية قضايا الكفاح التحرري للشعب العربي حيث دعمت قصائده النضال التحرري للثورة العربية في الجزائر و تناولت أروع قصائده في مرحلة متقدمة من بداية نضوجه الشعري قضية محنة الشعب العربي في فلسطين ونكبته متحديا الاحتلال الإسرائيلي والوجود اليهودي فيها وهو بهذا كاي شاعر عربي حيث ان كل الشعراء العرب انشدوا لقضية فلسطين والامة العربية عبروا عن معاناة الروح العربية الصادقة بروح يغمرها العنفوان العربي صادقا عذبا معبرا عما يختلج في جنبات روحه الطاهرة عن تلك المعاناة. وقد اتسمت تجربته الشعرية بالتجديد ية التي شاعت في النصف الثاني من القرن الماضي والتي جعلته  يعد من الشعراء المجددين ومن اقواله في ذلك قوله:
 (ان هذا الضرب من الشعر (الشعر الجديد) ليس مرسلا ولا مطلقا من جميع القيود، ولكنه يلتزم شيئا وينطلق عن اشياء.. ولعل من حق الفن- واعني به الشعر الحر- ان اذكر ان هذا الضرب ليس مبتكرا، فان جذوره ممتدة في الشعر الأندلسي... )

       وفي مكان اخر يقول :
(لكني أحسب أن الشعر، في هذا العصر، لا يزال له خطره، وأن الشاعر، لا يزال كما كان منذ القدم نبيا بين الناس يرشدهم  ويهديهم، ويقوّم  ما أعوج من طباعهم وأذواقهم.. ويكفي الشعر هذا فلا حاجة به إلى أن يكون بوقا من أبواق الإصلاح الاجتماعي، يهدف مباشرة إلى خدمة البلاد) .

     توفي شاذل طاقة يتاريخ 20\ تشرين الاول\1974 في المغرب العربي اثناء حضوره اجتماع وزراء الخارجية العرب في مدينة الرباط انذاك وقيل انه دس له السم بالطعام اثناء تناوله الطعام هناك فمات فيه .

اما اثاره الشعرية :
أصدر ديوانه الشعري الأول (المساء الأخير) عام \1950،
اصدر ديوانه الشعري الثاني (ثم مات الليل) عام\ ر1963
اصدر ديوانه الثالث والاخير ( الاعور الدجال والغرباء) 1969
واصدر ديوانا مشتركا مع بعض الشعراء  العراقيين  بعنوان  
 ( قصائد غير صالحة للنشر ) 1956

اما في مجال النثر

فقد الف عدة كتب في الثقافة والادب منها مايلي :

1- تاريخ الأدب العباسي - دراسة للشعر في العصر العباسي الأول. وقد اعتمد منهجا دراسيا معينا في حينه.
2-في الإعلام والمعركة- صدر عن وزارة الإعلام العراقية.
اضافة الى العديد من المقالات والدراسات في الصحف المحلية والمجلات المحلية والعربية .

ومن شعره نختار هذه القصيدة :

وعاد الرجال
سألتُ شجيرة الكافور، :قلتُ :
لعلّها تدري..
بأنا ذات أمسيةٍ
زرعنا فوقها قمراً
صغيراً أسود العينين والشَعْرِ..
أشعلنا له شمعاً وكافورا..
وفدّيناه بالنذر..
فذاب الكحل مبهورا..
وأحرقنا أصابعنا.. ولم ندر !.
غريباً مرَّ، يا عيني، وما َسَّلْم !.
تقول شجيرة الكافور،
فانتظري مع الأحزان والأشواق عودته
ربيعاً آخراً..
يا ليتها تعَلْم..
بأنيّ حُكتُ من ضلعي وسادته
ومن نهديَّ.. والخدّين..
لو يعَلْم..
بأنيّ لن أراه مرةً أخرى..
فإني، يا شجيرته،
ربيعٌ واحدٌ عشناه..
ثم مضى.. مضى.. مَرّا..
حزيناً مَرَّ، يا عيني، وما سَلَّمْ..
خّلفني مع الأحزان والصبر..
ينوسُ بليلنا قمرٌ حزينٌ..
أسود العينينِ والشعرِ !
سُقيتِ.. شجيرةَ الكافور، :
إن عادَ الرجال.. وكان بينهمو
حبيبي.. فانثري من فوقه الزهرا
وبُوسيه من الخدّين..
رُشّي فوقه العطرا..
وبوحي بالهوى عنيّ..
وقولي:
إنني ما زلتُ أهواه..
وأحلُم؛
إذ يزور ضفافنا القمر الصغير
مُكحّل الجفنِ..
ينام على الرمال..
يُغازل النهرا..
وقولي: إنني ما زلت أهواه
ومن حبات قلبي.. سوف أطعمه.. وأسقيه
دمي ودموع عيني.. آه يا عيني..
وبالكافور والشمع اللهيب، نذرتُ، أفديهِ
وأدعو الله يَنصره ويرعاهُ..
ويرجعهُ إلى حضني..
سُقيتِ.. شجيرةً الكافور،
لا تَنسَي.. وناديه
أيا ميمونة الغصنِ!
وراح رفاقه المضنون..
ينتحبون في صمت..
وزغردت البنادق مرة أخرّى تودعه..
وحوّم في المدينة طائر الموتِ..
فمالت غرسة الكافور خاشعة..
وطيَّ غصونها قمرٌ يشيّعه..
وطُفِّئتِ السماء.. وغابت الأصوات..
وضاعت آخر النجمات..
ومن أقصَى المدينة جاء الفجر محتدماً
يؤذِّن في الشوارع غاضب الجرسِ
ويغسل مَدْرج الشمس!.



***************************
















محمد المهدي المجذوب

          محمد  المهدي المجذوب هو ابن الشاعر والمعلم ،  و الحافظ العلامة العابد المتصوف الشيخ محمد المجذوب ، بن الفقيه محمد ، بن الفقيه احمد ، بن الفقيه جلال الدين ، بن الفقيه عبد الله النقر ، بن طيب النية الشاذلي الفقيه حمد ، بن الفارس الفقيه محمد المجذوب  يرجع بنسبه الى العباس بن عبد المطلب  رضى الله عنه  ينتسب الى قبيلة  (الجعليين ) في السودان .
  ولد  محمد المجذوب عام \1919 بمدينة ( الدامر ) بالولاية الشمالية من السودان ونشأ وتربى في (الدامر )، وحفظ القرآن الكريم مبكرا في التاسعة من عمره  ولا غرابة فى ذلك فوالده هو العالم الحافظ الفقيه محمد المجذوب ووالدته العالمة الحافظة مريم بنت الحاج عطوة ، كانت تحفظ القرآن وتدرّسه .
        ودرس الشيخ المجذوب في مدرسة( بربر) التي أنشئت في أوائل الحكم الثنائي ومنها انتقل إلى كلية (غردون)
  .     فتأدب على يد الأستاذ (عبد الرؤوف سلام) فكان  الشيخ المجذوب ثمرة ناضجة من ثمرات هذا الأستاذ الكبير ثم عمل الشيخ المجذوب فى معاهد التعليم الحكومية المختلفة   تخرج من الكلية ارتحل إلى الخرطوم للتحصيل الدراسي،
     وتخرج من قسم المكتبة كاتبا ثم عمل محاسبا في حكومة السودان وتنقل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب متنقلا بين العديد من المدن السودانية  اذكر منها : سواكن ، ومدني ، وعطبرة ، والخرطوم ، وأم درمان ، واستقر به المقام في كلية (غردون) بالخرطوم سنة\ 1921
     أحيل إلى التقاعد سنة 1944م . الا انه أمضى بعد التقاعد فترة يدرس في المعهد العلمي في (أم درمان) ، ثم انتقل إلى (الدامر)التي احبها وكان دائم الحنين لها  وقال فيها:
امسح وجهى فى ثراها وأنها
                                لكل   حريب    امنة   وذمام
أبى أيها المجذوب غوثا ونجدة
                                فقد   مضني  هم وطال سقامي
     وأسس فيها المعهد العلمي الأوسط الذي تحول إلى مدرسة تحمل اسمه ، كما أسس مسجدا جامعا يدرس فيه القرآن الكريم  وعلومه
    نظم الشيخ المجذوب الشعر وكتب النثر،فكان من المكثرين في الشعر فأخرج عدة دواوين شعرية، وكان نشطا في أبناء جيله فحرر وكتب في عدة مجلات وصحف سودانية وعربية وكان مجيدا للغتين العربية والإنكليزية فعمل عدة حوارات مع اذاعات محلية وعربية وعالمية. كما قدم لعدد من الكتب والدواوين الأخرى وفي صوفيته يقول :
خدين الصبا أين الليالى مضيئة
هنالك في كنز من الأمس مـقفل
أتذكر نـارا أوقدت عند خلوة
عشاء تغنى بالكــتاب المــنزل
وارجها الحـيران حتى تلفتت
وألقت على الألواح أنظار اجدل
ويرقـبنا شـيـخ على كل قارئ
 له أذن تحصى حـروف المرتل
ونصدح بالإنشاد فى ظل خاشع
مضيئ العشـايا ذكر متــبتل
 ومن قصيدته في الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم  المطولة  اقتطف هذه الابيات :
  أرسلت  يتيماً
قام بالحق رحيماً
قد ذكرناه فهل نذكر من أمسى عديماً
وهنا في الجانب الآخر سوق
هو سوق (الزلعة)
وبه طبل وبوق
من صراخ الرغبة
حفلت دولته في (حلة)
سلبت كل العيون والظنون
كيف لا يا لذة الليل ويا أم الفتون
ربها قلّب عينيه خطيباً في الجماهير الغفيرة
مرسلاً من ناره ريح شواء
تتهادى في الفضاء
بنداء لم يجد فينا عصيا
ودعانا .. ثم حيّا .. وتهيّاً
    أسس مع الأستاذ محمود محمد طه  ورغم صوفيته ( الحزب الجمهوري)في السودان  الا انه كان يدعو الى استقلال السودان  وكان  افكاره ديمقراطية وضد الطائفية وناضل ضدالاستعمار الانكليزي وقد اعتقل مع رفاقه في الحركة السياسية السودانية  وكان من الداعين بفصل السودان عن مصر و له في ذلك قصائد منها قوله :
 محمود يلمع في عماية كوبر
مثل الهلال وضاءة ونحولا

قلبت يا وطني السيوف جميعها
ولا  يزال  المجذوب  المأمولا
 ، توفى الشيخ محمد المجذوب بمدينة (الدامر) في السودان  مسقط راسه  في سنة \ 1976م .
   ترك  محمد المجذوب  تراثا من الشعر والنثر منها مايلي :
1-          ديوان نار المجاذيب
2-          ديوان الشرافة والهجرة
3-          ديوان  منابر
4-          ديوان شحاذ في الخرطوم
5-          ديوان تلك الاشياء
6-          ديوان القسوة في الحليب
7-          ديوان اصوات ودخان
8-          ديوان غارة وغروب
9-مطولة البشارة والغربان
       وكذلك  شارك في مجلات عدة منها :
 (النيل) و(هنا أمدرمان) ومجلة (الشباب والرياضة) وغيرها من المجلات السودانية، وعربيا نشر في  المجلات  (دار الهلال)المصرية و(الدوحة) البحرينية ومجلة (الآداب) البيروتية
    ويقول عبد الله الطيب عن الشيخ المجذوب:
  ( الشيخ محمد المجذوب مقل ، إلا أن نثره جيد بليغ ، أصيل في باعه ، ولا يزال المجذوب يوافينا به من حين إلى حين من المذياع أو في مجلة المعهد العلمي كقوله::
- أيها الطالب اعلم أن الأدب من موجبات الوصال والقرب ، ومن حرم الأدب بعيد ما تدانى في زعمه ، واقترب في وهمه ، ومن فضيلة الأدب أنه يلحق من لا نسب له بذوي الأنساب ، فيصير الوضيع رفيعا والدنئ شريفا فعليكم أيها الأبناء بالتمسك بالآداب الرفيعة فان ملاك الشيمة الأدب ، وهو ثمرة العلم ، فمن لم يستفد من علمه أدبا وتهذيبا فلا خير في عمله ، وهو في حكم الجاهل)
        الشيخ المجذوب يعد من الشعراء المجددين في الشعر العربي والسوداني ومن جيل ما بعد رواد النهضة الشعرية الادبية السودانية والعربية مباشرة وله شعر رقيق العبارة ، تعددت موضوعاته ولكنه بحكم تربيته  الدينية اكثر من الشعر الصوفى ، قال فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم:
 سجع البلابل فى الاسحار اذكرنى
احباب قلبى فاسجانى واسهرنى
فبعت منه الكرى بالسهد مغتبطا
 وقد هجرت لذيذ النوم والوسن
ومن قصيدته ( غروب) اقتطف هذه الابيات:
شباب وريق في ذبول مشيب
وصبح أنيق في رماد غروب
غدير يدور الليل من كل جانب
عليه ولم تظفر يداه بكوب
إلى الشمس فانظر تلقم الليل ثديها
عقيم الهوى من حسرة ونضوب
أأحبلها يأس قديم بضوئه
فجاءت بصبح أنكرته غريب
تبرأ منها الكون أما صريعة
فما مسها ستر الدجى بمغيب
تلوح لم تمسك بشيء صياحها
شرار نجوم في دجون غيوب
وتنفضها عن أسها كل قنة
تهاوى دمع في الرحيل سكوب
سكون الدجى يسجو ويصغي جموده
إلى صرخة في صدره ودبيب
نظرت إلى فجر على الباب واقف
فأجفلت من ضوء عليّ رقيب
وعدت إلى ظل على الرمل ضارب
اسائله عن قسمتي ونصيبي
وقلبي مشتاق على الخوف آمل
يلج ذبيحاً في شباك وجيب
أقلبه في الدمع تقليب ثاكل
ربيبا مضى لم تتله بعقيب
أفارق من عمري ثلاثين حجة
ولم انج في هذا المدى بحبيب
وما ذكرياتي كم توهمت ناشقا
من الورق العافي سرار طيوب
واختم بحثي بقصيدته ( القطار ) يقول :
يحلق الجبل المغروس مبتدرا
إلى السماء تعالي في تعاليها
أنسته زرقتها الوادي وما برحت
صخوره العمي تحو في مراقيها
أجفلت أنقذ روحي، قد تميل به
ريح الدياجر قد هبت غواشيها
يملأن كل حضيض يرتفعن به
إلى    الذرى     فأعاليها
النجم ريش دياجير يذبحها
أدانيا برق يحطم أبعاد ويلغيها
أبيتُ أسمع نفسي وهي نائية
عني هنالك ممحوا أناديها
يصور الماء بستانا بصفحته
فكيف أمسك أشواقي وأبديها
أيمسخ الليل هذا الكون ملمَسهُ
وليس يطمس آلامي أقاسيها
و بنفسي أشباح منكرة
مجاهل الدجن ذو الأصداء تحكيها
أخشى السكون إذا أصغى لوحشته
تسعى إليّ بحوت من دياجيها
هذي الجبال أثافي تفرعها
قدر السموات رغو النجم يوريها
غد طبيبي ما جربت حكمته
إلا ظنوني آمالا أمنيها
غد تفرس في أمسي يعود به
رمسا هو الرحم القصوي أوافيها
دمي تلوَّن يمحوني تلونه
أنا الغريق بأنفاسي أناديها
ويك التفت حذرا يا قلب معتذرا
إلى الغيوب علي جهل تجاريها
أطرق فربت إطراق رأيت به
عينيك عينيك لا ضوءا وتشبيها
صبح تحجب في ظلماء خابية
تقيد الشمس لم تبرح دواليها
تعر في الخمر لم تكتم حقيقتها
وأنت تطعمها وهما وتسقيها
وما تجرد شيء عن طبيعته
على المخافة بالكتمان يفشيها
فأرقص وترجم وشق الثوب مفتضحا
عجزا ونفسك أستار تعانيها
البحر صارع في الآفاق عاصفة
لم يسمع القاع في مثوه داميها
ما دنت بالنور إلا أنني وهبت
شكري يقدس نعماها ويبقيها
تقارع لمس الأعماق فابتدرت
منها عيون شربنا روح صافيها
طيف تخلف من طيف تمازجه
نفسي ونفسك قاصيها ودانيها
أني ذكرتك بالسوكي إذ وقفت
لنا القضارف تكسوها مراعيها
حييت أزرقها الصوفي هجرته
في نصرة الله بالتقوى يزكيها
وشيخي العابد المكي آيته
كرت على الترك رووا سيف تاليها
يسري القطار بنا قيدا يسيل به
تجيته الحلل القصوى فيلقيها
زادي محياك والسفار قد همسوا
أينا وقمت على روحي أواسيها
أتذكرين لقاء صدفة ظفرت
بطائرين أجابا صوت داعيها
فولا تبيعين ما تدرين ما فعلت
عيناك آخذ منك الفول تمويها
ناولتنيه بكف رحت أمسكها
لما ضحكت يمنيني تأنيها
ولو بقيت لأحيتني سماحتها
طفلا جديدا بلا نفس أداريها
ضيعت روحي في الخرطوم غانية
أبيت أحذر من أعناب ساقيها
نفسي جمال غريب لا ينم
حياء كاسي تخفي لون ما فيها
به ما للسرائر أسواق فنعرضها
حتى نصادف من بالحب يشريها
***************************




                    مفـــدى  زكريــــــا

       هو الشيخ زكرياء بن سليمان بن يحيى بن الشيخ سليمان بن الحاج عيسى .
       ولد في قرية (بني يزقن) التابعة الى ( وادي ميزاب ) بولاية (بغرداية) في احد القصورالسبعة في جنوب الجزائر يوم الجمعة الموافق  الثاني عشر من  حزيران ( يونيو ) 1908
     بدا حياته التعلمية في الكتّاب بمسقط رأسه فحصل على شيء من علوم الدين واللغة العربية والقرآن الكريم  حيث كان والده يمارس التجارة بالمدينة ثم انتقل الى مدينة ( عنابة ) لمواصلة دراسته  بالعربية والفرنسية ثم رحل إلى( تونس) وأكمل دراسته ب ( المدرسة الخلدونية ) وثم اكمل دراسته  في  جامعة (الزيتونة) ونال شهاداتها .

    أوّل قصيدة له (إلى الريفيّين) نشرها في جريدة (لسان الشعب ) وجريدة ( الصواب ) التونسيتين بتاريخ السادس من  مايو (ايار )1925 عندما كان طالبا في تونس ثمّ في صحيفة (اللواء)، وصحيفة (الأخبار) المصريتين. ثم اخذ يواكب الحركة الوطنيّة بشعره وبنضاله على مستوى المغرب العربيّ فانخرط في صفوف الشبيبة الدستوريّة، في فترة دراسته بتونس، فاعتقل لمدّة نصف شهر، كما شارك مشاركة فعّآلة في مؤتمرات طلبة شمال إفريقيا؛ وعلى مستوى الحركة الوطنيّة الجزائريّة مناضلا في( حزب نجم شمال إفريقيا )، فقائدا من أبرز قادة حزب الشعب الجزائريّ، فكان أن أودع السجن لمدّة سنتين 1937-1939
    ثم عاد إلى وطنه الجزائر  وكانت  له مشاركة فعالة في الحركة الأدبية  والسياسية ولقبه  زميله (الفرقد سليمان ابو جناح ) زميل البعثة الميزابية والدراسة (مفدى ) واصبح  لقبه الادبي ( مفدي زكريا ) فاشتهر به  وكان  يوقع  اشعاره  وقصائده باسم ( ابن تومرت ) ولما قامت الثورة الجزائرية ضد الاستعمارالفرنسي انضم إليها بفكره وقلمه فكان شاعر الثورة ينشد لها ويرد د أناشيدها ومنها الياذة الجزائر  واسماها (نشيد الشهيد) يقول فيها:
جزائر يا مطلع المعجزات               ويا حجة الله في الكائنات
ويا بسمة الرب في أرضه            وياوجهه الضاحك القسمات
ويا وجهه في سجل الخلود            تموج بها الصور الحالمات
ويا قصة بث فيها الوجود             معاني السمو بروع   الحياة
ويا صفحة خط فيها البقاء            بنار  ونور  جهاد   الأباة
ويا للبطولات تغزو الدنا        وتلهمها   القيم  الخالدات
ويا أسطورة رددتها القرون           فهاجت بأعماقنا  الذكريات
ويا تربة تاه فيها الجلال        فتاهت بها القمم الشامخات
وألقى النهاية فيها الجمال             فهمنا   بأسرارها الفاتنات
وأهوى على قدميها الزمان            فاهوى على قدميها الطغاة
      وانضم عضوا في جبهة التحرير في  اوائل  ثلاثينيات  القرن الماضي والى ( جمعية طلبة شمال افريقيا ) والى ( حزب  نجمة افريقيا الشمالية ) والى ( جمعية الانتصار ) والى ( حزب الشعب ) في الجزائر  الذي اصبح امينا عاما له  ورئيسا لتحرير  صحيفة (الشعب ) الناطقة باسم الحزب والداعية لاستقلال الجزائرسنة \1937مما جعل فرنسا تزج به في السجن عدة مرات ثم فر من السجن سنة 1959 فأرسلته الجبهة خارج الحدود، فجال في العالم العربي وعرّف بالثورة الجزائرية .

    واكب شعر مفدي زكرياء حماسة الواقع الجزائري، بل الواقع في المغرب العربي في كل مراحل الكفاح منذ سنة\ 1925م حتى سنة\ 1977م، داعياً إلى الوحدة بين أقطارها فهو شاعر وطني ملتزم يقول :

تونس والجزائر اليوم، والمغرب
 شعب لن يستطيع انفصالا

وحدة أحكم الإله  سداها،
 من يرد قطعه أراد محالا

نبتت من أب كريم وأم سمت
 في  الحياة   عما   وخالا

نصبوا بينها حدودا من ال.
. ألواح، جهلا وخدعة، وضلالا

فاجعلوا إن أردتم الكون س
.دا، وضعوا البحر بيننا والجبالا

نحن روح مزاجه الضاد والد
ين، فلن يستطيع قط انحلالا

كلما رمتم  افتراقا  قربنا
 وعقدنا   محبة  واتصالا


      أوّل قصيدة له ذات شأن هي (إلى الريفيّين)نشرها في جريدة (لسان الشعب ) وجريدة ( الصواب ) التونسيتين بتاريخ السادس من  مايو (ايار )1925 عندما كان طالبا في تونس ثمّ في صحيفة (اللواء)، وصحيفة (الأخبار) المصريتين. ثم اخذ يواكب الحركة الوطنيّة بشعره وبنضاله على مستوى المغرب العربيّ فانخرط في صفوف الشبيبة الدستوريّة، في فترة دراسته بتونس، فاعتقل لمدّة نصف شهر، كما شارك مشاركة فعّآلة في مؤتمرات طلبة شمال إفريقيا؛ وعلى مستوى الحركة الوطنيّة الجزائريّة مناضلا في( حزب نجم شمال إفريقيا)، فقائدا من أبرز قادة حزب الشعب الجزائريّ، فكان أن أودع السجن لمدّة سنتين 1937-وفي السجن هذه المرة كتب ( نشيد الشهيد) وقد طلبت جبهة التحرير الجزائرية من كل المحكوم عليهم  بالاعدام ان يردد هذا النشيد قبل ان يضع حبل المشنقة في  عنقه  ويقول فيه:

شربت العقيدة حتى الثمالة  فأسلمت وجهي لرب الجلاله

ولولا ا لوفاء  لإسلامنا       لما قرر الشعب  يوما مآله

ولولا استقامة  أخلاقن   لما أخلص الشعب يوما نضاله

ولولا تحالف  شعب ورب    لما حقق الرب  يوما سؤاله

هو الدين  يغمر  أرواحنا     بنور اليقين  ويرسي العداله

 ويقول ايضا :

جزائر يا بدعة الفاطـــر     و يا روعة الصانع القـــــــــادر

و يا بابل السحر ، من وحيهـا تلقب هاروت بالساحــــــــــر

و يا جنة غار منها الجنـــــــان و أشغله الغيب بالحاضـــــــر

و يا لجة يستحم الجمـ      ــــا ل و يسبح في موجها الكافر

و يا ومضة الحب في خاطري و إشراقة الوحي للشاعـــــر

و يا ثورة حار فيها الزمـــــــان و في شعبها الهادئ الثائـــر

و يا وحدة صهرتها الخطــــــو ب فقامت على دمها الفائـــر

و يا همة ساد فيها  الحجــى فلم  تك  تقنع بالظاهـــــــــــــر

و يا مثلاً لصفاء الضميــــــــــر يجل عن المثل السٌائـــــــــــر

سلام على مهرجان الخلــود    سلام على عيدك   العاشـــــر

شغلنا الورَى ، و ملأنا الدنا     بشعر نرتله كالصٌــــــــــلاة

تسَابيحه من حَنايَا الجزائر


   وفي أثناء تواجده بتونس واختلاطه بالأوساط الطلّابية هناك، تطوّرت علاقته ب(أبي اليقظان) وبالشاعر (رمضان حمود) ، وبعد عودته إلى الجزائر أصبح عضوا نشطا في جمعية طلبة مسلمي شمال إفريقيا المناهضة لسياسة الإدماج، إلى جانب ميوله إلى حركة الإصلاح التي تمثلها جمعية العلماء. وانخرط في صفوف حركة الانتصار للحريات الديمقراطية،و انضم إلى الثورة التحريرية فيسنة   1954 وشهد الاعتقال مجدّدا في نيسان(أبريل  1956( سجن بسجن بربروس (سركاجي حاليا) مدة 3 سنوات وبعد خروجه من السجن فرّ إلى المغرب ثم إلى تونس ثم ساهم في تحرير (جريدة المجاهد )إلى غاية الاستقلال. اشتهر مفدي زكريا بكتابة ديوانه (اللهب المقدس )، وكتابة  النشيد الوطني للجزائر (قسما ..) ألفه في السجن وكتبه بدم يده وتكريما له ولروعته :


قسماً بالنازلات الماحــقـاتْ
و الدماء الزاكيات الطاهراتْ

و البنود اللاّمعات الخـافـقاتْ
في الجبال الشامخات الشاهقاتْ

نحن ثرنا فـحيـاةٌ أوممـاتْ
و عقدْنا العزم أن تحيا الجزائر 

فاشهدوا.... 

نحن جندٌ في سـبيل الحق ثرنا
و إلى استقلالنا بـالحرب قُمنا

لم يكن يُصغى لنا لمّا نطـقْـنا
فاتخذنا رنّة البـارود وزنــا

و عزفنا نغمة الرّشاش لحنـا
و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا.....

يا فرنسا قد مضى وقتُ العـتاب
و طوينّاه كما يُطوى الكتــاب

يا فرنسا ... إن ذا يوم الحساب
فاستعدّي .. و خذي منّا الجواب

إنّ في ثورتنا فصل الخـطـاب
و عقدنا العزم أن تحيا الجزائـر

فاشهدوا.....

نحـن منْ أبطـالنا ندفعُ جًندا
و على أشــلائنا نصنع مجدا

و على أرواجنا نصعدٌ خُـلْـدا
و على هاماتنا نرفـعُ بـنـدا

جبهة التحرير أعطينـاك عهدا
و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا.....

صرخة الأوطان من ساح الفدا
فاسمعوها و استجيبوا للـندا

و أكتبوها بدماء الشـهـداء
و اقرأوها لبنـي الجيل غـدا

قد مددنا لـك يا مـجدُ يـدا
و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا....

     وغداة اندلاع الثورة التحريريّة الكبرى انخرط في أولى خلايا جبهة التحرير الوطنيّ بالجزائر العاصمة، وألقي عليه وعلى زملائه المشكّلين لهذه الخليّة القبض، فأودعوا السجن بعد محاكمتهم، فبقي فيه لمدّة ثلاث سنوات من عام 1956 الى عام 1959
        فر بعد خروجه من السجن إلى( المغرب)، ومنه انتقل إلى(تونس ) للعلاج  لما لا قاه من تعذيب في  السجون الفرنسية  ثم عمل في صحيفة ( الاستقلال ) التونسية  حتى  استقلال الجزائر وبعد ذلك اصبح سفير الثورة الجزائرية في الوطن العربي  لمنظمة جبهة التحرير الجزائرية  كما اسلفت .
   وما ان  حصلت الجزائر على استقلالها وطرد الفرنسيون منها واصبح (احمد بن بله)  الزعيم الوطني للجزائر رئيسا لها اصبح (هواري بومدين) وزيرا للدفاع فيها في سنة\ 1965 فقام بانقلاب عسكري  فكان الشاعر مفدى زكريا ضد الانقلاب العسكري أو بما يسمى (التصحيح الثوري )الذي قام به (هواري بومدين) وزير الدفاع آنذاك ضد الرئيس(  أحمد بن بلة) يوم 19 جوان 1965. فأستولى (هواري بومدين) على السلطة في الجزائر، وطرد مفدي زكريا من الجزائر.
     توفي الشاعر الجزائري مفدى زكريا  في يوم الاربعاء السابع عشر من رمضان المبارك سنة 1397الموافق الثاني من شهر اب ( اغسطس) 1977 في مدينة ( تونس ) في القطرالتونسي ثم نقل جثمانه الى   الجزائر ليدفن  بمسقط راسه في (بني يزقن)ب (وادي الميزاب)  بولاية ( بغرداية)
 ترك اثارا ادبية شعرية ونثرية رائعة منها  مايلي :
اللهب المقدس – ديوان  شعر
تحت ظلال الزيتون- ديوان شعر
من وحي الاطلسي- ديوانشعر
الياذة الجزائر -  الف بيت وبيت شعر
اغاني الشعب الجزائري
الخافق المعذب - شعر
الثورة الكبرى- مسرحية
 تاريخ الادب  العربي في الجزائر
انتم الناس ايها الشعراء
نحومجتمع افضل
ست سنوات في سجون فرنسا
حواء المغرب العربي الكبير في معركة التحرير
قاموس المغرب العربي الكبير
عوائق انبعاث القصة العربية
اليتيم يوم العيد –قصة
 الجزائر بين الماضي والحاضر
     مفدى زكريا  شاعرالثورة الجزائرية شعره يتسم بالوطنية الحقة  والثورة العارمة والبطولة العربية يغلب على شعره طابع السلاسة والبلاغة ومعانيه رائعة تشد النفس  اليها وتبعث الثورة والوطنية في متلقيها وتشده للثورة والوطنية وقد انفرد في الشعرالوطني في  اغلب دواوينه الا انه قال الشعر في الاغراض الاخرى مثل الغزل والوصف والرثاء  وغيرها كثير . ومن اقواله مايلي :
يقول مفدي زكريا في إحدى قصائده عن الشعر:

رسالةُ الشعرِ في الدنيا مقدَّسةٌ
لولا النبوءةُ .. كان الشعرُ قرآنا
فكم هتكنا بها الأستارَ مُغلقةً
وكم غزونا بها في الغيبِ أكوانا
وكم جلونا بها الأسرارَ مُبهمةً
وكم أقمنا بها، للعدلِ ميزانا
وكم صرعنا بها في الأرضِ طاغيةً
وكم رجمنا بها في الإنسِ شيطانا
وكم حصدنا بها الأصنام شاخصةً
وكم بعثنا من الأصنام، إنسانا

واختم بحثي بهذه الابيات من الياذته المشهورة :

زائر يا مطـلع المعجزات      و يا حجـة الله في الكـائنات

و يا بسمة الرّب في أرضـه   و يا وجهه الضاحك القسـمات

و يا لوحـة في سجلّ الخـلو  د تموج بها الصور الحالمات

و يا قـصة بثّ فيها الوجود   معـاني السـموّ بروع الحياة

و يا صفحة خطّ فـيها البـقا   بنار و نور جـهـاد الأبـاة

و يا للـبطولات تغزو الـدنا   و تمنحـها القيـم الخـالدات

و أسطورة ردّدتـها الـقرون   فهـاجت بأعـماقنا الذكريات

و يا تربـة تاه فـيها الجلال   فتـاهت بهـا القمم الشامخات

و ألقى النهايـة فـيها الجمال   فهـمنا بأسـرارها الفاتـنات

و أهوى على قدميها الزمـان   فأهـوى على قدميـها الطغاة

شغلنا الورى ، و ملأنا الدنا       بشـعر نرتـله كالـصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

جزائـر يا بدعـة الـفاطـر    و يـا روعة الصانع القادر

و يا بـابل السحر من وحيها   تـلقّب هـاروت بالساحر

و يا جـنة غار منـها الجنان    و أشغـله الغـيب بالحاضر

و يا لـجة يستـحمّ الجمــا    ل و يسبح في موجها الكافر

ويا ومضة الحب في خاطري     و إشراقـة الوحي للشـاعر

و يا ثورة حـار فيها الزمان    و في شعبـها الهادىء الثائر

و يا وحدة صهـرتها الخطو    ب فقامت على دمـها الفائر

و يا همـة ساد فيـها الحجى    فلـم تـك تقنـع بالـظاهر

و يا مثـلا لصفـاء الضمير       يجـل عن المـثل السائـر

سـلام على مهرجان الخلود   سـلام على عيـدك العاشر

شغلنا الورى و ملأنا الدنا   بشعر نرتله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

جزائـر يـا لحـكايـة حـبي  و يا من حمـلت السـلام لـقلبي

و يا من سكبـت الجمال بروحي   و يا من أشعـت الضياء بـدربي

فلـولا جمـالك ما صحّ ديـني   و ما أن عـرفت الـطريق لربي

و لـولا الـعقيدة تغـمر قـلبي   لمـا كـنت أومـن إلاّ بـشعـبي

و إذا ذكـرتـك شـعّ كـيـاني   و أمـا سـمعـت نـداك ألـبي

و مهـما بعـدت و مـهما قربت   غرامـك فـوق ظـنوني و لـبيّ

فـفي كـل درب لـنا لـحمـة   مـقدسـة من وشـاج و صـلب

و في كـلّ حي لـنا صـبـوة   مرنـحة مـن غـوايـات صـب

و في كـل شـبر لـنا قـصة   مجـنـحة مـن سـلام و حـرب

تـنبـأت فيـها بـإلـيـاذتي   فـآمن بـي وبـها الـمـتـنـبي

شغلنا الورى و ملأنا الدنا           بشـعر نرتـله كالـصلاة
تسابيحه من حنايا الجزائر

جـزائر أنـت عروس الـدنا   و مـنك استـمدّ الصباح السنا

و أنت الـجنان الـذي وعدوا   و إن شـغـلونا بـطيب المنى

و أنت الـحنان و أنت الـسما   ح ، و أنت الطماح و أنت الهنا

و أنت الـسمو و أنت الضميــــر  الصريح الـذي لـم يخن عهدنا

و مـنك اسـتمد الـبناة الـبقــــ  ـــاء فكـان الخلود أساس البنا

و ألهـمت إنـسان هـذا الـزم   ـــان، فـكان بـأخلاقـنا مـومـنا

و علّـمـت آدم حـب ّ أخيـــــه  ، عـساه يـسير عـلى هـدينا

صنـعت الـبطولات من صلب   شـعب، سـخي الدمـاء فرعتِ الـدّنا

و عبّـدت درب النجاح لشعب     ذبـيح فلـم ينـصهر مـثلـنا

و مـن لم يوحـد شتـات الصف  ــوف ، يـعجـل بـه حـمقه للـفنا


شغلنا الورى و ملأنا الدنا       بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

أفي رؤيـة الله فـكرك حـائر   و تـذهل عن وجهه في الجزائر؟

سـل البـحر و الزورق المستها  م ، كـأن مـجاديفه قـلب شاعر

و سـل قبـة الحـور نـم بها   مـنار عـلى حـورها يـتآمـر

سـل الـورد يـحمل أنـفاسها   لحيدر مـثل الحـظوظ الـبواكر

و أبـيار تـزهو بـقديـسـها   رفائـيل يخـفى انـسلال الجآذر

تـبـاركـه أمّ إفـريـقـيـا  على صلوات الـعذارى السواحر

و يحـتار بـلكور في أمـرها   فتـضحك منـه الـعيون الفواتر

و في القصبة امتد ليل السهارى   و نهـر المجـرة نـشوان ساهر

و في سـاحة الشـهداء تـعالى  مـآذن تجلـو عـيون الـبصائر

و في كـل ّ حيّ غـوالي المنى  و في كلّ بيت : نشـيد الـجزائر


شغلنا الورى و ملأنا الدنا    بشـعر نـرتله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

سل الأطلس الفرد عن جرجرا   تعـالى يشـدّ السـمـا بالثرى

فيـختـال كـبرا تـنافـسه   تكجـدا فلا يـرجع القـهقرى

تلـوّن وجـه الـسمـاء بـه  فأصـبـح أزرقـها أخـضرا

و تجثو الثلوج على قدميــه ، خـشـوعـا فـتسـخـر منه الذرى

هـو الأطـلس الأزلـي الذي   قضى العمر يصنع أسد الشرى

و تسمـو بـأوراس أمـجاده   فتصدع في الكون هذا الـورى

فيـا مـن تـردّد فـي وحـدة  بمغربـنا و ادّعـى ، و امترى

أما وحّـد أطلـسنا الـمغـربي   مـعاقـلنـا بـوثيق العرى ؟..

أمـا طـوّقـتـنا سـلاسـلـه   فطوّق تاريـخنا الأعـصرا ؟؟

و كم فـوقـه انتـظمت قـمـم   فهـل كـان يـعقد مؤتمرا ؟؟

شغلنا الورى و ملأنا الدنا    بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

و في باب واديـك أعمـق ذكرى   أعـيش بأحـلامها الـزرق دهـرا

بها ذاب قلـبي كذوب الـرصـا   ص ، فأوقد قلبي ، و شعبي جـمرا

و ثـورة قلـبي كـثورة شعبي   همـا ألهـماني فأبـدعت شـعـرا

إذا الـقلب لم ينـتفـض للـجمـــال ، و لم يبل في الحب حلوا و مـرا

فلا تـثـقنّ بـه في النضـــــال ، و لا تعتـمد في المـهمات صـخرا

و لا يكـتم السـرّ إلاّ الـمشو   ق ، و من لـم يهم ليس يكتم سـرا

و حـرب القلـوب كحرب الشعو  ب و من صدق الوعد أحرز نصرا

و علـّمني الحـبُّ حبََّ الـفدا   فـكنت بـحبيّ و شـعبي بـرّا

و يشـهـد لي فـيـه وادي قـريــشِ سـلـوا قـلبـه فـهو مني أدرى

و دـيري* الـذي كنت أتلو به  صلاتي - مع الليل - سراّ و جهرا


شغلنا الورى ،وملأنا الدنا        بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

عرجـنا ننـافح بايـنام* ضحى   كأنا اغتصبنا لهـامان صـرحا

نسـائل أشـجاره الفـارعــا   ت ، حديث النجوم فتبدع سحرا

و يلـتف سـاق بسـاق فنصبو   فيـغمرنا ملـتقى الفـكر نصحا

كأن عـمالـق بايـنام جـمـع   ببـاريس يـبني لفييتنام صلحا

كـأن الإلـه الـجميل تـجـلى  فأغـرق بايـنام حسـنا و أوحى

يتـيه بـه النـجم* بيـن النـجـــوم دلالا فـيطلع في اللـيل صبحا

تمـوج مـع الشـمس أسراره   و سر الهـوى ماثـلا ليس يمحى

فكـم بات يبـكي به مـوجـع   و يسـفح دمـعا فيـغمر سـفحا

و كـم من جريح الفؤاد اشتكى   فأثخن بايـنام في الصبـح جرحا

و كم من صريع الغواني تداوى   بأنسـام باينـامذ فـازداد لفـحا

شغلنا الورى و ملأنا الدنا          بشـعر نرتلـه كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

سجا الليل في القصبة الرابضه فأيـقـظ أسـرارها الـغامضه

و بيـن الـدروب و بين الثنايا   عـفـاريت مـائجـة راكضه

و مـلء سراديـبها الـكافـرا   تِ ، تصاغ قـراراتنا الرافضه

فيـحتار بيـجار في أمـرهـا   و يـحسبـها مـوجة عـارضه

فيفـجؤُ بيجارَ إصـرارُ شعب   و تـدمغـه الحـجة الـناهضه

و يـأبى عـليّ رضـوخ الجنا   ن ، فتسـمو بـه روحه الفائضه

كـأن اشتـباك الـسطوح جسو   ر ، بها امتـدت الثورة الفارضه

كـأن المـضايق فـيها خلـيج      تمـور بـه السـفن الخـائضه

و يلـتف جـار بـجار كـما        تعـانقت المـهج النـابـضـه

فـكانت على خـط حـرب الخــلاص ، و أعـمارِ أعـدائـنا قابضه

شغلنا الورى و ملأنا الدنا      بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر


و بلـكور للمـجد شـقّ طريقه   حـظّ مـعالـمها في السـويـقه

و عجـل أقـدار يوم الخلاص   و كـان يـحـاسـبـها بالـدقيقه

فأيـقن مـاسو و كـان تـغابى   و ما عـاد يـجـهل ماسو الحقيقه

و عاجل سـالان صحو السـكـارى فـبـدد أحـلام مـايـو الـصفيـقه

و سوستال بالرعب طار شعاعا   فغـصّ ، و ما اسـطاع يبلـع ريقه

و رجّـت حواجـزهم بالـغلا   ةِ ، غـريق يـشـد بـذيـل غريقه

تشـيعهم أدمـع الـعاشـقـا   ت ، و هيهات تجدي دموع العشيقه

و يضـحك فـوروم ، من حيو  ان ، غـواه السـراب فضـلّ طريقه

و مـن خائـرين كـأعجاز نخل  ضـمائـرهم في الـمـزاد رقـيقـه

و حـسب الجـزائر أبطال بلكو   ر و القـصبة الحـاملـين الـوثيقه

شغلنا الورى و ملكنا الدنا        بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

و حـمام ملـوان مـلّ المـجـونا   و أنـهى غـوايـتـه و الفـتونا

و فضّـل خـوض الـحمام بـديلا   عـن المسـتحـِمات و العـائمينا

و قـد عـاش دربـا لحـلو الأماني   فأصـبح دربـا يـلاقي المـنونا

و كان كـمـين الضـبا و الـذئاب  فصـار لـصيد الذئاب كـمـينا

و غـاصت بـه ثـورات الـهوى  فـفجـرت الـعـزم في الثائرينا

و أعـلن توبـتـه في الجـبا ل   ، فكان الرصاص القصاص الضمينا

و مـدّ اليـمين لـداعي الـفـدا  فأقـسـم أن لا يـخون الـيمـينا

و شـمّر يـرفض دنيـا الملاهي   و ينـفـض عنـه غـبار السنينا

و أضـفى الجـمال عـليه جلالا   و كـان الجـلال عـليـه ضـنينا

هي الأرض...أرض الجزائر...مهما   غـوت و صبت ..أبـدا لن تـخونا

شغلنا الورى و ملأنا الدنا       بشـعر نـرتله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

و حمام ريغة بيـن الروابي   ترنح طوع الهوى و التصابي

يصعّـد في الجـو أنـفاسه   عبيرا و أحشـاؤه في التهاب


و تغـلي المواجد في صدره   تـطارحها نـزوات الشباب

يحـاول كتـمان أسـراره   فتفـضحـه خائـنات الحُباب

أيخـفي هواه و في راحتيه   تموج المحاسن ملء الرّحاب؟

و يختال بين يديه اخضرارا   شواهق تزجي ركاب السحاب

مـدامعه يُتـداوى بـهـا   كمـا يُتـداوى بحلو الرُّضاب

و أنفاسـه تغمر الصّب دفئا   فينـسى حرارة يـوم الحساب

و منها استمدّ المجاهد عزما   فـراغ الدُّنا بالعجيب العجاب

و فجّـر ثورته مـن لظاها   و سار على هديـها في الغلاب

شغلنا الورى و ملأنا الدنا    بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

شريـعتنا كـجلال الشـريعة  كـمالاتها راسـخات ضـليعه

كـأن الـذي شرع الصالـحا   ت ، أقام الدليل فأعلى الشريعه

و عـمّر فيـها "بني صـالح  فزكىّ الصـلاح جمال الطبيعه

تطـلّ جواسـقها الضـارعـات شـواخـص تحـمد ربّ الصنيعه

كـذوب النـجوم على قـدميـــها فيـبدع مـنها الـزمان ربيعه

و تاه الصـنوبر كبرا و عجبا   على القمـم الشامخات الرفيعه

و من تـك فيه الأصالة طبعا   تجبـه الجذوع الطوال مطيعه

و فـاخر بالأرز لبـنان وهما   و خلّـد فيه الأغـاني البديعه

و لـولا تواضـع أطـلسـنا   لكانت جـزائـرنا في الطليعه

             إلا أن حـرمة مـا بـيـننا                                         
                                            وما بـين لبنـان كانت شفيعه

شغلنا الورى و ملأنا الدنا     بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

تسـلّق إيعـكورن و اغز السها   و طـاول به سدرة المنتهى

فيخـجل هـامان من صـرحه   و يعجز أن يبـلغ المشتهى

و عـانق بـجايـة في نـخوة   يعانـق حـناياك سرّ البها

و ناج بزغـواط سـرّ الظـبا   تناغك من حلق يتشي المها

عجـائبها السـبع لا تـأتلـي   تتـيه فيحـتار فيها النهى

و وادي الهوى و الهواء بسرتا  يزكي مسـيد الهوى خلفها

تهـدهـده النـســمات كـأ  م تهدهد طوع الكرى طفلها

و في جبل الوحش تاهت بلادي   شمـوخا فأحنى الزمان لها

فلـو شاء ربك وصف الجنـا   ن ، ليغري الأنام بها شبها

أضاع بـها ذو الحـجى رشده   و لـو لم يخـف ربـه ألها

شغلنا الورى و ملأنا الدنا       بشـعر نرتـله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر



*************************************


















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق