الخميس، 17 مارس، 2016

موسوعة (شعراء العربية ) تاليف د فالح الكيلاني - المجلد التاسع الجزء الثاني القسم الاول



موسوعة   شعرا ء  العربية

دراسة موسوعية لشعراء الامة العربيـة في عشرة مجلدات



المجلد التاسع


 شـــعـراءالعـصرالحـديـث


الجزء  الاول \ الجزء الثاني
                      
الجزء الثاني


تأليف
الشاعر والباحث
                 د.  فالح نصيف  الحجية
                                       الكيلاني








































الشاعر نزار قباني




            هو نزار بن  توفيق القباني  الدمشقي  الشامي

      ولد في حي (مئذنة الشحم في (دمشق ) في21 مارس (آذار ) 1923 من اسرة دمشقية عربية عريقة. واتم دراسته الاولية في مدارس (دمشق) ثم حصل على البكالوريا من مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق ، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرّج منها عام 1945 . وكانت أسرة نزار قباني تسمى (آقبيق) .عمل أبوه في التجارة  وقيل في صناعة الحلويات و كان يساعد المقاومين في نضالهم ضد الفرنسيين – في عهد الانتداب الفرنسي لسورية.
ويعتبر جده ابو خليل القباني  رائد المسرح العربي

     اشتغل بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية ، وتنقل  في سفاراتها  بين  بلدان عديدة ، منها القاهرة  ولندن  وبيروت  ومدريد واتقن اللغة الانكليزية في هذه الفترة لتعينه في اعماله السياسية، وبعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام \ 1959 ،وتم تعيينه سكرتيراً ثانياً للجمهورية العربية المتحدة في سفارتها بالصين . ثم استقال من العمل بالسلك الدبلوماسي عام \ 1966 .

      طالب رجال الدين  في سوريا  بطرده من وازرة الخارجية وفصله  من  العمل الدبلوماسي في منتصف الخمسينات  بعد نشر قصيدته الشهيرة ( خبز وحشيش وقمر ) التي أثارت ضده عاصفة شديدة وصلت إلى البرلمان . ومنها هذه المقاطع :

عندما يولدُ في الشرق القمرْ..
فالسطوحُ البيضُ تغفو
تحت أكداس الزَهَرْ..
يترك الناسُ الحوانيت و يمضون زُمَرْ
لملاقاةِ القَمَرْ..
يحملون الخبزَ.. و الحاكي..إلى رأس الجبالْ
و معدات الخدَرْ..
و يبيعونَ..و يشرونَ..خيالْ
و صُوَرْ..
و يموتونَ إذا عاش القمر..

 ***************

ما الذي يفعلهُ قرصُ ضياءْ؟
ببلادي..
ببلاد الأنبياءْ..
و بلاد البسطاءْ..
ماضغي التبغ و تجَّار الخدَرْ..
ما الذي يفعله فينا القمرْ؟
فنضيع الكبرياء..
و نعيش لنستجدي السماءْ..
ما الذي عند السماءْ؟
لكسالى..ضعفاءْ..
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمرْ..
و يهزّون قبور الأولياءْ..
علَّها ترزقهم رزّاً.. و أطفالاً..
قبورُ الأولياءْ....
و يمدّون السجاجيدَ الأنيقات الطُرَرْ..
يتسلون بأفيونٍ نسميه قَدَرْ..
و قضاءْ..
في بلادي.. في بلاد البسطاءْ..
    
      تزوّج من امراتين .. الأولى سورية تدعى (زهرة )  انجب منها اولاده : هدباء  وتوفيق  وزهراء .

     وقد توفي توفيق بمرض القلب وعمره  22 سنة ، وكان طالباً بكلية الطب بجامعة القاهرة .. ورثاه نزار بقصيدة طويلة عنوانها:
( الأمير الخرافي توفيق قباني ) يقول :

1

مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات..
ومقصوصة ، كجناح أبيك، هي المفردات
فكيف يغني المغني؟
وقد ملأ الدمع كل الدواه..
وماذا سأكتب يا بني؟
وموتك ألغى جميع اللغات..

2

لأي سماء نمد يدينا؟
ولا أحدا في شوارع لندن يبكي علينا..
يهاجمنا الموت من كل صوب..
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر، حين أراك، عليا
وتذكر حين تراني ، الحسين

3

أشيلك، يا ولدي ، فوق ظهري
كمئذنة كسرت قطعتين..
وشعرك حقل من القمح تحت المطر..
ورأسك في راحتي وردة دمشقية .. وبقايا قمر
أواجه موتك وحدي..
وأجمع كل ثيابك وحدي
وألثم قمصانك العاطرات..
ورسمك فوق جواز السفر
وأصرخ مثل المجانين وحدي
وكل الوجوه أمامي نحاس
وكل العيون أمامي حجر
فكيف أقاوم سيف الزمان؟
وسيفي انكسر..

 وأوصى نزار بأن يدفن بجواره بعد موته .

والمرأة الثانية (بلقيس الراوي)  عراقية .. قُتلت في انفجار السفارة العراقية في ( بيروت ) عام 1982 ، وترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عند نزار ورثاها بقصيدة تحمل اسمها (بلقيس )، حمّل  الوطن  العربي كله مسؤولية قتلها .. , وقد انجبت له  ولدين :عمر و زينيب  .
    وقد انشد في مقتلها  فقال :

 سأقول في التحقيق.. اني قد عرفت القاتلين      ..

بلقيس..يافرسي الجميلة..إنني من كل تاريخي خجول

هذي بلاد يقتلون بها الخيول..

سأقول في التحقيق:

كيف أميرتي اغتصبت..

وكيف تقاسموا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب

سأقول كيف استنزفوا دمها..

وكيف استملكوا فمها..فما تركوا به وردا

ولا تركوا به عنبا..

هل موت بلقيس..هو النصر الوحيد في تاريخ كل العرب؟"

  وعاش سنوات حياته الأخيرة بعد وفاة بلقيس وحيدا  ورفض الزواج مجدداً، و أمضى سنينه الأخيرة في لندن وحيداً.

  بدأ نزار قباني نظم الشعر في صباه وقيل في سن السادسة عشرة، وأصدر أول دواوينه ( قالت لي السمراء ) عام \1944 وكان طالبا بكلية الحقوق ، وطبعه على نفقته الخاصة .وقيل  كان لانتحار أخته بسبب رفضها الزواج من رجل لا تحبه، أثر عميق في نفسه وفي شعره، فعرض قضية المرأة وكرس  اشعاره وقصائده  فيها في بداية حياته ووسيطها  . وفي احداث  العالم العربي في العديد من قصائده، رافضا شوفينية الرجال.

 لنزار قباني عدد كبير من دواوين الشعر ، تصل إلى 35 ديواناً ، كتبهاعلى مدار ما يزيد على نصف قرن أهمها ( طفولة نهد )، (الرسم بالكلمات)   ( سامبا )، (أنت لي  ) .  ومن شعره قصيدة ( طفولة نهد) وهي اسم لاحد دواوينه الشعرية يقول فيها :

سمراءُ .. صبير  نهدك  الأسمر َ في  دنيا فمي

نهداكِ  نبعَا   لذة   حمراء   تشعل  لي    دمي

متمردان على السماء ، على القميص  المنعم

صنمان   عاجيان ... قد  ماجا  ببحر   مضرم

صنمان .. إني   أعبدُ  الأصنامَ    رغم   تأثمي

فكي  الغلالة .. واحسري عن  نهدك  المتضرم

لا  تكبتي  النارَ الحبيسة ، وار تعاشَ   الأعظم

نار الهوى ، في حلمتيكِ ، أآولة آجهنم خمريتان ..

احمرتا بلظى الدم المتهجم ..

محروقتان ..   بشوةٍ    تبكي ،  وصبر    ملجم

نهداكِ   وحشيان .. والمصباح   مشدوه   الفم

والضوء    منعكس  على مجرى الحليب المعتم

وأنا  أمدُّ  يدي ..  وأسرقُ  من   حقول   الأنجم

والحلمة    الحمقاءُ ..   ترصدني  بظفر   مُجرم

وتغط     إصبعها   وتغمسها   بحبر  من   دمي ..

يا صلبة   النهدين .. يأبى  الوهم   أن  تتوهمي

نهداك   أجملُ   لوحتين   على    جدار  المرسم ..

آرتان   من   زغب  الحرير ، من الصباح الأآرام

فتقدمي ،   يا قطتي    الصغرى ، إلي    تقدمي ..

وتحرري   مما  عليك ..  وحطمني ..  وتحطمني ..

مغرورة     النهدين .. خلي    آبرياءك    وانعمي

بأصابعي ،    بزوابعي    ، برعونتي   ، بتهجمي

فغداً    شبابك    ينطفي    مثل   الشعاع  المضرم

وغداً  سيذوبني   النهد    والشفتان  منك .. فأقدمي

وتفكري    بمصير  نهديك .. بعد    موتِ   الموسم

لا   تفزعي ..     فاللثم     للشعراء    غيرُ   محرم

فكي    أسيري    صدرك   الطفلين .. لا .. لا تظلمي

نهداك    ما   خلقنا   للثم    الثوب ..  لكن ..   للفم

مجنونة    من    تحجب  النهدين .. أو  هي  تحتمي

مجنونة  ..  من    مرَّ  عهد   شبابها   لم     تلثم ..

.. وجذبتُ    منها    الجسمَ   ، لم    تنفرْ  ولم تتكلم

مخمورة ..   مالتْ    عليَّ     بقدها  ...   المتهدم....

ومضتْ ...تعللني ...بهذا    الطافر   المتكوم

وتقول    في   سكر ، معربدة    ، بأرشق    مبسم

" يا شاعري .. لم  ألقَ   في العشرين مَنْ  لم  يفطم


    أسس دارا لنشر أعماله في بيروت تحمل اسم ( منشورات نزار قباني )   تحدث نزار عن نفسه فقال :

(ولدت في دمشق في آذار (مارس) 1923في بيت وسيع، كثير الماء والزهر، من  منازل  دمشق  القديمة، والدي توفيق  القباني، تاجر وجيه
 في حيه، عمل في الحركة الوطنية ووهب حياته وماله لها. تميز أبي بحساسية نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جميل. ورث الحس الفني المرهف بدوره عن عمه أبي خليل القباني الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة في نهضة المسرح المصري .

      امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنيت في بداية حياتي بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثا عن أشكال جديدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى ولكن مشاكل الدراسة الثانوية أبعدتني عن هذه الهواية. وكان الرسم والموسيقى عاملين مهمين في تهيئتي للمرحلة الثالثة وهي الشعر. في عام\1939، كنت في السادسة عشرة. توضح مصيري كشاعر حين كنت وأنا مبحر إلى إيطاليا في رحلة مدرسية. كتبت أول قصيدة في الحنين إلى بلادي وأذعتها من راديو روما. ثم عدت إلى استكمال دراسة الحقوق بدمشق وتخرجت منها عام \ 1944 ) .

      وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولاها ( قالت لي السمراء )عام \1944 ، وكانت آخر مجموعاته ( أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء )عام \ 1993 .

      نقلت هزيمة العرب في حربهم مع اليهود عام \1967  نزار قباني نقلة نوعية : من شعر الحب والنساء  إلى شعر السياسة والرفض والمقاومة ؛ فكانت قصيدته ( هوامش على دفتر النكسة ) عام\ 1967 نقدا ذاتيا جارحا للتقصير العربي  مما آثار عليه غضب اليمين واليسارالعربي يقول :


يا أيُّها الأطفالْ..
من المحيطِ للخليجِ، أنتمُ سنابلُ الآمالْ
وأنتمُ الجيلُ الذي سيكسرُ الأغلالْ
ويقتلُ الأفيونَ في رؤوسنا..
ويقتلُ الخيالْ..
يا أيُها الأطفالُ أنتمْ –بعدُ- طيّبونْ
وطاهرونَ، كالندى والثلجِ، طاهرونْ
لا تقرؤوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ
فنحنُ خائبونْ..
ونحنُ، مثلَ قشرةِ البطيخِ، تافهونْ
ونحنُ منخورونَ.. منخورونَ.. كالنعالْ
لا تقرؤوا أخبارَنا
لا تقتفوا آثارنا
لا تقبلوا أفكارنا
فنحنُ جيلُ القيءِ، والزُّهريِّ، والسعالْ
ونحنُ جيلُ الدجْلِ، والرقصِ على الحبالْ
يا أيها الأطفالْ:
يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ
أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمهْ
وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمهْ...

        ان اندلاع الحرب الأهلية في لبنان ومقتل زوجته( بلقيس) جعلت  نزار قباني ينتقل  للعيش في مصر عام \1983 الا انه تعرض لهجوم عنيف هناك من قبل الاعلام المصري على خلفية  قصيدة  نظمها  ضد الرئيس ( أنور السادات)  انتقده فيها على توقيعه اتفاقية( كامب ديفيد) للسلام بين مصر واسرائيل. وقال قصيدته المشهورة ( ورغم وجود أصدقاء وقفوا إلى جانبه مثل يوسف ادريس ومحمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين ومحمد عبد الوهاب واعتباره أن مصر أم الدنيا لم تتوقف الحملة ضده طوال عام كامل وخاصة من قبل المؤيدين للسلام مع اسرائيل آنذاك وخاصة أنيس منصور وامثاله. نقتطف منها مايلي :

كنا نظن أنه
سيدخل  القدس على حصانه
و يستعيد المسجد الأقصى من الأسر
ويدعو الناس للصلاة
لكنه  فاجأنا
وسلم الأرض من النيل إلى الفرات
هل أصبحت راشيل في تاريخنا خديجة؟
و صار موسى... أنور السادات
و ياللعجب
كان اسمه
من قبل أن يرتد عن شريعة الاسلام
محمدا.. وصار أبراهام
كان اسمه سيدنا الشيخ
وكان دائم الصلاة والصيام
وكان في جبينه علامة
من كثرة الركوع والقيام
وكان كالأطفال يبكى
إن تذكر الرسول
أو جاء ذكر الله.. ذي الجلال والإكرام
كان تقيا.. ورعا
يخاف أن يدوس النمل
أو يروع الحمام
و كان أهل مصر يقصدونه
ليطرد الشيطان عن أولادهم
و يحمل الفول إلى صحونهم
و يحمل الطعمية
لكنه فاجأنا
يلبس في نيويورك جبة الحاخام
ويقرأ القرآن بالعبرية
و يرفع الآذان بالعبرية
و يهدم الملك الذي أسسه هشام
و يغرس الخنجر في صدر بني أمية

فكيف يا سيدنا الإمام؟
من أجل عبرانية عشقتها
ذبحت أولادك في الظلام
وأمهم بهية
وياللعجب
كان اسمه عنترة
في سالف الزمان
ويدعي بانه من تغلب
كان من قحطان
وأنه تعلم الدين على الشيخ أبي حنيفة
والشعر عن حسان
كان يقول أنه يؤمن بالحرية
والحب والإنسان
وإنه يعشق بنتا حلوة مثل القمر
يدعونها بهية
لكنه فاجأنا
من بعدما أعطاه عبد الناصر الأمان
فافترس الحرية
وافترس الإنسان
وطلق البنت التي يدعونها بهية
وحارب الأنصار والصحابة
وأرجع الأوثان
وارتد عن عبادة الله
إلى عبادة الشيطان
فكيف يا عنترة؟
أصبحت في جراحة صغيرة
حاييم.. أو ناتان
و كيف في جراحة صغيرة؟
أصبحت مخصيا من الخصيان

      لذا قرر نزار الانتقال إلى( سويسرا) فانتقل اليها عام \1984 وبقي فيها خمس سنوات ثم انتقل إلى (لندن )عام \1989 وقضى فيها تسع سنوات حتى رحيله.

        بعد انتقاله للعيش في أوروبا في ثمانينيات القرن المنصرم على إثر اندلاع الحرب الأهلية في  لبنان وحملات الإعلام المصري ضده على خلفية انتقاده اتفاقية (كامب ديفيد ) وبعد ومقتل زوجته (بلقيس)، قرر نزار قباني إقامة حاجز يمنع دخول النساء إلى قلبه او ينشد شعرا فيهن كسابق عهده  .وتفرغ للتأمل والتصوف والحياة العائلية، فكان متصوفا في طقوس فرحه وحزنه وقراءته للقرآن الكريم .

  وقد احب نزار حبيبته الغالية (دمشق ) فكتب لها الكثير  واحلاها قصيدته فيها :

 هذي دمشقُ
وهذي الكأسُ والرّاحُ …
 ..                                           إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ.. لو شرحتمُ جسدي 
                                                      لسـالَمنهُ عناقيـدٌ.. وتفـّاحُ

و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم
                                            سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا

زراعةُ القلبِ.. تشفي بعضَ من عشقوا
                                               وما لقلـبي –إذا أحببـتُ- جـرّاحُ

مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني
                                                 و للمـآذنِ.. كالأشجارِ.. أرواحُ

للياسمـينِ حقـوقٌ في منازلنـا
                                                 وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ
طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا
                                               فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ

هذا مكانُ (أبي المعتزِّ).. منتظرٌ
                                                    ووجهُ (فائزةٍ) حلوٌ و لمـاحُ

هنا جذوري.. هنا قلبي هنا لغـتي
                                         فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟

        قيل في اخر ايامه كتب نزار إحدى قصائده على كيس أدويته من الورق كان بجانب سريره، وحاول تأسيس حزب شعري يختلف عن الأحزاب العربية. فجمعته رفقة يومية بفنجان قهوته قبل أن يدخل مكتبه الكائن في شقته والانطلاق في رحلة الكتابة. وكانت أغنية المطرب عبد الحليم حافظ    ( قارئة الفنجان)  وهي من قصائده أحب إلى قلبه كما كانت قصيدته ( نهر الأحزان ) هي الاجمل في نظره، وأحب لقاءاته وجلساته كانت مع الشاعرين أدونيس ومحمود درويش . ومن نهر الاحزان هذه المقاطع:

عيناكِ كنهري أحـزانِ
نهري موسيقى.. حملاني

لوراءِ، وراءِ الأزمـانِ

نهرَي موسيقى قد ضاعا

سيّدتي.. ثمَّ أضاعـاني

الدمعُ الأسودُ فوقهما

يتساقطُ أنغامَ بيـانِ

عيناكِ وتبغي وكحولي

والقدحُ العاشرُ أعماني

وأنا في المقعدِ محتـرقٌ

نيراني تأكـلُ نيـراني

أأقول أحبّكِ يا قمري؟

آهٍ لـو كانَ بإمكـاني

فأنا لا أملكُ في الدنيـا

إلا عينيـكِ وأحـزاني

سفني في المرفأ باكيـةٌ

تتمزّقُ فوقَ الخلجـانِ

ومصيري الأصفرُ حطّمني

حطّـمَ في صدري إيماني

أأسافرُ دونكِ ليلكـتي؟

يا ظـلَّ الله بأجفـاني

يا صيفي الأخضرَ ياشمسي

يا أجمـلَ.. أجمـلَ ألواني

هل أرحلُ عنكِ وقصّتنا

أحلى من عودةِ نيسانِ؟

أحلى من زهرةِ غاردينيا

في عُتمةِ شعـرٍ إسبـاني

يا حبّي الأوحدَ.. لا تبكي

فدموعُكِ تحفرُ وجـداني

إني لا أملكُ في الدنيـا

إلا عينيـكِ ..و أحزاني

أأقـولُ أحبكِ يا قمـري؟

آهٍ لـو كـان بإمكـاني

فأنـا إنسـانٌ مفقـودٌ

لا أعرفُ في الأرضِ مكاني

ضيّعـني دربي.. ضيّعَـني

إسمي.. ضيَّعَـني عنـواني

تاريخـي! ما ليَ تاريـخٌ

إنـي نسيـانُ النسيـانِ

        وقد طبعت جميع  دواوين  نزار قباني  ضمن  مجلدات تحمل اسم 
( المجموعة الكاملة لنزار قباني ) ، وقد أثار شعر نزار قباني الكثير من الآراء  النقدية  والإصلاحية  حوله، لأنه  كان  يحمل  كثيرا من الآراء التغريبية للمجتمع وبنيته الثقافية ، وألفت  في  شعره العديد من الدراسات والبحوث الأكاديمية وكتبت عنه كثير من المقالات النقدية .

      توفي الشاعر نزار قباني اثر نوبة قلبية  في شقته في (لندن)العاصمة الانكليزية  وحيدا غريبا  في الثلاثين من نيسان عام \1998 وبهذا فقد الادب العربي شاعرا قديرا فذا خالدا.

        له عدد كبير من دواوين الشعر ، تصل إلى 35 ديواناً ، كتبها على مدار ما يزيد على نصف قرن أهمها ( طفولة نهد )، (الرسم بالكلمات)     ( سامبا )، (أنت لي  ) .
كما له عدد كبير من الكتب النثرية أهمها  :
  قصتي مع الشعر
 ما هو الشعر
 100 رسالة حب   .

       ونظم شعره في كل مجالات الحياة وخاصة  في المرأة وحالاتها وعواطفها  وانفعالاتها وحركاتها حتى قيل ان نزار شاعر المرأة ومن شعره فيها كثير من قصائده المغناة حيث تغني اشهر المطربين العرب في شعره مثل ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفيروز وعبد الحليم حافظ  ونجاة الصغيرة وماجدة الرومي وفائزة احمد وكاظم الساهر فاكثروا فيه الغناء ومن قصائد المغناة  هذه القصيدة :

أيظن أني لعبة بيديه؟
                                                 أنا لا أفكر في الرجوع إليه

اليوم عاد كأن شيئا لم يكن
                                                    وبراءة الأطفال في عينيه

ليقول لي : إني رفيقة دربه
                                                   وبأنني الحب الوحيد لديه

حمل الزهور إليّ .. كيف أرده
                                                 وصباي مرسوم على شفتيه

ما عدت أذكر .. والحرائق في دمي
                                                   كيف التجأت أنا إلى زنديه

خبأت رأسي عنده .. وكأنني
                                                       طفل أعادوه إلى أبويه

حتى فساتيني التي أهملتها
                                            فرحت به .. رقصت على قدميه

سامحته .. وسألت عن أخباره
                                                 وبكيت ساعات على كتفيه

وبدون أن أدري تركت له يدي
                                                لتنام كالعصفور بين يديه ..

ونسيت حقدي كله في لحظة
                                                من قال إني قد حقدت عليه؟

كم قلت إني غير عائدة له
                                         ورجعت .. ما أحلى الرجوع إليه ..
               
واختم بحثي  بهذه القصيدة من شعره:-

أيها الناس:

لقد أصبحت سلطانا عليكم

فاكسروا أصنامكم بعد ضلال ، واعبدونى...

إننى لا أتجلى دائما..

فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصرونى

اتركوا أطفالكم من غير خبز

واتركوا نسوانكم من غير بعل .. واتبعونى

إحمدوا الله على نعمته

فلقد أرسلنى كى أكتب التاريخ،

والتاريخ لا يكتب دونى

إننى يوسف فى الحسن

ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعرى

وجبينا نبويا كجبينى

وعيونى غابة من شجر الزيتون واللوز

فصلوا دائما كى يحفظ الله عيونى

أيها الناس:

أنا مجنون ليلى

فابعثوا زوجاتكم يحملن منى..

واعبثوا أزواجكم كى يشكرونى

شرف أن تأكلوا حنطة جسمى

شرف أن تقطفوا لوزى وتينى

شرف أن تشبهونى..

فأنا حادثة ما حدثت








            **************************






عبد الوهاب البياتي 

          ولد عبد الوهاب البياتي  بمدينة ( بغداد)  سنة \   1926ونشأ واكمل دراسته الاولية والجامعية فيها  وتخرج حاصلا على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدبها  سنة \  .1950
     كان عبد الوهاب البياتي ذلك  الصبي المراهق والشاب،كان  إنساناً مستوحشاً بطبيعته، يميل إلى العزلة بشكل مبالغ فيه لا أصدقاء لديه غير صديق أو اثنين. يتسم بالصمت  ولا تهمه شؤون الغير، ولا يستطيع أن يتجاوب معها.اذ لم يكن ذا نفسية متفتحة أبداً، وغالباً ما كان  يبقى صامتاً ساعات وساعات لا يتفوّه بكلمة  وقد تغير بعد اتصاله بالاخرين بعد تخرجه واشتغاله في التدريس والصحافة وسفره الى الخارج .
ويقول عن حياته الاولى وصباه :
     ( لقد كانت نشأتي دينيّة ولكنها لم تكن بالمعنى التقليدي، إذ إنَّ التربية الدينية أثارت في داخلي الأسئلة المحرقة، وأشعلت كياني بالشوق إلى التخطّي الزمني، وما كان أبدياً لم أكن ألمسه بحواسي، بل مجرد أصوات غامضة  تتردد في جوف ليل لا نهاية له).
      اشتغل مدرسا  ثلاث سنوات بعد التخرج  ثم عمل  بالصحافة سنة \ 1954  في مجلة ( الثقافة الجديدة ) البغدادية حيث أغلقت، وفصل عن وظيفته، ثم تم اعتقاله  بسبب مواقفه الوطنية.ولشيوعيته  ولما اخرج من السجن  سافر إلى ( سوريا)  ثم خذ يتنقل بين  دمشق وبيروت والقاهرة  ثم  سافر الى الاتحاد السوفيتي  واشتغل هناك  استاذا للغة العربية وادابها  في ( جامعة موسكو )  ثم  اشتغل  باحثا علميا  في ( معهد شعوب آسيا ) في موسكو  وزارخلال هذه الفترة اغلب بلدان اوربا الشرقية والغربية
    في سنة\ 1963 اسقطت الحكومة العراقية عنه الجنسية العراقية ( وهذا الاجراء غيرالسليم عادة ما تتخذه الدول النامية والمتخلفة ضد رعاياها غيرالموالين لسياستها  ) في ذلك الوقت  فاضطر الى الرجوع الى القاهرة سنة\ 1964اقا م .فيها  حتى عام  \1970
وبقي متنقلا بين هذه العواصم حتى عام \1980 حيث انتقل الى اسبانيا ليحط رحاله فيها  تسع سنوات حتى عام \ 1989
 ونستطيع ان نطلق على شعره الذي نظمه في اسبانيا  خلال سني بقائه فيها بالفترة الاسبانية حيث اصبح وكأنه أحد الأدباء الإسبان البارزين, إذ أصبح معروفا على المستوى الثقافي  الرسمي والشعبي بشكل كبير وترجمت دواوينه إلى الإسبانية.  ومن شعره  في اسبانيا يقول:
رأيت الدم في شوارع القارة مكتوبًا به الإنجيل والمنشور
مطبوعًا به جبين نيرودا...
ورأيت الدم في شوارع القارة،
نيرودا على خريطة التكوين يستقرئ أقمار
براكين الهنود الحمر، غابة من النعاس،
ليل البحر يستلقي على أسرة العمال
 في مناجم النحاس 
كان الجنرال- القاتل المأجور
وهو خائف، يذيع من دبابة، بيانه الأول..
حامل القربان ألقى وردة في النهر
قال: اشتعلي أيتها الأنهار في القارة باسم
الفقراء 
     وقد تجمع حوله عدد من الشعراء والكتاب  العرب  والاسبان وبعضهم من أميركا اللاتينية خلال تلك السنوات وكان من بين المقربين إليه في تلك الفترة الشعراء  ( بدرومارتينيث مونتابيث) و( كارمن رويث رابو)و(فدريكو أربوس) ، و(الناقد المصري الدكتور خالد سالم )، وتأثر به شعراء و كتاب من أميركا اللاتينية. حيث كانت  تربطه  علاقة صداقة مع عدد كبير من المثقفين في إسبانيا وفي غيرها  خلال إقامته في مدريد، ومن أبرزهم الشاعر( رفائيل ألبرتي)  و(فدريكو غارثيا لوركا ) وكذلك (عضو جيل الـ 27 الشعري) وقد خصه البياتي  ببعدد من  قصائده، وكذلك القاص والشاعر ( أنطونيو غالا). وفي الشاعر فدريكو يقول:
 ( تنقطع الجذور
وآخر السلالة
حفيد هوميروس في مدريد
يعدم رميًا بالرصاص، إرم العماد
تغرق في ذاكرة الأحفاد
مات المغني، ماتت الغابات
وشهريار مات  )

 ويقول فيه ايضا :

(الأرنب المذعور عبر الغسق الغارق في الضباب
تنهشه الكلاب
بكم تبيع، أيها الصياد!
شهادة الميلاد؟
كاترين، وهي تلد الحياة
ماتت، وهذا الأرنب المذعور يصبغ في دمائه مخالب الكلاب والأعشاب
  لوركا يُجرُّ واقفًا للموت في الميلاد
أمامه، كانت كلاب الصيد تجري
 تنبح الجلاد

           ومما يؤخذ عليه  انه لاذ بالصمت الشعري  خلال فترة الحرب العراقية الايرانية بين\ 1980 و1988 وكانه ليس من العراق، إذ لم يشارك الرأي في تلك الحرب التي انهكت البلدين. ولم يبدي رأيا فيها  وكان من المفروض ان يبدي رايه ويظهر وطنيته وموقفه فيها .
       و في سنة\ 1991م سافر إلى الأردن ومنها إلى الولايات المتحدة الإمريكية بسبب وفاة ابنته التي تسكن في كاليفورنيا حيث أقام هناك ثلاثة أشهر أو أكثر ثم رجع الى  (عمان ) في   ( الأردن) بغية السكن فيها  الا انه  غادرها إلى ( دمشق) واقام فيها حتى وافته المنية  وكانت له صداقات ادبية مع العديد من الشعراء العراقيين والعرب منهم  الشاعرالسوري نزار قباني والشاعرالسوداني محمد مفتاح الفيتوري والشاعرالفلسطيني محمود درويش  و بدر شاكرالسياب وبلند الحيدري من العراق 
         توفي الشاعر عبد الوهاب البياتي سنة 1999 بمدينة  ( دمشق )  وهكذا تكون العاصمة السورية قد جمعت الكثير من مراقد او اضرحة   الشعراء العراقيين  فكانت ملاذا لهم  قبل وبعد موتهم .
     ترك لنا الشاعر عبد الوهاب البياتي جملة من الدواوين الشعرية وبعض الكتب النثرية  منها  مايلي: :
  ديوان ملائكة وشياطين 1950م.
  أباريق مهشمة 1955م.
  المجد للأطفال والزيتون 1956م
  رسالة إلى ناظم حكمت 1956م.
  أشعار في المنفى 1957م.
  عشرون قصيدة من برلين 1959م.
  كلمات لا تموت 1960م.
  طريق الحرية (بالروسية) 1962م.
  سفر الفقر والثورة.
  النار والكلمات 1964.
  الذي يأتي ولا يأتي 1966م.
  الموت في الحياة 1968م.
  تجربتي الشعرية 1968م.
 عيون الكلاب الميتة 1969م.
  بكائية إلى شمس حزيران والمرتزقة 1969م.
  الكتابة على الطين 1970م.
  يوميات سياسي محترف 1970م.
    وقد صدر له ديوان عبد الوهاب البياتي ضم هذا الاصدار جميع دواوينه قبل 1971 وهي المذكورة في اعلاه  في ثلاثة أجزاء ونشْر من قبل  دار العودة - بيروت 1972م
  قصائد حب على بوابات العالم السبع 1971م
  سيرة ذاتية لسارق النار 1974م.
  كتاب البحر 1975م.
قمر شيراز 1975م.
  صوت السنوات الضوئية 1979م.
  بستان عائشة 1989م.
  كتاب المراثي 1995
  الحريق 1996
  خمسون قصيدة حب 1997
 البحر بعيد أسمعه يتنهد 1998
  ينابيع الشمس 1998
السيرة الشعرية 1999
ومن أعماله الإبداعية الأخرى
( محاكمة في نيسابور) مسرحية  1973م.
 (بول اليوار، وأراجون)
 (وتجربتي الشعرية)
( مدن ورجال ومتاهات)
( كنت أشكو إلى الحجر) جمعت حواراته هذا الكتاب
            يمتاز شعر عبد الوهاب البياتي بنزوعه نحو عالمية حداثوية معاصرة  مُتأنية  تنبع  من حياته التي عاشها في عواصم عربية واجنبية كثيرة  وكان ذا علاقات واسعة مع أدباء وشعراء عالميين  مثل الشاعر التركي( ناظم حكمت) والشاعر الإسباني (رفائيل ألبرتي) والشاعر الروسي (يفتشنكو) وكذلك بامتزاجه مع التُراث والرموز الصوفية والأسطورية حيث  شكلت إحدى الملامح المهمة في حضوره الشعري وحداثته. وكانت تربطه علاقة خاصة بالشاعر العراقي ( بدر شاكر السياب) والقاص (غائب طعمة فرمان) وكان هو والسياب ونازك الملائكة من العراق وصلاح عبد الصبورمن مصر روادا للشعرالحر وقد جرت على ايديهم اولى منابعه.
لجأ البياتي إلى الرمز الشخصي وإلى الرمز الجماعي، مستلهمًا الشخصيات التاريخية والأساطير  ، من خلال التراث العربي والإنساني، ليصل به إلى الولادة، إلى عالم جديد، عبر الموت، وهو مسار يمثل إلارواح والعوالم المتجددة من خلال الموت والانبعاث.
 ويعد الشاعر ( لوركا ) أحد أبرز العناصر الرمزية المهمة في شعر عبد الوهاب البياتي، إذ احتل حيزًا كبيرًا ومحوريًا إلى جانب (مدريد) فقد شكلا معًا لحمة في أكثر من قصيدة.من قصائده  وكان لهذا الشاعر الأندلسي والحرب الأهلية الإسبانية سببًا رئيسيًا في اهتمام البياتي المبكر بإسبانيا،

وفي الختام  اقدم هذه القصيدة من شعره (الموت والقنديل )
     1  
صيحاتك كانت فأس الحطاب الموغل في
غابات اللغة العذراء, وكانت ملكًا أسطوريًّا
يحكم في مملكة العقل الباطن والأصقاع
الوثنية حيث الموسيقى والسحر الأسود
والجنس وحيث الثورة والموت . قناع الملك
الأسطوري الممتقع الوجه وراء زجاج نوافذ
قصر الصيف وكانت عربات الحرب
الآشورية تحت الأبراج المحروقة كانت
صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحت الأسوار
المهدومة شعبًا مستلبًا مهزومًا كانت برقًا
أحمر في مدن العشق أضاء تماثيل الربات .
وقاع الآبار المهجورة كانت صيحاتك
صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية
أرحل تحت الثلج أواصل موتي (...) حيث
الموسيقى والثورة والحب وحيث الله.
( 2 )
لغة الأسطورةْ
تسكن في فأس الحطاب الموغل في غابات اللغة العذراء
فلماذا رحل الملك الأسطوريُّ الحطَّابْ?
( 3 )
مات مغني الأزهار البريةِ
مات مغني النار
مات مغني عربات الحرب الآشورية تحت الأسوار.

( 4 )
صيحاتك كانت صيحاتي
فلماذا نتبارى في هذا المضمار?
فسباق البشر الفانين, هنا, أتعبني
وصراع الأقدار.
 ( 5 )
كان الروم أمامي وسوى الروم ورائي,
وأنا كنتُ أميل على سيفي منتحرًا تحت الثلج,
وقبل أفول النجم القطبيِّ وراء الأبراجْ
فلماذا سيف الدولة ولَّى الأدبارْ?
( 6 )

ها أنذا عارٍ عُري سماء الصحراءِ
حزينٌ حزنَ حصانٍ غجريٍّ
مسكونٌ بالنارْ.
( 7 )

وطني المنفى
منفايَ الكلماتْ.
( 8 )

صار وجودي شكلاً
والشكل وجودًا في اللغة العذراءْ.

( 9 )
لغتي صارت قنديلاً في باب الله.
( 10 )
أرحل تحت الثلج, أواصل موتي في الأصقاعْ.
( 11 )
أيتها الأشجار القطبية, يا صوت نبي يبكي, يا رعدًا
في الزمن الأرضيِّ المتفجر حبّا, يا نار الإبداع.
لماذا رحل الملك الأسطوريُّ الحطاب ليترك هذي
الغابات طعامًا للنار? لماذا ترك الشعراء
خنادقهم? ولماذا سيف الدولة ولَّى الأدبار? الروم
أمامي كانوا وسوى الروم ورائي وأنا كنت أميل
على سيفي منتحرًا تحت الثلج وقبل أفول النجمِ
القطبيِّ وراء الأبراج. صرختُ: تعالوا!
لغتي صارت قنديلاً في باب الله, حياتي
فرت من بين يدي, صارت شكلاً والشكلُ
وجودًا. فخذوا تاج الشوك وسيفي
وخذوا راحلتي
قطراتِ المطر العالق في شَعْرِي
زهرةَ عباد الشمس الواضعةَ الخد على خدي
تذكارات طفولة حبي
كتبي, موتي
فسيبقى صوتي
قنديلاً في باب الله

************************************



عبد الله البرد وني


      هو عبد الله بن صالح بن حسن الشحف البردوني  اليماني
        ولد عام  1929 م  في قرية (البردون) من محافظة (ذمار) في
اليمن  .       
   وقد أصيب بالعمى في الخامسة من عمره أي في سنة\ 1933 حيث اصيب بمرض الجدري فافقده بصره وهو طفل  الا انه دخل الكتاب وهو اعمى فحفظ قرابة ثلث القران الكريم على يد والده  والشيخ (يحيى حسين القاضي)  ثم انتقل الى مدينة (ذمار )عام \ 1937 ليكمل حفظ القران الكريم وكتابة وتجويدا على القرآت السبع المتبعة في القران الكريم في (المدرسة الشمسية ) في مدينة ( ذمار) لمدة عشر سنوات  .
         ادخل السجن في عهد (الإمام أحمد حميد الدين ) عام\ 1948 لمدة تسعة اشهر فصور حالته  فيه احسن تصوير في شعره في إحدى قصائده  فكأنه  في اربعة سجون في واحد حسب تعبيره:  العمى والقيد والجرح والسجن  يقول :
هدني السجن وأدمى القيد ساقي
 فتعاييت   بجــرحــي  ووثاقي
وأضعت الخطو في شوك الدجى 
والعمى والقيد والجرح رفاقي
في سبيل الفجر ما لاقيت في
رحلة التيه وما سوف ألاقي
سوف يفنى كل قيد وقوى
 كل سفاح وعطر الجرح باقي

      ثم انتقل إلى الجامع الكبير في مدينة( صنعاء) عاصمة البلاد عام  \1949 حيث درس على يد العلامة (أحمد الكحلاني)، والعلامة( أحمد معياد.) وغيرهما  ثم انتقل إلى دار العلوم في (صنعاء) ومنها حصل على إجازة في العلوم الشرعية والتفوق اللغوي في اللغة العربية . ثم عين مدرسا للأدب العربي في( دار العلوم) سنة \1953 وواصل قراءاته للشعر وقرضه واوزانه  وقوافيه واساليبه ومعانيه وفي مختلف أطواره كذلك درس كتب الفقه والمنطق والفلسفة.
  وفي عام \ 1954 اشتغل وكيلا للشريعة الاسلامية  ك(محامي ) واختص بالامور الشرعية في قضا يا الطلاق  فاطلق عليه (وكيل المطلقات).
  وفي عام \1958  توفت والدته (نخلة بنت احمد العامر ) فرثاها في قصيدة بائية طويلة نقتطف منها هذه الابيات :
تركتني ها هنا بين العذاب
ومضت،ياطول حزني واكتئابي
تركتني للشقا وحدي هنا
واستراحت وحدها بين التراب
حيث لاجور و لابغي ولا
ذرة  تنبي   وتنبي    بالخراب
حيث لا سيف ولا قنبلة
حيث لا  حرب ولا  لمع حراب
حيث لا قيد ولا سوط ولا
ظالم    يطغى  ومظلوم  يحابي
*      *       *
خلفتني  أذكر الصفو كما
يذكر   الشيخ   خيالات الشباب
ونأت عني وشوقي حولها
ينشد الماضي وبي-أواه-مابي
ودعاها حاصد العمر إلى
حيث أدعوها فتعيا عن جوابي
حيث أدعوها فلا يسمعني
غير صمت القبر والقفر اليباب
موتها كان مصابي كله
وحياتي  بعدها  فوق  مصابي
       اما زواجه فقد تم بعد رور عام على وفاة امه  حيث اقترن بزوجته (فاطمة الحمامي) سنة \1959 الا انها  توفيت عام \ 1974  فبقي عازبا حتى عام \1977 حيث تزوج مرة ثانية من السيدة( فتحية الجرافي) .
    عيين  مديرا للاذاعة  في صنعاء في سنة \ 1969ثم أبعد عن منصبه هذا بعد عام واحد  الا انه بقي  يواصل  برنامجه ( مجلة الفكر والادب ) في هذه الاذاعة . ثم انتخب  رئيسا لاتحاد الادباء والكتاب  في اليمن  في عام 1970
     ومن المهم ان اذكر ان الامم المتحدة اصدرت عملة فضية عليها صورة الشاعر عبد الله البردوني كمعوق تجاوز عجز عوقه  في عام \1982ويعتبر هذا تكريما عالميا لشاعرنا .
  ولما توفي  والده ( صالح  عبد الله الشحف البردوني )عام  \ 1988 
فقال فيه :
يقولون لي مالي صمت عن الرثا
       فقلت  لهم إنّ  العويل  قبيح
و ما الشعر إلاّ للحياة و إنّني
       شعرت     ما   شعرت    أنوح
و كيف أنادي ميّتا حال بينه
       و بيني تراب صامت و ضريح
و ما النوح إلاّ للثّكالى و لم أكن      
كثكلى على صمت النعوش تصيح
   كرّم في حياته في العديد من الجوائز منها مايلي :
 - نال جائزة مهرجان( أبي تمام) بالموصل في العراق سنة \1971. وهي أهم قصائده التي إشتهر على إثرها عربياً اسماها : قصيدة ( أبو تمام وعروبة اليوم) التي ألقاها في مهرجان المربد و قال فيها  :

ما أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب
وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب
بيض الصفائح أهـدى حين تحملها
 أيد  إذا  غـلبت  يعلو  بها  الغلب
وأقبح النصر.. نصر الأقوياء بل
 فهم.. سوى فهم كم باعوا.. وكم كسبوا
أدهى من الجهل علم يطمئن إلى
أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا
ويختمها قائلاً:
حبيب( مازال فـي عينيك أسئلة )
 تبدو.. وتنسى حكاياها فتنتقب
وما تزال  بحلقي  ألف  مبكية
 من رهبة البوح تستحيي وتضطرب
يكفيك أن  عدانا  أهدروا   دمنا
 ونحن من دمنا نحسو ونحتلب
سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا
 يومًا ستحبل من إرعادنا السحب؟
ألا  ترى  يا (  أبا تمام )  بارقنا
 ( إن السماء ترجى حين تحتجب)
 
   نال جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن. 1981
 نال جائزة شوقي وحافظ في القاهرة.1981
  تقلد وسام الأدب والفنون في عدن.1982
  نال جائزة وسام الأدب والفنون في صنعاء1983.
  تقلد وسام الأدب والفنون في صنعاء. 1984
  شارك في مهرجان الشعر العربي الثامن عشر بتونس.1990
  شارك في مهرجان الشعر العربي التاسع عشر بالأردن.1992
  اختير كأبرز شاعر ضمن استبيان ثقافي.1997

    توفي الشاعر عبد الله  بن صالح بن عبدالله  البردوني  يوم الاثنين الثلاثين من اب ( أغسطس)\ 1999م وهو في سفره الى (الأردن ) للعلاج فيه حيث  توقف قلبه عن الخفقان بعد ان تخلد اسمه احد من شعراء العربية في القرن العشرين ومن شعراء الحداثة العربية .
 ترك لنا العديد من الدواوين والدراسات المهمة منها مايلي:
من أرض بلقيس 1961 
في طريق الفجر 1967 
مدينة الغد 1970
لعيني أم بلقيس 1973
السفر إلى الأيام الخضر 1974
وجوه دخانية في مرايا الليل 1977 
زمان بلا نوعية 1979
ترجمة رملية لأعراس الغبار 1983
كائنات الشوق الاخر 1986 
رواغ المصابيح 1989

رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه  1972
قضايا يمنية  1977
فنون الأدب الشعبي في اليمن   1982
الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية   1987
الثقافة والثورة  
    عبد الله البردوني شاعر اليمن عاش حياته مناضلا ضد الرجعية والدكتاتورية وكل اشكال القهر ببصيرة الثوري الذي يطمح ان يرى وطنه وينبغي ان يكون وقد ربط مصيره الشخصي بمستقبل الوطن فأحب وطنه رافضا كل الوجوه فلا يعرف احدا إذا غضب منه الغاضبون  لذا كانوا يتميزون في حضرته غيظا وهو يرشقهم بعباراته الساخرة .
  يتميزشعره بالتجديد وتجاوز التقليد في لغته وبنيته وموضوعاته فهو شاعر ثوري عنيف في ثورته، جريء في مواجهته، يمثل كل الخصائص التي امتاز بها شعر اليمن الحديث . محافظ على كيان القصيدة العربية كما أبدعتها عبقرية الشعراء يقول :
هذي البيوت الجاثمات إزائي
                   ليل من الحرمان و الإدجاء
من للبيوت الهادمات كأنّها
                      فوق الحياة مقابر الأحياء
 تغفو على حلم الرغيف و لم تجد
                      إلاّ خيالا منه في الإغفاء
و تضمّ أشباح الجياع كأنّها   
                      سجن يضمّ جوانح السّجناء
و تغيب في الصمت الكئيب كأنّها
                      كهف وراء الكون و الأضواء
خلف الطبيعة و الحياة كأنّها
                       شيء وراء طبائع  الأشياء
ترنو إلى الأمل المولّي مثلما
                      يرنو الغريق إلى المغيث النائي
و تلملم الأحلام من صدر الدّجا
                         سرا كأشباح الدجا السوداء
هذي البيوت النائمات على الطوى
                       توم العليل على انتفاض الداء
نامت و نام اللّيل فوق سكونها
                         و تغلّفت بالصمت و الظلماء
و غفت بأحضان السكون و فوقها
                          جثث الدجا منثورة الأشلاء
و تلملمت تحت الظلام كأنّها
                              شيخ ينوء بأثقل الأعباء
أصغى إليها اللّيل لم يسمع بها
                         إلاّ أنين الجوع في الأحشاء
و بكا البنين الجائعين مردّدا
                       في الأمّهات و مسمع الآباء
  وقد أحب الناس وخص بحبه أهل بلده ( اليمن) .  ونذكر انه  كان صاحب  نظرة صوفية في حبهم ومعاشرتهم إذ يحرص على لقائهم بشوشا طاويا ما في قلبه من ألم ومعاناة ويذهب الى عزلته ذاهلا مذعورا قلقا من كل شيء.
 واختم  بحثي بهذه القصيدة الوطنية :
فظيع جهل ما يجري                  
وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعا                  
من المستعمر السّري
غزاة لا أشاهدهم                  
وسيف الغزو في صدري
فقد يأتون تبغا في                  
سجائر لونّها يغري
وفي صدقات وحشي                  
يؤنس وجهه الصخري
وفي أهداب أنثى ، في                   
مناديل الهوى القهري
وفي سروال أستاذ                  
وتحت عمامة المقري
وفي أقراص منع الحمل                  
في   أنبوبة   الحبر
وفي حريّة الغثيان                  
في   عبثيّة    العمر
وفي عود احتلا الأمس                  
في تشكيله العصري
وفي قنيّنة الويسكي                  
وفي قارورة العطر
ويستخفون في جلدي                  
وينسلون من شعري
وفوق وجوههم وجهي                  
وتحت خيولهم ظهري
غزاة اليوم كالطاعون                  
يخفى وهو يستشري
يحجر مولد الآتي                  
يوشيّ الحاضر المزري
فظيع جهل ما يجري                  
وأفظع منه أن تدري
                   
                   *   *   *
يمانيّون في المنفى                  
ومنفيّون في اليمن
جنوبيّون في (صنعا)                  
شماليّون في (عدن)
كالأعمام والأخوال                   
في الإصرار والوهن
خطى (أكتوبر) انقلبت                  
حزيرانيّة   الكفن
ترقّى العار من بيع                  
إلى بيع بلا ثمن
ومن مستعمر غاز                  
إلى مستعمر وطني
لماذا نحن يا مربى                  
ويا منفى بلا سكن
بلا حلم بلا ذكرى                  
بلا سلوى بلا حزن ؟
                  
                   *   *   *
يمانيّون يا (أروى)                  
ويا (سيف بن ذي يزن)
ولكنّا برغمكما                  
بلا   يمن  بلا   يمن
بلا ماض بلا آت                  
بلا   سرّ  بلا   علّن
                   
                   ***
أيا (صنع) متى تأتين ؟                  
من   تابوتك   العفن
تسألني أتدري ؟ فات
                                   قبل مجيئه زمني                  
متى اتي الا تدري                    
إلى أين انثنت سفني
لقد عادت من الاتي                
إلى تاريخها الوثني
   قضيع جهل ما يجري                    
وأفظع منه أن تدري
                   *   *        *
                
شعاري اليوم يا مولاي
نحن نبات إخصابك
لأن غناك اركعنا
على أقدام أحبابك
فألّهناك قلنا : الشمس
من أقباس أحسابك
   فنم يا (بابك الحرمي)
على (بلقيس) يا (بابك)
  ذوائبها سرير هواك
بعض ذبول أربابك
وبسم الله ـ جلّ الله
نحسو كأس أنخابك
                   *    *      *
أمير النّفط نحن يداك
نحن أحدّ أنيابك
ونحن القادة العطشى
إلى فضلات أكوابك
ومسئولون في (صنع)
وفرّاشون في بابك
ومن دمنا على دمنا
تموقع جيش إرهابك
لقد جئنا نجرّ الشّعب
في أعتاب أعتابك
ونأتي كلّما تهوى
نمسّح نعل حجابك
  ونستجديك ألقابا
نتوجها   بألقابك
  فمرنا كيفما شاءت
نوايا ليل سردابك
  نعم يا سيّد الأذناب
إنّا   خير  أذنابك
 فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري


****************************










فدوى طوقان


      ولدت فدوى طوقان سنة\ 1917 في مدينة (نابلس)  بفلسطين من عائلة فلسطينية اصيلة وعريقة. غنية ومحافظة جداً، وفي نابلس تلقت تعليمها الابتدائي الا انها لم تكمل مرحلة التعليم الابتدائي فقد أخرجت من المدرسة لأسباب اجتماعية قاسية، جعلتها تتلقى أول ضربة قاسية  في حياتها فقد ألقى القدر في طريقها شابا في عمر الصبا رمى  لها (وردة فل)  تعبيراً عن إعجابه بها،
   وكان هناك من يراقب الحالة ويتابعها ، فوشى بالأمر الى أخيها يوسف، وكان صعب المراس ودخل يوسف عليها كزوبعة هائجة (قولي الصدق)... وقالت الصدق لتنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، وهوالعنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لممارسته رياضة حمل الأثقال فكان قويا وصعبا.
أصدر شقيقها يوسف حكمَه القاضي عليها بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتها كما هددها بالقتل إذا تخطت عتبة باب المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.
     عانت فدوى طوقان من قساوة الواقع الاجتماعي الذي قذف بها بعيداً بين جدران البيت السماوي في البلدة القديمة من مدينة (نابلس)، فتنظر إلى نفسها بشيء من الخجل والاتهام، لقد فقدت مدرستها التي أرادت أن تثبت نفسها من خلالها، وحرمت منها وهي في أمس الحاجة لها وكان موقف أبيها منها انه لا يخاطبها مباشرة على عادة الرجال في زمانه- وإنما يخاطب أمها إذا أراد أن يبلغها شيئاً، ثم تقوم أمها بعد ذلك بتوصيل ما يريده أبوها منها.
كان أشد ما عانته حرمانها من الذهاب الى المدرسة وانقطاعها عن الدراسة.
     بدأت علاقة الشاعرة بأخيها إبراهيم منذ وقت مبكر من حياتها، وكان بالنسبة لها الأمل الوحيد المتبقي في عالمها المثقل بعذابات المرأة وظلم المجتمع، ورأت فيه الضوء الذي يطل عليها من خلف أستار العتمة والوحشة والوحدة.
 شكلت عودة اخيها إبراهيم من ( بيروت ) إلى( نابلس )، في تموز\ 1929 ، بعد أن أكمل دراسته وحصل على شهادته من الجامعة الأمريكية في (بيروت)، عاملاً مساعداً لإعادة بعض الفرح إلى حياة فدوى طوقان، ورأت في قربه منها عاملاً مساعداً في إعادة ثقتها بنفسها، وترسيخ خطواتها على درب التعليم الذاتي الذي ألزمت نفسها به بعد أن أجبرت على ترك المدرسة، فتقول:
(كانت عاطفة حبي له قد تكونت من تجمع عدة انفعالات طفولية سعيدة كان هو مسببها وباعثها.
أول هدية تلقيتها في صغري كانت منه
وأول سفر من أسفار حياتي كان برفقته
  كان هو الوحيد الذي ملأ فراغ النفس الذي عانيته بعد فقدان عمي، والطفولة التي كانت تبحث عن أب آخر يحتضنها بصورة أفضل وأجمل وجدت الأب الضائع مع الهدية الأولى والقبلة الأولى التي رافقتها في اخيها ابراهيم ).
وكان تعامله معها يعطيها انطباعاً بأنه معني بإسعادها وإشاعة الفرح في قلبها، وخاصة حين كان يصطحبها في مشاويره إلى الجانب الغربي من سفح جبل (عيبال).
      وبعد إقامة إبراهيم في( نابلس ) بدأ سطر جديد في حياة فدوى طوقان فنذرت نفسها لخدمته والاعتناء به، وتهيئة شؤونه، ورأت في ذلك غاية سعادتها ومنتهى طموحها، وقد بلغ من تعلقها بأخيها أنها كانت تخاف عليه المرض والأذى، فهو الهواء الذي يتنفسه وكان إبراهيم يبادلها حباً بحب، يأخذ بيدها، ويحاول تخفيف معاناتها، بخاصة عندما عرف بقصتها، وما حل بها جراء فقدانها المدرسة ومكثوها في البيت  فراح يعاملها بالحب والحنان الغامر.
  ولم يترك القدر لفدوى هذا النور الذي لاح مضيئاً في سمائها المظلمة، فقد أقيل أخوها من عمله في القسم العربي في الإذاعة الفلسطينية وغادر مع عائلته إلى العراق بضعة أشهر مرض خلالها في العراق ثم عاد إلى
( نابلس)  حيث  توفاه الاجل فكانت وفاته اقوى ضربة أهوى بها القدر عليها ففجر فيها ينبوع ألم لا ينطفئ ومن هذا الينبوع تفجرت منابع أشعارها على اختلاف موضوعاتها  وهكذا انكسرت نفسيها في داخل اعماقها وسكنتها حرقة اليتم على حد قولها.
تقول في رثاء اخيها ابراهيم طوقان :
يا أخا الروحِ رجاءً لا تمُتْ
أو فخُذْ روحي معك
ليتني أحمِلُ عن قلبكَ ما
يوجع قلبك
لو ترى كم رفع القلبُ إلى اللّه
صلاة القلب كي يشفي بروح منه جُرحَك
يا أخا الروح رجاءً لا تمُتْ
نقطةُ الضوءِ بعمري أنت
نبراسي المضيء
ابْقَ لي أرجوك
ابْقَ الضوءَ والنكهةَ والمعنَى
وأحلى صفحةٍ في سِفْر شِعري
وّجَت آخرَ عمري
حلمٌ
حلمتُ...
رأيت قصائد قلبي التي لم أقلها
تموت واحدة بعد أخرى
حزنتُ... وقمت إليها
ألملمها جثثًا ورفاتْ
بكيت عليها وغسلّتها بالدموعْ
وسلّمتها لمهب الرياحْ
رجعت بخفي حنينْ
بكفين فارغتين
       كانت فدوى تتابع أخاها إبراهيم في كتابته للشعر، وتوجيهه للطلاب الذين كانوا يكتبونه فعلمها كيف تكتب  الشعر وتحفظه   . واختار لها قصائد ثم يقول لها :
- لقد تعمدت أن أختار هذا الشعر لك لتري كيف كانت نساء العرب تكتب الشعر الجميل،
   وهكذا بدأت رحلتها  مع الشعر تحفظ القصائد التي يختارها لها اخوها إبراهيم، وبدأت تتعلم من جديد في مدرستها الجديدة التي فتح إبراهيم أبوابها، وهي مرحلة تشعر فيها بذاتيتها وإنسانيتها وحقها في التعلم، وتجدد معها ثقتها بنفسها فأصبحت خفيفة كالطائر، ولم تعد مثقلة القلب بالهم والتعب والنفس.

      فقد درست على يد أخيها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان، الذي نمّى مواهبها ووجهها نحو كتابة الشعر، كما شجعها على نشره في العديد من الصحف العربية، وأسماها (أم تمّام). ثم أسماها الشاعر (محمود درويش) (أم الشعر الفلسطيني).
وقد وقّعت قصائدها الأولى باسماء مستعارة  مثل (دنانير) ، وهو اسم جارية عباسية، او باسم ( المطوقة ) كات احب الاسماء الى قلبها  لانه  يمثل إشارة مزدوجة، وفيه تورية فصيحة إلى حال الشاعرة. فالمطوقة تعني انتسابها إلى عائلة طوقان المعروفة، وكذلك يرمز إلى وجودها  في مجتمع تقليدي قاس ارهقها كثيرا .  بدأت فدوى طوقان بكتابة الشعر العمودي، ثم مالت إلى الشعر الحر فكتبت فيه الكثير ما احلاها وهي تغني:
أوت الى الحقل كطيف كئيب
يرسو بعينها أسى غامر
في روحها اللهفى اضطراب غريب
وقلق مستبهم ، خائر . . .
غامضة ، في العمق أغوارها
فيض انفعالات وإحساس
صيّرها شذوذ أطوارها
غريبة في عالم الناس
تأملت في السنبل الوادع
يموج في الحقل زكيّا نماه
تكاد في سكونها الخاشع
تسمع في السنبل نبض الحياه
وفي رؤى خيالها الشارد
منجذباً بروعة السنبل
لاحت لعينيها يد الحاصد
يخفق فيها شبح المنجل
رأت رغيفا جبلته دموع
دموع مكدودين مستضفين
أنضاء حرمان وبؤس وجوع
هانوا على الرحمة والراحمين
رأته في كفّ غنيّ بخيل
سطت عليه يده الجانيه
الخبز في كيانه يستحيل
خلجات شح كزّةً قاسية
ومدّت الأفكار أظلالها
فلم تزل شاخصة في وجوم
من أبصر استغراقها خالها
مخبولة تهيم فوق الغيوم
كانت تناجي ما وراء الفضاء
قوى القضاء الغامض المبهم :
من يمطر الرزق على ذي الثراء
ويمسك الرزق عن المعدم ؟
كم بائس ، كم جائع ، كم فقير
يكدح لا يجني سوى بؤسه
ومترف يلهو بدنيا الفجور
قد حصر الحياة في كأسه
أرحمه الله بعليا سماء
تقول أن يكتظّ جوف الثري ؟!
ويحرم المعوز قوت الحياة
في عيشه المضطرب الأعسر
أليس في قدرته القادره
أن يمسح البؤس ويمحو الشقاء !
أليس في قوّته القاهره
أن يغمر الأرض بعدل السماء !
وراعها صوت عميق مثير
جلجل فيها مثل صوت القدر :
لم تحبس السماء رزق الفقير
 لكنه في الأرض ظلم البشر . .
وأطرقت ، نهباً لشك مريب
يملؤها منه أسىً غامر
في روحها اللهفى اضطراب غريب
وقلق مستبهم ، حائر
    توالت النكبات في حياة فدوى طوقان فقد  توفي والدها ثم أخوها إبراهيم الذي كان معلمها الاول في الثقافة والادب والشعر ، وأعقب ذلك إحتلال فلسطين في نكبة سنة \1948، وقد تركت تلك المآسي المتلاحقة أثرها الواضح في نفسية فدوى طوقان كما يتبين من شعرها  وقد دفعت الاحوال القاسية  فدوى طوقان إلى المشاركة في الحياة السياسية خلال الخمسينيات من القرن الماضي.
 أتغصب أرضي؟
أ يسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد
 أصبحت ذلة عاري هنا
أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة
أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة
سأنهي بنفسي هذه الرواية
فلا بد ، لا  بد من عودتي
كان بعينه يرسب شيء
ثقيل كآلامه مظلم
لقد كان يرسب سبع سنين
انتظار طواها بصبر ذليل
تخدره عصبة المجرمين
وترقد تحت حلم ثقيل
أهوى على أرضه في انفعال يشم ثراها
يعانق أشجارها ويضم لآلئ حصاها
ومرغ كالطفل في صدرها الرحب خداً وفم
وألقى على حضنها كل ثقل سنين الألم
وهزته أنفاسها وهي ترتعش رعشة حب
وأصغى إلى قلبها وهو يهمس همسة عتب
رجعت إلي
وكانت عيون العدو اللئيم على خطوتين
رمته بنظرة حقد ونقمة
كما يرشق المتوحش سهمه
ومزق جوف السكوت المهيب صدى طلقتين.
- وتقول فدوى طوقان في قصيدة الأفضال :
إلي أين أهرب منك وتهرب مني؟
إلي أين أمضي وتمضي؟
ونحن نعيش بسجن من العشق
سجن بنيناه، نحن اختياراً
ورحنا يد بيد..
نرسخ في الأرض أركانه
ونعلي ونرفع جدرانه
    تأثرت فدوى طوقان باحتلال فلسطين بعد نكبة \ 1948 كثيرا  وزاد تأثرها اكثر بعد احتلال مدينة ( نابلس ) خلال حرب\ 1967 فذاقت طعم الاحتلال وطعم الظلم  والقهر وانعدام الحرية و كانت قضية فلسطين تمثل وجدانا داميا في أعماق فدوى  فيأتي شعرها الوطني صادقا متماسكا أصيلا لا مكان فيه للتعسف والافتعال .تقول :
على أبوابِ يافا يا أحِبائي
وفي فوضى حُطامِ الدُّورِ ، بين الرَّدْمِ والشَّوْكِ
وقفْتُ وقلتُ للعينين :
يا عينين قِفا نبكِ
على أطلالِ مَنْ رحلوا وفاتوها
تُنادي مَنْ بناها الدارْ
وتَنعى مَنْ بناها الدارْ
وأنَّ القلبُ مُنسحقاً
وقال القلبُ :
(ما فَعَلَتْ بِكِ الأيامُ يا دارُ ؟
وأينَ القاطنونَ هُنا ؟
وهلْ جاءَتْكِ بعدَ النأي ، هل جاءَتْكِ أخبارُ ؟
هُنا كانوا ، هُنا حلموا
هُنا رَسموا مشاريعَ الغدِ الآتي
فأينَ الحُلْمُ والآتي ؟ وأيْنَ هُمُو ؟
وأيْنَ هُمُو  ؟)
ولمْ ينطِقُ حُطامُ الدارْ
ولمْ ينطِقْ هُناك سوى غيابِهِمُو
وصمْت الصَّمْت والهِجرانْ
وكان هُناكَ جمعُ البومِ والأشباحِ
غريبَ الوجهِ واليدِ واللسانِ ، وكان
يُحوِّمُ في حواشيها
يمدُّ أُصُولَه فيها
وكانَ الآمِرَ الناهي
وكانَ ... وكانْ ...
وغُصَّ القلبُ بالأحزان
كان حمزة
واحداً من بلدتي كالآخرين
طيباً يأكل خبزه
بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبينْ
قال لي حين التقينا ذات يوم
وأنا أخبط في تيهِ الهزيمة :
اصمدي ، لا تضعفي يا بنةَ عمي
هذه الأرضُ التي تحصدها نارُ الجريمة
والتي تنكمشُ اليوم بحزنٍ وسكوتْ
هذه الأرض سيبقى
قلبُها المغدورُ حياً لا يموتْ
         ونلاحظ  في شعر فدوى طوقان وقصائدها انها تمثل  الفتاة الفلسطينية التي تعيش في مجتمع تحكمه التقاليد والعادات البالية فقد منعت من إكمال تعليمها وإبراز مواهبها الأدبية ومن المشاركة في الحياة العامة للشعراء والمثقفين ومنعت من الزواج مما جعلها تدعو في كثير من قصائدها إلى تحرر المرأة ومنحها حقوقها واحترام مواهبها وإبداعاتها، وجعلها محط احترام وتقدير تقول :
هناك فوق الربوة العالية
                                        هناك في الأصائل الساجيه
فتاة   أحلام    خالية
                                         تسبح في أجوائها النائيه
الصمت والظلّ وأفكارها
                                         رفاقها ، والسرحة الحانية
حياتها  قصيدة      فذّة
                                             منبعها الحسّ ونيرانه
وحلم    محيّر    تائه
                                             من قلق اللهمة ألوانه
حياتها بحر نأى غوره
                                             وإن بدت للعين شطآنه
رنت فتاة الشعر مأخوذةً
                                              بصور الطبيعة الخالية
والأفق الغربي تطفو به
                                             ألوانه الورديه اللّاهبه
كأنه  أرض    خرافيّةٌ
                                                هوت اليها شمسه الغاربه
ودّت وفيها لهفٌ كاسح
                                               لو تأخذ الكون الى صدرها
تحضنه وتشبع الروح من
                                                آياته الكبرى ومن سحرها
تعانق الأرض . . تضمُ السنا
                                                     تقبّل الغيوم في سيرها
ودفعت بعينها في المدى
                                                    تنهبه بالنظرة الواغله
ما أجمل الوجود ! واستغرقت
                                                  في نشوة فائضة شامله
تلتهم الكون بإحساسها
                                                   بقلبها، بروحها الذّاهلة
ما أجمل الوجود !! لكنها
                                                أيقظها من حلو أحساسها
فراشة تجدَ لت في الثرى
                                                      تودعه آخر أنفاسها
تموت في صمت كأن لم تفض
                                               مسارح الروض بأعراسها
دنت إليها و انثنت فوقها
                                                 ترفعها مشفقة حانيه:
أختاه ، ماذا ؟هل جفاك الندى
                                              فمتّ في أيامك الزاهية ؟
هل صدّ عنك الزهر ؟هل ضيّعت
                                           هواك أنسام الربى اللاهيه؟
كم أشعلت روحك حمّى الصبى
                                     وأنت سكرى بالشذى و الرضاب
طافرةً بين رياض الهوى
                                       راقصة فوق الربى و الهضاب
توشوشين الزهر حتى يُرى
                                            منفعلاً من هذيانِ الشباب
كم بلبل بالورد ذي صبوةٍ
                                           ألهبت فيه الغيرة السّاعرة
كم زنبق عانقته كم شذى
                                           روّيت منه روحك الفائره.
فأين منك الآن دنيا الهوى
                                       وأين أحلام الهوى الساحره!!
ماذا ؟ تموتين ؟ فوا حسرتا
                                     على عروس الروض بنت الربيع
أهكذا في فوران الصّبى
                                          يطويك إعصار الفناء المريع
وحيدةً ، لا شيّعتك الربى
                                          ولا بكى الروض بقلب صديع
أختاه لا تأسي فهذي أنا
                                           أبكيك بالشعر الحنون الرقيق
قد أنطوي مثلك منسيّةً
                                             لا صاحب يذكرني أو رفيق
أواه : ما أقسى الردى ينتهي
                                          بنا الى كهف الفناء السحيق !
واضطربت اعماقها مثلما
                                               دوّم إعصارٌ بقلب الخضم
و انتفضت مذعورة في أسىً
                                              و ارتعدت مرعوبة في ألم
فلم يكن يصدم أحلامها
                                            إلا رؤى الموت وطيف العدم
وحدّقت في غير شيء وقد
                                              حوّمت الأشباح في رأسها
ولا صور الوجود خلابة
                                                تنبعث النشوة في نفسها
ولا رؤى الخيال رفّافة
                                             تخدّر المحموم من هجسها
و دفق الليل كبحر طغى
                                            فانحدرت تحت عباب المساء
تخبط في الدرب و قد غمغمت
                                             شاخصة المقلة نحو السماء
يا مبدع الوجود ، لو صنته
                                        من عبث الموت و طيش الفناء
     حملت فدوى طوقان رسالة الشعر النسوي في الشعرالحديث  والمعاصر ومكنها من ذلك تضلعها في الفصحى وتمرسها بالبيان وهي لا تردد شعرا مصنوعا تفوح منه رائحة الترجمة والاقتباس وكانها لها أمداً بعيداً هي منطلقة نحوه وقد انشق أمامها الطريق  .تقول:
لم تحبس السماء رزق الفقير
                                           لكنه في الأرض ظلم البشر  
وأطرقت ، نهباً لشك مريب
                                                يملؤها منه أسىً غامر
في روحها اللهفى اضطراب غريب
                                              وقلق مستبهم ، حائر!..
.       وفي مساء السبت الثاني عشر من شهر كانون الاول ( ديسمبر) عام 2003 ودعت فدوى طوقان الحياة الدنيا عن عمر يناهز السادسة والثمانين عامًا قضتها مناضلة بكلماتها وأشعارها في سبيل حرية فلسطين،
وكُتب على قبرها قصيدتها المشهورة:

كفاني أموت عليها وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشبًا على أرضها
وأبعث زهرة إليها
تعبث بها كف طفل نمته بلادي
كفاني أظل بحضن بلادي
ترابًا،‌ وعشبًا، وزهرة. ...

 اما آثارها الادبية والثقافية
صدرت للشاعرة المجموعات الشعرية التالية تباعاً:
وحدي مع الأيام           ديوان شعر
وجدتها                        ديوان شعر
أعطنا حباً                 ديوان شعر
أمام الباب المغلق           ديوان شعر
الليل والفرسان             ديوان شعر
على قمة الدنيا وحيدا      ديوان شعر
تموز والشيء الآخر     ديوا ن  شعر
اللحن الأخير               ديوان  شعر
وقد ترجمت منتخبات من شعرها إلى اللغات: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والفارسية والعبرية.
 أخي إبراهيم، المكتبة العصرية،
رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) وترجم إلى الانجليزية والفرنسية واليابانية والعبرية.
الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية)  نثر   ترجم إلى الفرنسية.

واختم بحثي بهذه القصيدة الجميلةلشاعرتنا فدوى طوقان :
كان وراء البنت الطفلةِ
عشرةُ أعوامْ
حين دعته بصوتٍ مخنوقٍ بالدمعِ:
حنانك خذني
كن لي أنت الأبَ
كن لي الأمّ
وكن لي الأهلْ
وحدي أنا
لا شيء أنا
أنا ظلّ
وحدي في كون مهجور
فيه الحبُّ تجمّدْ
فيه الحسُّ تبلّدْ
وأنا الطفلةُ تصبو للحبِّ وتهفو
للفرحِ الطفْليِّ الساذجْ
للنطّ على الحبلِ
وللغوصِ بماءِ البركةِ
للّهو مع الأطفالْ
لتسلّق أشجارِ الدارْ
القمعُ يعذبني
والسطوة ترهبني
والجسم سقيمٌ منهار
أرفعُ وجهي نحو سماءِ الليلْ
أهتفُ
أرجُو
أتوسّل:
ظلّلني تحت جناحيكَ
أغثني
خذني من عشرة أعوامِي
من ظلمةِ أيامي خذنِي
وسّعْ لي حضنَك دَعْني
أتوسَّدُ صدرَك امنحني
أمنًا وسلام
يا بلسمَ جرحِ المطحونينْ
وخلاص المنبوذين المحرومينْ
خذني!
خذني!
يجري نهرُ الأيام يمرُّ العامُ
وراءَ العامِ وراءَ العامِ
الطفلةُ تكبَرُ والأنثى
وردةُ بستانْ
تتفتّح والأطيارُ تطوفْ
وتحوم رفوفًا حول الوردةِ
بعد رفوفْ
الزّمنُ الصعْبُ يصالحها
ومجالي الكوْن تضاحكها
والحبُّ يفيضُ عليها
من كلّ جهات الدنيا
ويطوّقها بتمائمه
ويباركها بشعائِرِه
ويساقيها من كوثرِهِ
ما أحلى الحبّ وما أبهاه!
الأنثى الوردةُ بعد سُراها
وتخبّطها في ليلِ متاههْ
تتربَّعُ في ملكوتِ الحبّْ
تصير إلههْ
هالاتُ النورِ تتوّجُها
وتلاطفها قُبَلُ الأنسامْ
ما أحلى الحبّ وما أبهاهْ!
فيه الليلُ سماءٌ تَهْمِي
تُمطر موسيقى وقصائدْ
وقناديلُ الكلماتِ تصبُّ
الضوءَ على أملٍ واعدْ
ما أحلى الحبّْ!
تتفتح فيه عيون القلبْ
ما أحلاه حين يمسُّ شغافَ القلبِ
فيبصرُ ما لا يبصرهُ العقلُ ويدرِكُ
ما لا يدركه الفكرُ ويسبرُ ما لا
تبلغُهُ الأفهامْ
ما أحلى الحبّ وما أبهاهْ!
كونٌ مكتملٌ ومعافى
لم يتشظَّ ولم يتمزَّقْ
يتناسق فيه العمرُ ويمسي
إيقاعًا كونيّ الأنغامْ
تتماهى فيهِ (أنا) مع (أنتْ)
تزهو بحوارٍ موصولٍ
حتى في الصمتْ
ما أحلى الحبّ وما أبهاهْ!
يحيا بين يديْه رميمْ
تندى أرضٌ, تحضرُّ عظامْ
فيه الزمنُ المسحورُ يقاسُ
بدقّاتِ القلبِ المبهورْ
لا بالسَّاعاتِ يُقاس ولا
بتوالي الأشهرِ والأعوامْ
ما أحلى الحبّْ!




****************************



















الشاعر وليد الاعظمي




         هو وليد بن عبد الكريم  بن ابراهيم بن مهدي العبيدي الأعظمي
     ولد في منطقة( الاعظمية ) ببغداد سنة\ 1930 ونشأ فيها واكتمل
درس في مدرسة (الاعظمية الابتدائية الاولى)، وتعلم قراءة القرآن الكريم على يد الملاعميد الكردي في (الاعظمية).وتربى في (جامع الامام الاعظم) ، وكان يحضر مجالس العلماء منهم العلامة (الشيخ قاسم القيسي) (مفتي بغداد) والعلامة (د.تقي الدين الهلالي) والعلامة (محمد القزلجي) والعلامة (الشيخ عبد القادر الخطيب) والعلامة الحاج (حمدي الاعظمي )والعلامة الشيخ (امجد الزهاوي.).وغيرهم.

        وقد انتسب الى (جمعية الاخوة الاسلامية) عام 1950م وكذلك درس الخط العربي والزخرفة الاسلامية في( معهد الفنون الجميلة) ببغداد وتخرج منه..وقد نال اجازة في الخط العربي من عدد من العلماء والمشايخ المختصين بالخط العربي .

       بدأ ينظم الشعر في طفولته وصباه، وساعده حفظه لكثير من الشعر العربي القديم والحديث وتوجيهات خاله السيد (مولود الصالح) والاستاذ (محمود يوسف) المدرس المصري الجنسية.وقد ذاع صيته وانتشرت قصائده في العراق  وبقية الدول العربية  وخاصة  المجاورة منها  مثل الكويت والسعودية وسوريا والاردن وكذلك في فلسطين ومصر والجزائر والامارات واليمن وايران. وكانت نظرته دينية عربية قومية  وفي احدى قصائده حول فلسطين يقول :



في كل مؤتمـر تبدو مبـادرة   
                                                فيها لشبابنا الأبطـال تخـذيل

يقررون ويحتجـون لاهـية
                                               قلوبهـم  فـهي أدوار وتمـثيل

لا ينبسون بحرف فيه بارقـة
                                           من الصمود ليستقوي بها الجيل

يهرولون ليرضى(بوش) سيدهم
                                           عنهم ويشكرهـم موشي ورابيل

ولا ترد أذى أعدائنـا صـور
                                             ولا ترد  الصـواريخ  التمـاثيل

هم الأسـود على أبناء أمتهـم
                                          وعند (شـارون ) أقـزام مهازيل


         نشر العديد من قصائده ومقالاته وبحوثه في النقد الادبي واللغة والتاريخ والفن في عدد من الصحف والمجلات مثل مجلة ( الوعي
الاسلامي )الكويتية ومجلة (المجتمع ) البيروتية ومجلة (المجمع العلمي العراقي) ومجلة ( الرسالة الاسلامية) ومجلة (التربية الاسلامية ) ببغدا د
 
 .يقول في احدى قصائده :

 شريعة   الله  للاصلاح  عنوان
                                                 وكل شيء سوى الإسلام خسران

لما تركنا الهدى حلت بنا محن
                                           
                                                وهاج   للظلم   والإفساد   طوفان

لا  تبعثوها  لنا  رجعية   فترى
                                                  باسم الحضارة والتاريخ  أوثان

لا حامرابي ولا خوفو يعيد لنا
                                                   مجدا   بناه  لنا   بالعز   قرآن

تاريخنا من رسول الله مبدؤه
                                                  وما عداه   فلا   عز ولا  شان

محمد  أنقذ  الدنيا     بدعوته
                                                    ومن هداه لنا روح  وريحان

لولاه  ظل  أبو  جهل     يضللنا
                                                   وتستبيح الدما عبس وذبيان

لا خير في العيش إن كانت مواطننا
                                              نهبا بأيدي الأعادي أينما كانوا

لا خير في العيش إن كانت حضارتنا
                                               في  كل  يوم  لها  تنهدّ  أركان

لا خير في العيش إن كانت عقيدتنا
                                               أضحى يزاحمها كفر وعصيان

           وقد تعرفت عليه من خلال زياراتي الى بغداد ومشاركاتي في احتفالات المولد النبوي الشريف التي كانت ولا زالت تقام في بغداد في منطقة (الاعظمية) في( مسجد الامام الاعظم) والساحات المجاورة له - واذكر حالة على سبيل المثال ايام الستينات ايام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم- هي اننا ذهبنا بسيارات نقل كبيرة من مدينتا (بلد روز) الى( بغداد)  بقصد المشاركة في يوم الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف عصرا ولما وصلنا مع صلاة المغرب وجدنا (مسجد الامام الاعظم) وباحته و الشوارع والساحات القريبة منه  مليئة بالمواطنين القادمين من شتى محافظات العراق لاحياء هذه الليلة المباركة وقد نصبت منصة للخطابة في ساحة المسجد وعندما ابتدأ الاحتفال وبدأ القاء الخطب والقصا ئد بهذه المناسبة  وجاء دور الشاعر( وليد الاعظمي ) ليلقي  قصائده حيث القى قصيدته الدالية  ( يا هذه الدنيا ...) صفق له الجمهور كثيرا ولما وصل الى البيت التالي:

ياهذه الدنيا اصيخي واشهدي
                                          انا   بغير   محمد  لا   نقتدي

  تحول الاحتفال الى مهرجان كبير وضج الناس بالتكبير والتهليل مشفوعا بزغاريد النسوة الحاضرات وبعد الانتهاء من قصيدته تقدمت اليه بصعوبة من شدة الزحام وقبلته مهنئا له  بقصيدته وانها من روائع الشعر العربي وعرفته بنفسي وبعد تعارفنا بقينا صديقين حتى اخذته المنية .


  ومنها هذه الابيات ايضا:

فَوْقَ المَنَابِرِ يا بَلابِلُ غَرِّدِي        
                                         في مَوْلِدِ الذِّكْرَى وَذِكْرَى المَوْلِدِ

وَتَرَنَّمِي بَيْنَ الرِّيَاضِ بِنَغْمَةٍ       
                                         تُنْسِي تَلاحِينَ (الغَرِيضِ وَمَعْبَدِ)

يا لَيْلَةَ الذِّكْرَى بَهَاؤُكِ ساطِعٌ        
                                        وَأَرِيجُكِ الفوَّاحُ يَعْبَقُ في النَّدِي

لاَ رَأْسُمَالِ الغَرْبِ يَنْفَعُنَا وَلاَ
                                           فَوْضَى   شُيُوعِيٍّ  أَجِيرٍ  أَبْلَدِ

وَسَطًا نَعِيشُ كَمَا يُرِيدُ إِلَهُنَا
                                           لاَ نَسْتَعِيرُ   مَبَادِئًا  لاَ  نَجْتَدِي

 وكان  الشيوعيون يسيطرون على سياسة البلد  وقد فعلوا ما فعلوا في الخلق من قتل وتشريد واعتقال  وساموا الناس خسفا . وقد فعل الذين جاؤا بعدهم  مثلهم  وكلما جاءت فئة  للحكم لعنت اختها  ولا تزال كذلك منذ خمسينات القرن الماضي ولحد الان .

 وقد انتشرت هذه القصيدة انتشار الشذى والمسك بين الشباب المسلم المؤمن وحفظوا بعض ابياتها عن ظهر غيب واخذوا يترنمون بها في كل مكان واصبحت تجد بعض ابياتها على كل جدار لافتتة كبيرة على مدى السنين الطوال ولا زال البيت المذكور يكتب بحروف من نور في ذكرى المولد النبوي الشريف من كل عام .

   توفي في  مسقط راسه  ببلدة  ( الاعظمية ) في بغداد عام 2004  ودفن في مقبرة الامام الاعظم ابي حنيفة النعمان .

 واختم بحثي بهذه الابيات من احدى قصائده :

يا قوم هبوا فان الوقت قد حانا
                                                 لنمنح الناس شيئا من مزايانا

أو أن نقيم لما تحويه أنفسنا
                                                من الفضائل بين الناس برهانا

وأن نكف عن الأقوال السننا
                                                   فالله عن كثرة الأقوال ينهانا

ولم يك القول يوما ما بنافعنا
                                                   وربما منه يأتي الضر أحيانا

فلنترك القول لا نجعله عدتنا
                                                ولنجعل الفعل بعد اليوم ميزانا

فأحقر الناس عند الله أغفلنا
                                                   وأكرم الناس عند  الله  اتقانا

أما كفانا صدودا عن شريعتنا
                                               وهل يصدن عنها غير من خانا

شريعة الله هذي كيف ننكرها
                                                   وكان إنكارها كفرا وعصيانا

أنبتغي  بدلا  عنها  بلا  سبب؟
                                                  انهدم الدين في تعمير دنيانا؟

هذا لعمري ضلال ليس ينكره
                                                 إلا الذي يبتغي للشمس نكرانا

يا سيدي يا رسول الله معذرة
                                                   يا من أقمت  لنا بالعز  بنيانا

يا سيد الرسل والذكرى تمر بنا
                                               ذكرى تؤجج في الأحشاء نيرانا

يا سيد  الرسل  الأيام    شاهدة
                                                   تروي  لنا  خيرا  والله أبكانا

تروي لنا كيف قد هاجرت مصطحبا
                                                  خلاّ تراه على الأحداث معوانا

هو الأمام   أبو   بكر   وقصته
                                                   في شأنها أنزل الرحمن قرآنا

هاجرت   لله   لا خوفا  ولا هربا
                                                   وإنما  كان   هذا  منك   تبيانا

للمؤمنين    بان   الله   ر أيدهم
                                                  بالنصر والنصر لما يأت مجانا

إذن فلابد من  صبر  بلا جزع
                                               واليسر من بعد العسر قال مولانا

وغادرا   مكة   ليلا   وقد   تركا
                                                     لله   أهلا   وأحبابا    وخلانا

وهاجرا يسرعان السير فانطلقت
                                                   جموع مكة في البيداء فرسانا

وثاني اثنين إذ في الغار وحدهما
                                                  والخصم قد صيرِّ البيداء ميدانا

يقول في الغار لا تحزن لصاحبه
                                                    الله   ينصرنا    الله     يرعانا

لله   در رسول الله  من  رجل
                                                   لم يعرف الضعف يوما ولاهانا

لم تكن تعرف التفريق أنفسنا
                                                  ونجعل  الكل في الإسلام أخوانا

فلا تخالف فيها مصر تركية
                                                  ولا تخالف فيها أجناسا وألوانا



________________________________________






                       خديجة بنت عبد الحي




           ولدت الشاعرة خديجة بنت عبد الحي في سنة \ 1965 م في منطقة (المذرذرة ) من ولاية ( التررازة ) في ( موريتانيا ) وتلقت تعليمها الاولي في بيت والدها العلامة عبد الحي ولد التاب الذي كان عالما جليلا ألف في العلوم الفقهية والعربية وكان شاعرا بليغا ثم التحقت بالتعليم النظامي وحصلت على شهادة الباكالوريا وواصلت دراستها وتخرجت من المدرسة العليا للتعليم حيث عملت مدة بعد تخرجها في حقل التدريس وثم عملت أمينة مكتبة  بالمكتبات المرتبطة بوزارة الثقافة ثم انتقلت الى  الجزائر فعملت مدرسة في المدارس الثانوية الجزائرية  .


     حضرت لدرجة الدكتوراه في الأدب العربي الا انها  حضرتها الوفاة  فتوفيت  قبل مناقشتها فقد وافتها المنية رحمها الله في عام 2004 بعد معاناة مع المرض في عام 2003 وهي في عز الشباب ولم تبلغ الاربعين من العمر .

       لقد كانت خديجة بنت عبد الحي كاتبة وأديبة وشاعرة وصحفية ولها نتاج كثير  في الشعر والنثر غزير نشرت قسما منه في كثير من الصحف المحلية والعربية مثل صحيفة الشعب وصحيفة الشروق وصحيفة المحيط ووصحيفة الموكب الثقافي ووصحيفة الرباط الثقافي وغيره كثير ولها كذلك كتابات في مجال القصة والرواية، كما لديها ديوان شعري وايضا في مجال الكتابة الصحفية وقد صدر لها كتاب بعنوان (نقوش على جدران الحافلة) يحوي ما يقارب الثلاثين مقالا صحفيا في اغلب المجالات الفكرية والأخلاقية كتبت فيها عن المرأة وعن القيم وعن الأخلاق والسلوكيات السائدة في المجتمع وعن التربية وعن الفكر والحرية والأدب، وغير ها من الموضوعات المهمة،وقد طبع هذا الكتاب في حياتها عام 1999م

     يتسم نتاج الشاعرة خديجة بنت عبد الحي  بقوة اللغة والتجديد في الأساليب المعاصرة او المعاني الشعرية وخيالاتها الشعرية  فقد كتبت مختلف الأنماط الشعرية بداية من الشعر العمودي والشعر الحر  ومن شعرها العمودي هذه القصيدة(فرحة اللقاء ) تقول  :
   

داعبتْ فرحةُ اللقاءِ جنَاني
 وانبرى سحرها يُناغي بياني

بشَّ في وجهنا الزمان فكانت  
فرحة العمر وانبلاج الأماني   

دغدغ الحب فوق أوتار قلبي  
ساريا في دمي كهمس الأغاني

كل حرف أحسه في انجذاب  
لأخيه    بالود     يلتحفان  

كلمات الترحيب تركض سكرى  
مثلجات الصدور تحنو دواني
  
مرحباً مرحباً, وأهلاً وسهلاً  
أخواتي على ربا موريتان

قد شربنا المدام من سكرة الأفـ  
ـراح وانهلّ شعرنا كالمثاني
  
نتعاطى في شرفة اليمّ كأسا  
قدُسيا مشعشعاً بالحنان
  
وتغني بلابل البحر لحنا  
رددته جدران غُرِّ المباني  

بوركت نجعة التوحد هذي  
بلسما للجروح مما أعاني
  
نجعة في قلاع عقبة مرت  
حلما أخضرا لبضع ثواني
  
نخلة ها هنا أنا أخواتي  
كبريائي تأبى قيود الهوان   

تركتني أمي هناك لأرعى  
عهدها في الربا, وأحمي المغاني  


     وكانت من أوائل الشاعرات الموريتانيات اللواتي اشتهرن بشاعريتهن  بجدارة وتفوقن على النقد الادبي  بالإبداع بشهادة النقاد المعاصرين. و  كان لها حضور وتواجد كثيف  في الساحة الشعرية وشاركت في مختلف المهرجانات والمناسبات الوطنية، وقد نشرت بعض قصائدها في (معجم البابطين) الذي صدرعن هيئة (البابطين الادبية )في الكويت في أواخر التسعينيات. ومن شعرها الحر قصيدة (الأرجوحة) تقول فيها :

وأتيت أسقي النخلة الفيحاء

 يكبر ظلها في داخلي

وتضيع صورتها في الأفق المكفن في الغيوم

أبحرت أشرعتي حباب الرمل في الريح السموم

 نبض تواتر في غرام تمزقي

إعصار أمسى في تهدج لجه بلج الأصيل

 يخبو صداه على مشارف زورقي

عينان تستبقان في الأفق السحيق

 ثقبان يحترقان فى الأفق الغريق

 بيني وبين أكومة الرماد ....

يتثائب الإعصار من حين لحين

ومن شعرها قصيدة:( أنشودة الصحراء ) نقتطف منها :

  أسكـــــــب الـصـــــــمت معـــينا يــولـد
كــــل مـــــا مـــــات أراه يـــــولــــــــــــد  

 عـــبـــق الذكـــرى تـنامـــــى  حلمـــــــا
يـــــــــتــغـــــــــــنــى في فـــضــاها الــهدهد 

  فـــعشـــقـــت البـــحـــــــر والصــــحرا
إذا بــــعيـــــــــون الصــــخــــر إذ تـــســتـورد 

  وصـــــــــدى "ديـلـــول" يـــحـــدو نــوقـه
 مــــــرقـــــبـــــات فــي فـــضـــاها تـرصد 

  وعــــــنـــــاق الــــنــخـــل يـحـمـي أفــقــى
يــــتــــجلـــى فـــــي  فــضــــاها الســــؤدد

   وخــــــــيـــــامـــا خـــــفـــقــت أطــــنـــابها
 يـــــــضـــرم الحــــب وقـــلــبـــي مـــوقـــد 

  ورأيـــت البدر قــــرصـــا نــــــــــابــــضـا
 وضـــــــــفـــــاف البـــــحــــر رمـل مـزبد

  شـــــــــاطـــــئ الــــبــــحر حــصـــاه لؤلؤ
هـــــــــذه الآمـــــــال  لا  تــــســـــتـــنفــــد

   أفـــــــــق الصـــــــحــراء مـــــــا أروعه
غـــــضــــة والــــبـــدر فـــــيهـــا يــشــهد
     
    ومن ومن روائع اقوالها :

( إن كل ما يحصل عليه الإنسان بدون جهد ينبغي أن ينظر إليه نظرة تحفظ ومراجعة فثمة حقيقة ثابتة هي أن الإنسان يأخذ بقدر ما يعطي فإذا ظل يأخذ بدون أن يعطي تردى في هاوية الذل والتبعية و وحرم من نسيم الحرية أحرى أن ينعم بالسعادة التي هي غاية تطلب فلا تدرك.) 

 تقول من شعرها الحر :

... فبالأمس زارت جحافل زرق العيون
من الغرب تمتص ماء الغصون
تُناول سما بطعم الرحيق
وحلوى بطعم الحريق
فأغلقت كهفي علي ولذت بنوم عميق
***
أطلت الهجود
بليل الكهوف
أناجي الضريح وأدعو المطر
وأحرس سجادتي رغم كل الظروف
***
عراجين نخل أبي ذاويه
يحاصرها الرمل في ساحة الكهف
فتحنو على واحة الذكريات
وسجادة الأم ضاعت
فأين تكون؟
***
ولكنني ضعت بين الدروب
وبين الطلول وقاع السراب
فيا زورقي أين منك الشراع؟
شراع يهز القلاع
ويبني القلاع

وتقول:

طارت الخيمة خلف الزوبعه
نضب الينبوع من عين السحاب
وبقينا ننزح البئر الضنينه
تترامى تحت أقدام الحصى
قطرات من عيون الضارعين
حمما نامت بشطآن الضريح
مرقصا للجن في ليل الشتاء
***
وسألت الرمل عن أطلال قومي
قال: أيضا سافرتْ
وسألت الهدهد الراحل عني
فرّ مني هدهدي إذ قال إني لم أعد أسطيع ذبحه
***
هبط الطائر من كف السحاب
معلنا لي أن إكسير الجروح
في يد الجني مبتور الذنب
ودعاني للنزول
بين أكوام الرماد
نزل الطائر بي في ساحة الجن سبيه
ودعاني سيدي للمائده
سيدي يخبرني أن سوف يعطي
سوف يعطي الأمر للغيث بأن ينزل في أرضي البعيده
سوف يعطي الأمر للتفاح أن ينبت في صحراء قومي
عند ما أعمل في القصر وصيف

 من الشعر العمودي  تقول :
:
أأشند الشعر والحرف الجريح خبا
في ترعة من جليد الصمت منتحبا؟!

ما باله مبحرا في فلك أخيلتي
 يمتص من وجعي ما ظل محتجبا

يدق باب القوافي هل سيمهلني
 حتى   أرتب  أشيائي   واحتجبا

  الكلمة   الغرقى     بحنجرتي
 هواتف تخنق الإلهام إن سكبا

من أين أسكب في كأس الرضيع حلبيا إذا
 يبكي حليبا وهل يعطي البكا نخبا؟

من أين أستل للطفل الرغيف إذا
 يأوي أصيلا يناجي الحظ مكتئبا؟:

أم كيف أنسج من فيض الحنان كسى
 تقي الوليد سياط البرد إن غضبا؟

تحدرت دمعات البؤس من حدق
غرقى بليل هموم مضرم لهبا

يمشي  الغراب  بها  إذ  يستزيد  
 دما حمام الربا ما زال مختضبا

داري همومك بالصبر الجميل أما
 علمت أن على أنشودتي رقبا؟

 ومن جميل ابياتها :

الخط يبقى زمانا بعد موت كاتبه
                                 وصاحب الخط تحت الترب مدفونا

        واضيف ان الشاعرة  استطاعت الخروج من بيئة محافظة متحدية كل السلبيات الاجتماعية شريفة  نقية  موظفة رصيدها الثقافي في خدمة بلدها والإشادة به في العديد من المناسبات الوطنية والدولية فهي من أهل الوفاء، الذين تجشموا عناء  التعب والجهاد في سبيل اعلاء  كلمة الادب العربي والجوهر الإنساني بقدراتها الفكرية والجسمية،وكانت بعيدة عن  بالفروق الطبقية  وكان سبيلها دوما سبيل المعرفة في العطاء الشعري والأدبي. 
واختم  بحثي بقصيدتها (نجـوى الأصـيل) تقول فيها :

حلمٌ تململَ بالأصيلِ ولم تزلْ  

أصداؤُه لحناً تموَّج واضمحلْ  

وصدى التماس حائر متردد  

في قمقم الإهمال يثلج بالملل  

جزر كأوكار السعالي تحتمي  

في ظل عفريت كنحس قد أظل  

يرمي الهدايا ضاحكاً فكأنها  

قطع من القلق المركّز كالوحَل  

لا در يُرجى في وهاد أترعت  

من نقع طير الشؤم تهوي كالظلل  

تنفي تراتيل الهجود بقيحها  

وتذيب ملح الرفض في لجج الصحل  

ما في الخطابات الطويلة سلوة  

خسئت خطابات الحديث المرتجل  

جرع مهدئة تزيد عناءنا  

مهما بقينا وحدنا حول الطلل  

يتهجد الأشباح في محرابها  

مستغفرين بحمد عفريت الدجل  

وخيوط نسج الوهم في أيديهمُ  

خاطوا الحجاب بها على وهْج المقل  

لتظل من خلف الستائر زمرة  

في الكهف لا يدرون ماذا قد حصل  

يلهون في أودية درجوا بها  

واستعذبوا فيها أفانين الزجل  

. 

                      **********************





يوسف الصائغ


         هو يوسف بن نعوم بن داود الصائغ الموصلي
      ولد  يوسف الصائغ  بمدينة ( الموصل ) العراقية سنة \1933 
من اسرة  مسيحية واتم دراسته الاولية فيها وانتقل إلى بغداد عندما
اتم دراسته الاعدادية ثم دخل دار المعلمين العالية ( كلية التربية ) بجامعة بغداد وتخرج منها  عام \1955 حاصلا على البكالوريوس
في اللغة العربية  .
      انتسب إلى الحزب الشيوعي في مرحلة لاحقة. وبعد ثورة الثامن من شباط  1963 اودعه البعثيون الذين جاؤوا الى الحكم اثرها  الى السجن  لنشاطه السياسي  المناهض لحكمهم  وبقي في السجن حتى يداية السبعينات  حيث اطلق سراحه  فبدأ العمل في الصحافة   .

  تزوج (جولي)  تلك البنت التي احبته واخلصت له والتي رافقته طيلة حياتها حتى وفاتها وقد توفيت  إثر حادث انقلاب سيارتهما التي أقلتهما مع بعض الأصدقاء، فكافأها يوسف الصايغ  بان اصدر مجموعة شعرية خاصة عنها وشّحت أطراف صفحاتها بالسواد ومثلت لوناً شعرياً حديثاً مزج فيها الحب  بالرثاء .
       شهدت حياة الشاعر تجميداً لأنشطته المهنية والثقافية إثر خروجه من السجن،اثر انهيار الجبهة الوطنية التقدمية للأحزاب المؤتلفة مع السلطة وتعقب السلطة الحاكمة لها وقتل بعض أعضائها. فبادريوسف الى أعلان طلاقه من عقيدته الماركسية في بيان نشره  في جريدة الثورة، لسان الحزب الحاكم احتل صفحة كاملة، وكان له  وقع غريب على المشهدين السياسي و الثقافي العراقي نشره تحت عنوان (مقدمة لقصيدة حب فاشل)  وكذلك من التحولات الاخرى التي شهدتها حياة يوسف الصايغ نبذه المسيحية واعتناقه الدين الإسلامي  وكذلك من مفارقات حياته  زواجه من احدى زميلا ته بالعمل  (مسلمة) ولا ندري ان كان لهذا الزواج  تاثير في اسلامه حيث ان الدين الاسلامي يحرم زواج المسلمة بغير المسلم  ويجوز زواج المسلم من الكتابية وان بقيت عنده على دينها . فقد تزوج (جولي)  تلك البنت  احبته واخلصت له والتي رافقته حتى وفاتها إثر حادث انقلاب سيارتهما التي أقلتهما مع بعض الأصدقاء،  فكافأها ان ا صدر مجموعة شعرية خاصة عنها وشّحت أطراف صفحاتها بالسواد ومثلت لوناً شعرياً حديثاً مزج فيها الحب  بالرثاء . يقول :
إذا انتصف الليل.. واسودَّ....
ليل بلا قمرٍ أو نجوم
وصار الندى مبهماً في الحديقة...
سيدتي
ستجيء كعادتها
ستعبر هذا الممر الكئيب
وتمشي على العشب حافيةً
لحظةً
وأرى وجهها   ملصقاً  في زجاجة نافذتي
من هنا
حيث ينكسر الضوء والوهمُ:
عينان ذاهلتان
وشعرٌ من الأبنوس  قد اخضرَّ من بلل الليل
والتمعت خصلة منه
فوق الجبين
ومن دونما كلمة
وبصمْت المحبين
سوف تمد أصابعها
وتشير إلى بنصرٍ نزعوا خاتم الحب عنه
فموضعه أبيض مثل جرح قديم
وتبسم لي..
هكذا .. لمحةً
وتغيب,
وتترك فوق ضباب الزجاجة
هذا الحنين الغريب..
حنين غريب...
أنا .. يشبه القبلات حنيني...
سأبحث عن شعرة علقتْ في الوسادةِ
قنينة عطرٍ .. علاها الغبار
قميصٍ به عَرَقُ امرأةٍ...
أهذا ..  إذن..  كل ما يتبقى من الحب ؟

   عمل الشاعر بعد خروجه من الحزب الشيوعي في جريدة الثورة وهي جريدة حزب البعث الحاكم انذاك  كاتبا  لزاوية  في الصفحة الأخيرة، بعنوان (جهينة) ، وكانت هذه الزاوية امتدادا لزاويته الشهيرة في مجلة( ألف باء).  )
ثم عين مديرا عاما للسينما والمسرح في وزارة الثقافة العراقية  .
      الشاعر يوسف الصايغ لديه إمكانات إبداعية كثيرة ومتعددة، فلم يقتصر نتاجه على الشعر بل تجاوزه إلى الرواية والمسرحية والعمود الصحافي والفن التشكيلي وكتابة السيناريو. ولم يكن نتاجه في أي حقل من هذه الحقول متوسطاً أو متواضعا، بل كان متميزا في جميع  الفنون التي تناولها  من شعر او مسرحية او رواية  او كاتب صحافة ابدع واجاد في كلها .

عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق,
§         عضوجمعية الفنانين العراقيين
§          عضو نقابة الصحفيين العراقيين 
§         عضو اللجنة لمهرجان المربد 
§         عضومهرجان بابل
        توفي الشاعر يوسف الصايغ والذي يعد  أحد أبرز شعراء ما بعد مرحلة الرواد محبطا مخذولا في دمشق في 12/12/2005 و دفن في( مقبرة الغرباء) عن عمر يناهز الثانية والسبعين سنة  وكانت هذه المقبرة قد استقبلت من قبله جثامين الجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين، وهكذا  يموت الادباء العراقيون ويدفنون في غير بلدهم  دون اهتام من الحكومة او اتحادهم العتيد (اتحاد الادباء في العراق) .

   ومن قصائده  الجميلة  قصيدة ( المعلم) ومنها هذه المقاطع
هي سبورة,
عرضها العمر,
تمتد دوني..
وصف صغير
بمدرسة عند (باب المعظم)
والوقت
بين الصباح
وبين الضحى
لكأن المعلم
يأتي إلى الصف
محتمياً خلف نظارتيه
ويكتب فوق طفولتنا بالطباشير
بيتاً من الشعر:
- من يقرأ البيت?
قلت:
ـ أنا..
واعترتني , من الزهو
في نبرتي رعْدةٌ
ونهضت
- على مهل
قال لي:
- تهجأْ على مهل..
إنها كلمة...
ليس يخطئها القلب
يا ولدي,,
ففتحت فمي...
وتنفست
ثم تهجأتها دفعة واحدة
- وطني
وأجاب الصدى:
(وطني ... وطني)
فمن أين تأتي القصيدة
والوزن مختلف
والزمان قديم?
كان صوت المعلم, يسبقنا:
- وطني لو شغلت...
ونحن نردد:
- بالخلد عنه
فيصغى إلينا
ويمسح دمعته , بارتباك
فنضحك
الله..
يبكي .. ونضحك..
حتى يضيق بنا.. فيهمس
- ما بالكم تضحكون ..
أيها الأشقياء الصغار
سيأتي زمان..
وأشغل عنه
وأنتم ستبكون

مما صدر له:
قصائد غير صالحة للنشر" ،1957 وهي مجموعة شعرية اشترك فيها مع الشاعر شاذل طاقة وهاشم الطعّان وعبد الحميد اللاوند،
 "اعترافات مالك بن الريب" ،1973
"الاعتراف الأخير لمالك بن الريب ج،1ج2"،
 "سيدة التفاحات الأربع" ،1976
المعلم،
  "المجموعة الشعرية الكاملة" عن دار الشؤون الثقافية العامة ،1992
 ومسرحية "الباب" (فازت بجائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان قرطاج ،
1987 ثم مسرحية "العودة" ،1986 وفازت بالمركز الأول في المسرح العراقي ،1988
ومسرحية "دزدمونة" ،1989 وفازت بجائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان قرطاج ،1989
 ثم رواية "اللعبة" 1972 التي أخرجها للسينما العراقية المخرج محمد شكري جميل، وفازت بجائزة أحسن رواية عراقية ،1970 رواية "المسافة" ،1974 اتحاد الكتاب العرب في دمشق ،1974
ثم رواية "السرداب" رقم ،2 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر،1997
ثم "السودان ثورة وشهداء"، قصيدة نثر سياسية، 1970
 كما للشاعر رسالة ماجستير حصل عليها عام ،1976 بعنوان "الشعر الحر في العراق".
وله غير ما نشر مذكرات، الاعتراف الاخير
 ومجموعة شعرية بعنوان (يوسف أعرض عن هذا)،
ومسرحيتان إحداهما باسم البديل

 واختم بحثي بهذه المقاطع من شعره:

أهــذا إذن كــل مــا يتبــقــى..?
إذا انتصف الليل.. واسودَّ....
ليل بلا قمرٍ أو نجوم,
وصار الندى مبهماً في الحديقة...
سيدتي,
ستجيء كعادتها,
ستعبر هذا الممر الكئيب,
وتمشي على العشب حافيةً,
لحظةً,
وأرى وجهها , ملصقاً, في زجاجة نافذتي,
من هنا,
حيث ينكسر الضوء والوهمُ:
عينان ذاهلتان,
وشعرٌ من الأبنوس, قد اخضرَّ من بلل الليل,
والتمعت خصلة منه,
فوق الجبين,
ومن دونما كلمة,
وبصمْت المحبين,
سوف تمد أصابعها
وتشير إلى بنصرٍ نزعوا خاتم الحب عنه,
فموضعه أبيض مثل جرح قديم,
وتبسم لي..
هكذا .. لمحةً
وتغيب,
وتترك فوق ضباب الزجاجة,
هذا الحنين الغريب..
حنين غريب...
أنا .. يشبه القبلات حنيني...
سأبحث عن شعرة علقتْ في الوسادةِ
قنينة عطرٍ .. علاها الغبار,
قميصٍ به عَرَقُ امرأةٍ...
أهذا , إذن, كل ما يتبقى من الحب?
فــاكـهــة المـرأة النـائمــة
كانت المرأة النائمهْ
وهي في قبرها..
تتسمع أصواتهم,
وتغالبُ ضحكتها

           ************************










محمد  الماغوط


  هو محمد بن أحمد بن  عيسى الماغوط  السلمي 
 ولد في بناحية ( سلمية)  من اعمال محافظة (حماة) السورية  الثاني عشر من  شهر كانون الاول (ديسمبر ) سنة \ 1934  ونال تعليمه الاولي في (السلمية) ، نشأ في عائلة شديدة الفقر وكان أبوه فلاحاً بسيطاً يعمل أجيرًا في أراضي الآخرين طوال حياته. درس شاعرنا بادئ الأمر في الكتّاب ثم انتسب إلى المدرسة الزراعية في ( سلمية) حيث أتم فيها دراسته الإعدادية، انتقل بعدها إلى دمشق ليدرس في الثانوية الزراعية في (ثانوية خرابو) ،ب(الغوطة ) بدمشق  يذكر أن والده أرسل رسالة إلى الثانوية يطلب بها الرأفة بابنه فقامت ادارة الثانوية الزراعية  بتعليقها على أحد جدران المدرسة مما جعل زملائه الطلاب يسخرون منه  واصبح أضحوكة بين زملائه الطلبة ؛ الأمر الذي دفعه إلى الهرب من المدرسة والعودة إلى (سلمية )
   كانت (سلمية ودمشق وبيروت) محطات أساسية في حياة الماغوط وإبداعه، وعمل في الصحافة اذ كان من المؤسسين لصحيفة ( تشرين )  الدمشقية ثم عمل الماغوط رئيساً لتحرير مجلة (الشرطة )
      احترف الأدب السياسي الساخر فنظم الشعر وامتاز في القصيدة النثرية ويعتبر واحدًا من روادها، وله دواوين شعرية  عديدة وكتب العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية 
ومن جميل شعره هذه السطور:

 كان بيتنا غاية في الاصفرار
يموتُ فيه المساء
ينام على أنين القطارات البعيده
وفي وسطه
تنوح أشجارُ الرمَّان المظلمةُ العاريه
تتكسَّر ولا تنتج أزهاراً في الربيع
حتى العصافير الحنونه
لا تغرد على شبابيكنا
ولا تقفز في باحة الدار
وكنت أحبكِ يا ليلى
أكثر من الله والشوارع الطويل
ة

       دخل الماغوط في بداية الخمسينات  بعد عودته إلى السلمية في ( الحزب  السوري القومي الاجتماعي ) من دون الاطلاع على مبادئه واهدافه  وكان في تلك الفترة في (سلمية) حزبان كبيران هما: ( الحزب السوري القوي الاجتماعي ) و( حزب البعث العربي الاشتراكي ) وهو يذكر أن ( حزب البعث) كان في حارة بعيدة عن سكنه  في حين كان (الحزب القومي ) بجانب بيته وفيه مدفأة أغرته بالدفئ فدخل إليه وانضم إلى صفوفه، الاانه لم يدم انتماؤه الحزبي طويلاً فقد سحب عضويته منه  في ستينات القرن الماضي  بعد أن سجن ولوحق بسبب انتمائه.اليه
      عمل الماغوط فلاحاً وبدأت بوادر موهبته الشعرية بالتفتح فنشر قصيدة بعنوان (غادة يافا) في مجلة( الآداب ) البيروتية. ثم  دخل الماغوط  بالخدمة العسكرية في الجيش وكتب أوائل قصائده النثرية قصيدة بعنوان  (لاجئة بين الرمال) التي نُشِرَت في مجلة ( الجندي)  وكان ينشر في  هذه المجلة  الشعراء  ادونيس وسليمان العواد  وخالدة سعيد  ، وبعد إنهاء خدمته العسكرية استقر الماغوط في (السلمية )
      في 22نيسان ( ابريل) 1955  اغتيل  عدنان المالكي فكان لاغتياله  اثر مهم في حياة  الماغوط حيث  اتهم  بقتله  اعضاء الحزب السوري  القومي الاجتماعي  فسجن اغلب  اعضائه ومنهم  محمد الماغوط  في  (سجن المزة) وخلف قضبان السجن  بدأت حياة الماغوط الأدبية الحقيقية، حيث  تعرف أثناء سجنه على الشاعر علي أحمد سعيد إسبر الملقب ب (أدونيس) الذي كان في الزنزانة المجاورة لزنزانته.
    وخلال فترة الوحدة العربية التي تمت  بين( سوريا ومصر ) كان الماغوط  مطلوباً في ( دمشق)، فقرر الهرب إلى( بيروت )في أواخر الخمسينات، ودخل ( لبنان) بطريقة غير شرعية سيراً على الأقدام، وهناك انضمّ الماغوط في ( بيروت ) إلى جماعة (مجلة شعر) حيث تعرف على الشاعر (يوسف الخال ) فاحتضنه في (مجلة شعر )  بعد أن قدمه اليها  (أدونيس)
      نشأت بين الماغوط والشاعر(بدر شاكرالسياب) في ( بيروت ) صداقة حميمة  حيث كان السياب متسكّعا  في بيروت وتعرّف الماغوط  في بيت (أدونيس )على الشاعرة ( سنية صالح) شقيقة (خالدة سعيد)زوجة أدونيس وكان سبب هذا التعارف  جائزة صحيفة ( النهار ) البيروتية  لاحسن قصيدة  يقول :
الحبُّ خطواتٌ حزينةٌ في القلب
والضجرُ خريفٌ بين النهدين
أيتها الطفلة التي تقرع أجراس الحبر في قلبي
من نافذة المقهى ألمح عينيك الجميلتين
من خلال النسيم البارد
أتحسَّسُ قبلاتكِ الأكثر صعوبةً من الصخر .
ظالمٌ أنت يا حبيبي
وعيناك سريران تحت المطر
ترفق بي أيها الالهُ الكستنائي الشعر
ضعني أغنيةً في قلبك
ونسراً حول نهديك
      عاد الماغوط إلى (دمشق ) بعد ان اصبح علما من اعلام الادب العربي السوري  حيث صدرت مجموعته الأولى( حزن في ضوء القمر ) عام 1959ثم مجموعته الثانية ( غرفة  بملايين الجدران)  ثم توطدت العلاقة بين الماغوط و (سنية صالح ) بعد قدومها إلى دمشق لاكمال دراستها الجامعية. وفي عام  \1961 سجن الماغوط مرة اخرى فأمضى في السجن ثلاثة أشهر، ووقفت ( سنية صالح ) وصديقه الحميم (زكريا ثامر ) الى  جانبه خلال فترة السجن، لذا  لما خرج الماغوط من السجن  تزوج (سنية صالح ) وأنجب منها ابنتين : شام وسلافة.
      اصبح  محمد الماغوط  في بداية السبعينات رئيساً لتحرير مجلة (الشرطة)  الدمشقية  حيث  نشر  كثيراً من المقالات الناقدة في صفحة خاصة من المجلة تحت عنوان (الورقة الأخيرة)، وفي نفس الفترة  بحث الماغوط عن وسائل أخرى للتعبيروالكتابة  أوضح أو أكثر حدة في كتاباته ،  فمال الى  الادب المسرحي فكتب مسرحيتيه ( ضيعة تشرين) ومسرحية  ( غربة  ) وفيها أراد الماغوط  ان يخاطب  الناس ببساطة دون تعقيد، وهو احد كبار الادباء الذين ساهموا في تحديد هوية وطبيعة وتوجه صحيفة ( تشرين ) السورية   منذ  بداية  صدورها ونشأتها وتطورها في منتصف السبعينيات، حيث  تناوب مع الكاتب القاص ( زكريا ثامر ) على كتابة زاوية يومية،في هذه الصحيفة  وكانها في مواقفها صحيفة كاملة وذلك في سنة \1975 وما بعدها ، وكذلك الحال حينما  كتب في مجلة( المستقبل ) الاسبوعية  زاويته ( اليس في  بلاد  العجائب ) فادى ذلك الى انتشارها في سوريا  واسعا ومما قاله:
 سئمتك أيها الشعر ،
 أيها الجيفةُ الخالده
لبنان يحترق
يثب كفرس جريحة عند مدخلِ الصحراء
وأنا أبحثُ عن فتاة سمينه
أحتكُّ بها في الحافله
عن رجلٍ عربي الملامح ، أصرعه في مكانٍ ما .
بلادي تنهار
ترتجفُ عاريةً كأنثى الشبل
وأنا أبحث عن ركنٍ منعزل
وقرويةٍ يائسة ، أغرّر بها .
يا ربة الشعر
        سافر  محمد الماغوط  خلال الثمانيات من القرن الماضي  إلى الامارات العربية  واستقر في امارة ( الشارقة )  وعمل في  صحيفة ( الخليج) الاماراتية واسس قسما ثقافيا  فيها  وعمل معه في هذا القسم  يوسف عيدابي  و نواف يونس من سوريا  .
     هذه الفترة  كانت صعبة عليه فقد توفت شقيقته  عام 1984 ووالده  عام \1985  ثم وفاة زوجته  الشاعرة (سنية صالح ) في نفس العام حيث كانت مصابة بالسرطان فنقلت الى ( باريس) للعلاج قضت هناك عشرة اشهر وقد تكفل القصر الجمهوري في فرنسا  بنفقة العلاج وما هي الا فترة قليلة حيث توفت  امه عام\1987
يقول فيها :
مخذولٌ أنا لا أهل ولا حبيبة
أتسكعُ كالضباب المتلاشي
كمدينةٍ تحترقُ في الليل
والحنين يلسع منكبيّ الهزيلين
كالرياح الجميله ، والغبار الأعمى
فالطريقُ طويله
والغابةُ تبتعدُ كالرمح .
مدّي ذراعيك يا أمي
أيتها العجوزُ البعيدةُ ذات القميص الرمادي
دعيني ألمس حزامك المصدَّف
     ومن  جهة اخرى فقد زوّج ابنته الاولى ( سلافة ) لطبيب سوري يقيم في (بريطانيا) وابنته ( شام) زوجها لطبيب سوري ايضا مقيم في امريكا  فكانتا بعيدتين عنه  ولم تاتي احداهن لتراه الا بعد موته وحضور جنازته  فتراكمت الاحداث والمآسي عليه  وقد اصبح فريدا وحيدا بعد وفاة زوجته ، وقد تركت هذه المآسي المتلاحقة الأثر الشديد على نفسية الشاعر  الماغوط  وأعماله وكتاباته وساقته الى حتفه  عاجلا .
      توفي محمد الماغوط في الثالث من نيسان ( ابريل ) 2006 عن عمر يناهز الثانية والسبعين من العمر  اثر نوبة قلبية  حيث توقف  قلبه عن الحركة وهو يقوم بمكالمة هاتفية .
   محمد الماغوط  ترك اثارا  في الشعر والنثر والمسرح  واهم اعماله مايلي :
 ا- دواوينه الشعرية
 1-حزن في ضوء القمر – ديوان  شعر
2-  غرفة بملايين الجدران - ديوان شعر
3     -الفرح ليس مهنتي – ديوان  شعر (منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق)
ب-أعماله الروائية
  1-الأرجوحة
جـ أعماله المسرحية:
1-العصفور الأحدب
2-المهرج
3- كاسك يا وطن
4-غربة
5- ضيعة تشرين
6- شقائق النعمان
7- المارسيليز العربي
د- المقالات والنصوص:
1-سأخون وطني  
2-سياف الزهور
3-شرق عدن.. غرب الله
4-البدوي الأحمر
هـ النصوص السينمائية:
1-الحدود
2-التقرير
3- المسافر
و-النصوص التلفزيونية
1-وادي المسك
2-حكايا الليل
          محمد الماغوط  اديب شاعر وناثر  ومسرحي وسينمائي وصحفي ويعتبره الكثيرون من أبرز شعراء وأدباء سوريا في النصف الثاني من القرن العشرين  ومن اهم رواد قصيدة النثر في الوطن العربي كتب القصيدة النثرية والخاطرة والرواية والمسرحية  والمسلسل التلفزيوني  والفليم السينمائي . ويغلب على كتاباته  طابع الحزن والاسى  والدراما
وفي احدى قصائده يقول :
 أظافري لا تخدش
أسناني لا تأكل
صوتي لا يسمع
دموعي لا تنهمر
أليست هذه بطالة مقنعة؟
           ***
الكل يقلع وأنا مازلت في المطار.
          ***
كل جراحي اعتراها القدم، وأصابها الإهمال
لم تعد دماؤها قانية
ولا آلامها مبرحة
واختم بحثي بهذه الاسطر من قصيدته (سرير تحت المطر) يقول فيها :
  الحبُّ خطواتٌ حزينةٌ في القلب
والضجرُ خريفٌ بين النهدين
أيتها الطفلة التي تقرع أجراس الحبر في قلبي
من نافذة المقهى ألمح عينيك الجميلتين
من خلال النسيم البارد
أتحسَّسُ قبلاتكِ الأكثر صعوبةً من الصخر .
ظالمٌ أنت يا حبيبي
وعيناك سريران تحت المطر
ترفق بي أيها الالهُ الكستنائي الشعر
ضعني أغنيةً في قلبك
ونسراً حول نهديك
دعني أرى حبك الصغير
يصدحُ في الفراش
أنا الشريدُ ذو الأصابع المحرقه
والعيونُ الأكثر بلادة من المستنقع
لا تلمني إذا رأيتني صامتاً وحزيناً
فإنني أهواك أيها الصنمُ الصغير
أهوى شعرك ، وثيابك ، ورائحة زنديك الذهبيتين .
كن غاضباً أو سعيداً يا حبيبي
كن شهياً أو فاتراً ، فإنني أهواك .
يا صنوبرةً حزينة في دمي
من خلال عينيك السعيدتين
أرى قريتي ، وخطواتي الكئيبة بين الحقول
أرى سريري الفارغ
وشعري الأشقر متهدلاً على المنضده
كن شفوقاً بي أيها الملاك الوردي الصغير
سأرحلُ بعد قليل ، وحيداً ضائعاً
وخطواتي الكئيبه
تلتفت نحو السماء وتبكي



******************








نازك الملائكة




 
     هي الشاعرة نازك  بنت صادق الملائكة البغدادية من العراق

        ولدت الشاعرة نازك الملائكة في  في منطقة (كرادة مريم ) ببغداد عام \1923م ، ونشأت  في بيت علمٍ وأدب ، في رعاية  أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق أم نزار الملائكة وأبيها الأديب الباحث صادق الملائكة ، فتربَّت على الدعة وهُيئتْ لها أسباب الثقافة . وما أن أكملتْ دراستها الثانوية حتى انتقلت إلى دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام 1944 بدرجة امتياز ، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستزادة من معين اللغة الانكليزية وآدابها عام 1950 بالإضافة إلى آداب اللغة العربية التي أُجيزت فيها . ثم  عملت أستاذة مساعدة في كلية التربية في جامعة البصرة .

 درست  نازك  الملائكة من اللغات: الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية ، بالإضافة إلى اللغة العربية  وفهمتها دراسة وكتابة وقراءة وتكلما ، وتحمل شهادة الماجستر باللغة العربية من كلية التربية ببغداد ، والماجستير في الأدب المقارن من جامعة (وسكونس) الأمريكية .

مثّلت العراق في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بغداد عام 1965

     وللشاعرة ثمانية مجاميع شعرية منشورة (عاشقة الليل وشظايا ورماد قرارة الموجة وشجرة القمر و ماساة الحياة اواغنية الانسان و للصلاة والثورة ويغير الوانه البحر)  طبعت كاعمال كاملة في مجلدين.

       لها دراسات عديدة اهمها ( قضايا الشعر المعاصر) و ( سكولوجية الشعر الحر)  .

      كتبت عنها دراسات عديدة ورسائل جامعية متعددة في الكثير من الجامعات العربية والغربيةوقد نشرت ديوانها الأول(عاشقة الليل ) في عام 1947 ، وكانت تسود قصائدها مسحة من الحزن العميق .
 يقول عنها  الاستاذ الاديب الناقد مارون عبود :

( فكيفما اتجهنا في ديوان عاشقة الليل لا نقع إلا على مأتم ، ولا نسمع إلا أنيناً وبكاءً ، وأحياناً تفجعاً وعويلاً )

        ثم نشرت ديوانها الثاني(شظايا ورماد ) في عام 1949 ، وثارت حوله ضجة عارمة حسب قولها في قضايا الشعر المعاصر ، وتنافست بعد ذلك مع بدر شاكر السياب حول أسبقية كتابة الشعر الحر ، وادعى كل منهما انه اسبق من صاحبه ، وانه أول من كتب الشعر الحر ونجد نازك تقول في كتابها (قضايا الشعر المعاصر ) :

(كانت بداية حركة الشعر الحر سنة 1947 ، ومن العراق ، بل من بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت ، بسبب تطرف الذين استجابوا لها ، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعاً ، وكانت أول قصيدة حرة الوزن تُنر قصيدتي المعنونة ( الكوليرا ) وهي من الوزن المتدارك ( الخبب) )

     وقد زادت دراستها للموسيقى في معهد الفنون الجميلة ببغداد وخاصة دراسة العودعلى التفتح بهذا الفن الشعري الجديد في الوطن العربي فهي بحق رائدة  الشعر المعاصر او قل الشعر الحديث . ويبدو أنها  كانت متحمسة في قرارها هذا. ثم لم تلبث أن استدركت بعض ما وقعت فيه من أخطاء في مقدمة الطبعة الخامسة من كتابها المذكور فقالت :

(عام 1962 صدر كتابي هذا ، وفيه حكمتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي ، ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعراً حراً قد نظم في العالم العربي قبل سنة 1947 سنة نظمي لقصيدة (الكوليرا) ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة 1932 ، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها وعلى كل حال فلها السبق في هذه المحافل الادبية والفن الشعري المعاصر)

  التحقت بدار المعلمين العالية وتخرجت فيها سنة (1364هـ= 1944م)، وفي عام (1367هـ= 1947م) نظمت أول قصيدة في الشعر الحر بعنوان الكوليرا، وقالت عن القصيدة بأنها "ستغير خريطة الشعر العربي".

    حصلت على الماجستير من الولايات المتحدة عام (1370هـ-1950م) في الأدب المقارن وأجادت اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية، ثم عادت عام (1374هـ- 1954م) ثانية إلى الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراة في البعثة التي أوفدتها الجامعة العراقية، واطلعت على الأدب الفرنسي والصيني والألماني والهندي.

    وبعد عودتها للعراق عملت بكلية التربية ببغداد سنة (1377 هـ- ـ1957م)، ثم انتقلت إلى جامعة البصرة وتزوجت  عام (14384هـ= 1964م) من الأستاذ الدكتور (عبد الهادي محبوبة)رئيس جامعة البصرة انذاك.

 ثم رحلت إلى الكويت مع زوجها وعملا بالتدريس في جامعة الكويت، ومنحتها الجامعة عام \1985م) إجازة تفرغ للعلاج بعدما أصيبت بمرض عضال ثم عادت إلى العراق الا انها لم تلبث ان سافرت إلى القاهرة لتكمل علاجها الطبي بسبب نقص الأدوية في العراق بسبب الحصار الأمريكي الظالم والذي جعل العراقيين يأ كلون اخس الاطعمة وافضعها . واتخذت نازك وزوجها وابنها الوحيد الدكتور ( براق ) القاهرة سكنا ومستقرا دائما.

       وبعد وفاة زوجها الدكتور سنة 2001م) عاشت في عزلة بعيدا عن ضجيج الحياة، مما حدا ببعض الصحف أن تنشر أخبارا عن وفاتها رغم أنها ما زالت على قيد الحياة .

         توفيت الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة يوم الاربعاء 20-6-2007 باحدى مستشفيات  العاصمة المصرية (القاهرة )عن\ 84 عاما إثر هبوط حاد في الدورة الدموية. ان نازك الملائكة التي عانت من أمراض الشيخوخة في أيامها الأخيرة تدهورت صحتها يوم الأربعاء فجأة ثم فارقت الحياة رحم الله شاعرتنا واسكنها فسيح جناته  .

       الأغاني الرقراقة للألم التي تغنت بها نازك في عدد قصائدها الموزعة في دواوينها الشعرية من (مأساة الحياة وأغنية للإنسان) المنظوم ثلاث مرات متباعدة خلال الأعوام 1945،1950، 1965 إلى (شجرة القمر) المنظوم عام 1967، لم تقف بها عند هذا الحدّ من رومانسية العذاب وتدليل الألم العامل في أعصاب الشاعرة وقصائدها عمله الدؤوب، بل وغلبت أكثر في الدخول في رعب الموت أو (فوبيا الموت) إذ كانت الحداثيات  ومآسي الحرب العالمية الثانية  قد جعلت فعلها المدمر في النفس الحساسة والحائرة لشاعرة صبية نظمت عام 1945 مطوّلتها (مأساة الحياة وأغنية للإنسان) وهي في الثانية والعشرين من عمرها، متأثرة بمطولات الشعر الإنجليزي التي أعجبت بها، فإنه لم يعزها، في الواقع والفلسفة، أسانيد لليأس، وأسئلة حارقة في الحياة والموت، احتشد بها شعرها المبكر، ورافقت ظلالها سيرتها الشعرية وصيرورة قصائدها، فشعرها شعر حزين بمجمله، وقلما تنبض فيه لآلئ الرجاء أو الفرح.
       نازك الملائكة  شاعرة مجدد ة  وكاتبة  ناقدة جمعت  بين الشعر والنقد، ونقد النقد، وهي موهبة رائعة لم تتوفر إلا للنادر من الأدباء والشعراء، واصدرت  العديج  من الدواوين الشعرية  والدراسات النقدية والأدبية، وترك  للمكتبة العربية  ارثا  كثيرا  منه مايلي :
 ا-  فمن دواوينها :
عاشقة الليل
شظايا ورماد      
قرارة الموجة
شجرة القمر
ماساة الحياة  او اغنية الانسان
للصلاة والثورة
ويغير الوانه البحر
وقد جمعت دواوينها في مجلدين ضخمين نشرا في بيروت.
ب- من دراستها النقدية :
قضايا الشعر المعاصر
 الأدب والغزو الفكري
 محاضرات في شعر علي محمود طه
 سيكولوجيا الشعر
 التجزيئية في المجتمع العربي – دراسة في علم الاجتماع
 الصومعة الحمراء
 الشمس التي وراء القمة  - مجموعة قصصية
  وقد حصلت نازك الملائكة  على عدد من الجوائز الأدبية منها جائزة الإبداع العراقي عام 1992م) وجائزة البابطين للشعر.
          
         تمثل الشاعرة العراقية نازك الملائكة أحد أبرز الوجوه المعاصرة للشعر العربي الحديث، الوجه الذي يكشف عن ثقافة ضاربة الجذور في التراث والوطن والإنسان. وتكاد تكون رائدة للشعر الحديث، بالرغم من أن مسألة السبق في ( الريادة)  لم تحسم بعد بينها وبين علي باكثير وبدر شاكر السياب، ولكن نازك نفسها تؤكد على تقدمها في هذا المجال حيث تقول في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) أنها أول من قال قصيدة الشعر الحر، وهي قصيدة (الكوليرا) عام 1947. أما الثاني – في رأي نازك - فهو بدر شاكر السياب في ديوانه (أزهار ذابلة)  .

    وأول ما يتبادر إلى الذهن عندما تُذكر نازك الملائكة هو أنها لم تكن مجرد شاعرة مبدعة مجددة عُرفت بجهودها المتواصلة منذ صدور ديوانها الأول(عاشقة الليل) 1947. بل أسهمت بالإضافة إلى ذلك إسهاماً إيجابياً في تطوير القصيدة العربية في موضوعها وبنائها، كما قدمت مجهوداً نقدياً منظماً له موقف من بعض القضايا الفنية واللغوية والفكرية في أدبنا الحديث. ولعل كتابها (قضايا الشعر المعاصر) هو أشهر إسهاماتها في هذا المجال، يليه كتابها عن (علي محمود طه) الذي كانت بدايته محاضرات ألقتها عن الشاعر في معهد الدراسات العربية بالقاهرة وكان ذلك في عام 1962 ثم (الصومعة والشرفة) 1965، و(سيكولوجية الشعر 1993) وتدل هذه الأعمال على أنها جمعت بين نوعين من النقد، نقد النقاد ونقد الشعراء، فهي تمارس النقد بصفتها ناقدة متخصصة. لأنها الأستاذة الجامعية التي يعرفها الدارس الأكاديمي حق المعرفة.. وتمارسه بصفتها مبدعة منطلقة من موقع إبداعي لأنها شاعرة ترى في الشعر بعداً فنياً حراً لا يعرف الحدود أو القيود.. لذلك فنازك الناقدة، ومن خلال آثارها النقدية تستبطن النص الشعري وتستنطقه وتعيش في أجوائه، ناقدة وشاعرة على حد سواء، بحثاً عن أصول فنية أو تجسيداً لمقولة نقدية أو تحديداً لخصائص شعرية مشتركة..
       وقد قام المجلس الاعلى للثقافة بنشر اعمال الشاعرة الكاملة اخيراً
من شعرها هذه الابيات من قصيدتها ( من انا  ):
الليلُ يسألُ مَن أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون ؟
الريحُ تسألُ مَنْ أنا
أنا روحُهَا الحيرانُ أنكرني الزمانْ
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
فإذا بلغنا المُنْحَنَى
خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
فإذا فضاءْ !
والدهرُ يسألُ مَنْ أنا
أنا مثله جبارةٌ أطوي عُصورْ
وأعودُ أمنحُها النشورْ
أنا أخلقُ الماضيْ البعيدْ
من فتنةِ الأملِ الرغيدْ
وأعودُ أدفنُهُ أنا
لأصوغَ لي أمساً جديدْ
غَدُهُ جليد
والذاتُ تسألُ مَنْ أنا
أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في الظلام
لا شيءَ يمنحُني السلامْ
أبقى أسائلُ والجوابْ
سيظَلّ يحجُبُه سرابْ
وأظلّ أحسبُهُ دَنَا
فإذا وصلتُ إليه ذابْ
وخبا وغابْ



****************************
    

























الشاعر سركون بولس


   هو سركون  بن بولص  الاثوري  الكركوكي  من العراق

           ولد سركون بولس عام 1944 بالقرب من (بحيرة الحبانية) في العراق والتي تبعد قرابة \80 كم عن بغداد غربا باتجاه سوريا  وبها نشأ ودرس الابتدائية فتعلم القراءة والكتابة فيها.

 انتقل الى مدينة ( كركوك )  في سن الثالثة عشرة مع عائلته ، وبدأ كتابة الشعر، وشكل مع نخبة من  الشعراءمنهم : فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجان دمو وصلاح فائق جماعة ادبية اطلق عليها (جماعة كركوك). وبرز في حينها أسماء عدة من العراقيين الناطقين بالسريانية مثل الشاعر الأب يوسف سعيد والشاعر العبثي جان دمو  حيث عمل حين وصلوا إلى بغداد في ستينات القرن الماضي الى تغيير خريطة الشعر العراقي.

  وفي سنة \1961 نشر بعض قصائده في مجلة (شعر ) اللبنانية

            وفي سنة \ 1966 توجه إلى بيروت سيراً على الأقدام، عبر الصحراء.و قصد المكتبة الأميركية، طالباً أعمال(آلن غينسبرغ ) و(جاك كرواك ) وآخرين، وأعد ملفاً عنهم في مجلة (شعر) . وفي بيروت التي كانت افضل نهضة ثقافية، انكبّ على الترجمة ، أسهم  في  رفد المكتبة العربية بترجمات مهمة وأمينة لشعراء معروفين ونشرتها بعض المجلات العربية مثل مجلة (شعر )و( المواقف) و( الكرمل ).

 انتقل في عام \1969 الى (سان فرانسيسكو) ب(الولايات المتحدة الامريكية) حيث التقى بجماعة ال( بيتنيكس) أمثال الادباء :  كرواك وألن غينسبرغ، وغريغوري كورسو،و بوب كوفمن، ولورنس فيرلينغيتي، وغاري سنايدر، وعقد صداقات معهم. ثم  اخذ يتنقل  بين أوروبا وأمريكا، ووحصل  في (المانيا ) على عدة منح للتفرغ الأدبي، وصدرت له ثلاثة كتب بالألمانية،:(غرفة مهجورة)، (شهود على الضفاف ) و(قصائد وخلال الأعوام التي قضاها هناك، بقي سركون مخلصا للشعر ولترجمة الشعر، وأثناء تلك الإقامة الطويلة التي قرر أن ينهيها بالذهاب إلى أوروبا، خصوصا إلى لندن وباريس وبرلين حيث حصل على عدة منح للتفرغ الأدبي،الا انه لم يتخلص من لهجته البغدادية وبقي ذلك الشاعر القروي القادم من كركوك ذو النكهة العراقية الاصيلة .

      وقد دعي للاشتراك في مهرجان المربد الشعري عام 1986 حيث التقيت به في ايام المهرجان في بغداد وفي ديالى عندما زار ادباء المربد حافظة ديالى  ضمن ايام المربد فالتقيت بهم في منطقة ( صدور ديالى ) وقرية ( العنبكية) وقرية( الدوجمة) في الخالص  فوجدته شاعرا فحلا ومفكرا وشخصية لامعة في سماء الفن والادب يتمتع بروح مرحة وفكر متفتح وشاعرية فياضة وكان الشعر قد ترك شيباته على راسه فبانت بيضاء زادته وقارا .

      يعد الشاعر سركون بولص من المترجمين العراقيين المتمكنين من فن الترجمة، إذ رفد المكتبة العربية بالعديد من ترجماته الأمينة لاشهرادباء وشعراء الغرب .

        وبالإضافة إلى الشعر، كان سركون بولس رساما ماهرا، وقد شارك بعدة معارض في (سان فرنسيسكو)، حيث رسم العديد من اللوحات الزيتية، وهي لوحات جميلة تشبه شعره كثيرا، وتوحدها تلك النغمة الغامضة التي تحمل في أعماقها أسرارا لا زالت تبحث عمن يفك شفرتها او يزيل غموضها ويقدمها.ناضجة ندية للقارئين بلا عناء .

        اصيب سركون بولص  بمرض السرطان  خلال وجوده في  الخارج  وبعد صراع  مع هذا المرض  الفتاك ، توفي في( برلين) المانيا  صباح الاثنين 22 أكتوبر 2007  . وبهذا اسكت الموت صوتا  شاعريا  من اصوات الشعر العراقي والعربي او قل العالمي ايضا .

        صدر للشاعر سركون بولس عدداً من الدواوين الشعرية والكتب المترجمة  التي اثرت المكتبة العربية  منها :

  الوصول الى مدينة اين .
   حامل الفانوس في ليل الذئاب
    إذا كنت نائماً في مركب نوح  
    الوصول إلى مدينة أين
   الحياة قرب الأكروبول .
   رقائم لروح الكون  - قصائد ترجمة
   غرفة مهجورة   مجموعة قصصية باللغتين العربية والألمانية،
  شهود على الضفاف. سيرة ذاتية
  العقرب في البُستان
هناك في ضياء وظلمة النفس والآخر - مترجم
 عظمة أخرى لكلب القبيلة
النبي جبران خليل جبران –مترجم
يوميات في السجن-  مترجم
شاحذ السكاكين  بالانكليزية
مع مقدمة للشاعر أدونيس، عن مجلة ( بانيبال)

  ان التحولات الشعرية في قصائد سركون بولص ارتهنت بتحولات وعيه العميق،فقد ادرك مبكرا هواجس القصيدة الجديدة واسئلتها، اذ التمس ماحملته قصائد جماعة (البيتنكس) نوعا من الدهشة التي اثارت لديه شجن البحث عن الحرية العميقة، حريته الشخصيته وروحه اللائبة، التائهة (كاي اشوري) فيبحث عن ملحمة وجوده الشخصي، وهذا النزوع قاده الى هاجس مطاردة ملحمته الشخصية هو اكثر البواعث النفسية والوجودية التي دفعته لبحثه عن الموت، وكأن هذا الموت هو حياته الاكثر بهجة والاكثر اشراقا، فهو يكتب بلغة شفيفة، مفتوحة، متراخية مرثاته للعالم، للجسد، للذة، للبلاد، للمنفى، للاصدقاء الذين يرحلون عنوة. يقول :
(حبلُ السُرّة أم حبل المراثي؟
لا مهرب: فالأرض ستربطنا إلى خصرها
ولن تترك لنا أن نُفلت، مثل أم مفجوعة، حتى النهاية
كل يوم من أيامنا، في هذه الأيام، جمعة حزينة
ويأتيني في الجمعة هذه خبرٌ بأن البريكان
مات مطعوناً بخنجر في البصرة
       والقصيدة عنده بدت اشبه بقطعة الارض المباحة، تحتاج الى بعض الامور لتحظى بشرعيتها ونوع ملكيتها، فهو لم يؤمن بزمن الشعراء الكونيين، بقدر ايمانه بزمن الشعراء الموتى. هذه الهواجس اخذت تطارده كثيرا، تدخله في علاقات مربكة، وربما تضع قصيده وكأنها نداؤه العميق الذي يسحبه الى غوايات من السحر الروحي والوجداني ليهب  عزلته نوعا من التوهج، واحيانا نوعا من العفوية لانها  ترهن نفسها لوعي الشاعر ولتحولاته، واحيانا لصوته الانسي العميق الذي لاتبدو فيه الرموز والاستعارات حاضرة بقوة قدر حضور الوقائع واشاراتها، فتاتي مكتظة بمراثي الانسان وحروبه وميتاته العبثية. يقول :
كم ساحة معركة
مر بها تصفر فيها الريح
عظام الفارس فيها اختلطت بعظام حصانه والعشب
 سرعان ما أخفى البقية
نار تتدفأ عليها يدان بينما الرأس يتدلى والقلب حطب
هو الذي بدأ بالتيه في العشرين
لم يجد مكاناً يستقر فيه حتى النهاية
حيثما كان، كانت الحرب وأوزارها
و في قصائده نلاحظ ثنائية الموت والحياة والحضور والغياب اكثر تجليا، لانها الحافز على الاستعادة،وتعد  المثير النفسي على استحضار صراعات عميقة تجعله دائما غارقا في التهيج الذي يمثل معادلة نفسية تغمر احساسه يقول في احدى قصائده :
أصغي ..لكي أسمع الصحراء تغنّي
وليس صهيل أمريكا المتعالي كألف حصان جريح
من حولي، إلي عصر آخر سَفّته يدٌ قويةٌ من الرمل
في ذلك الفم الفاغر للزمن حيث الأطلالُ
 دائماً بانتظار المناسبات

واختم بحثي بقوله في قصيدته الكمامة حيث يقول :

اليوم أريد أن تصمتَ الريح

كأنّ كمّامة أطبقَت على فَم العالم

الأحياءُ والأمواتُ تفاهموا

على الإرتماء في حضن السكينة.

لأنّ الليل هكذا أراد

لأنّ ربّة الظلام، لأنّ ربَّ الأرْمِـدَة

قرّرَ أنّ آخرَ المطاف هذه المحطّة

حيثُ تجلسُ أرملة وطفلتها على مصطبة الخشب

بانتظار آخر قطار ذاهب إلى الجحيم، في المطر


**************************     






محمود  د رويش  الشاعر
                        

البراوي الفلسطيني                 هو الشاعر محمود بن درويش
             عندما اكتب عن الشاعر محمود درويش  يعتيرني شعور بفقد صديق تلاقت  يداي في  يديه  منذ عشــرات  السنين  وقد قضى وبقيت لاكتب عنه وعن غيره من  ادباء  وشعراء  الامة العربية . فهي  ذكريات  يلهمني اياها الفـكر في  رجـوعه للزمن القريب .   واشعر بالفرحة وانا اقدم  احد اصدقائي  واحبتي للناس من  خلال  ما يسطره  قلمي  في هذا المعترك  لقراءته  واتحدث عما  يجيش في نفسي ازاءهم .  
         محمود  درويش   شخصية عربية عالمية رائعة اقترن اسمه بالقضة الفلسطينية  التي هو ابنها وحامي حماها و ما زالت  قضية الامة العربية الاولى شعبيا  وثقافيا  وشماعة جاهزة  لكل  الحكام العرب  يعلقون  عليها اكاذيبهم  وافتراآتهم .
محمود  درويش  شاعر المقاومة  الفلسطينية  وهو أحد أهم الشعراء الفلسطينين المعاصرين الذين ارتبطت  اسماؤهم  بشعر الثورة و الوطن المحتل فكانت قصائده  اتون نار  يكاد  ينفلق في كل لحظة .
        يعتبر درويش أحد وأبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه،من خلال  قصيدته النثرية التي اعتقدها هي الاسمى في مجال ابداعه وخلال  طريق  نضاله الطويل . وفي  شعره يمتزج الحب  بالوطن  بالحبيبة  فيتجذ ر حبه  عميقا في وجدان  امته العربية  وابناء وطنه الفلسطيني  ليكسن عن جدارة يقين الخلود . فهو من قام  بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

        هو شاعر عربي  فلسطيني له  الاولوية  في قضية فلسطين  واود ان ابين   انه كان صديقي ونحن من فئة عمرية واحدة فهو من مواليد عام\1942 وانا من مواليد\1944 وان اختلفت نشأة كل منا وكانت لقاآتنا قليلة لبعد المسافة  لذا كان تاثير شعر اي منا قليلا على الاخر وكل له مميزاته الشعرية  لكننا  نتقارب  كثيرا في وجهات  نظرنا وآرائنا  فشعر المرحوم محمود درويش فكل منا كتب  للقضة الفلسطينية  وكل  منا  كتب لنضال الامة العربية  الا انه  يتسم  غالبا  بالهدوء والمرونة  يقول :

للحياة اقول

على مهلك انتظريني

الى ان تجف الثمالة في قدحي

في الحديقة ورد مشاع

ولا يستطيع الهواء

الفاك في الوردة

انتظريني لئلا تفر العنادل مني

فاخطئ اللحن

    بينما يتسم شعري السياسي او الوطني  بالثورية و شدة الانفعال في
اغلب قصائدي  ففي احداها اقول :

نَفسي  الفداءُ  لأ مّتي  فأ حبّها
                                          فاذا    تكالبتِ   العِدى  أتجلّدُ

تُفديكَ  ياوطني  العزيزُ نفوسنُا
                                          عند   اللقا   آ مالنُا     تتجدّدٌّ

ان   العقيدةَ     مصدرٌ   لنضالِنا
                                       فيها   الرجولةُ ُ- للاباءِ  تُمجَّدُ

شعبُ العروبةِ  موطنٌ   لوَفائنا
                                           بنضالهِأ   وجهادهِا  نتوحّدُ

نفسي فِداءُ الشعبِ في ارض الوَفا
                                         فتأ لّقتْ وبهِ  الشهادةُ  تسْعدُ

ما  طالَ  ليلٌ او  تعكّرََ  صَفوُهُ
                                          الا  انْجَلى وصَباحُهُ  يتُفرْقَدُ

فالشعبُ يصدحُ صوتُهُ متَعاليا
                                      متدفقاً  نحو َ  العلاء ِ  فيصْعـَدُ :

 الشعبُ  مَصْدرُ  قوّة ٍ  لا ينـثَني
                                شرف ُ   البطولة ِ والرجولةِ   سَيّدُ

قسماً    بذات ِ  اللهِ انّي  لثائِرٌ
                                على   كلِّ   ظلم ٍ في البلادِ سَيوجَدُ

      تعرفت على الشاعر محمود درويش عام 1986 اثناء مهرجان المربد الشعري  في بغداد حيث جلسنا وتجاذبنا الحديث في الشعر واللغة والاوضاع السياسي   للبلاد العربية  وقضية  فلسطين وبقينا اصدقاء الى ان  توفاه  الله تعالى  في التاسع من آب (اغسطس) 2008ميلادية  وراح  في  ذمة الخلود وقد رثيته في ذكرى وفاته بقصيدة مطلعها: 

محمود  يامحمو د  يادمع  العيون  وما جرى

 التي نشرتها  صحيفة  ( الاخاء) العراقية  انذاك 

     يعد  محمود درويش من أبرز الشعراء الذين ساهموا بتطوير الشعر العربي المعاصر و إدخال الرمزية فيه .وفي شعر ه نلاحظ امتزاج الحب للوطن بالحب للحبيبة الأنثى مع احساسه  بالتسامي في  سماء المقاومة العربية .فشعره يمثل مقا ومة متأججة على نار غير ذات لهب يكمن اوارها في النفس العربية كمون الروح في الجسد الحي بحيث اصبح رمزا من رموزها الخالدين.

      محمود درويش ولد في  فلسطين وهو  الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات ، ولد عام 1942 في  قرية (البروة ) وفي عام 1948 لجأ إلى لبنان وهو في السابعة من عمره وبقي هناك عام واحد ، عاد بعدها متسللا مع عائلته  إلى فلسطين وبقي في قرية( دير الأسد )شمال بلدة (مجد كروم )في مدينة (الجليل ) لفترة قصيرة، استقر بعدها في قرية (الجديدة ) شمال غرب قريته الأم (البروة).

      أكمل تعليمه الإبتدائي  بعد عودته من لبنان في مدرسة (دير الأسد ) وهي قريه عربية فلسطينية تقع في الجليل الأعلى متخفيا . فقد كان يخشى أن يتعرض للنفي  من  جديد  إذا كشف  اليهود  أمر تسلله  وعاش  تلك  الفترة  محروماً من الجنسية . واكمل تعليمه الثانوي سنة\1961في مدرسة يني الثانوية في( كفر  ياسيف)  القريبة من الجليل .
   
        انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي ( راكاح) حيث كان هو المنظمة الوحيدة  التي  تعترف  بحقوق  المواطنين  الفلسطينيين  في  بلدهم  وبحقوق المواطنة لهم  وتتيح   له العمل  في الصحافة  لذا عمل  في  صحافة  الحزب مثل    ( الاتحاد) ومجلة  (الجديد )التي أصبح في  بعد فترة وجيزة  مشرفا على تحريرها فيكتب فيها المقالات  والشعر  باللغة العربية ، كما اشترك في تحرير جريدة (الفجر ) . وقد  خضع  العرب  الفلسطينيون  في  اسرائيل  لقانون  الطوارئ  اليهودي  واحتاجوا  لتصاريح  سفر  من  منطقة الى اخرى  داخل  بلدهم  .يقول محمود متحدثا عن نفسه:   
  (عشنا مرة  أخرى كلاجئين, وهذه  المرة في  بلدنا, كانت  تلك  خبرة جماعية, ولن أنسى أبدا هذا الجرح) ويقول  انه ثاني  اكبر أربعة  اخوة  وثلاث أخوات ,فقدت العائلة كل شيء, قلص والده  سليم إلى مجرد عامل زراعي. وقال :
  (اختار جدي العيش فوق تله تطل على أرضه, الى أن توفي, ظل يراقب المهاجرين ( اليهود ) من اليمين يعيشون في أرضه التي لم يكن قادراً على زيارتها).
      وكانت أمه, حورية لا تحسن القراءة والكتابة, غير أن جده علمه القراءة   وحين بلغ السابعة من عمره, كان محمود  يكتب الشعر,   
فعاش مع عائلته في قرية الجديدة 
        خلال الفترة الممتدة من سنة 1973 إلى سنة 1982 عاش في بيروت وعمل رئيساً لتحرير مجلة (  شؤون  فلسطينية )، ثم أصبح  مديراً لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن يؤسس مجلة (الكرمل ) سنة  1981
     بحلول سنة 1977 تمكن  من  بيع أكثر من  مليون  نسخة  من  دواوينه العربية  لكن الحرب الأهلية  اللبنانية كانت مندلعة بين سنة 1975 فترك بيروت سنة 1982 بعد أن غزا الجيش  الإسرائيلي  بقيادة  ( شارون )  لبنان  وحاصر العاصمة ( بيروت ) لشهرين وطرد منظمة التحرير الفلسطينية منها .فاصبح   درويش (منفيا ) منتقلا  بين  سوريا  وقبرص والقاهرة وتونس وباريس.

     شغل درويش  منصب رئيس رابطة الكتاب  والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة ( الكرمل ) حيث كانت إقامته في  (باريس ) قبل عودته إلى وطنه فقد دخل إلى   ( فلسطين ) بتصريح لزيارة أمه، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست  الإسرائيلي  العرب  واليهود اقتراحاً  بالسماح  له بالبقاء  في  فلسطين  وقد سمح  له  بذلك.

      و يعد محمود درويش من أبرز الشعراء الذين ساهموا بتطوير الشعر العربي المعاصر و إدخال الرمزية  فيه .وفي شعر ه نلاحظ  امتزاج الحب  للوطن  بالحب للحبيبة الأنثى مع احساسه بالتسامي في سماء المقاومة العربية .فشعره يمثل مقا ومةعلى نارغير ذات لهب يكمن اوارها في النفس العربية كمون الروح في الجسد الحي بحيث اصبح رمزا من رموزها الخالدين فيقول :
أقول للعصفور:
إن صادفتها يا طير
لا تنسني، وقل بخير
أنا بخير
أنا بخير
ما زال في عيني بصر!
ما زال في السماء قمر!
وثوبي العتيق حتى الآن، ما اندثر
تمزقت أطرافه
لكنني رتقته.. ولم يزل بخير
وصرت شابًّا جاوز العشرين
تصوريني.. صرت في العشرين
وصرت كالشباب يا أماه
أواجه الحياة
وأحمل العبء كما الرجال يحملون
وأشتغل
في مطعم.. وأغسل الصحون.
وأصنع القهوة للزبون
وألصق البسمات فوق وجهي الحزين
ليفرح الزبون
أنا بخير
قد صرت في العشرين
وصرت كالشباب يا أماه
أدخن التبغ، وأتكئ على الجدار
     ان نزوع الشاعر العربي المعاصر إلى واقعه الإجتماعي والسياسي والإقتصادي وهروبه من عالم الرومانسية الحالمة التي  سادت الشعر العربي الحديث. يبين  ويثبت حنين الشاعر المعاصر وتطلعه إلى استقلاله الذاتي وبناء شخصيته المستقلة بعيدا عن التقليد والمحاكاة للأخرين.
         فإهتمام الشاعر العربي المعاصر بالأفكار والمضامين الجديدة وخاصة قضايا الإنسان المعاصر السياسية منها أو الإجتماعية أكثر من اهتمامه  بالشكل القديم جعل شاعرنا  اكثر ارتباطا  في  تربة وطنه وقلسطينيته  وانسانه العربي وتعرف على كل ما لهذا المجتمع   من  قسوة  وشدة  وخاصة في الظروف السياسية و الإجتماعية والإقتصادية  التي  كان يعاني منها الشعب  العربي خاصة  بعد هزيمته في حرب فلسطين، مما جعل الشاعر العربي – كل الشعراء العرب - يتساءل عن اسباب هذه الهزائم، وهذا العار رغم ما تملكه الأمة العربية من إمكانات عالية مادية، بشرية، ومعنوية لا حدود لها  لذلك تاثر  محمود درويش بهذه الانواء التي عاشها فقست  عليه واسلمته للمرض في قلبه  وكذلك تأثر الشّعراء المعاصرون بالثقافات الأجنبية المتعددة واطلاعهم على أفكار وآراء وقضايا هذه الشعوب مما زاد في حصيلتهم الشعرية، والثقافية. مما زاد من وطنيتهم وحبهم للعروبة.
يقول  صديقي محمود درويش:
مرالربيع سريعا
مثل خاطرة
طارت من البال
قال الشاعرالقلق
في البدء اعجبه ايقاعه
فمشى سطرا فسطرا
لعل الشكل ينبثق
وقال قافية اخرى
تساعدني على الغناء

       وقد نلاحظ  في  شعر محمود  درويش  نموذجا   للتحولات  التي  تتسع  لكل الأساليب التعبيريّة، فقد بدأ من الأسلوب الحسي الذي خرج فيه من تا ثير نزار قباني  فيه  لانه  يعتبره  معلمه  الاول ، ومثّل  على  ذلك قصيدة  (بطاقة هوية ) حيث   تتميز  ببنية  بالغة التحديد  في  التنظيم المقطعي  تمثل الواقع  الحسي الملموس  حيث  تتحول انماط  الشعرية   في  هذه القصيدة   الى وقائع  ذوات  قوام  فعلي  وقانوني  وتشتمل على كثافة  وجودية   محددة يمس العصب الوطني بفلسطينيته والقومي في عروبته وربما في دقائق اموره العائلية مقابل  تهويد الارض العربية في فلسطين وتهويد انسانها  الجديد او المستقبل في الاقل  وطمس الهوية العربية  في فلسطين   وتاتي  تحقيقا  يتسم  بالكفاءة  والفعالية  والخصوصية لاسلوبية رائعة  مثالية  تقتضي  نقل الحدس الشعري  بجمالية   وواقعية  مبينة يحمل طابع  الصياغة الانيق وهو  من انقى ميزات شعرية المقاومة عنده من حيث اعادة الصفاء الانساتي  الشامل  ويتمتع  بحساسية  شديدة الوقع  من حيث تمسكه  بجذوره العميقة بعروبته وتعينه على المقاومة والصمود   . 
اذ يقول فيها :

 سجل انا عربي

 ورقم بطاقتي  خمسون الف

 واطفالي ثمانية

 وتاسعهم  سياتي بعد صيف

 فهل تغضب
____________
  سجل

 انا عربي

 واعمل مع رفاق الكدح في محجر

 واطفالي ثمانية

 واسل لهم رغيف الخبز

 والاثواب والدفتر      

 من الصخر

ولا اتوسل الصدقات من بابك

 ولا اصغر

 امام بلاط اعتابك
فهل تغضب
       فهو شاعر يكتم انيه بين  جنبيه وفي نفسه  فيحز فيها . وينخرها  الاسى والالم  الا  انه  يظهر  ما يصفو القلب  له  والافق . ولذا يبقى الشاعر   محمود  درويش  مرتبطا  بل لصيقا  بتربة  وطنه  وامته  مدافعا عنها  حاميا  لها  صداحا بها  في كل  قصائده  وكل ما يكتب او ينشد . لذا نراه اكل  قلبه الاسى  ونفسه  الالم  وينازعه  حبه  القاتل  لابناء  بلده  وهو  يراهم  تحت وطأة  الجوع والحرمان  والمذلة  مسلوبي  الارادة  من  قبل عدوهم  وعدوه  فيمرض  فيقتله المرض  يقول :.
 اعد  غذائي الاخير
اصيب النبيذ بكأسيين لي
ولمن سوف ياتي بلا موعد
ثم اخذ قيلولة  بين حلمين
 لكن صوت شخيري  سيوقظني
ثم انظر في ساعة اليد
ما زال ثمة وقت لاقرأ
اقرا فصلا لدانتي  ونصف ملعقة
وارى كيف تذهب مني حياتي
الى الاخرين ..
ولا اسال عمن سيملأ نقصانها
واشيع نفسي بحاشية  من كمنجات اسبانيا
ثم امشي
الى المقبرة....

فكانت هذه  بطاقة هوية محمود درويش  الاخيرة
ومن شعره اخترت هذه السطور  من قصيدته  انا العاشق :
أنا العاشق السيء الحظ
أنا العاشق السيء الحظ
تمرد قلبي عليّْ
*****************
أنا العاشق السيء الحظ
نرجسة لي وأخرى عليّْ
أمرّ على ساحل الحب. ألقي السلام
سريعاً. وأكتب فوق جناح الحمام
رسائل مني الي.
كم امرأة مزقتني
كما مزق الطفل غيمة
فلم أتألم، ولم أتعلم. ولم أحم نجمهْ
من الغيم خلف السياج القصيّْ
********************
أمر على الحب كالغيم في خاتم الشجرة
ولا سقف لي، لا مطر
أمر كما يعبر الظل فوق الحجر
وأسحب نفسي من جسد لم أرهْ
*********************
أخاف الرجوع الى أي ليل عرفته
أخاف العيون التي تستطيع اختراق ضفافي
فقد تبصر القلب حافي
أخاف اعترافي
بأني أخاف الرجوع الى صدر شربته
فألقي بنفسي في البئر.. فيّْ
**************************
أنا العاشق السيء الحظ. قلت كلاما كثيراً
وسهلا عن القمح حين يفرِّخ فينا السنونو.
وقلت نبيذ النعاس الذي لم تقله العيون
ووزعت قلبي على الطير حتى تحط وحتى تطيرا
وقلت كلاما لألعب. قلت كلاما كثيرا
عن الحب كي لا أحب، وأحمي الذي سيكون
من اليأس بين يدي
*********************
ويا حب، يا من يسمونه الحب، من انت حتى تعذب هذا الهواء
وتدفع سيدة في الثلاثين من عمرها للجنون
وتجعلني حارساً للرخام الذي سال من قدميها سماء؟
وما اسمك يا حب، ما اسم البعيد المعلق تحت جفوني
وما اسم البلاد التي خيمت في خطى امرأة جنة للبكاء
ومن أنت يا سيدي الحب حتى نطيع نواياك ونشتهي
أن نكون ضحاياك؟
إياك أعبد حتى أراك الملاك الأخير على راحتيّْ.
*أنا العاشق السيء الحظ. نامي لأتبع رؤياك ، نامي
ليهرب ماضي مما تخافين. نامي لأنساك.
 نامي لأنسى مقامي
على أول القمح في أول الحقل في أول الأرض.
 نامي لأعرف أني أحبك أكثر مما أحبك.
 نامي لأدخل دغل الشعيرات في جسد من هديل الحمام
ونامي لأعرف في أي ملح أموت ، وفي أي شهد سأبعث حيا.
ونامي لأحصي السموات فيك وشكل النباتات فيك. واحصي يديا
ونامي لأحفر مجرى لروحي التي هربت من كلامي
وحطت على ركبتيك لتبكي علي
* * ******************
أحب، أحب، أحبك . لاأستطيع الرجوع الى أول البحر.
لا أستطيع الذهاب الى آخر البحر. قولي
الى أين يأخذني البحر في شهوتك
وكم مرة سوف تصحو الوحوش الصغيرة في صرختك؟
خذيني لآخذ قوت الحجل
وتوت زحل
على حجر البرق في ركبتيك.
أحب، أحب ، أحبك. لكنني لا اريد الرحيل عن موجتك.
دعيني ، اتركيني ، كما يترك البحر اصدافه على شاطئ العزلة
الأزلي.
أنا العاشق السيء الحظ لا أستطيع الذهاب اليك .
ولا أستطيع الرجوع الي.

*******************************








احمد السقاف



       هو احمد بن محمد السقاف الهاشمي  الحضرمي من اليمن

      ولد أحمد محمد السقاف في الكويت في نهاية عام 1919 م بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى. يرجع نسبه إلى أسرة السقاف الهاشمية المنتشرة في كثير من الأقطار العربية في الوطن العربي في الكويت، السعودية، اليمن، العراق، ومصر....

       نشأ في ضاحية من ضواحي عدن تسمى بلدة (السادة)  اغلب اهلها من آل السقاف، وكانت نشأته في كنف شيوخ لهم اطلاع واسع على العلوم الدينية.

     وبعد إتمام دراسته عين عام \ 1944 مدرسا للغة العربية في المدرسة المباركية، وكانت هذه هي المدرسة الرسمية الوحيدة في الكويت في تلك الفترة وفي عام \ 1950 رقي مديرا للمدرسة الشرقية . وفي عام \ 1948 اصدر اول مجلة كويتية تصدر وتطبع  بالكويت اسماها مجلة ( كاظمة ) ، ثم ترأس تحرير مجلة ( الإيمان ) ثم  قام بانشاء النادي الثقافي القومي  بالاشتراك  مع نخبة من المثقفين  وكانت مجلة ( الإيمان ) هي لسان حال النادي، وفي منتصف الخمسينيات عندما ارادت الكويت ان تصدر مجلة ثقافية كبرى اختاره الشيخ صباح الأحمد رئيس  دائرة  المطبوعات في الكويت  انذاك في السفر الى القاهرة وغيرها من المدن الثقافية  لانتقاء العاملين في تحريرها وكتّابها . فتعاقد مع الأديب الكبير الدكتور أحمد زكي (ابو شادي ) ليرأس تحريرها كما تعاقد مع بعض الكتاب والفنانين التشكيليين للعمل في هذه المجلة  .

     أما حياته السياسية او العمل السياسي في الدولة فقد بدأت في أوائل الستينيات حيث عين وكيلا لوزارة الإرشاد والإعلام ( وزارة الإعلام حاليا ) ثم انتقل للعمل في الهيئة العامة للجنوب والخليج العربي بدرجة سفير سنة\ 1965، وقد شهدت هذه الفترة واحدا من أجل أعمال السقاف التربوية والطبية ليس في الكويت فقط وإنما على الصعيد الخليجي والعربي، اذ كلف السقاف من قبل هذه الهيئة العامة للجنوب والخليج العربي المرتبطة بوزير الخارجية بالإشراف والتخطيط  لبناء المدارس والمستشفيات والمعاهد العليا في الكويت و في كثير من البلدان العربية مثل اليمن وعدن وحضرموت و الإمارات وكذلك في البحرين  وجنوب السودان ولا تزال إنجازاته في هذا المجال إلى الآن محل تقدير واعجاب في هذه البلدان العربية .

       توفي الشاعر احمد السقاف في 15\ اب اغسطس\ عام 2010 في الكويت.

      كتب العديد من المؤلفات منها كتاب(شعر أحمد السقاف ) الذي ضم آثاره الشعرية. ومن اثاره ايضا :

المقتضب في معرفة لغة العرب 
أنا عائد من جنوب الجزيرة العربية
  كتاب تطور الوعي القومي في الكويت
 العنصرية الصهونية في التوراة 
 الأوراق في شعراء الديارات النصرائية  
  حكايات من الوطن العربي الكبير 
  قطوف دانية...عشرون شاعراً جاهلياً ومخضرماً  
أحلى القطوف عشرون شاعراً أموياً ومخضرما 
 الطرف في الملح والنوادر والأخبار والأشعار
 اغلى القطوف عشرون شاعرا عباسيا 
أحاديث في العروبة والقومية 

       ومن آثاره الفنية  ايضا له أكثر من قصيدة مغناة لعل أشهرها قصيدته  (أعد الحقيبة ) التي غنتها الفنانة نجاة الصغيرة ، وقصيدة ( يا ظالمي ) التي غنتها الفنانة نور الهدى وقصيدة(اللقاء العظيم ) التي غناها المطرب الخليجي محمد مرشد ناجي ثم غناها الفنان محمد حسن العطروش وغيرهما .

      ألسقاف شاعرعرف برومانسيته وحبه للطبيعة و كل ما يكتنفه  او من حوله  فقصائده  تتمثل  فيها رقة وعذوبة  تنساب من  بين  ابياته
وشعره الجميل غزير المعاني ذو قابلية  شعرية  فذة شكل  قصيده جمع بين العمود القديم وقصيدة التفعيلة الحديثة المتجددة .
ومن أشعاره نقرأ هذه الابيات  :


عصف الهوى بحصافتي ووقاري
                                              فكشفت بعد تكتمي أسراري

بأبي التي ملكت عليَّ مشاعري
                                               بجمالها  ودلالها  السحارِ

الكاعب المكسال ترفل في السنى
                                              وتضوع عن أرجٍ لها فوارِ

سارقتها النظر الخجول فسددتْ
                                             سهماً فكنت كلاعب بالنارِ

فإذا الفؤاد صريعها ولطالما
                                       صرعتْ خليَّ القوم ذات سوارِ

والمرء إن لقي الغرام مبكراً
                                       لقي العذاب وعاش رهن إسارِ

ما أنس لا أنس «المعظم» زاخراً
                                          بالغيد، والأمواه، والأزهارِ

يجلو الهموم عن القلوب بحسنه
                                         فيزيد في حسن وفي أعمارِ

وله مع الأصال أجمل منظر
                                          بظهور أسراب من الأقمارِ

يخرجن للشط الرحيب لنزهة
                                         وكأنهن  حمائم    وقماري

لكن في ألحاظهن بواتراً
                                          فحذار من نظراتهن حذارِ .



********************************





















عبد المالك البلغيثي
     

       عبد المالك البلغيثي اديب وشاعر مغربي فهو سليل بيت ثقافي أدبي عتيد،وقد خلف والده أبا العباس أحمد بن المأمون البلغيثي مؤلفات عديدة في الفقه والأدب من بينها (النوازل الفقهية) في نحو عشرة مجلدات، ودواوين شعرية رفيعة المستوى ناظر ببعضها وساجل الشاعر أحمد شوقي والشاعرحافظ إبراهيم وغيرهما، ووصاحب كتاب (الرحلة الحجازية)
 " ولد بمدينة ( فاس) سنة 1904ـ وبها نشأ وتعلم القران الكريم في الكتّاب على ايدي أساتذة أجلاء, ثم تولي والده  عضوية مجلس الاستئناف بعاصمة المغرب( الرباط ) اخذه معه  فاتم حفظ القران الكريم فيها, ثم تولى ابوه خطة القضاء بمدينة( أنفا )سنة 1333هـجرية فأدخله (مدرسة أبناء الأعيان) .
    ثم رجع والده الى مدينة (فاس) فانتقل اليها معه وتلقى من والده دروسا في مواضيع مختلفة ثم عاد ابوه لعضويته بالعاصمة (الرباط ) فذهب معه مدة إقامة والده فيها  وكان  يرغبه على حضور مجالس السادات الأعلام ويتعلم منها معلوماتهم ما تشتهيه الأعين وتلذه الأنفس ثم أن الوالد انتقل الى (مكناسة الزيتون) سنة1341هـجرية متوليا خطة القضاء فيها فانتقل اليها معه واشتغل بالقراءة عليه منقولا و معقولا  ثم انتقل والده الى (فاس ) مرة اخرى سنة 1343هـجرية  فقرأ على يد ابيه صحيح البخاري وصحيح مسلم  من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .فكان عالما فقيها اديبا وشاعرا. اشتغل كاتبا بالوزارة الأولى سنة 1947، كما تقلب في عدة مناصب إدارية. وسجل شهادته تجاه أحداث جسيمة في تاريخ المملكة المغربية ، من قبيل الظهير البربري عام 1930 وأحداث 1944التي صاحبت تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال ونفي جلالة المغفور له محمد الخامس. و قد توارى زمنا طويلا عن أضواء الساحة الأدبية المغربية بسبب تقدمه في السن الا أن التاريخ يحفظ له إسهامه التأسيسي في المشهد الشعري المغربي بين أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين ويعد  الشاعر عبد المالك البلغيثي امير شعراء المغرب المعربي  بلا منافس  في الخمسنات من القرن الماضي .
أديب كاتب، وشاعر مجيد، يحسن علم التوقيت والحساب والجغرافيا والتصوير ومبادئ العلوم الحديثة يقول عن بلاده المغرب :
.
لست تلقى كالمغرب الفذ ارضا
ولو اجتزت الارض طولا و عرضا

ذي بلادي ينهال منها اعتزازي
نابض حبها مع الروح نبضا

امة نحن بالجلالة و العز
عرفنا مذ كانت الارض ارضا

كرمت منبتا, وطابت هواء
ونعيما , فليس يبرح غضا

يتناجى السحاب والأرز فيها
من تآخ يصافح البعض بعضا

يصدح الطير فيها بأناشيد
لها الوحش يركض ركضا

جنة من مناظر تلهم الشعر
بجو نقي من الصحو غضا

وغصون من الرياحين نشوى
نفضت نورها على الأرض نفضا

أين لبنان من نواح لإفران
إذا الأرز جاء يعرض عرضا

ذي بلادي ينهال منهال اعتزازي
نابض حبها مع الروح نبضا

 يقول عنه صديقه الأديب محمد بلعباس القباج :
( شاعر الجمال والطبيعة، يمتاز شعره بالجزالة والعذوبة، والذين يتصلون به عن كثب يشهدون له بتضلعه في اللغة والأدب).
 توفي في  سنة 2010 م بمدينة (فاس) مسقط راسه عن عمر يناهز مائة وست سنوات  وقيل مائة وخمس عشرة سنة .
 له اثار ادبية  شعرية ونثرية منها  مايلي :
  باقة شعر– ديوان شعر
المنار – ديوان  شعر
راح الارواح – ديوان شعر
اغاريد شحرور- ديوان شعر

      شعره يتسم بالجزالة والعذوبة،وهو شاعرالجمال والطبيعة ايضا  والذين عاصروه يشهدون له بتضلعه في اللغة .والأدب برع في  الادب و الشعر وخاض في أغراض متنوعة فيه  مثل الغزل والتغني بالطبيعة وشعره  فيهى حماسة و مقاوم ومناهض للحماية الفرنسية الاستعمارية لبلاده  .وفي ابيات يقول فيها :


مضت في المغرب الأقصى         سنون   تعد   كالعمر
ولم    تر  بيننا   فئـة               بنور علمها   تسري

محام أو  مهندس أو                طبيب  شارح  الصدر

وطيار   يطير   بنا                  لنرقى   مع    الغـــير

وغواص يغوص بنا             وهل كصنائع الشعب مــ
ر
 
على   قطع    الـــدر             ومــن  قاض  على الفقر


*******************************************************






















                 نعمان ماهر الكنعاني



      هو نعمان بن ماهر بن حمادي بن حسن  بن خليل بن علي الكنعاني شيخ فخذ البو كنعان من عشيرة البو عباس السامرائية العربية وينتهي نسبه بالامام السبط الحسن بن علي رضي الله عنهما ابن ابي طالب الهاشمي القرشي .

   ولد سنة \1919 بمدينة (سامراء ) بمحافظة (صلاح الدين ) بالعراق..اكمل دراسته الابتدائية في ( سامراء) .

     ثم انتقل الى بغداد فاكمل دراسته الثانوية ثم التحق بالكلية العسكرية  و تخرج منها عام \ 1939،

     كان في طفولته وصباه يحب ركوب الخيل وقراءة الشعر بالدرجة الاولى وكان يحب الغناء مستمعا لا مغنيا.

     اول من شجعه على قراءة  الشعر هو الشيخ عبد الوهاب البدري، كان يقرأ الشعر القومي والوطني ويترنم به ترنما جميلا فأصغي اليه بأعجاب، عندما كان تلميذا في الخامس او السادس الابتدائي، وكان يحكي ذلك لوالد ه خريج (المدرسة الرشيدية) في العهد التركي، وكان والده  احيانا يشير الى بعض الكتب التي لديه فيقرأها  نعمان فيفرح بذلك فرحا كبيرا.

 ويقول عن نفسه :
(منذ الصغر وانا اشعر ان طبيعتي طبيعة شاعر، فقد كنت افرق بين الموزون وغير الموزون، وأذكر انه جاء في احد امتحانات البكالوريا للصف السادس عام1932 بيت خطأ، هو للرصافي يقول فيه :
(وانا لقوم مستقلون فطرة
                                 اذا انكر استقلالنا منكر ثرنا)
في حين جاء في الاسئلة (ثرانا)، فقلت هذا البيت خطأ، وحدثت مشكلة بيني وبين الرقيب الذي جاء من بغداد واسمه (ابراهيم عنتر)، فتدخل مدير المدرسة المرحوم ريد رؤوف الاعظمي، وبعد استشارة الاستاذ البدري، ابرقوا الى بغداد فجاء الجواب بتصحيحه !.)
(ومستوانا المعاشي جيدا قياسا الى المحيطين بنا، كنا من الطبقة الاولى معاشيا، كان والدي شيخا للعشيرة وملاكا يمتلك ارضا زراعية واسعة ومضخات للسقي ولدينا عدد ليس قليلا من الفلاحين الذين هم من عشيرتنا (البو كنعان).

 ( اول قصيدة نظمتها هي ابيات كتبتها وليست قصيدة  وهي ابيات في الطبيعة اثناء العطلة الصيفية بعد الصف الاول المتوسط حيث كنت ادرس في  المدرسة الشرقية في منطقة (السنك) وكنت في الابتدائية العب كرة السلة وفي المتوسطة والثانوية انقطعت عن الرياضة واستأنفتها في الكلية العسكرية عام 1938، وحين اكملت دراسة الاختصاص في مدرسة الخيالة صرت العب البولو (الكرة والصولجان) دون انقطاع حتى ان نادي الكرة والصولجان .
    وكان سبب انتمائي للكلية العسكرية  هو المد القومي الذي كان سائدا آنئذ بحيث صار ينظر الى التلميذ الذي يخدم في العسكرية نظرة تقدير، هذا الشعور القومي الوطني كان الدافع الاكبر لي للانتماء للكلية العسكرية.)

   (وعملت ضابطا خيالا في الحرس الملكي قرابة اربع سنوات (1941 – 1944)، ثم ضابط استخبارات القوة الالية في جلولاء ومنصورية الجبل حوالي عامين، ثم مساعد مدرسة الدروع في ابي غريب قرابة عام، ثم في مديرية الاستخبارات العامة بمقر وزارة الدفاع 1947، ثم في حرب فلسطين حين شغلت بعض المناصب في القطعات العراقية العامة (1948 – 1949)، ثم عدت الى مديرية الاستخبارات 1951 ومن ثم اعتقلت عام 1957 وأحلت الى التقاعد بتهمة التآمر على العهد الملكي وكنت برتبة مقدم، ثم اعدت الى الجيش وبرتبة عقيد صباح يوم 14 تموز / يوليو عام 1958، ثم صدر امر القبض علي في نيسان 1959، أي بعد ثورة الشواف في الموصل حيث حكم عليّ بالاعدام غيابيا ومصادرة اموالي المنقولة وغير المنقولة، وكنت قد لجأت الى الجمهورية العربية المتحدة (دمشق)، وبموافقة العربية المتحدة اسست المكتب العسكري العراقي في دمشق عام (1960 – 1961)، وبعد ثورة 8 شباط / فبراير 1963 عدت الى العراق واسقطت عني جميع الاحكام، ثم عينت مديرا عاما لديوان وزارة الثقافة والارشاد عام 1964 ثم وكيلا للوزارة عام 1967 ثم طلبت الاحالة على التقاعد عام 1968 وانصرفت الى الشؤون الزراعية في سامراء، كما عملت مع اتحاد المؤلفين والكتاب في العراق وشغلت منصب رئيس هذا الاتحاد عامي 1971 – 1972 الى جانب عملي الزراعي .
 ( وكانت حركة الضباط الاحرار قد قطعت شوطا بعيدا في العمل السري وكنت منتميا اليها، ونتيجة للوشايات وصلت الى علم الجهات الرسمية اسماء بعض الضباط العاملين في هذه الحركة، اعتقلت ذات ليلة واعتقل معي المرحوم المقدم انذاك (اللواء فيما بعد) السيد شكيب الفضلي وكان اعتقالنا في مديرية الاستخبارات العامة، وبعد تحقيق وتدقيق طويلين لم يحصلوا على شيء من المعلومات من جانبنا، فأكتفوا بالاحالة على التقاعد ونقل الفضلي من منصبه في صنف الدروع الى ضابط تجنيد في قرية نائية في الشمال.
      حينها لم تنقطع صلتي بهم، بل ازدادت نشاطا، حيث كنت اكثر حرية للعمل، وهذا الامر حدث ايضا للمرحوم الشهيد رفعت الحاج سري والمرحوم شكيب الفضلي بحيث ازداد نشاطنا، اذ ان رفعت وشكيب احيلا على التقاعد فيما بعد، وكنت مع الضباط الاحرار الذين قاموا بالثورة ولكن ليس من المنفذين، حيث لم اكن اشغل امرية قطعات فعالة. وقد عملت  مستشارا للزعيم عبد الكريم قاسم  للشؤون الصحفية، وكانت تربطني به رابطة تلمذة منذ الكلية العسكرية ومودة، الا انني وبعد انحرافه عن الخط القومي واتجاهه نحو اليساريين وتنكيله بالضباط القوميين انقلبت عليه شأن عدد كبير من الضباط  .
      وفي عام 1958 وبداية 1959 رتبنا لثورة الموصل بالاتفاق مع العقيد الشواف امر اللواء الخامس في الموصل والعميد ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك التي كان اللواء الذي بأمرة الشواف أحد ألوية هذه الفرقة، فأتفقنا على القيام بحركة عسكرية واسقاط عبد الكريم قاسم، حيث كلمني لاول مرة فيها العقيد رفعت الحاج سري وكلمت بدوري العميد ناظم الطبقجلي.
  ( بيئة سامراء طبعتني بطابع الشخص الريفي العشائري مضافا الى الشعور ببقايا الحضارة العباسية التي تمتلك سامراء الكثير من آثارها، فهي الاخرى تركت اثرا عميقا في نفسي الى جانب الحياة الزراعية التي كنت ارى ممارستها من قبل عائلتي او عشيرتنا، وان بعض الصور الشعرية الريفية ما زالت تظهر احيانا في شعري على الرغم من انني جئت الى بغداد مبكرا منذ عام 1933 وكان عمري يومها 14 سنة..
زرت كل البلاد العربية ما عدا موريتانيا وجيبوتي والصومال والامارات، وكذلك زرت اليونان وايطاليا والمانيا واسبانيا وفرنسا وسويسرا وانكلترا وتركيا وباكستان، ومن بينها شعرت بشعور فني خفي في روما ولا ادري له سببا.  وعن جمال عبد الناصر قال حين قررت العودة الى بغداد بعد ثورة 8 شباط عام 1963، ذهبت لشكر الرئيس عبد الناصر حين كنت في القاهرة كلاجيء سياسي ويعطينا نفس رواتبنا في العراق، وكانت معاملته جيدة جدا جدا، فذهبت ووجدت بعضا من اللاجئين ينتظرون للسلام عليه، فسلمنا مجتمعين ثم التقطت صورا منفردة مع بعض من اراد هو التصوير معه، فكانت هذه الصورة، وقد ارسلت لي بعد عودتي الى بغداد حيث وصلتنا في\ 17 شباط 1963 في اول طائرة طارت نحو بغداد ).

        شغل عدة مناصب عسكرية وشارك في حرب فلسطين عام \ 1948. ومن شعرهه العسكرية هذه الابيات من قصيدته ( صقور وفرسان ) يقول فيها :

  أعود للشعر, مَنْ بالشعر أغْراني
     وكنت قلت سأنساه وينساني 

أزمعت هجرا وهل يكفي الهوى
 ألم  ينأى به عن فؤاد خافق حاني

  لو كان كل محب شاء فرقة من
 أحب مارسها.. ما رفَّ قلبان

  سحر دعوه الهوى, هل في تمائمكم
 ما يطرد السحر عن قلبي ووجداني?

 كم قلت كف فؤادي فاستجاب على
  تقيّة  زيّنت  لي كل عصياني

 كواكب الوطن الزهر التي ملأت
 سماءه    لهبا   إبداعَ   فنان

 أحلى الترانيم كانت حين تطلقها
  أسرابكم والدجى في جفن سهران

  نصغي إليها بقلب جاشَ مضطرما
 بين الجوانح عن مكنون إيمان

 حرستمُ  كل  أفق  راب  طائره
 كيْد لذي رحم أو كيد جيران

 فبات كل طريق في الحمى ألقا
  وعاد كل غراس عاطرا غاني

  وطارداتُ الردى والجوّ يسألها
  ريثا  تماوج  عن  هدَّار بركان

  قالوا (صقور) وهل تدنو الصقور
 وقد  سلبتم الجو منها باللظى القاني 

 هيهات, قد  كان  للصقر  الفضاء
 ومذ  طلعتم سقطت منه الجناحان

      وشغل العديد من  الوظائف المدنية آخرها وكيل وزارة الثقافة والإرشاد\ 1964-1968  وفي بغداد يقول:

 أقبل الضادُ  بآمال  اللقاءْ       فالبسي  بغدادُ   ثوبَ ا لخُيَلاءْ

 وارفعي الفجرَ خياماً فلقد       جاءكِ  الركبُ  بمرفوع اللواء

 واسمعي العلياءَ في موكبها    تحمل الشوقَ على راح الحُداء

  سعتِ الريحُ به مزهوّةً             تنظر   البيدَ  بعين  الغُلَواء

 لم يعد للبيد عيسٌ ومَدىً           يسألان الشِّعْرَ عن ظلٍّ وماء

 غلب الجوُّ على أطلاحها           بنسورٍ  أدركتْ  سرَّ  الفضاء 

لا الوجى يقرب من أخفافها         لا ولا تعرف  ما كدُّ  الحَفاء

  وإذا النوءُ دهاها صَرْصَراً          خفقتْه   بجناحٍ  من  دهاء

 إيهِ بغدادُ وقد هزَّ اللقا              ألفَ سرٍّ ضاق دهراً بالخِباء

 ها همُ فيكِ كما شئتِ وما            حَلُم  المجدُ   بأيامٍ   وِضاء 

ها هُمُ في حلبة الشوقِ وفي         كلِّ صدرٍ نشوةٌ من كبرياء

      أحيل إلى التقاعد  حسب طلبه عام \ 1968، وانتخب رئيساً لاتحاد المؤلفين والكتاب في العراق، ثم رئيسا  لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق .
 
       توفي الشاعر  نعمان ماهر الكنعاني  في (عمان )الأردن في  التاسع عشر من  آب ( اغسطس) 2010م

 اثرى المكتبة العربية بدواوينه الشعرية ومؤلفاته ومنها:

- في يقظة الوجدان  -  شعر 
 - المعازف   - شعر    
 - لهب في دجلة – شعر   
- من شعري – شعر  
 - أوراق الليل-  شعر 
- المزاهر-   شعر  
- المجامر – شعر
 - المشاعل - شعر 
       ومؤلفاته :
- شعراء الواحدة
 - شاعرية أبي فراس
 - مختارات الكنعاني
 - مدخل في الإعلام
 - ضوء على شمال العراق
 - شعراء الصوفية
 - من القصص الإنجليزي (ترجمة)
 - الشعر في ركاب الحرب
 - الرصافي في أعوامه الأخيرة (بالاشتراك)
 - الشعر العربي بين الأصالة والتجديد
- ليل الصب.

        يتسم شعر نعمان ماهرالكنعاني  بسلاسته وسطحيته  وبساطة لغته قال الشعرفي اغلب  الفنون الشعرية وخاصة في الفخر والامور العسكرية  التي فرضته عليه هيئته العسكرية  فهو شاعر مجيد له دواوين كثيرة و مطولات عديدة من الشعر العمودي و كان أول من أطلق عليه لقب ( شاعر القوات المسلحة ) , و اشترك في مهرجا ن المربد الشعري في بغداد والمحافظات العراقية   و مؤتمرات شعرية و أدبية عراقية و عربية عديدة ممثلا للعراق أو بدعوة شخصية. وقد التقيت به و تعرفت عليه  من خلال مهرجان المربد الشعري عام \1986 ومن خلال وجوده رئيسا لاتحاد الادباء والكتاب في العراق .

 واختم بحثي بهذه الابيات من قصيدته الطويلة ( مع الدرويش) ونهجها الصوفي :

صَدَّ عنه النجمُ  وابتعدا       فشكا  للّيل  ما وَجَدا

ضاق بالآمال عاثرة           فطواها يكتم الحَرَدا

  أيعيد القول مشتكيا           غِيَرَ  الأيام  واللددا

 تلك حال قد مضت ومضى  من يريد الحظّ مرتفدا

  إنها  أيد  لها   أيد          وشباكٌ  تصنع  الأَيَدا

  فالذي  تختار  خفّته          يرتقي أوعاره صعدا

  والذي تأبى مناعته           يكتسي خِذلانه بُرُدا

 قلت للدرويش يا سندي      أنا أرضى فأْلكم سندا 

ضحك الدرويش من خَطلي  وتمنى أن أرى الرَّشدا

قال قد فات الأوان وقد   صرت من جيل مضى بددا 

نحن لا نرمي الرُّقَى عرضاً  نحن نعطي (فألنا) رصدا

 من نراه قانصا دَرِباً        يحسن التهديف والطرَدا

 فله  شتى   تمائمنا            تطرد الحسّاد والحسدا

 والذي  يعتاده  جنَفٌ            إن رأى مزورَّة نقدا

 ما له من (علمنا) مدد          إن أتانا يسأل المددا

 يا لها أيد لها  سنن               وفنون تفتن الفندا

  فالسقيم النضو تُلبسه        طيلسانا يمسح الكمدا

  والعيون النافذات إذا       عمَّقت ألْقت لها الرمدا

  وغباء أن يقول لها        صادف, إني أخاف غدا

 أيخاف الحادثاتِ فتى        وهبته الساق والعضُدا

 وسَمَتْه فانبرى جذِلا        يحمل الطغراء والصَّفَدا

 هو بين الناس أرفعهم    وهو إن صاحوا به سجدا

 صد عنه النجم حين رأى    منه عيناً تحمل السهدا

  وتطيل الفكر منشغلا          بهموم  تأكل  الجسدا

 لم لا يرضى الرضوخ وقد   طاب فيه الظل وابتردا

 أسهرته  حدة  جعلت    منه  درء   الزيف  ما نَهَدا 

حين طاب الزيف واحتلبت    ضرعه الأقزام فانعقدا

  لم  لا  يرضى  بطاقية   ألف   لون   تحتها  وعدا?

  بطلاءات   يحار   بها    كاشف   الألوان  مجتهدا

 وتهاويل    تترجمها        لغة   التهريج    معتقدا

 بسمة  صفراء   كافية    وانحناء    يحكم   المسدا



            *****************************








حسين عبد الله الساعدي




     ولد الشاعر حسين عبدا لله الساعدي في بيت بسيط وسط بستان نخيل في منطقة الصالحيّة ببغداد سنة \1945  وكان ابواه يعملون  بالزراعة  والبستنة.
      نشأ في  بغداد وتعلم واكمل دراسته  وكانت بغداد مركز اشعاع حضاري وثقافي فعاش بين الثقافة  و صفاء الطبيعة وجمال خضرة البساتين وعبق ورودها وبين نخيلها السامقة التي  ادرك طفولته وعاشها بين هذه الامور كلها .
     ولقد كانت كل هذه الرؤى جزءا لا يتجزأ من بناء شخصية هذا الرجل
فكأنه قد حمل صفات الطبيعة في رقتها وكبريائها وأفراحها وأحزانها
في قلبه نبضا وفي نفسه فرحا وحزنا وفي فكره وخاطره شعرا جميلا .
     اتضحت ملامحه الأدبيّة وميوله في  بداية  حياته وصباه فاخذ يميل  الى حب الموسيقى  وكان ما يشجعه حافزا كبيرا لأن يكون جزءا منها اما  بداياته الادبية  فقد ظهرت معالمها عليه حين اخذ يكتب الشعر في سن مبكرة ويحفظ  الكثير من شعرالشعراء وقصائدهم  . فكتب في  صباه متغزلا :

        خرجت من باب حديقتها
                                                     من باب الزنبق والزهر

      والشمس  تغازل  مفرقها
                                                     وتذوب النسمة بالعطر

      ودنوت   إليها   أنبئها
                                                     بهياب  الشاعر بالبدر

      قالت والحسن بها يغري
                                                 دعني يا شاعر في أمري

     ويتغزل بامراة أخرى لكنها تبعده بدلال بتمنع الأنثى فيقول :-

خرجت من باب حديقتها
                                              من  باب  الزنبق  والزهر
والشمس تغازل مفرقها
                                               وتذوب   النسمة  بالعطر
ودنوت   إليها    أنبئها
                                                 بهياب   الشاعر  بالبدر
قالت والحسن بها يغري
                                              دعني يا شاعر في أمري

     دعا الى التقارب بين الأديان وكان يردد دائما بأنّ جميع الأديان تنبثق من مشكاة نور واحدة هو نور الله تعالى  . واثبت محبته  للسلام  ومحبته لجميع الأديان والطوائف فكان يشارك الجميع في مواسم الأعياد والأفراح والأحزان ومن شعره بمدح السيد المسيح (عليه السلام ) في أعياد الميلاد ويقول في احدي قصائده:

أنا في نومي شاهدت يسوع
                                        لامس الجرح فخانتني الدموع

قد تشوقت   كثيرا   للقاه
                                          وأراه  اليوم  في نومي أراه

حاملا  كل  هموم  البشرية
                                         حاضرا بالحب في كل قضية

  اما في محبته لوطنه فقد  نبذ الإحتلال الاسود الذي احتل بلاده وما غرسه فيها من طائفية وأفكار سوداوية  لزرع  الفتنة  في البلاد  وظلّ يدعو الى وحدة العراق ويلعن  من يسعى لتقسيمه تحت أي ذريعة وأي تسمية .

          اما في بغداد وهو ابنها البار  فقد تغنى غزلا  بعشيقته التي  احبها  واحتلت مكانا واسعا من قلبه وخياله  وكان لها  مكان الصدارة  في شعره فيقول :

بغداد يا حبيبتي         كم شاعر مغوار

ترسم منك لوحة        وتكثر  الأشعار

رديه يا حبيبتي          فغيرتي من نار

قولي لهم بأنني          فارسك المغوار

وانك لن تسمعي       من غيري الأشعار

ويقول في عشقه لبغداد :

وعشت في شوقي إلى بغداد
                                             أخال    كل   امرأة   بغداد
فأنثر  الأشعار  في  طريقها
                                             وأنثر      الأوراد .........

 ويصفها بالعروسة  فيقول :

بغداد  في  وقت  السحر  كأنها      عروسةٌ نائمةٌ  يلفها  القمر

 في الحكمة  يقول :

  كانت   الدنيا  كتابا            فانمحت  منه   السطور

   فإذا  بالأمس  ذكرى        وقبور بنيت فوق القبور

 ويقول ايضا :

                  لا  تكن  جسماً  وكُن  روحاً  فقط

                   أيُّ  جسمٍ  ما   تهاوى   وسقط ؟

                               *   *       *
              أنما   الأرواحُ    تبقى   من دهورٍ لدهور

              بينما الأجسادُ تفنى ... تحت هاتيك القبور

        وفي السنوات الاخيرة  اصيب  بمرض عضال  انهك جسده  وظل يعالجه لكن دون جدوى  فيقول :

ها هي الأيام تمضي        ما بها شيء جديد

إن يومي مثل أمس         مثل تاريخي البعيد

أنا لا اذكر يومــــــــــا      كان لي يوما سعيد

أنا لا اعــــــرف عيدا       كان في الأيام عيد

كنت  بالأمس حزينا          وأنا اليوم شهيد
  
       وبدأ  الزمن  الجميل يتلاشى بين اغبرة الزمن الردئ.فاضطر أن يتخذ  من  وحدته  بركنه الركين و في غرفة من  ببيته الكبير عالما له ليعيش فيه بقية ايامه مع ذكرياته في حياته واحلامه الجميلة .فتقاسمه المرض والحسرة على ما فقد من زمانه حتى تردّت صحته .

       ولما اشتد به المرض أخذ يسترجع ما قدمه لحياة الآخرة والايام تجري مسرعة لا يتوقف الزمن فيستل  أوجاعه وبرغم وضعه الصحي الذي لا يساعده حتى على الوقوف فيقول :

ودنوتُ من بابِ الخروج فما عسا
                                                 نـيَّ في رحيلي فـــــــــــــاعِلُ

عمري سؤالٌ كُلُّهُ حتى الختـــــــا
                                                مَ ولم أزل عن سِــرِّهِ أتساءلُ

كُلُّ العلومِ قرأتُها وحفظتُها
                                               وَعَلِمتُ بعد العلمِ (إنّي جاهلُ)

ماذا أقول وكُلَّ ما قد قيل يو
                                               ماً في الحقيقةِ  لا أسِرُكَ باطِلُ

كُلُّ الحياة  جهالةٌ وتفاهة 
                                               إلا الحمـام   فَيومُ موتِك عاقِلُ

أنا قاصرٌ ما عشتُ حتى إن أتى
                                               يومُ الرحيلِ فأن شخصيَّ كاملُ

       وقبل ان يتوفاه الاجل  يكتب قصيدته ( الوصية ) يوصي اهله  ابناءه وذويه  الالتزام بوصيته  فيقول:

عند  موتي  لا   تقيموا  الفاتحة

لا بكاء لا صراخا لا دموعا جارحة

إن   يوم   الموت   يوم   الأنعتاق

وخروج    الروح   منه   الانطلاق

فرحة   الأعراس  للطير   المسافر

نحن   لا   نقبر  في   ترب  المقابر

فافرحوا   لي   واخلعوا ثوب السواد

لا  تكونوا  يوم   عرسي   في   حداد

والبسوا    أحلى   الثياب    الزاهية

أنا     لا   أرضى      بعينٍ       باكية

نلتقي     الخالق     في   يوم  الرحيل

ولقاء      الرب     حلو         وجميل

       توفي الشاعر حسين عبد الله  الساعدي في  التاسع عشر من ابريل ( نيسان ) 2011 في مستشفى الكاظمية  ببغداد  ودفن  في مقبرة  النجف الاشرف .

واختم بحثي بهذه الابيات من قصيدته (السر ) فيقول :

لوعة ُ الشاعرِ إن يحبسَ فِكرَه
جمرةٌ في القلبِ لكن أيَّ جمره ؟
رُبما الإنسان لا يألفُ ناسه
كم من الناسِ إلى الناسِ تعاسة
كيف هذا الجهل نجتثُ أساسه ؟
ويعيشُ الخير من غيرِ حراسه
نبتَ   الشكُ   بقلبي   وتفرع
وإلى عقليَّ  كالومضةِ أسرع
هذه  الدُنيا    لزيفٍ    تتجمع
وعلى   عرشٍ  سخيفٍ  تتربع
نحنُ   للباطلِ  ما   قُلنا    نعم
وتحملنا   من   الناسِ    التُهم
نحنُ    غنينا  على  رُغمِ  الألم
ما أفادَ   النايُ  في  أُذنِ  الغنم ؟
لا تكن  جسماً  فتبقى في  عذاب
وعذابُ الروحِ في سجنِ التُراب
لا تكن جسماً فإن  الحُبَّ    روحُ
وأحاسيسٌ  وحُلمٌ  ودواءٌ  وجروحُ
هذهِ    الدُنيا   على  الدُنيا    تَنوحُ
طفقت     روحيَ    بالسرّ ِ   تبوحُ
فإذا  روحيَ شوقٌ ودموعٌ وجروحُ
وإذا     بالجُرحِ    أقواسُ      قُزح
ودموعُ الروحِ عرسٌ وأهازيج فـــرح


************************

  



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق