الخميس، 17 مارس، 2016

موسوعة( شعراء العربية) المجلد التاسع - شعراء العصرالحديث تاليف فالح نصيف الكيلاني - القسم الاول


موسوعة   شعرا ء  العربية

دراسة موسوعية لشعراء الامة العربيـة في عشرة مجلدات



المجلد التاسع


 شـــعـراءالعـصرالحـديـث


الجزء  الاول \ الجزء الثاني
                      


تأليف
الشاعر والباحث
                 د.  فالح نصيف  الحجية
                                       الكيلاني









































                        المقدمـة

                                       
                    بســــــــــــــــــــم الله الرحمن الرحيم

           الحمـــد لله رب العالميـــــن  والصــــلاة  والســــلام على  محمــــد  الحبيب المصطفى وآله  وصحبه  اجمعين .

     هذا هو المجلد التاسع  من موسوعتي الثانية  ( شعراء العربيــــة )    
   وفي هذا المجلد تناولت فيه تمهيدا عن الشعر العربي الحديث في هذا العصر ومستجداته  وشعراء هذا العصر ممن كانت ولادتهم من  منتصف القرن التاسع عشر ولم يكونوا من شعراء النهضة العربية او ممن لم يذكروا في هذه الموسوعة في مجلدها الثامن ( شعراء النهضة العربية )  وحتى اوائل القرن العشرين وقد اعتمدت في هذا المجلد  التسلسل الزمني لسنة  الوفاة  لكل  شاعر عند تقديمه  للدراسة .

        اسال الله تعالى السداد  والتوفيق في انجاز هذه الموسوعة كي اقدمها للفكر العربي والثقافة العربية الرائدة  كاملة  شاملة  لاغلب شعراء الامة العربية اهمية .

                انه  نعم المولى ونعم النصير

                                          د.  فالح نصيف الحجية الكيلاني
                                    عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب
                                عضوالاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق
                            عضو الاتحاد العالمي للشعراء والمبدعين العرب
                                 عضو الاتحاد العام للكتاب والمثقفين العرب  
                                             العراق -  ديالى  -   بلدروز








































المؤلف  في سطور

   سيرة ذاتية

الاسم واللقب \ فالح نصيف الحجية الكيلاني
اسم الشهرة \   فالح الحجية
تاريخ الولادة \  بلدروز \  1\7\ 1944
البلد \ العراق - ديالى – بلدروز
 المهنة\  متقاعد
الحالة الثقافية \  شاعر وباحث                                                             
فالح الحجية شاعر وباحث  واديب عراقي معروف
 من مواليد \- العراق – ديالى- بلدروز 1944  .
                                                           
  من الاسرة الكيلانية  التي لها تاريخ عريق و ترجع بنسبها الى الشيخ 
عبد القادر الكيلاني الحسني والتي انجبت العديد من الاعلام على مر العصور.    

   *   كان يشغل  مديرا  في وزارة التربية العراقية حتى إحالته الى التقاعد  2001م
*أهم مؤلفاته  (الموجز في الشعر العربي)،  يعتبر من مراجع وامهات  الكتب العربية في الأدب  والشعر عبر العصور والأزمنة، ومن اهم الموسوعات التاريخية الموضوعية في الشعر العربي في العصر الحديث، والمعاصر بكل  مفرداته وأحداثه وتطوراته وفنونه وتغييراتها  بما فيها عمود الشعر والشعرالحر وقصيدة النثر والشعراء وطبقاتهم وأحوالهم.
    * منح شهادة الدكتوراه  الفخرية في  الاداب  عام  2013
     * منح لقب ( امير البيان العربي ) في  شباط 2014
  فالح نصيف الحجية هو:
     -    عضو الاتحاد  العام للادباء والكتاب في العراق 1985
-         عضو الاتحاد العام للادباء  والكتاب العرب 1994
-         عضو مؤسس في اتحاد ادباء  ديالى  1984
-          عضو  مركز الادب العربي - العراق
-          عضو الاتحاد الدولي لعلوم  الحضارة الاسلامية – ممثل دولة العراق
-         عضو  الاتحاد العالمي للشعراء والمبدعين العرب \ وكيل دولة العراق
-         عضو اتحاد الاشراف الدولي
-          عضو اتحاد الادباء الدولي
-          عضو  اتحاد المنتجين العرب - الامانة العامة لشعبة المبدعين العرب ( جامعة  الدول العربية)  المدير الاقليمي لشعبة المبدعين العرب - فرع العراق – ومستشار الامور الادبية فيها .
-         عضو اتحاد المنتجين العرب( جامعة الدول العربية ) \ امانة شعرالتفعيلة – لجنة    التقييم والتصحيح .
-            عضو  المنتدى العالمي لمكارم الاخلاق والتنمية الانسانية ( الهيئة المؤسسة )
-         عضو  اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
-         عضو اتحاد كتاب الانترنيت العرب
-         عضو اتحاد  كتاب الانترنيت العراقيين
-          عضو اتحاد الشعراء والادباء العرب
-         عضو اتحاد  الادباء والكتاب  التونسيين
-         عضو رابطة  الادباء والكتاب العرب
-         عضو رابطة  المبدعين  اليمنيين
-         عضو مؤسسة اقلام ثقافية للاعلام في العراق
-         عضو الملتقى الثقافي العربي
-  عضو منظمة الكون الشعري في المغرب

     *  اما  المقالات الكثيرة  التي كتبها الشاعر في الصحف والجلات العراقية والعربية      والاجنبية  الناطقة بالعر بية  .

  *  الا ف المقالات التي نشرها في موقعه او المواقع والمنتديات الالكترونية على النت او    الفيس  وخاصة  المجلس العلمي  وشبكة صدانا – فضاء الاديب فالح الحجية  واتحاد الكتاب والمثقفين العرب –روائع الاديب فالح الحجية  وغيرها كثير  .

* وكذلك مشاركاته في كثير من المهرجانات الادبية والثقافية في العراق و اتحاد المؤرخين العرب وكل الندوات والمهرجانات التي عقدت في ديالى سواء عربية أو عراقية اومحلية

 * له علاقات وصداقات مع العديد من الأدباء والشعراء العرب والعراقيين منهم الشاعر الفلسطيني  محمود درويش والشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري والشاعرالسوري نزار قباني والشاعر العراقي سركون بولس والشاعر وليد الاعظمي والادباء والمورخين الاساتذة  منهم  عماد عبد السلام رؤوف   وسالم الالوسي  وحسين علي  محفوظ  وجلال الحنفي  وغيرهم كثير  ..

       من مؤلفات فالح نصيف الحجية الكيلاني

ا-الدواوين الشعرية :

           نفثات القلب                1978
           قصائد من جبهة القتال   1986
           من وحي الايمان          8 0 20 
           الشهادة والضريح         2010
           الحرب والايمان            2011 
            سناءات مشرقة           2014
            نبض الحياة                2016
ب – الكتب النثرية :
1 -في الادب والفن
2 -تذكرة الشقيق في معرفة اداب الطريق – دراسة وتحقيق وشرح للقصيدة التي تحمل نفس العنوان والمنسوبة للشيخ عبد القادرالكيلاني
3-الموجز في الشعر العربي \ دراسة موجزة في  الشعرالعربي عبر العصور بدءا من العصر الجاهلي وحتى عصر النهضة او الحديث ثم المعاصر اعتبر او قيم من قبل اغلب المواقع الادبية على النت - انه احد امهات الكتب العربية في الادب واللغة  في موضوع الشعر والادب       اربعة اجزاء
4-شرح ديوان الشيخ عبد القادر الكيلاني وشيء في تصوفه – دراسة شاملة في ادب الشيخ عبد القادرالكيلاني كنموذج للشعرالصوفي وشرح القصائد المنسوبة  اليه             اربعة اجزاء
5    -   كرامة فتاة ( قصة طويلة )
6-   اصول في الاسلام
7-   عذراء القرية (قصة طويلة )
8-  الاشقياء  ( مجموعة قصص قصيرة )
9-  بلدروز عبر التاريخ
10-  دراسات في الشعر المعاصر  وقصيدة النثر
11- الغزل في الشعر العربي
12– عبد القادر الكيلاني  وموقفه من المذاهب والفرق الاسلامية     دراسة
13--شرح القصيدة العينية \ مع دراسة  بحثية في شاعرها  الشيخ عبد القادر الكيلاني
14-  -مدينة بلدروز في الذاكرة
15- شذرات من السيرة النبوية المعطرة

 ج- موسوعة  التفسير الموضوعي للقران الكريم  وقد انجز منها الكتب التالية :
1-اصحاب الجنة في القران الكريم                 جزءان
2-القران في القران الكريم
3- الادعية المستجابة في القران الكريم
4-الانسان ويوم القيامة
5- الخلق المعاد في القرآن الكريم
6-يوم القيامة في القران الكريم                    جزءان

     د – موسوعة  ( شعراء العربية )  وفيها الكتب التالية  :

1- شعراء جاهليون                            المجلد الاول
2-شعراء صدر الاسلام                        المجلد الثاني   
3- شعراء  العصر الاموي                    المجلد الثالث            جزءا ن
4- شعراء  العصرالعباسي الاول            المجلد الرابع            جزءا ن
5- شعراء العصر العباسي  الثاني           المجلد الخامس         جزء ان
6- شعراء العربية في الاندلس               المجلد السادس         جزء ان
7 - شعراء  الفترة الراكدة والعثمانية       المجلد السابع
8- شعر اء النهضة العربية                   المجلد الثامن 
9- شعراء  الحداثة  العربية                  المجلد التاسع           جزءا ن
10- شعراء  المعاصرة العربية              المجلد العاشر           جزءا ن





     *******************************






















موسوعة   شعرا ء  العربية

دراسة موسوعية لشعراء الامة العربيـة في عشرة مجلدات



المجلد التاسع


 شـــعـراءالعـصرالحـديـث


الجزء  الاول \ الجزء الثاني
                      
الجزء الاول


تأليف
الشاعر والباحث
                 د.  فالح نصيف  الحجية
                                       الكيلاني






































تـمـهـيــــــــــــد


الشعر العربي الحديث



        المقصود بالشعرالعربي الحديث  هو الشعر الذي كتب في العصر الحديث. وصفة (الحداثة ) يُقصد بها الإطار الزمني المتسم  بمعالم الحياة الحد يثة  ومميزاتها عن الأزمنة السابقة التي قيل فيها هذا الشعر .  ويمثل بالوقت الحاضر  الحلقة ما قبل الاخيرة من سلسلة  زمنية قيل فيها  هذا الشعر (  المعاصرة - العصر الحديث - عصر النهضة - عصر الركود  - العصر العباسي  الثاني-  العصرالعباسي الاول - العصر الأموي - صدر الإسلام - والعصر الجاهلي).

     وقد اعتمد  مؤرخو الأدب العربي على تصنيف الشعر العربي بحسب الفترات الزمنية المواكبة للعهود الزمنية السياسية للدول الحاكمة  كل  بحسب وقتها  وربما  صنف ايضا بحسب الأمصار التي قيل  فيها هذا الشعر  .

    وقد اعتدنا  ان  نرى للشعر الحديث تصنيفين  اساسيين   هما: الشعر القديم والمقصود به كل شعرعربي كتب قبل عصرالنهضة العربية الحديثة وربما قصد به بعضهم  كل شعر كتب على  نمط الشعر القديم حتى لو كان حديثا  وهذا  اراه تجاوزا على كثير من الشعراء الذين لايزالون يكتبون  الشعرالتقليدي  او الشعر العمودي وهو ما اسموه  الشعرالتقليدي او( التقييدي) عند البعض الاخر لانهم يعتبرونه مقيد  بالوزن والقافية  كما يسمى  بالشعر العمودي نسبة إلى نوعية  كتابة  هذا الشعر باستخدام  الشطر والعجز في التنظيم  النمطي  لكتابته .

     والشعر الحديث يقصد به كل شعر عربي كتب بعد النهضة العربية. وهو يختلف عن الشعر القديم في أساليبه وفي مضامينه، وفي بنياته الفنية، والموسيقية، وفي أغراضه وموضوعاته وفي كثير من أنواعه المستجدة والمستحدثة . ويشمل  جميع  قصائد الشعر والدواوين التي قيلت  في العصر الحديث فهي شعر حديث بدءًا من أول  قصيدة  كُتِبَت  قبيل  الحملة الفرنسية على مصر بأقلام الشعراء الرواد الأوائل – وهم رواد النهضة العربية  وعلى راسهم الشاعر محمود سامي البارودي وقبله ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم  القائل :

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا  أيُّهَا  العَـرَبُ   
  فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ  التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال  تَخْدَعُـكُم  
     وَأَنْتُـمُ بَيْنَ  رَاحَاتِ  القَنَـا  سُلـبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا  المَنَـامُ  فَقَـدْ  
     شَكَاكُمُ  المَهْدُ  وَاشْتَاقَتْـكُمُ  التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ  وَلَسْتُمْ  تَشْتَكُونَ  وَكَمْ    
   تُسْتَغْضَبُونَ  فَلا  يَبْدُو  لَكُمْ  غَضَـبُ


  وانتهاءً بآخر قصيدة كتبها او يكتبها  شاعر في الوقت الحاضر -راجع كتابي ( شعراء النهضة العربية ) .

       ويمكنني ان اصنف الشعر العربي الحديث  الى مجموعة  من التصانيف  كما موجودة في حالتها الحالية  وهي الشعر العمودي  او التقليدي  والشعرالحر او شعر التفعيلة  او الشعرالمرسل  وقصيدة النثر  وهي اخر ما توصل اليه بعض الشعراء ويكتبون الشعر  به .

       ولكن هذه  التقاسيم او التصنيفات  لا تعني شيئا  بالنسبة  للشعر وكينونته وقد اثارت  نزاعات  واتهامات متبادلة بين الشعراء انفسهم وكذلك  بين  النقاد  ومؤرخي الشعر لكن الأهم  من كل هذا و ذا ك هو ايجاد  الخصائص الفنية والموضوعات المختلفة  للنصوص الشعرية وابتكار الاصلح  والاسمى .

        ان  كثيرا مما  كتبه  الشعراء في هذا  العصر والذي  قبله  كان
على غير منهاج  الشعر التقليدي او الكلاسيكي  واقصد به الشعر الحر   او شعرالتفعيلة وقد ظهر في الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين، على يد امين  الريحاني  وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب و نازك الملائكة وشعراء المهجرمن الشعراء العرب في عدد من بلدان أوروبا وامريكا التي قصدوها للاستقرار فيها، وخاصة إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ثم الولايات الأميركية والبرازيل . وكان من أبرزهذه الاختلافات التي أثارها هذا الاتجاه هو ما اثاروه حول الأصالة والحداثة على مدى عقود . فابتداءا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الان  يتجاذب الادباء و الشعراء والنقاد ومؤرخو الادب العربي الاتهامات حول الأصالة والحداثة ثم اضيفت  تجاذبات أخرى بينهم حول التقليدية  والحداثة والمعاصرة .

        وفي رايي الخاص ان هذه الامور هي التي اعاقت الشعرالعربي من التطور والالتحاق بالشعرالعالمي  وهذا ما تؤكده أرقام مبيعات كتب الشعر التي صدرت خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى ضعف مستوى النتاج الشعري لدى  كثير من الشعراء  وتكاثر أدعياء الشعر وظهورأعداد كبيرة من الكتب الدواوين المطبوعة ذات قيمة فنية هابطة محسوبة على الشعر  وهي لاتعني شيئا منه .

     وحالة اخرى  ارى انها اضعفت  من نتاج الشعر العربي  هو التقدم العلمي وانصراف الناشئة والطلبة وخريجي الجامعات إلى متابعة العلوم الحديثة في ظل الحركة الاقتصادية الهامة  واتجاههم الى سوق العمل طلبا للمعاش وبما يحقق لهم مستوى معاشي افضل فأدى هذا الى بعض  جمود في أفق الشعراء، وإلى إضعاف تأثير التجارب القليلة الجيدة التي لا يمكن إنكار ظهورها في حركة الشعر والثقافة  العربية  ككل .

      و مراحل تطور الشعر العربي هو أنّ الشعر القديم يختلفُ في بعض جوانبه عن الشعر في الوقت الحاضر، وأهمّ ما يميّز الشعر القديم حِرصهِ على الوزن والقافية ونظم  البيت على الصدر والعَجز، وكان كل  شعر لا يتم نظمه على الوزن والقافية لا يعتبرُ شِعراً بل يعتبرونه  نثرا أو فصاحة  فِي العصر الحديث، فالشعر القديم يؤخذ عليه انه  يعتبرونه رافدا  من روافد  الامتاعِ  والمؤانسة والنفعِ الحسي ينقل مشاعر الشاعر ويعتبرُ مصدرَ طرب لدى العرب ويدعو إلى التحلّي بالأخلاقِ الكريمة والفضائل القيمة والنفورِ منَ الصفات السيئة  غير الحميدة .

     ظهور الشعرالحر على ايدي رواده الذين  يعتبرون مِن أهمّ شعراءِ الحداثة لأنّهُم جمعوا بينَ الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة والحداثة  وربما المعاصرة ايضا . ووجد النقاد الذين  وضعَوا أساسيّات  لشعر التفعلية       و شعر قصيدة النثر التي ظهرت حديثا ( راجع  كتابي – دراسات  في الشعرالعربي المعاصر وقصيدة النثر ) وهذا الأمر قَد غير  مسار بعض قصائد الشعر من القافية والوزن إلى  شعر  للتفعيلة او الى شعر النثر فأوجد ت انواعا جديدة منه .

       وقد تغيّرَ الشعر العربي عمّا كانَ سابقاً ليصبحَ في اغلبه عبارة عن شعر حُر او قصيدة نثر  تتجسّد كلماتهُ باستخدامِ مفرداتٍ وكلماتٍ لها مَعنى ومغزى مختلف ، وهذا النوع منَ الشعر قد إنتشر انتشارا  كبيراً وسريعا  في هذا الوقت خاصة في ظل  التقنيات الجديدة من وسائل الاعلام والنشر الرخيصة  مثل  الصحف  والمجلات  والتلفزة  والانترنيت والفيسبك  وما اليها  وفتح الباب واسعا  ليكتب كل من هدب ودب  ويصف نفسه  شاعرا  الا ان هؤلاء  لا يخفون عن الادباء من الشعراء والنقاد ويبقى ناكصا مايكتبونه وسيندثرمايقولونه بمرور الزمن  فالبقاء للاصلح والافضل  وهذه سنة الحياة .

      والشاعر العربي ابن وقته يترجم ما يعتمل في نفسه ومجتمعه وما يكتنفه من احداث رضي ام لم يرض - فلا يوجد شاعر عربي حديث الا كتب عن قضية فلسطين مثلا- وعليه فالشعر العربي الحديث يمثل نفسية الشاعرالعربي في نظرته للوطن العربي الحديثة والواقع العربي المعاش منذ زمن النهضة العربية وحتى وقتنا الحاضر .

    نعم فقد د بت روح النهضة العربية في كل مفاصل الحياة بعد سبات دام قرونا وعلى راسها الشعر في النصف الاول  من القرن التاسع او قبيله بقليل –أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت  جذوته وانتكست  انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء من تاريخ الامة العربية  ابتداءا من دخول المغول (ا لتتار)  بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او بعده بقليل .

       فقد كانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية  تفرض هيمنتها على البلاد العربية في نهايات ايام حكمها للاقطار العربية  بعد ان كانت تمثل دولة الاسلام في  حينها بحكمها القاسي  حكما استعماريا  ظالما – لا فرق بين استعمار واخر كل يريد تحقيق مصالحه على حساب البلد الذي استعمره ومحاولة جعله تحت سيطرته مدة اطول - فادى الى تـأخر البلاد في مختلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتّبع الاتراك سياسة التتريك في البلاد العربية  ومحاولة القضاء على لغتهم الام – العربية-هي لغة القران الكريم والدين الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي  فضلوا اللغة التركية على دينهم  في  سبيل  نشر لغتهم  وطمس معالم  العربية في البلاد التي تحت سيطرت الاتراك  وكان نتيجة ذلك ان  ساد الامة  العربية  ثالوث الفقر والجهل والمرض .

     وقد ادى ذلك الى هجرة  جماعات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل  والتنكيل  بهم من قبل الحاكمين الاتراك او من سايرهم من الحكام  العرب  وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون  جاليات وجماعات وجمعيات في امريكا والبرازيل  وغيرها من الدول التي هاجروا  اليها  وبرز منهم  جماعات رائدة في مجال الادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة  وابناء المعلوف  وغيرهم  .

      اما في الشرق العربي فقد دبت الحياة تسري  من جديد في الروح العربية  وخاصة النهضة الفكرية  وتسربت بين الشباب العربي  وبعد اتصال البعض منهم  بالغرب  مثل  بريطانيا او فرنسا  اوغيرها  واخذ شبابنا العربي  يتطلع لما في هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار التركي والاجنبي الغربي والثورة على العادات والنظم البالية  والمتهرئة التي البسها الاستعمار  للامة العربية  وكذلك  كان من اسباب  هذه النهضة التمازج العربي مع الغرب عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع  جديد - ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع ودخولها البلاد العربية ونشر الحرف العربي  والفكر العربي  وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية لفحول الشعراء العرب  وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزوة  نابليون واستعمار فرنسا  لمصر.

      ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة -  مطبوع بطابع الفردية تقليديا  وعناية الشاعر  تنطوي على التزويق  اللغوي واللفظي  دون المعنى وتحوله الى صناعة شعرية بحتة  تكثر فيها الصور التقليدية الماخوذة من قبلهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام  المعاني  الشعرية الجديدة او طمسها .

    اما في بداية القرن العشرين  فـقد تغيرت  وطبعت بطابع التحرر والانطلاق  والدعوة الى الثورة على كل ما خلفه الاستعمار من اوضاع ومفاسد وطبع الشعر بطابع التجديد فتوسعت افق افكار وخيالا ت  بعض الشعراء بعد اطلاع بعضهم على الاداب الغربية والعالمية والتأثر بالشعر العربي القديم  الذي بدأ  ينتشر  من جديد في ظل حركة ادبية  بدأت  تتحرك وتتحرر لتشمل كل البلاد العربية  تقريبا  ومن الشعراء  من  اوجد  شعرا جديدا  فتحرر من قيود  القافية  كما هو الحال في الشعر الحر  الذي ظهر  حديثا  في الشعر العربي . ونتيجة اطلاع  الشعراء  العرب  على الفن المسرحي الغربي  وجد الشعر التمثيلي .

     فالشعر الموزون المقفى ويدعى بالشعر التقليدي او التقييدي ايضا لانه تقليد للشعر القديم  وامتداد له  وتقييد  في الوزن والقافية  فالشعر التقليدي هو هذا الشعرالموروث الذي نظم على موسيقى بحر معين  من البحورالشعرية الستة عشر ولزم روي واحد وقافية واحدة  فالقصيدة وحدة متماسكة من حيث البناء كانها بيت واحد واغلب الشعر العريي الحديث من هذا النوع  .

      لقد حافظ الشعراء على اصالة عمود الشعر العربي  وموسيقاه  واوزانه  وسيبقى كذلك عمود الشعر مهما اختلفت الاغراض والفنون الشعرية واساليب الشعراء وهو الذي له القدح المعلى والجو الانسب  على امتداد الوطن العربي لان الاذن العربية  جبلت عليه واستساغت سماعه  وموسيقاه واستسمجت كل انواع الشعر الا اياه  
   ومن هذاالنوع من الشعرهذه الابيات للشاعر انور العطار :-


   انا الفاتح السمح  منذ القدم
                                                ولولاي  كان  الوجود  العدم

   نشرت على الكائنات الضياء
                                                 وانقذتها عن عوادي  النغم

 وتراءى لي الوطن  المستثا ر
                                                 وقد عانق  السيف فيه القلم

 وما الخلد الا اعتناق السيو
                                           ف وخوض الحتوف  وصب الحمم

       اما الشعر التمثيلي  فن طارئ على  الادب العربي  اقتبسه العرب نتيجة اتصالهم بالغرب  وتاثرهم بهم من خلال البعثات والترجمة واطلاع بعضهم على المسارح الغربية  فقد  اطلع  الشعراء  العرب على حركة المسارح الغربية  وما يعرض فيها  مما  كتبه  الادباء  الغربيون  من مسرحيات شعرية مثلت على المسارح فاقدم  البعض من  شعرائنا على محاكاتهم  بدافع حب التشابه  فنظمت  مسرحيات تمثيلية شعرية باللغة العربية نظموها شعرا اونثرا .

         وقد نجح هذا النوع من الشعر في اول  بداياته  الا انه ركد اومال الى الركود  مع مرورالزمن  وقد كانت اغلب الروايات الشعرية  مستقاة مادتها من التاريخ ومن اشهر من كتب في هذا النوع من الشعر واوجده من  الشعراء  احمد شوقي وعزيز اباظة من مصر و خالد الشواف من العراق  وغيرهم .

  وهذا مقطع من  مسرحية – كليوباترة  -  شعر احمد شوقي  :-

  \ تتأمل  كليوباترة  في وجه الجريح - 

 كليوباترة :

 اه نطونيو    حبيبي          ادركوني    بطبيب

ماترون  الارض تروى  من دم الليث الصبيب

ابتي اين قوى   طبك     والسحر       العجيب

هو في اغماءة   الجر    ح   فنبهه       بطيب

هو يفتح      عين         يه    ويصغي  لنحيبي

      اما النوع الاخر للشعر العربي فهو  الشعرالحر او شعر التفعيلة وفيه يعتمد على تفعيلة واحدة من التفاعيل الحرة من الاوزان الشعرية التي اوجدها الخليل الفراهدي البصري وذلك بتكرار هذه التفعلية في السطرالشعري بما يتمم المعنى دون النظرالى الوزن على ان لا يقل السطرالشعري عن تفعيلة واحدة ولا يتجاوز التسع  وكذلك وجد من شعراء المهجر من  دعى الى الثورة على الاسلوب الشعري القديم المتمثل  بالقافية  الواحدة والبيت الشعري الواحد المتكون من شطر وعجز في تنسيق  متسق وبحر واحد أي متساوي التفاعيل  الوزنية في البيت الواحد وفي الشطر والعجز  او موحد الموسيقى الشعرية للبيت الواحد  بحيث تكون كل القصيدة مهما طالت  ذات تفاعيل محددة الوزن  ضربها الموسيقي واحد  لا تخرج عما رسمه  الشعراء العرب  منذ عصر الجاهلية الى  اليوم   فدعوا  الى التحرر من  هذه  القيود  فنظموا  شعرا  خرجوا فيه عن هذا المالوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي   وكذلك لم يلتزموا بالقافية الواحدة  في القصيدة مع العرض ان كثيرا من قصائد الشعرالحر التزمت التفعيلة  في النظم فسمي شعر التفعلية والاخر لم يلتزم بتفعلية ولا روي ولا قافية فسمي بقصيدة النثر حيث انه اقرب ما يكون اليه .

       فالشعر الحر اشبه بثورة على الشعر القديم او الشعر العمودي في بناء القصيدة فتخلصوا من نظام الشطر والعجز وابتعدوا عن  النظم  بالعمود الشعري المتسق المتناسق  في البناء  وظهرت منازعات بين  رواد الشعر  العمودي الذين اعتبروا الشعر الحر ضرب من ضروب النثر  وانه نقص في  شاعرية الشاعر او في اذنه الموسيقية اخرجته عن المالوف وبين رواد الشعرالحرالذين يعتبرون الشعر الحر من متطلبات العصرالحديث .

      ومن  المعلوم ان ترد المعاني على ذهن الشاعر كما ترد على ذهن أي إنسان اخر الا أن استقبالها عند الشاعر وانفعاله بها وانعكاسها على نفسيته وتفاعلها في شعوره واحساسه يختلف اختلافاً كبيراً عما عند الآخرين . تعبير الاديب عنها  يختلف عن تعبير الاخرين  لانه يمتلك ذوقا  وحسا  اغنى من الاخرين  يستطيع بهذا الاحساس وذلك الذوق ان يلبس هذه المعاني الواردة اليه  ثوبا قشيبا وحللا من الجمالية لا يستطيع سواه ان ياتي  بها و يتم له ذلك من طريق مقدرته على اختيار اللفظة المناسبة ذات الجمالية الاسمى  والتآلف بين الحروف بما يمكنه من اختيار التعبير الاقرب الى النفس والاعم والاشمل والافضل فتاتي الصورة الشعرية رائعة  بجماليتها  وهذا ما يؤكد ه قول الجاحظ ( أن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في صوغ القالب اللفظي المعبر عنها) .

       فشعراء العصر الحديث  ورثوا تركة شعرية مهدمة  في بنائها  فنزعوا عنها ما رث وتمزق  والبسوها الافضل والاسنى وصاغوا تراث العصور قبلهم  بما يلائم العصرالحديث  واستعان متأخروهم بمعاني ما قرأوه من آداب الأمم  فجاءت  معانيهم  اسمى في الجمالية  والجودة . وربما  تناول الشعراء المعنى التافه وربما  تناول أحدهم المعنى المبتذل  فطوره في اسلوبه  فالبسه الجدة والجمال وليس المهم أن تكون المعاني  جديدة انما ربما يكتفي الشاعر بتناوله المعنى القديم فيجلوه في تعبيرجديد ويلبسه ما هو اسنى وافضل وفي ذلك اقول :

وشذى القداح في اغصانه
                                     فتضوعت   اجواؤه   بأقاح

وتجملت  اوراقه  ببياضه
                                     فتعانقت  انداؤه    بصباح

فعطوره  اخاذة    لقلوبنا
                                      مثل الفرات فياضة بصراح

وعلى الغصون تفرقت حباته
                                         اوراقه  اشو اقنا بنجاح

حتى كأن الطير يهمس شوقه
                                        فتغردت  اصواته بصداح

         اما الفنون الشعرية او الاغراض الشعرية  فقد كثرت وتشعبت بتشعب الحياة وا ن اهمها واكثرها التصاقا بالشعب او بحياة المجتمع العربي  بفرديته او جماعيته هو الشعرالسياسي فقد توسع الشعر السياسي  في بدايات هذا العصر  توسعا  عظيما  حتى قيل ان بدايات العصرالحديث- نهاية القرن التاسع عشر وبدايةالقرن العشرين- كان الشعر فيه سياسيا  ثوريا  ناهضا  وكان الدافع الرئيس لهذا الشيء هو الحالة الجديدة  الناهضة في الوطن العربي  فقد شارك الشعراء العرب في اذكاء كل حركات التحرر الثورية  العربية بل كا نوا رؤوساء ودعاة لها  ومشتركين  فعليا  فيها ويعد الشعراء هم الاساس الاول في النهضة العربية لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضة العربية في بدايات هذا العصر يجد ان القصيدة العربية تقطردما وفي طياتها روح ثورية جامحة صارمة وكأن ابيات قصائدهم سيوفا مصلتة او مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا  جيادهم  للجها د  في سبيل الحق  ونصرة شعبهم  والذود عن وطنهم .والشعب العربي المضطهد ويرزح تحت وطأة  الاستعمار الاجني وهم يرون شعبهم  وقد  تقاسمت الامم اسلابه  فهتفوا في الشعب العربي  وتغنوا ببطولات هذا الشعب الذي هب كالمارد  يشق طريقه الى التحرر والحرية والانعتاق من الاستعمار وينشد النور والامان بالايمان بقدراته  وبروحيته الابية الطامحة الى العلو والارتقاء والثورة .

        فالشعرالسياسي يمثل الاحداث العربية تمثيلا صادقا فقد ذكرت
 فيه الصغيرة  والكبيرة  من الاحداث  التي أ لمت بالامة العربية وكان الشعراء هم صوت الشعب الهادر  والمدوي فالشعر  نار تلتهب  لتحرق  ظهور الاجنبي  وثورة  في نفس العربي  زيدها الشعر قوة  واندلاعا فالشعراء كل الشعراء العرب هتفوا للتحرر العربي .

 وتتمثل هذه الحركة الثورية بثلاثة محاور :
الاول- تحرير الاقطار العربية من الاستعمارالاجنبي
الثاني - قضية فلسطين وهذه القضية المحورية في الشعر العربي ولا تزال حتى الان  حيث لا يوجد  شاعرعربي في المشرق العربي او في مغربه الا  ونظم  فيها  ودعى الى  طرد  اليهود من  فلسطين  وعودة الفلسطنيين العرب الى بلدهم السليب  .
الثالث - الحالات الوطنية في البلد الواحد ومن الشعر السياسي هذه الابيات من قصيدة للشاعر رشيد سليم الخوري يقول :-

  شمس العروبة عيل صبر  المجتلي
                                   شقي  حجابك  قبل شق الرمس لي

 اني لمحت سناءك في غسق الدجى
                                  رغم  الصبابة   والحجاب  المسد ل        

فلقد  يرى   بالروح  شاعر  امة      
                                      من لا يرى  غير النبي  المرسل    

 واشعة الايمان تبتد ر المنى
                                    وترد   للمكفوف   عيني  احد ل

وكواكب  الشهداء  فيك بشائر
                                ما آ ذنت     بالفجر  لو   لم    تا فل

 ياهاتفا     بالفرقدين   تلاقيا
                                 كلفت   نفسك   وصل  ما لم  يفصل

 ما الشام ما بيروت  في البلوى سوى
                                عيني  مولهة        وحدي     فيصل

 واعز من  دنيا  الاعزة    كلها
                                   جاري القريب   واخوتي في المنزل

يامن  يعدون  الدفاع    تهجما
                                   ويؤولون     النقد    شر     مؤول


       ا ما  الفخر والمدح  فقد  افتخر الشعراء  العرب في هذا العصر  بعروبتهم  كما  افتخروا  بانفسهم  ومدحوا  ابطال  العروبة ورجالها  وافتخروا بشجاعتهم وباعمالهم المجيدة. وتميز المدح في هذا  العصر بالضعف  وبعده عن المبالغة  فيه ومما يقوله  الشاعر محمود  سامي البارودي  يفخر بنفسه يقول:

  انا  لا اقر  على القبيح  مهابة
                                 ان  القرار على القبيح   نفاق

قلبي على ثقة ونفسي حرة
                                 تأبى الدنا  وصارمي  ذلا  ق

فعلام  يخشى المرء فرقة روحه
                            او ليس   عاقبة   الحياة    فراق

     وقد كثرت في اول هذا العصر النكبات على الوطن العربي  وتوالت عليه  المحن في ظل ظروف قاسية قد مثلها الشعراء اعظم تمثيل وادق وصف في  قصائدهم  وجل هذه النكبات نكبات  قام بها  الاستعمار ضد الامة العربية منها نكبة ضياع فلسطين  ونكبة دمشق قبلها  ومنها اعدام  افضل رجال العرب مثل عمرالمختار في ليبيا وزهانه الجزائري  وشهداء  ثورة مايس \ 1941 في العراق وتكاد تكون هذه النكبات  في كل اقطار الامة العربية. فهذا احمد شوقي اميرالشعراء يبكي دمشق فيقول :

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ              وَدَمعٌ  لا  يُكَفكَفُ  يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي       جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي       جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ        بَيانٌ غَيرُ  مُختَلِفٍ    وَنُطقُ

وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ        فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ        يَدٌ   سَلَفَت   وَدَينٌ  مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا    إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا     وَلا يُدني الحُقوقَ  وَلا  يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ   حَياةٌ             وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ   الحَمراءِ  بابٌ         بِكُلِّ   يَدٍ    مُضَرَّجَةٍ    يُدَقُّ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ   وَعِزُّ  الشَرقِ  أَوَّلُهُ  دِمَشقُ

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا      أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ

إِذاما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ    يَقولُ        عِصابَةٌ   خَرَجوا   وَشَقّوا

دَمُ الثُوّارِ  تَعرِفُهُ    فَرَنسا        وَتَعلَمُ   أَنَّهُ    نورٌ   وَحَقُّ

بِلادٌ ماتَ  فِتيَتُها   لِتَحيا               وَزالوا دونَ  قَومِهِمُ  لِيَبقوا

وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها    فَكَيفَ  عَلى قَناها  تُستَرَقُّ

رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها     أَحَقٌّ   أَنَّها   دَرَسَت  أَحَقُّ؟

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ     عَلى  جَنَباتِهِ  وَاسوَدَّ  أُفقُ

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ   أَبَينَ  فُؤادِهِ  وَالصَخرِ فَرقُ

وَلِلمُستَعمِرينَ   وَإِن  أَلانوا     قُلوبٌ   كَالحِجارَةِ  لا  تَرِقُّ  

     اما الغزل  فشعر الغزل  وجد منذ وجد الانسان بعاطفته وحبه اتجاه قرينته وحبيبته وفي الشعر العربي  وجد في كل العصور الشعرية  فهو تسجيل  لعواطف الشاعر المحب اتجاه من يحب  وما يكنه  في  قلبه  الملتاع  وفؤاده المكتوي بنار الحب  والعشق  ونفسه الحرى وروحه الحيرى وفكره المشغول  وعقله المسلوب  ولها ً  وحبا  وشوقا .

        شعر الغزل في هذا العصر اتسم  بتمثيل  طبيعة  النفس العربية النبيلة العفيفة  فهو بعيد عن الابتذال والتفسخ الخلقي  الذي كان موجودا في شعر العصور العباسية  وخاصة الاخير  منها  نتيجة  للاختلاط  مع الاعاجم  شرقا  وغربا  وشمالا  وفساد الاخلاق العربية  تبعا  لعادات   وتقاليد  رعاع  الناس وشواذهم  الاجتماعية التي انتقلت الى العرب ما يتميز ببعده عن  المادية  الا بعض قصائد لشاعر او اكثر ومن شعر الغزل  اقول :

  وفاتنة تغازلني بضفر جديلة
                                         مثل  الاقاحة  سحرها  يتألق

حتى كأن الزهر ينثر عطرها 
                                          فتعانقت  انداؤها   تتموسق

 تتمنى النفس تمسك بعضه 
                                         فأ ناملي  في  بعضه   تترفق

 فمجازف كمراهق متعطش
                                         يهوى  اليك  بشوقه  يتعلق

      وفي فن  الوصف وهو من الاغراض القديمة في الشعر العربي ايضا  فقد وصف الشعراء كل ما وقعت عليه اعينهم ودخل في نفوسهم  واخيلتهم  من مشاهد طبيعية خلابة ومخترعات حديثة وقد تعمق بعض الشعراء في الوصف . يقول عمر ابو ريشة الشاعرالسوري في وصف اطلال مر بها :-

 قفي قدمي ان هذا المكان 
                                          يغيب به المرء عن حسه

 رمال  وانقاض  صرح هوت
                                         اعاليه  تبحث   عن   اسه

اقلب طرفي   به  ذاهلا 
                                         واسأ ل  يومي  عن امسه

 اكانت  تسيل عليه الحياة
                                         وتغفو  الجفون على انسه

وتنشد البلابل  في سعد ه
                                        وتجري المقادير في  نحسه

      وفي  مطلع هذ العصر اي في  بدايات القرن العشرين  كثر شعر الحنين الى الوطن اذ ان كثيرا من الشعراء نفتهم حكومات بلدانهم الى خارجها  بسبب ميولهم الوطنية وثورتهم على الاستبداد والظلم تخلصا منهم .ومنهم من هاجر من نفسه وراء لقمة العيش . ويظهرهذا جليا في شعر شعراء المهجرالذين ما زالوا يحنون الى الوطن العزيز- وهل هناك اعزمن الوطن ؟- فانشدوا قصائد تقطرحنينا ودمعا بعاطفة فياضة وحسرة غامرة لرؤية الوطن اوالرغبة في تحريره من ايدي حاكميه المستبدين .

       وشكى بعض الشعراء صروف الدهر من نكبة اصابتهم او من
خطر احدق بهم او ببلدهم  ومن قصيدة في الحنين الى الوطن للشاعر  المهجري جبران خليل جبران هذه الابيا ت  يقول:-

  يابلادا  حجبت   منذ  الازل
                                          كيف  نرجوك ومن أي سبيل

 أي قفر دونها  أي  جبل
                                         سورها العالي من منا  الدليل

اسراب انت ام انت الامل
                                         في نفوس  تتمنى المستحيل

     اطلع بعض الشعراء على مجريات العلم والادب والفلسفة فنظموا قصائد  في تعلم الطب والفلك  والعلوم  وفي امور اخرى مثلما  نظم  الشعراء قبلهم  مطولات في قواعد النحو  والصرف  مثل الفية ابن مالك   التي حوت تفاصيل قواعد اللغة العربية في قصيدة مكونة من الف بيت شعري  شرحها  العلامة ابن عقيل في مجلدين  كبيرين  على سبيل المثال . والشعر التعليمي  نظم في  هيئة الشعر وشكله بل هو جسد شعري لا روح فيه. لذلك اطلق عليه  بلغاء اللغة وشعراؤها نظما وقد نظم فيه كثيرون في العصور المظلمة  الا انه في هذا العصر اصابه الضعف والوهن . ومن قصيدة للشاعرالزهاوي في العلم يقول :

  لماذا  تحركت  الانجم             كانك    مثلي  لا   تعلم
 
   وما هو كنه الاثير الذي          فسيح الفضاء به مفعم

  بين الجواهر جذب فما           دواعيه   اني    مستعلم 

  هل الدفع اوضح من ذاته      من الجذب ام هل هما تؤام

   هما   قوتان   تخالفتا         فذالك   يبني  وذا  يهد  م

     والشعر الاجتماعي هو شعر الاخوانيات وكل ما في المجتمع من امور  وقد دعى الشعراء فيه الى ا لثورة على العادات البالية و القديمة  التي سادت  المجتمع العربي وعلقت به خلال فترات الحكم المتلاحقة عليه  قبل النهضة الحديثة وتعتبر من مخلفات الفترة المظلمة  فدعى الشعراء الى تحرير المرأة والى فتح المدارس وتمجيدها والدعوة الى دخولها  بنين وبنا ت وذم التعصب القبلي والطائفي  والاقطاع الذي جثم فوق صدورالناس والفساد المستشري . ومن قصيدة  للشاعر العراقي  معروف الرصافي في تشجيع بناء المدارس وفتحها هذه الابيات :-

 ابنوا المدارس  واستقصوا بها   الاملا
                                     حتى   تطاول   في بنيانها  زحلا

هذي مدارسكم شروى مزارعكم
                                    فانبتوا  في ثراها  ماعلا    وغلا

يلق بها النشىء للاعمال  مختبرا
                                    وللطباع    من   الادران   مغتسلا

ربوا  البنين  مع التعليم تربية
                             يمسي   بها  ناقص   الاخلاق     مكتملا

 انا لمن امة  في عهد نهضتها
                                   العلم والسيف  قبلا   انشأت   دولا

      والفنون الشعرية في بدايات عصرالنهضة العربية كثيرة منها قديمة ومنها ما ظهرت حديثا حسب متطلبات هذا العصر ودواعيه الا انه تبقى السمة الوطنية هي السمة الغالبة  لشعر هذا العصر والمحرك  الاقوى للشبا ب العربي المؤمن  برسالة امته ومن اجل اعادتها الى سالف عهدها التليد .

        فالشعر العربي  يمتميز في هذا الوقت بان  جله  ثوري  وطني يدعو الى استنهاض  الهمم  والتخلص من الاستعمار والثورة على  كل ما هو- قديم وبال لا خير فيه لأمتنا  العربية -  فهو في اغلبه شعر هادف  قاد البلاد الى حركة وطنية  قومية  فكان الشعراء والمفكرون  والادباء هم  قا دة الثورات التحررية وزعماؤها  في الوطن العربي .


                    **************************
















































شعراء العصر الحديث

او شعراء الحداثة
























































مصطفى  إبراهيم الطرابلسي


        هو  صطفى  بن محمد بن براهيم بن زكري الطرابلسي الليبي
ولد في مدينة (طرابلس الغرب) في ليبيا .

      تلقى تعليمه المبكر في مدرسة( عثمان باشا) و(جامع شائب العين) وبعد ان اكتملت دراسته  تثقف بالثقافتين العربية الدينية والتركية  الوافدة . ثم تعلم على عدد من شيوخ عصره  من امثال السراجي سراج و محمد كامل مصطفى  اللذين  تثقفا  بثقافة  الداعية الاسلامي جمال الدين الأفغاني وقال الشعر في شبابه غزلا  يقول:
.
برانـي الضنى حتى خـفـيـت عـن الـــــورى
        وأمسـيـتُ فـي طـيّ الـوجـود مقــــــــدّرا

كأنـي ضمـيرٌ يستحـــــــــــــــيل بروزُهُ
        أقـدّر فـي الأوهـام شــــــــيئًا ولا أُرى

وقـد كـنـت أشكـو قـلة النـــــوم والضنى
        فـمـن لـي بأن ألقى السّقـام وأسهــــــرا

وأنكرنـي مـن لست أعـرف غــــــــــــيره
        وقـال متى رقّ الفتى وتغـــــــــــــيّرا؟

فـوا حـرقـي ممـا ألاقـيـه فـي الهــــوى
        وشـوقـي إلى مـن لا يرى فـيـه مــــا أرى

أعـلِّلُ نفسـي بـاللقـاء وأجتـنــــــــــي
        ثـمـارَ الأمـانـي فـي الغرام تصــــــبّرا

        ثم عمل بالتدريس في  جامع ( شائب العين )، الا  انه  لم  يفلح  في عمله لذا ترك التدريس  وعمل في مجال التجارة  في بلاده  ثم  قام برحلة تجارية إلى ( الحجاز) \1891، حيث أدى فريضة الحج، وفي أثناء عودته عرّج الى  (مصر) وبقي  بمدينة ( القاهرة ) مدة من الزمن طبع فيها ديوانه  الاول  فيها سنة \ 1892، وأعقبها برحلة إلى أوروبا.

         وبعد عودته من اوربا أسهم  في  تحرير جريدة ( الترقي ) سنة \1898،فكان  محللاً  الأحداث  الليبية  اجتماعيّاً  وسياسيًا.  ثم اختير ليكون عضوًا بمجلس إدارة الولاية سنة\ 1903 في عهد الوالي( حسن حسني باشا).

     ثم عين رئيسًا لمكتب الفنون والصنائع في عام\ 1906 وكان يجمع إلى ذلك مهمة مستشار الولاية في عهد الفريق( رجب باشا).

     يتسم شعره بالسلاسة والمرونة  و اشتهر بغزله الذي غلب عليه الطابع الوصفي  وتجلّى في قدرته الفائقة على رسم الصور الشعرية  بما أوتي من صدق عاطفة وحرارتها، وهذا جعله متميزا عن غيره في  اسلوبه الشعري يقول :

إذا لـم تطقْ ذلّ الهـوى وهـــــــــــوانه

فدع عـنك أمـرًا لا يـقـوم بــــــه الصَّبْرُ

وسل أن يعـافـيك الإلهُ مـن الهــــــــوى
       
إذا شئت عَيْشًا لا يـنغِّصُهُ الهجـــــــــــر

       اما  شخصيته الشعرية فكانت  مستقلة، مما جعله احد رواد الارتقاء بالشعر الليبي، وحلقة من حلقات تطوره.مما جعله  يلقب ب(شاعر ليبيا الأول) .

 ونلاحظ  في أسلوبه أثر البلاغة القديمة، وبخاصة فنون البديع، وقصائده  يغلب عليها طابع القصر  فأكثر قصائد ه متوسطة الطول أو قصيرة.
يقول  في احداها  :

تقنّعَ بـالـورد مــــــــــــــــــن لطفه  
                      لـيـخـفـي الجـمـالَ فلـم يـخــــــــــفهِ

وراقبنـي مقبـلاً فـــــــــــــــــاختفى لا
                      فـنمّ عـلـيـــــــــــــــــــه شذا عَرْفه

وحـيّا فأحـيـا قتـيلَ الأســــــــــــــى  
                 وفزت بقبضـي عــــــــــــــــــــلى كفّه

وأدهق كأس الـوداد وطــــــــــــــــــا  
                 فبـه دعج السحـر فـــــــــــــــي طرفه

ومـال بخـصر رقـيـق الـبنــــــــــــــا  
                 أرق وألطف مـن وصـــــــــــــــــــــفه

      واختم بحثي بهذه الابيات من قصيدته ( قوت روحي ) :

  هـواك بـل قـوت ذاتـــــــــي  
        وحـيـاتـي وهل سـواك حـيـاتـــــــــــي؟  

إن عـلـمـي بآي حسنك يـتلــــــــــــــو  
        كلَّ حـيـنٍ عـلى الـورى معجزاتـــــــــــي  

يـا نـبـيَّ الجـمـال أصـبح دمعــــــــــي  
        مـرسلاً فـي هـواك بـالـبـيّنـــــــــــات  

يـنذر العـاشقـيـن نــــــــــــارًا تلظّى  
        فـي فؤادي وقـودهـا عبراتــــــــــــــي  

عبس الصـبر معـرضًا وتــــــــــــــــولّى  
        مـنذ عـامـلـتـنـي بحسن الـتفـــــــــات  

أفبعـد الهـوى أضلّ عـلى عـلـــــــــــــ  
        ـمٍ بآيـات حسنك الـبـاهـــــــــــــرات؟  

مـرحـبًا مـرحـبًا بطـيفك يـا مــــــــــن  
        لا يُحـل اللقـاء فـي الـيـقــــــــــظات  

وكأن الأرواح غارت مـن الأجـــــــــــــ  
        ـسـادِ فـاختـارت اللقـا فـي السنــــــات  

غـير أنـي كـالطـيف فـي الضعف لـو أنْــــ  
        ـعـمت يـومًا بـالـوصل لـم تـر ذاتــــــي  

كـنـت فـي النـاس ظاهـرًا فطـوى حـبــــــ  
        ـبك جسمـي فصـار فـي الـمضمــــــــــرات  

نسبتـي فـي هـواك مـنذ أضــــــــــــيفتْ  
        عـرفت بـيـن مشعـري نكراتــــــــــــــي  

مفردٌ جلّ فـي الـورى عـن مــــــــــــثنّى  
        لـيـته خـصّنـي بجـمع شـتـاتــــــــــــي  

أمـره فـي القـلـوب مـاضٍ ولكـــــــــــن  
        مـا له مـن مضـارعٍ فـي الصِّفـــــــــــات  



                ********************







الشاعر فؤاد بليبل




            هو فؤاد بن عبد الله بن بشارة بن بليبل من لبنان   

        وُلد فؤاد بليبل عام\ 1911 في قرية من قرى محافظة البحيرة من اعمال مصر تسمى ( كوم حمادة ).

        فؤاد من عائلة لبنانية نزحت الى مصر في نهاية القرن التاسع عشر وقيل انها نزحت قبل اكثر من (50) عاما قبل ولادته الا ان هذه العائلة عادت الى لبنان في عام \ 1921 وسكنت بيروت وكان عمرالشاعر عشر سنوات فالتحق بمدرسة الاباء اليوسوعيين في بيروت عام\ 1922 وبقي فيها حتى عام 1929 ثم التحق بمدرسة ( الفرير ) ب(بكفيا ) وهنا تفجرت ينابيع الشعر عنده فهو ذو موهبة شعرية منذ طفولته وبدأ ينظم الشعر وينشره في المجلات والصحف في بيروت .

     عاد فؤاد الى مصر مرة اخرى عام \ 1932 حيث عين مدرِّسا للغة العربية ومترجما في ( سان مارك للفرير) بشاطئ الاسكندرية ثم ترك عمله في الاسكندية وسافر الى القاهرة فعمل في جريدة (الأهرام ) وكانت الاهرام من كبرى الصحف المصرية حيث اتصل بالكثيرين من أدباء وكتاب القاهرة المشهورين  واتيح له نشر قصائده في كبريات الصحف والمجلات المصرية .

     خطفته يد المنون فتوفي وهو في شرخ شبابه في 22 آذار عام \1941 وهو في التاسعة والعشرين من عمره ودفن في مقبرة مصرالقديمة .

        وكان الشاعر أحسَّ  بدنوّ أجله  فقد  كتب  قصيدة  بعنوان (أنـــا...) يقول فيها:

أنـا   مَن  أنـا؟     يا للتـّعـــــا
                                           ســَة ِ! مَن أنــا؟؟ شــبَحُ الشــّقـــاءْ

بل    زهـــرة ٌ    فـَـــوّاحــة ٌ
                                            عصـَفــتْ بهــا أيـــدي القضـــــــاءْ

عند  َ الصباح   ِ تـَفـَتـَّحَـتْ
                                           وذوَتْ ولــم يــــــأت ِ المَســـــــــاءْ

وطغى الفـَناءُ على الشـبا
                                            ب ِ فغالــَـهُ قبـْـــــــــلَ الفنــــــــــاءْ

      لم  يكن  فؤاد بليبل  اول  شاعر  يتوفى في  مقتبل  العمر فقد  نكب الشعر العربي على مر الدهور باختطاف يد المنون لعدد من شعراء العربية وهم في شرخ الصبا وعز الشباب منذ عصرالجاهلية ابتداءا بالشاعر طرفة بن العبد وابي فراس الحمداني وابي القاسم الشابي وغيرهم كثير والذين يمثلون خسار ة كبيرة للادب والشعر العربي فيما  
لو بقوا احياءا وطال بهم العمر. لكن الاعمار بيد الله تعالى والقدر يختطف من ياتي اجله .

        فؤاد بليبل الشاعر اللبناني المصري  لم  يصدر ديوانا في حياته وكان لا يعنى باعماله الادبية وانما جمع  قصائده بعد وفاته اقاربه وقد    لاقوا صعوبات جمة في جمعها من الصحف اليومية والمجلات الادبية فاضافوها لما وجدوه من مسودات لقصائده مكتوبة بخط يده فجمعوها واصدروا ديوانه ( اغاريد ربيع ) وكان لي الشرف ان اقتنيته في ثمانينات القرن الماضي .

        فؤاد بليبل شاعر مجيد يتمتع بشاعرية فـذة متفجِّرة قلما توصل إليها الشعراء وهم في مثل عمره . يمتاز بلغة طيعة بليغة وخيال واسع فسيح و يمتلك نفسًا شعريًا طويلاً، التزم عمود الشعري في بناء قصائده وأضفى عليها طابعًا تجديديا سرديًا وشيئًا من الحوار الجاد وبتفصيل يقربه إلى الأسلوب الواقعي .

       كان من المجدِّدين وخاصة انه اتخذ من وصف الاحداث التي شهدها والناس الذين اتصل بهم وعن طريق تعبيره عن شعوره الصادق وعما يعتمل في نفسه ويحس به بحيث يُحدث انقلابا في الامور الطبيعية وأن يُخرج الأسماءَ عن معانيها ومسمّياتها عن طبائعها ليقولَ ما يفهمُـه ، وهو مذهب جديد مستحدث بجانب الاساليب الشعرية التقليدية .
يقول الشاعر بليبل عن شعره فيجيد:

حرّرتُ ربقتــَـــهُ من كل شائبـة ٍ
                                        فمــا فـُتِــنـْـتُ بمعنىً غيــــر مُبتكــَــــــــر ِ

ولا دعَوْتُ إلى التجديد مُعتصِمـا ٍ
منـــه بكل بغيــض السّبـْــك ِ والصـُّــــــوَر ِ

ولا اعتديتُ على الأنغام أشنقــُهـا
ولا صـَلـَبـْـــتُ الدّجى في دوحــــة ِ القـَــدَر ِ

ولا شربت ُ شعاعَ الفجر ِفي قـدَح ٍ
من اللهيب ِ، ونحــوَ الشـّمــس ِ لم أطِــــــر ِ


         لذا يعد من شعراء النهضة العربية وخاصة في مجال الثقافة الادب
 الا انه شاعر منسي  نسيته  وسائل الاعلام  وصحف ومجلات  الثقافة العربية وكتابها فلم يكتب فيه احد.

          كتب فؤاد بليبل عن علاقة الشرق بالغرب في ثلاثينات القرن الماضي وما يشعر به من غدر الغرب  وخبث سياسته الظالمة  ازاء البلدان العربية والشرق ككل وما يرومه الغرب من بلاد الشرق محذرا :

أيـُّهذا الشـرق ُ !! يكفيك َ عمى ً
فـــاتــَّق ِ الغـــرْب َ ... وكـــن ْ في حـَــذر ِ


فهْــوَ لـم يعشـَقـْك َ إلا مثــلمـــا
يعشـــــق ُ الجــزّار ُ سِــــــرْبَ البقــــــــر ِ


سائل ِالسكينَ عن هذا الوَلاءِ
وسَــــل ِ المسلــــخَ عـــــن ذاك الــــــوداد ِ


واحْذر ِ السُّـمَّ بمعسول ِ الطـِّلاءِ
واجتنِــــبْ في وردِهِ شـَــــــــوْكَ القتـــــاد ِ


لا تظنَّ الغربَ صَبـّـا ً مفتـَتـِـن ْ
بـِكَ،... فالغــربُ وَلــــوع ٌ بـفـَنـــاكـــــــا


أو تـَخـَلـْهُ خِدنكَ الكاسي المَر ِنْ
فهْوَ مــن جـِلـدِكَ يـا شــــرقُ كـســـاكــــا


وهو مــن لحـْمِــكَ غـَذاك َ ومن
دمـِـــكَ المسفــوك ِ عدوانـا ً سـَـــقاكـــــا


مُسـتبدّا ً جائرا ً باسم الإخاءِ
شائـِق َ الأقوال ِ شِــــــــريرَ المـُـــــــــراد ِ


قدّسَ الغدرَ ونادى بالوفـــاءِ
ويـْــــل ُ هذا الشـّرق ِ مـِن ذاك َ المُنــادي!


         فؤاد بليبل شاعر وجداني اجتماعي عالج في شعره كثير الامور الاجتماعية التي لاحظها في المجتمع وفي قصيدته ( ثائرة ..) الطويلة
يقول :

أسألت ِ مَن نبذوك ِ نبذ َ المُنـكـَر ِ
كــم بينهـــم مـــن فــاجــِــر ٍ مُتـَسَـــــتـِّر ِ؟؟؟


الخيِّـرونَ وهم أشـَــرُّ بني الورى
الأبريــــاءُ وليــــس فيهـِـــــم مــــن بـــــري


الصّائِمونَ المُفطِرون َ على الدِّمـا
الظـــامئون َ إلى النـّجــــيع ِ الأحـمـــــــــــر


أنا لستُ أعجبُ من فجورك ِحائرا ً
إني لأعجَــــبُ منـــك ِ إن لــــم تفجُـــــــري


فتـّشت ُ عن مترفـِّـق ٍ بكِ لم أجــِـــدْ
غيــرَ الحَقــــــود ِ الشـــــانئِ المـُتـَهَـــــوِّر

ويقول فيها بحكمة :


ولرُبَّ عاهرة ٍ إذا ما أ ُصْـلِحَتْ
كانــــت أعَـفَّ مِـــنَ العفــاف ِ الأطهــر ِ..


         و كتب في الغزل مازجًا بين العفة والصراحة تعذبه الذكرى ويقلقه سؤال القلب يقول :

يا زَمانَ الهَوى وَعَهدَ الوِصالِ
مَن مُعيدٌ تِلكَ اللَيالي الخَوالي

حينَ كانَ الفُؤادُ حُرّاً طَليقاً
ناعِمَ      البالِ    خالِيَ     البَلبالِ

هَمُّهُ في الحَياةِ أَن يَطرَحَ الهَم
مَ       بَعيداً     لِعابِدي     الأَموالِ

مُستَخِفّاً بِالعَيشِ جدَّ قَنوعٍ
فَهو  َ في عُسرِهِ   سَعيدُ الحالِ

يَشتَكي الفَقرَ وَالكَفافَ سِواهُ
وَهوَ  بِالفَقرِ وَالكَفافِ يُغالي

تَملِكُ الأُفقَ وَالنُجومَ يَداهُ
فَلِماذ   ا يَشكو   مِنَ    الإِقلالِ


      وله شعر في الرثاء قصيدته في ذكرى وفاة الزعيم المصري سعد زغلول يقول فيها  :


قـُمْ حَيِّ في ذكراهُ خيـرَ مُجـاهِد ِ
وقـُل ِ السّــلامَ على الزعيـــم ِ الخــالِــد ِ

أمُحَرِّرَ الوادي ومُـنـْقِذ َ شعبـِـه ِ
ألنـّيــــل ُ بعـــدك َ لا يطيـــــبُ لـِــــوارد ِ


         انشد فؤاد قصائدا وكأنه يعيش بعض مآسي لبنان واحداثها قبل وقوعها يقول:

لا تبـْك ِ قتـْلاهُ ولا تترحَّــــم ِ
أحيــــاؤه ُ أولى بدمعـِـــك َ فاعْـلـــم ِ


وطنٌ توطـَّنـَهُ الشقاءُ فلم يدَع ْ
دارا ً من العَيش ِ الرغيـــــد ِ بمغـْنـَم ِ


لا مثــّلـَتْ رأيَ البلاد ِولا انتمى
فيهـا إلى غــير ِ الخيانــة ِ مـُنـْتـَـــــم ِ


ولتـَتـَّسِعْ للأجنبيِّ سهولـُهـــــا
وعلــى بنيهــا فـَلـْتـَضِــق ْ ولـْتـَنـْقــُم ِ


لبنان! حسْبُك َ ذِلـّة ً وغضاضة ً
إني لـَيـُــؤلِمـُنــي شقـــاؤك َ فاســلـَــم ِ


            واختم  مقالتي  هذه  بالقول  ان  ديوانه  ( اغاريد ربيع )  طبعه قريبه ( صهره ) ميشيل قسطندي عام \1941 واعاد طبعه عام\ 1963 وبهذه الابيات من شعره :


زحف اللـيل بـالـدُّجى والسكــــــــــــونِ
وغَفـا الكـونُ واستفـاقتْ شُجـونــــــــــي

كحَّل النـوم كلَّ جفْنٍ قـــــــــــــــــريرٍ

وأبى الغمْضُ أن يـزور جفـونـــــــــــــي


وأَوتْ وُكْنَهـا الطـيـــــــــــــــورُ وكفَّتْ
عـن غِنـاهـا، ولـم يكفَّ أنـيـنــــــــــي


واستـراح النِّيــــــــــــــام إلا فؤادًا     
حـائرًا فـي الظلامِ نَهْبَ الظنـــــــــــون


لست أدري مـا بـي، أثــــــــــــورةُ وَجْدٍ
هـيَّجتْ سـاكـنَ الأسـى الـمكْنــــــــــون؟


أم سَقـامٌ ولـيس بـي مـن سقــــــــــــامٍ
أم جنـونٌ ولـيس بـي مـن جنـــــــــــون؟


طـال لـيلـي وطـال فـيـه وُجُومــــــــــي
فـمتى يـنجلـي بصـبحٍ مبـيـــــــــــــن؟


وحكَى لـونُه فُحـــــــــــــــــــومَةَ حظِّي
وبكى غـيـمُه بـدمعـي الهتـــــــــــــون


وأطلَّت عـلـيَّ مـنه وجــــــــــــــــــوهٌ
بـيـن وَضّاحةٍ وذاتِ غضــــــــــــــــــون


مـائلاتٌ للطَّرْفِ مُختفـيـــــــــــــــــاتٌ
نـاعسـاتٌ مستـيـقـظاتُ العـيـــــــــــون


بـاسمـاتٌ عـوابسٌ مقبـــــــــــــــــلاتٌ
مدبراتٌ ذواتُ عـنْفٍ ولِيــــــــــــــــــن


مُجْفلاتٌ لـدى الـتقـرُّبِ مـنهـــــــــــــا
خَشْيةَ اللـمسِ كـالجـواد الـــــــــــحَرون


مـن جـمـيلٍ عذبِ الكلام حـمـيـــــــــــدٍ
وقبـيحٍ مُرِّ الـمـلام لعـيـــــــــــــــن


وكريـمٍ صَدْقِ اللقـاء وفـــــــــــــــــيٍّ
ولئـيـمٍ جَمِّ الريـــــــــــــــــاء خؤون


وأمـيـنٍ عـلى عُهـود الـتَّصـابـــــــــــي
وعبـيثٍ بـالـودِّ غـيرِ أمـيــــــــــــــن


وسجـيـنٍ مـن القـيـود طلـيـــــــــــــقٍ
وطلـيـقٍ مـن القُيـودِ سجـيــــــــــــــن


وبـغـيضٍ صعْبِ الشكـيـمةِ قــــــــــــــاسٍ
وحـبـيبٍ سهلِ الـمِراسِ حنـــــــــــــــون


وسعـيـدٍ طَلْقِ الـمحـيَّا ضحــــــــــــــوكٍ
وشقـيٍّ بـادي العبـوس حـزيــــــــــــــن


صـورٌ مـن رُؤَى الخـيـــــــــــــال وأخرى
مـن بنـاتِ الأحـلام أهلِ الفتــــــــــون


غاديـاتٌ روائحٌ قـائمــــــــــــــــــاتٌ   
جـالسـاتٌ عـن يَسـرَتـي ويـمـيـنـــــــــي


مُفصحـاتٌ بـالصـمت عـن كل معـــــــــــنًى
كـاشفـاتٌ عـن كل سـرٍّ مَصـــــــــــــــون


ذكريـاتٌ مـجسَّمـــــــــــــــــــاتٌ عِذابٌ
مؤلـمـاتٌ شقَّتْ حجـابَ السنـيـــــــــــــن


وتبـدَّتْ لنـاظريَّ ومـا كُنْـــــــــــــــــ
ـنـا عـلى مـوعـدٍ، فقـلـت: دعـيـنــــــي




*****************************

       القسم الاول ويليه القسم الثاني









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق