السبت، 23 يوليو، 2016

;كتاب ( دراسات في الشعر العربي واماراته ) تاليف د . فالح نصيف الحجية الكيلاني




دراسات في الشعرالعربي

وامـــاراته 

 
 تاليف
امير البيان العربي
د.فالح نصيف الحجية الكيلاني 




















 المقـــــدمــة


      في الاونة الاخيرة  ذاع لقب ( اميرالشعراء )  وخاصة في  الاذعات العربية والفضائيات ووسائل الاعلام  الكثيرة  فاخذ بعض الشعراء يتبارون فيما بينهم  ايهم  يحصل على  لقب ( اميرالشعراء ) من خلال قصيدة واحدة يتقدم بها  ليكسب الشهرة ويحصل على الجائزة  او المال الذي تقدمه  هذه الوسيلة  الاعلامية  او تلك او هذه الدولة او غيرها .  وخاصة  دولة  الامارات العربية . الا انه مهما تكون هذه  القصيدة رائعة ومن روائع الشعرالعربي  فهناك اروع منها  او ان الشعراء العرب قالوا خيرا منها او مثلها ثم كيف  يحق للجان التحكيم في هذا المجال  اصدار حكمها بامارة الشعر لشاعرمعين من خلال قصيدة واحدة او حتى من خلال  عدة قصائد- افتراضا -  فيلقب ( اميرالشعراء ) . وما يدريك لعل هذا الشاعر الذي لقب باميرالشعراء هناك افضل منه من الشعراء غيرالمشاركين بمثل هذه البرامج  . اذن تكون هذه التسمية افتراضية وليست حقيقية .

       وهذه الحالة جعلتني اعيد حساباتي بكل الشعر العربي  وشعرائه  من خلال  دراستي لشعر هذا العصر او ذاك  مع الاخذ بنظر الاعتبار دراسات النقاد القداما  والمحدثين ومؤرخي الشعرالعربي والمهتمين بالادب العربي ككل وارائهم بالشعر والشعراء .

       وفي كتابي هذا ( دراسات في الشعرالعربي وامرائه ) قدمت فيه عدة  دراسات ادبية  وشعرية لكل عصر من العصور الادبية في الشعر ومن خلالها والاستيناس باراء من قبلي  كما اسلفت  اخترت  لكل عصر من العصور الشعرية ( اميرا للشعراء ) في ذلك العصر – وهذه مسالة شخصية  ولا الزم الاخرين بها او اطلب اتباعها  انما اشخص ما توصلت اليه  من خلال دراساتي وما كتبته  في مؤلفاتي في الادب والشعرالعربي خاصة  منذ العصر الجاهلي وحتى المعاصر .

      لذا ادعو اساتذتي النقاد ومؤرخي  الادب العربي والادباء والشعراء ممن يرغبون مشاركتي الراي لتقييم  ما توصلت اليه  خدمة للشعراء والشعرالعربي  قديما وحديثا  .

                  والله تعالى من وراء القصد



                                                          امير البيــــــــان  العربي
                                                   د . فالح نصيف الحجية الكيلاني
                                                     العــراق- ديــــالى - بلـــــد روز
                                                       تموز ( يوليو) 2016
 









المؤلف في سطور


       سيرة ذاتية

الاسم واللقب \ فالح نصيف الحجية الكيلاني
اسم الشهرة \   فالح الحجية
تاريخ الولادة \  بلدروز \  1\7\ 1944
البلد \ العراق - ديالى – بلدروز
 المهنة\  متقاعد
الحالة الثقافية \  شاعر وباحث                                                             
فالح الحجية شاعر وباحث  واديب عراقي معروف
 من مواليد \- العراق – ديالى- بلدروز 1944  .
                                                            
 من الاسرة الكيلانية  التي لها تاريخ عريق و ترجع بنسبها الى الشيخ عبد القادر الكيلاني الحسني والتي انجبت العديد من الاعلام على مر العصور.   

   *   كان يشغل  مديرا  في وزارة التربية العراقية حتى إحالته الى التقاعد  2001م
*أهم مؤلفاته  "الموجز في الشعر العربي"،  ويعتبر من مراجع امهات  الكتب العربية في الأدب  والشعر عبر العصور والأزمنة، ومن اهم الموسوعات التاريخية الموضوعية في الشعر العربي في العصر الحديث، والمعاصر بكل مفرداته وأحداثه وتطوراته وفنونه وتغييراتها بما فيها عمود الشعر والشعرالحر وقصيدة النثر والشعراء وطبقاتهم وأحوالهم.

    * منح شهادة الدكتوراه الفخرية في الاداب من جامعة النجاح في  فلسطين  عام \ 2013  بموجب الشهادة المرقمة \112 لسنة 2013

 * منح  شهادة دكتوراه ثانية  من قبل  المجلس الاعلى للاعلام الفلسطيني  بموجب  الشهادة المرقمة\ 20 عام \ 2015

* منح لقب ( امير البيان العربي ) في  شباط 2014

  فالح نصيف الحجية هو:

  -      
 عضو الاتحاد  العام للادباء والكتاب في العراق 1985
-        عضو الاتحاد العام للادباء  والكتاب العرب 1994
-        عضو مؤسس في اتحاد ادباء  ديالى  1984
-        عضو  مركز الادب العربي - العراق
-        عضو الاتحاد الدولي لعلوم  الحضارة الاسلامية في مصر – ممثل دولة العراق
-        عضو  الاتحاد العالمي للشعراء والمبدعين العرب في مصر \ وكيل دولة العراق
-        عضو  المنتدى العالمي لمكارم الاخلاق والتنمية الانسانية ( الهيئة المؤسسة )
-        عضو اتحاد الاشراف الدولي
-        عضو  اتحاد المنتجين العرب - الامانة العامة لشعبة المبدعين العرب ( جامعة  الدول العربية)  المدير الاقليمي لشعبة المبدعين العرب - فرع العراق –  
-       المستشار الادبي لشعبة المبدعين العرب – فرع العراق
-      المستشار الادبي للبيت الثقافي العربي  في الهند
-          عضو  اتحاد المنتجين العرب - الامانة العامة لشعبة المبدعين العرب ( جامعة  الدول العربية)  المدير الاقليمي لشعبة المبدعين العرب - فرع العراق – ومستشار الامور الادبية فيها .
-         عضو اتحاد المنتجين العرب( جامعة الدول العربية ) \ امانة شعرالتفعيلة – لجنة    التقييم والتصحيح .
-          عضو  المنتدى العالمي لمكارم الاخلاق والتنمية الانسانية ( الهيئة المؤسسة )
-         عضو  اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
-         عضو اتحاد كتاب الانترنيت العرب
-         عضو اتحاد  كتاب الانترنيت العراقيين
-          عضو اتحاد الشعراء والادباء العرب
-         عضو اتحاد  الادباء والكتاب  التونسيين
-         عضو رابطة  الادباء والكتاب العرب
-         عضو رابطة  المبدعين اليمنيين
-         عضو مؤسسة اقلام ثقافية للاعلام في العراق
-         عضو الملتقى الثقافي العربي
-    عضو منظمة الكون الشعري في المغرب
اضافة الى عضويتي ومشاركاتي في الكثير من المنتديات الادبية والاتحادات والروابط على الانترنيت  اوالفيسبك .

     *  اما  المقالات الكثيرة  التي كتبها الشاعر في الصحف والجلات العراقية والعربية      والاجنبية  الناطقة بالعر بية  .

  *  الا ف المقالات التي نشرها في موقعه او المواقع والمنتديات الالكترونية على النت او    الفيس  وخاصة  المجلس العلمي  وشبكة صدانا – فضاء الاديب فالح الحجية  واتحاد الكتاب والمثقفين العرب –روائع الاديب فالح الحجية  وغيرها كثير  .

* وكذلك مشاركاته في كثير من المهرجانات الادبية والثقافية في العراق و اتحاد المؤرخين العرب وكل الندوات والمهرجانات التي عقدت في ديالى سواء عربية أو عراقية اومحلية

 * له علاقات وصداقات مع العديد من الأدباء والشعراء العرب والعراقيين منهم الشاعر الفلسطيني  محمود درويش والشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري والشاعرالسوري نزار قباني والشاعر العراقي سركون بولس والشاعر وليد الاعظمي والادباء والمورخين الاساتذة  منهم  عماد عبد السلام رؤوف   وسالم الالوسي  وحسين علي  محفوظ  وجلال الحنفي  وغيرهم كثير  ..
    ومن مؤلفات فالح نصيف الحجية الكيلاني


ا-الدواوين الشعرية :

           نفثات القلب                1978
           قصائد من جبهة القتال   1986
           من وحي الايمان          8 0 20 
           الشهادة والضريح         2010
           الحرب والايمان            2011 
            سناءات مشرقة           2014
            نبض  الحياة               2016

ب – الكتب النثرية :
1 -في الادب والفن
2 -تذكرة الشقيق في معرفة اداب الطريق – دراسة وتحقيق وشرح للقصيدة التي تحمل نفس العنوان والمنسوبة للشيخ عبد القادرالكيلاني.
3-الموجز في الشعر العربي \ دراسة موجزة في  الشعرالعربي عبر العصور بدءا من العصر الجاهلي وحتى عصر النهضة او الحديث ثم المعاصر اعتبر او قيم من قبل اغلب المواقع الادبية على النت - انه احد امهات الكتب العربية في الادب واللغة  في موضوع الشعر والادب       اربعة اجزاء
4-شرح ديوان الشيخ عبد القادر الكيلاني وشيء في تصوفه – دراسة شاملة في ادب الشيخ عبد القادرالكيلاني كنموذج للشعرالصوفي وشرح القصائد المنسوبة  اليه             اربعة اجزاء
5    -   كرامة فتاة ( قصة طويلة )
6-   اصول في الاسلام
7-   عذراء القرية (قصة طويلة )
8-  الاشقياء  ( مجموعة قصص قصيرة )
9-   بلد روز عبر التاريخ       دراسة موجزة
10-  دراسات في الشعر المعاصر  وقصيدة النثر
11- الغزل في الشعر العربي
12– عبد القادر الكيلاني  وموقفه من المذاهب والفرق الاسلامية    دراسة
13--شرح القصيدة العينية \ مع دراسة  بحثية في شاعرها الشيخ عبد القادر الكيلاني
14-   مدينة بلدروز في الذاكرة
15- شذرات من السيرة النبوية المعطرة
16-   من عيون الشعرالصوفي.
17-  الشعرالعباسي بين الكلاسيكية والتجديد
18-  دراسات في الشعر العربي  واماراته

 ج- موسوعة  التفسير الموضوعي للقران الكريم   وقد صدر منها الكتب التالية :
1-اصحاب الجنة في القران الكريم                 جزءان
2-القران في القران الكريم
3- الادعية المستجابة في القران الكريم
4-الانسان ويوم القيامة
5- الخلق المعاد في القرآن الكريم
     6- يوم القيامة في القران الكريم                    جزءان

     د – موسوعة  ( شعراء العربية )   وقد صدر منها الكتب التالية  :
1- شعراء جاهليون
2-شعراء صدر الاسلام
3- شعراء  العصر الاموي                             جزآ ن
4- شعراء  العصرالعباسي الاول                     جزءان
5- شعراء العصر العباسي  الثاني                   جزءان
6- شعراء العربية في الاندلس
7 - شعراء  الفترة الراكدة والعثمانية
8- شعر اء النهضة العربية
9- شعراء  الحداثة  العربية                          جزءان
10-  شعراء  المعاصرة العربية                     جزءان





*******************************








تمهيـــــــد


الشـــعر العـــربي



       الشعر العربي  تعبير  مقصود به أي شعر كتب او مكتوب  باللغة العربية، بشرط أن يكون موزونا ومقفى  فالوزن شرط لازم في جميع أنواع الشعر، القديم  والحديث، على حد سواء، بما  فيه الشعر المعاصر باستثناء ما يسمى (قصيدة النثر)،  أما القافية فهي لازمة في معظم أنواع الشعر القديم،  اما في  الشعر الحديث  فقد أخذ يتقلص  دور القافية الخارجية، فاستعمل مفهوم  (  الشعر المرسل ) أي الشعر دون تقفية خارجية، وإن كان قد سعى، في الواقع، إلى تعويضها بنوع من التقفية الداخلية حيث  لا يمكن الاستغناء عنها في عموم  أنواع الشعر العربي ، وفي أي عصر من العصور التي قيل فيه هذا  الشعر ، جاهلي أو إسلامي أو أموي أو عباسي أو أندلسي أو حديث  او معاصر .

     وكان الشعر العربي  في  الجاهلية، ديوان العرب، وعلمهم الذي لم يكن لهم علم غيره أصح منه اذ  كان يصور حياتهم العامة والخاصة بما في ذلك المنازعات والمعارك التي كانت من اهم اسباب وجود شعر الحماسة والفخر في الشعر الجاهلي  .

      ان  اهم ما يميز الشعر العربي  التزام الشعراء  بالوزن والقافية، في مجمل أنماطه، وفي مختلف أجياله، وإن جاءت بعض المحاولات المعاصرة خالية من الوزن والقافية، إلا أنها في الواقع محاولات قد  تحسب على الشعر في بعضها ، لكنها تعتبر من الشعر المنثور وهو اقرب  لمجال  النثر منه في مجال الشعر الا انه والحق يقال ان فيه  بعض قصائد النثر  جميلة  ورائعة وتعبر بحق عن شاعرية قائلها   ، ومع ذلك  اقول ان  أبرز ما يفرق  بين الشعر والنثر هو الوزن،  وما عدا ذلك قد تكون اشبه  بعناصر مشتركة بينهما.

        الشعر الجاهلي كان لسان  الامة  العربية  ووسيلتها للتعبيرعما  يقع في المجتمع العربي وكانت العرب تقيم الأفراح في حالة ظهور احد  أبنائها كشاعر مبدع، فالشعر عند العرب قديما يرفع من شأن القبيلة وكذلك ولادة الشاعر فيها .
.
      و كان الشعر صدر الإسلام وسيلة من وسائل الدفاع عن رسالة الإسلام ازاء كفار  ومشركي  قريش ومن حولها من القبائل التي لم تؤمن  بالاسلام في حينها . واستمر  الشعر، في العصر  الأموي، وفي العصر العباسي كوسيلة من وسائل  الاحزاب والفرق السياسية والفكرية المتنازعة ويمثل كل النزعات التي سادت  المجتمع العربي والاسلامي  بقصد تبليغ آرائها، والدفاع عن مبادئها، في مواجهة خصومها  او بيان خلافاتها مع  الاخرين .

    لذا فللشعر العربي دور بارز في الحياة الأدبية والفكرية  والسياسية ،وحتى الاجتماعية والدينية  وقد تطور  بتطور الشعوب العربية والإسلامية، وعلاقاتها بالشعوب الأخرى المجاورة لها.والتاثير اللغوي بينها  مما ادى الى  بروز فنون  شعرية مستوحاة من الشعرالعربي ومتطورة  في كل مجالات التاثير  من حيث المضمون ومن حيث الأسلوب واللغة و الأوزان والقوافي وما إليها  فكان سبيلا  لظهور انواع من الفنون الشعرية  مثل الفخر والمدح والهجاء والوصف والبكاء على الاطلال  ثم ظهور الشعر السياسي، والشعر الصوفي، وشعر الغزل  والشعر الاجتماعي ورثاء المدن والاوطان  والشعر الوطني، وشعر الموشحات في العصر الاندلسي ..... 

    اما في العصر الحديث والمعاصر فحدث ولا حرج  حيث كثرت الفنون الشعرية وتشعبت بتشعب مفردات الحياة اليومية وكل ما يعبر عن نوازع هذه الامة والذود عنها فظهر شعر النكبة وشعر النهضة الحديثة وشعر الثور ة العر بية  بجوار الفنون الشعرية القديمة والمستحدثة .



                                                  امير البيـــان العربي
                                د. فالح نصيف الحجيةالكيلاني                        
 عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق
                           عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب  
                           العراق – ديالى – بلدروز















































امارة الشعر العربي




      لم يكن للشعر العربي ولا للشعراء العرب قديما ومنذ نشاته ملك ولا امير ولم يعرف تاريخنا الادبي هذه اللفظة ( إمارة الشعر) في كل العصور التي عاشها الشعر منذ العصر الجاهلي الا في عصر النهضة العربية او العصرالحديث . .

        ففي العصر الجاهلي كان الادب العربي يعيش عصره الشامخ وقد عرف بتشجيعه للشعر والعراء وعرف باسواقه  الادبية التي كانت تعقد للمباريات الشعرية فتحضرها الوفود العربية من اغلب قبائل الجزيرة العربية ومن اطرافها لإلقاء نتاجهم الشعري وتتفاخر به كسوق ( مجنة) في مكة وسوق (ذي المجاز) القريب من عرفات وسوق(المربد) قرب البصرة وسوق( الكناسة) في الكوفة وسوق(دومة الجندل) وسوق  ( هجر) و سوق (عكاظ) الذي كان  من اشهرها ’حيث كانوا يسمع الحكام الشعراء وهم ينشدون قصائدهم في لهجاتهم فيحكمون فيها للافضل والاسنى  انشادا ونظما  ومن جميع لغات هذه القبائل ولهجاتها منهم فما استحسنوه من تلك اللهجات  اثبتوه وتكلموا به وما لم يستحسنوه هجروه واسقطوه فصارت اللغة العربية افصح اللغات ولهجة قريش افضل  اللهجات حيث خلت لهجتهم من سماجة اللهجات ومستقبح الالفاظ والعيوب اللغوية .

     تلك نعدها فترة ذهبية للشعر - فترة الشعرالعربي في الجاهلية - عجت بفحول الشعراء ولم يؤمر للشعر امير وكان هناك من يستحق هذه الإمارة  باجماع  الشعراء والادباء والنقاد  ومؤرخي وهو الامير الفارس امرؤ القيس الذي امتاز بإجماع علماء الشرق والغرب بالابداع وقوة الخيال  وكان أمرؤ القيس  من شعراء الدنيا القلائل الذين ابتدعوا فأبدعوا واختطوا خطة سار عليها الشعراء من خلفه  بقصد او من غير قصد ,  وتلت تلك الفترة  الجاهلية  فترات  او عصور ذهبية بلغ فيها الشعر أوجَه وقمته واحتل منزلة رفيعة خصوصا في الشعر العباسي وكان الشعراء يعدون نوابغ القوم وقد كان من الشعراء في هذه الفترة  فطاحلهم :ابو تمام  والبحتري والمعري والمتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس . فهو ملك الشعراء  واميرهم  الاكبر .

      وقد استحدث فكرة (إمارة الشعر) لاول مرة في تاريخ الادب العربي عام \ 1927 عندما عقد الادباء في القاهرة اجتماعهم  بدار الاوبرا الملكية برعاية الملك فؤاد , ملك مصر حيث تم اختيار الشاعر الكبير احمد شوقي  اميرا للشعراء وقدموا له الهدايا بهذه المناسبة وتوّجوه بلقب (امير الشعراء) وكان  ذلك اليوم مشهودا في تاريخنا الادبي  وقد احتدم  الجدال  في حينه بين مجموعة كبيرة من الأدباء والشعراء حول امارة الشعر في الادب العربي منهم من يقرها ومنهم من يرفضها .

       والشعر العربي مر بعصور شعرية معروفة و لكل من هذه العصور شعراؤها  وفي كل عصر برع شاعر او اكثر بز الاخرين وفاقهم  ولاجل ان نعيد للماضي حقوق شعرائنا ونذكرهم بما هم فيه . لذا يحق لنا ان نسمي لكل عصر من هذه العصور الشعرية  اميرا وجميعهم هم امراء الشعر العربي باجماع الشعراء ونقاد الادب العربي ومؤرخيه وهو عنوان مستحدث  ارغب في اشاعته  ولنظهر امراءنا في الشعر والادب  ونفخر بهم . ومن هنا  ساتناول بالبحث والتقصي الشعر في كل عصر من العصورو شاعرا معينا في كل عصر ولأعتبره في رايّ الخاص اميرا للشعر العربي  فيه ممن تتوافر فيه كل الامكانات و الامتيازات  والصفات الشعرية والادبية  التي تجعله  اميرا للفترة المعينة بلا منازع. وهي حالة ابتداع ربما يلومونني الاخرون  عليها  او يفضلون شاعرا  اخر غير الذي اختره  ولكل احد الحق في ابداء  رايه  وتصويبه  وربما  هذه الفكرة ترقى بعالم الشعر نحو الاسمى والاسنى .
                         والله من وراء القصد .


                    ******************









الشعر الجاهلي





           الشعر العربي   منذ  ان  وجد على  الارض  العربية  وقالوه الشعراء  وتغنوا  به  شق  له  طريقا  واسعا  من الريادة  وكانت  له  الاولوية  في  تمثيل  الحياة   العربية  العامة واليومية  في  جزيرة  العرب  او في  كل البلدان  التي  تكلمت  اللغة  العربية  في  ظل  الاسلام   بعد   انتشاره  على  ايدى المسلمين  الذين  يعتبرون  العرب  نواة  الحركة الاسلامية  في  تطورها وشموخها .

       فللشعر كان  دوره البارز والكبير  في حياة  الامة  العربية  وإن لم تبق  له حاليا تلك  المساحة  التي  كان  يحتلها في عصوره المتقدمة  وذلك  لأن  العرب  بتطور  حياتهم   تخلّوا  عن  الشعر او تغاضوا عنه  أو  أن الشعر  لم  يعد ممتعا   لهم  كما  كان  في العهود  الماضية  وذلك  بسبب تغيير  ظروف الحياة  وما الت  اليه وتطوراتها  ومدياتها  وسبل  ايجاد  متعة افضل  منه  للنفوس  العربية  الا ان بعضا  منهم  وهم الشعراء  ومستسيغوا الشعر  والكلمة  الفاضلة حيث  دخلت  إلى حياتنا  أمور  كثيرة   قللت  من  اهمية  الشعر  وضيقت  مساحته  على ساحة  الحياة  الواسعة   فقلصت  مساحتها  كثيرا .

      كان  العرب  في  الجاهلية  يقضون  اوقاتهم  في  السعي  في  طلب  الرزق  ورعي  انعامهم   وابلهم  نهارا  اما  في الليل  فيتجمعون  للتسامر والتحدث  والاستماع  للشعر باعتباره  الفن الوحيد  الذي كان سائدا  في  بلادهم  تقريبا  لذا  كان العرب  يعلّمون  أولادهم الشعر وحفظه  وقولهم له  اضافة  الى  تعليمهم  الأنساب  لاعتزاز  العرب  بانسابهم  وهي  الامة  الوحيدة  من  بين  الامم  العالمية  التي لا زالت تحتفظ   بانسابها   لحد  الان  وتحفظها  لاولادها حتى هذا اليوم   وتعتز بها  وكذلك  أخبار القبائل  العربية .

        يتبين لمن يقرأ دواوين الشعر الجاهلي ان الشعر الجاهلي يدور حول موضوعات بعينها مثل الوقوف على الاطلال لدى اغلب الشعراء في هذا العصر كالتشبيب بالمراة والفخر والمديح والهجاء والرثاء  والحكمة  وما اليها من الفنون  التي كانت معروفة  في ذلك الزمن  والتي ربما لا يزال  بعضها او اغلبها شاخصا  ينسج الشعراء على منواله قصائدهم,  فهذه الفنون او الاغراض  كانت مالوفة في الشعر الجاهلي  وما بعده من الشعر العربي  .حيث  كانت غايتها تسجيل القيم الخلقية والاجتماعية والقبلية في هذا العصر وهذه الفنون يظهر انها  فيما بعد مما وصلت الينا في نصوص هذا الشعر في مراحلها الاولى , كموضوعات لمقطوعات شعرية كان يقولها الشاعر في هذه المناسبة او تلك ثم ما لبثت ان تطورت بتطور الحياة فتجمعت في عمل شعري واحد فكانت القصيدة  .

      ومن اهم خصائص القصيدة الجاهلية الجودة في استخدام الالفاظ ومعانيها بحيث تغلب جزالة الالفاظ القوية ومتانة الاسلو ب ووضوحه وعدم وجود المحسات البديعية و ان اتت فتاتي عفوية  ويلاحظ ايثار الايجاز في القصيدة  الا ان بعض الشعراء اطنب في قصائده  ومع ذلك كانت معانيه  جلية واضحة ومطابقة لحقيقة القول  لانها فطرية وبعيد عن التعميق  فتاتي بعيدة عن التانق  والترتيب في فكرتها وخيالاتها وصورها الشعرية في الاغلب سطحية قريبة من المتلقي  وتعتمد على التشبيه والمجاز لذا كانت اساليب القصيدة الجاهلية متشابهة الافكار قريبة من الواقع وشديدة الاحساس التصويري فتاتي  قريبة من النفس .


       فالرسوم  والتقاليد الفنية والموضوعية قد  فرضت نفسها على الشعراء الجاهليين بحيث لم تعد تصح قصائدهم الا اذا نسجت على نسجها من حيث الجمع بين هذه المعاني او اكثرها في نص  شعري بعينه  وهم يلتزمون في هذه القصائد الطوال في امرين أساسيين:

    مقدمة القصيدة حيث كان الشعراء الجاهليون اغلبهم  يبدأ قصيدته بالغزل وما يثيره في النفوس من مشاعر ومن ذكريات وما يتصل بها من وصف للاطلال والوقوف على ديار الحبيبة  والتشبيب والتغزل بها ,

  ثم الاخر موضوع  القصيدة الاصلي ويشمل أي  فن من الفنون الشعرية  التي يقصدها الشاعر كالمديح والرثاء والفخر والحكمة..., ونستبعد فن الهجاء من هذا  التقسيم  فلا توجد قصيدة هجاء يبدؤها شاعرها بالغزل او الوقوف على الاطلال , .

      وقد ظلت القصيدة العربية الجاهلية باسطة هذا الشكل الفني والموضوعي نفسه في رحلة الشعر  الطويلة عبر العصور وحتى العصور المتأخرة وحتى الان  .  

     بلغ من صراحة هذا النظام الذي فرضه شعراء العصر الجاهلي على بناء القصيدة , وان اكثر نقاد الشعر في العصور المختلفة قد تحدثوا عنه واتخذوا منه مقياسا فنيا يقوّمون على اساسه شعر الشعراء  فمقصد القصيدة انما تبتدئ بذكر الديار والالم ولاثارة المتلقي حيث انه اقربلى القلوب والانفس. فيبكي الشاعر حبيبته  ويشكوها لوعته  ويخاطب ربعها  فكان وصول ذلك النسيب من شكى شدة الوجد والم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب ويصرف اليه الوجوه ويستلب الاسماع والمشاعر لما يقول , والشاعر المجيد من سلك هذه الاساليب وعدل الاقسام فلم يجعل واحدا منها اغلب على الشعر ولم يطل فيمل السامعين ولم يقطع النفوس ظمأ ها الى المزيد
ثمة راي اخر ربما نستنتج منه اتجاهين :

الاول السعي الى ايجاد رابطة نفسية وثيقة الصلة بين هذه الاغراض المختلفة وبين حياة الشاعر القديم , وبعبارة اخرى اضفاء نوع من الوحدة الفنية على هذا البناء الشعري .

   الثاني يقرر حقيقة واقعية هي ان ذات البناء الشعري باغراضه المختلفة قد فرض نفسه على الشعر العربي واصبح تقليدا فنيا خالصا ينتج عن ضرورة فنية تقتضي بمتابعة الشعراء الجاهليين في  منهجهم وتترسم خطاهم الفنية .

    فالفنون الشعرية الجاهلية بقيت حية الى يومنا هذا في اغلبها  ومن هذه الفنون  اذكر منها ما يلي:

 الفخر والحماسة:

      كان  العرب يفخرون  بالشجاعة والكرم والصدق والعفاف  وكان الشعراء  بتبارون في الفخر بقبائلهم وبانسابهم وبانفسهم او  بزعماء هذه القبائل وربما يصل الفخر الى حد المبالغة  فهذا الشاعر عامر بن  طفيل العامري  يبالغ  مفتخرا بقبيلته قيس عيلان  فيقول :-

        وما الارض الا قيس عيلان  اهلها  
                                        لهم ساحتاها  سهلها وحزونها

         وقد  نال افاق  السموات مجدنا
                                       لنا الصحو  في افاقها وغيومها


      اما في الحماسة  فالشعر يعتبر احد الاسباب الرئيسة في تشجيع افراد القبيلة  لمقاتلة  العدو  بحيث  يمثل  حقيقة الصراع  القبلي على ارض الجزيرة العربية  ويكاد يكون حاضرا في اغلب الوقائع والحروب بين تلك القبائل .يقول الشاعر عمرو بن كلثوم مفاخرا بقومه  :

نعــمّ أناســنا ونعــفّ عنهـــــم
                                              ونحـــمل  عـنهـم مـا حمّلــــونا

نطــاعن ما تراخى الناس عنّـا
                                               ونضـرب بالسـيوف إذا غشينا

بسمــرٍ مـن قــنا الخــطيّ لدنٍ
                                              ذوابــل أو ببيــض يخـــتلــــينا

كأن جمـــاجـم الأبطــال فــيها
                                              وســوق بالأمــاعــز يرتمـــينا

نشـــق بها رؤوس القـوم شقـاً
                                             ونخــتلب الـرقــاب فتخــــتلينا


المديح  :                                                                   

و المدح في الشعر الجاهلي يتبين فيه نوعان :

  الاول  المدح الصادق: وهو مدح نابع عن عاطفة قوية تجاه الممدوح، ويتم مدحه بما فيه بحقيقة ما فيه  ومنه ما جاء بمعلقة زهير بن ابي سلمى  وهو  يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف  يوم توسطا لفض القتال  بين عبس وذبيان في حرب (  داحس والغبراء )وما صرفاه من اموالهما لفض هذا النزاع الطويل بين القبيلتين فيقول :                        


يميناً لنعم الســـيدان وجدتما  
                                  على كلّ حال من سحيل ومبرم

تداركتما عبساً وذبيان بعدما  
                                تفانوا ودقوا بينهم عطر منشــم


      اما المدح الاخر فكان  لاجل الحصول على المال وقد اشتهر به شعراء قصور الملوك والامراء  مثل النابغة الذبياني والاعشى الذين كانا  يتكسبان بشعرهما  وقد كثرت فيه المبالغة فهذا الشاعر النابغة الذبياني في يمدح  الملك النعمان  بن المنذر  ملك الحيرة  فيقول:

 فانك  شمس  والملوك  كواكب  
                                         اذا طلعت لم يبد منهن  كوكب


  فان  اك  مظلوما  فعبد   ظلمته
                                       وان تك   ذا عتبى  فمثلك يعتب

  الرثاء :
     والرثاء في حقيقته لا يختلف عن المدح كثيراً إلا أنه يختص  بذكر صفات الموتى الحميدة فتقترن بالحزن والأسى واللوعة على افتقاده. وظهر هذا الغرض بسبب كثرة الحروب التي كانت تؤدي إلى قتل الرجال الأبطال، ومن ثَمَّ يُرثَونهم. ومن أبرز مميزاته صدق العاطفة ورقة الإحساس والصبر  والجلد والبعد عن التهويل والكذب ومن اهم شعراء الرثاء  الخنساء  والمهلهل  ودريد بن الصمة  ويقول المهلهل في رثاء اخيه كليب الذي قتل في  حرب البسوس :                                   

دعـوتك يا كليب فلم تجبني            وكيف   يجيبنـي  البلــد  القفارُ

سقاك   الغيث   إنك   كنت            غيثاً ويسراً حين يلتمس اليسارُ

  الغزل :
     يرجع سبب ظهور الغزل في الشعر الجاهلي إلى حياة الصحراء التي تفرض على ساكنيها الترحال والتنقل  فيتم الفراق بين  المحبين بسببه، وقد كانت المرأة العربية تعرف بعفافها، مما زاد من محبة الرّجال لها وأخلاقها، ولم يكن في البيئة الصحراوية ما هو أجمل من المرأة وقربها الى قلوب وافئدة الرجال. وقد انقسم الغزل في العصر الجاهلي إلى قسمين :                                                                    
الغزل الصريح: هو نوع من الغزل يصّور جسد المرأة بطريقة مباشرة، ومفاتنها  ويمثله  شعر الأعشى و امرؤ القيس فيقول :

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا
                                            لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ
                                           وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا
                                               عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ
                                           عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ
                                              تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

والغزل العفيف: وهو الغزل السائد في العصر الجاهلي بكثرة، وفيه  تصوير لحياء المراة وعفّافها وأخلاقها الجميلة، و يتميز هذا الغزل بكونه عفيفاً رفيع المستوى، يصوّر حياء وعفاف المرأة , ومنه ما جاء بشعر عنترة العبسي وزهير بن ابي سلمى  وشعر  ومنه ايضا قول الشاعر الشنفري :                                                                   

لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا      
إذا  ذكرت  ولا بذات  تلفت
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه      
       على أمها  وإن تكلمك تبلَّت
تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا
       لجارتها    إذا   الهدية   قلت
تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا               
                                                إذا  ما  بيوت   بالمذمة حلت

الوصف :

     اشتهر الوصف  في هذا العصر كثيرا  وجاء في ثنايا القصائد . وكان الشاعر الجاهلي يصّور أي شيء تقع عليه عيناه، كالحيوانات مثل الإبل والخيل و كان أهم ما عند الشاعر الجاهلي ان يفخر بفرسه . وقد صور الشاعر الجاهلي الصحراء  والضباء والرمال والجبال. وامتاز الوصف في الشعر الجاهلي بالطّابع الحسي، ودقّة الملاحظة، وصدق النظرة ومن أبرز شعراء الوصف  الشاعر الامير  امرؤ القيس حيث يقول في وصف حصانه  :

فَبَـاتَ عَلَيْـهِ سَرْجُهُ ولِجَامُـهُ
                                          وَبَاتَ بِعَيْنِـي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَـلِ
أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ
                                           كَلَمْـعِ   اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ
                                  أ َمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ
عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِـهِ
                                       وَأَيْسَـرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُـلِ
.
 الحكمة :
 
 والحكمة قول موجز مشهور يمثل سداد الحكمة وصوت العقل  النابه  في قول رائع التعبير، يتضمن معنى يهدف إلى الخير والصواب وتعبر عن خلاصة خبرات وتجارب صاحبها في الحياة وربما تأتي الحِكَم في بعض أبيات القصيدة  كمثل  اسستشهاد وتمتزج بالإحساس والعاطفة المؤثرة. وقد شاعت الحكمة على ألسنة العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة  واشتهر بالحكمة الشاعر  زهير بن ابي سلمى  حيث يقول :

 ومن يجعل  المعروف في غير  اهله
                                        يكن  حمده   ذ  ما   عليه  ويندم  

 وطرفة بن العبد في الحكمة  يقول :

       وظلم ذوي القربى اشد مضاضة
                                     على المرء من حد الحسام المهند

  توجد اغراض  وفنون شعرية غير ما ذكرت قال فيها شعراء الجاهلية منها الاعتذار  والخمرة ....

     الا ان حركة تطور الشعر العربي  لم تتوقف عما جاءت به القصيدة الجاهلية على اعتبارها اصلا فنيا يقيس عليه الشعراء اشعارهم  وقصائدهم الحديثة  ويحملونها على احياء الاساليب التقليدية  الفنية للقصيدة الجاهلية القديمة فكانت القصيدة الجاهلية ولا تزال نبراسا  يحتذى  بها في الشعر العربي قديما وحديثا  .




************************************







امــرؤ  القيـــس
امير الشعرالجاهلي



              هو الشاعر امرؤ القيس  بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر ( ا كل المرار ( بن معاوية بن ثور بن مرتع الكندي   من اهل نجد شاعرمن الطبقة الاولى  . واصله من اليمن  وكانت قبيلته ( كندة) قد هاجرت من اليمن بعد انهيار  سد ( مأرب)  الشهير وسكنت نجد  وكان ابوه سيد قومه . فهو ابن  ملك قبيلة  كنده  .

   ولد امرؤ القيس عام \520 ميلادية في نجد وبها ترعر ع وشب واكتمل.

      نشا امرؤ القيس نشاة  اولاد  الملوك  نشأة ترف ورفاهـية    فاحب اللهو وملذات الحياة  والخمرة   والنساء  وكان   مسرفا   في  شرب الخمرة وملاحقة   النساء   والاخيرة  صفة مذمومة عند العرب  فنهاه ابوه  بشدة  عن ذلك لكنه  لم ينته  وظل  طوال حياته  محبا  للشراب  ومطاردة  النساء والطرب  والصيد وكل امر عابث حتى لقب (الملك الضليل ) .

            جاء  في  كتاب  شرح  المعلقات السبع   للزوزني ان  امرئ القيس  نظم  معلقته  في ( عنيزة ) ابنة عمه  شرحبيل  وكان  يروم ان يحظى بها وبوصالها  فلم يفلح وفي احدى المرات وبينما القوم يهمون للرحيل الى مكان اخر انتظر حتى  ضعن  الحي  وتخلف هوعن  الرجال حتى اذا  ظعنت النساء  سبقهن الى الغدير في ( دارة جلجل ) وتخفّى هناك  ثم علم انهن وردن الماء ليغتسلن ويتبردن فيه  فلما وردت  العذارى  الماء  و(عنيزة)  فيهن  ونضون  ثيابهن و تعرين  للسباحة  والاغتسال  ظهر عليهن امرؤ القيس  وجمع ثيابهن جميعا   وجلس على  الثياب  وحلف ان لا يدفع  اليهن  ثيابهن  الا  ان يخرجن واحدة  واحدة عاريات  و يأتين اليه فيأخذن  ثيابهن  منه  وبعد جدال معه ولأي خرجت  اوقحهن ( اكثرهن جرأة) اليه بعد  خصام  طويل معه  فأعطاها   ثيابها  ثم تتابعن  اليه بعد ذلك  حتى  بقيت (عنيزة)  فاقسمت عليه  فقال لها :
-        يابنة الكرام لا بد لك من ان تفعلي مثلهن .
   فخرجت اليه  عارية  فراها  مقبلة  ومدبرة   فلما  لبسن  ثيابهن  واخذن  يعذ لنه وقلن له جوعتنا  كثيرا واخرجتنا عن الحي  فقال :
-        لو عقرت  راحلتي اتاكلن  منها  ؟؟
-        فقلن  نعم  

        فذبح راحلته  لهن  واكلن  منها  حتى شبعن  فلما  ارتحلن  قسمن  امتعته بين رواحلهن  وبقي  وحده  بدون راحلة  فقال  (لعنيزة) :
- يا ابنة   الكرام  لا بد من  ان  تحمليني  .
  ثم  الحّت  عليها  صواحباتها  ان  تحمله  على  مقدم هودجها  فحملته   فجعل  يدخل راسه  في  الهودج   فيقبلها   ويشمها  حتى  وصلا . وكل هذا  مذكور او  مشار  اليه  في شعره  وفي معلقته .
         
       وقيل  انه  عندما  كان جالسا  يلعب النرد  ويعب الخمرة  اتاه ات بخبر مقتل ابيه  فقال  قولته  المشهورة –( ضيعني  صغيرا  وحمّلني  دمه كبيرا  لا صحو  اليوم  ولا  خمر غدا . اليوم خمر  وغدا امر)– وعندما  صحا  في اليوم التالي  من   خمرته  وسكره  اخذ  يطالب  بثأر  ابيه  من  قاتليه  وظل يتنقل  من  مكان  لأخر يطلب  العون  والمساعدة  في  دم  ابيه  حتى توفته  المنية  في  مدينة  انقرة  التركية  وكان  يلقب  ب (ابي  القروح)  لشدة  ما  لحقه  من  اذى  في  بدنه  من  كثرة  الترحال  والتنقل  في  سبيل  تأ ليب  الناس على  قاتلي  ابيه والثار لابيه من قاتليه  وقيل ان ملك  الروم البسه عباءة مسمومة  لانه تحرش  بابنته عند وجوده عنده في مدينة ( انقرة )  فانتشر السم في جسده فمات  وهو في أرض الغربة وكان ذلك  في سنة 565 ميلادية  وقيل في رواية اخرى 540 ميلادية  وقبره  موجود الان في تل ( هيديرليك ) في مدينة ( انقره ) عاصمة تركيا .

      لقد ترك امرؤ القيس  خلفه سجلا حافلا من ذكريات الشباب وسجلا   من بطولات الفرسان وترك  ديوان شعر ضم الكثير من القصائد والمقطوعات الشعرية  التي جسدت تاريخ شبابه ولهوه وملاعبه ونضاله وكفاحه. فديوانه يضم الآن ما يقارب مئة قصيدة ومقطوعة  , وتؤكد اشعاره انه شاعر متميز فتح أبواب الشعر وجلا المعاني الجديدة ونوع الإغراض  الشعرية بحيث اعتبره  الادباء  والنقاد ومؤرخو الشعر القدماء والمحدثين مثالا يقاس عليه ويحتكم اليه في التفوق الشعري لذلك عني القدماء بشعره واحتفوا به نقداً ودراسة وتقليداً  وهو بحق  امير  الشعراء الجاهليين كما نال إعجاب المحدثين . وقدطبع ديوانه في القرن الماضي .                      
 تعتبر  معلقته من اروع المعلقات وافضلها  .

 ونتيجة لاجماع اهل الفهم والدراية  في الشعر العربي ونقاده ومؤرخيه  فالشاعر امرؤ القيس هو اميرالشعر واميرالشعراء  وملكهم في العصر الجاهلي  ولا يضاهيه احد في هذا المقام  لذا اعده  اميرالشعراء في العصر الجاهلي  وهو الامير الاول  للشعر .
 ومطلع معلقته ::-

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
                                    بسقط  اللوى  بين الدخول  فحومل
ويقول في الغزل:

سموت إليها بعد ما نام أهلها                                     
                    سمو حباب الماء حالا على حال      

فقالت سباك الله إنك فاضحي                                       
                        ألست ترى السمار والناس أحوا ل

فقلت يمين الله أبرح قاعدا                                          
                        ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

حلفت لها  بالله حلفة    فاجر                                          
                       لناموا فما إن من حديث ولا صال

فلما تنازعنا الحديث وأسمحت                                          
                      هصرت  بغصن  ذي شماريخ ميال                                              

وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا                                         
ورضت فذلت صعبة أي إذلال                            

فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها                                
                                عليه  القتام  سيء الظن والبال
                              
يغط  غطيط  البكر  شد خها
                                       ليقتلني   والمرء  ليس    بقتال     
                              
أيقتلني والمشرفي مضاجعي
                                    ومسنونة   زرق   كأنياب   أغوال 
                                          
وليس بذي رمح فيطعنني به
                                   وليس   بذي   سيف   وليس بنبال
                                 
أيقتلني وقد شغفت فؤادها
                                          كما شغف المهنوءة الرجل الطالي   
                                         
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها
                                            بأن الفتى   يهذي  وليس  بفعال      
                            
وماذا عليه أن ذكرت أوانسا
     كغزلان رمل في محاريب أقيال     


و  قال امرؤ  القيس  في معلقته:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
                                    بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها
                                       لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ

تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا
                                           وَقِيْعَـانِهَا   كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ

كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا
                                              لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ

وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ
                                               يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ

وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ
                                                 فهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ


كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَـا
                                              وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَـلِ

إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا
                                          نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ

فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً
                                       عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي

ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ
                                            وَلاَ   سِيَّمَا   يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي
                                             فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ

فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَـا
                                            وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ

ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ
                                           فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعـاً
                                     عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ

فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـهُ
                                           ولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـلِ

فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِـعٍ
                                          فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْـوِلِ

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ
                                            بِشَـقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَـوَّلِ

ويَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَـذَّرَتْ
                                               عَلَـيَّ   وَآلَـتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّـلِ

أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ
                                      وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي
                                           وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ
                                              فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ

وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي
                                           بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ

وبَيْضَـةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَـا
                                            تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ

تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً
                                             عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِـي

إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ
                                            تَعَـرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّـلِ

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا
                                            لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ
                                           وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا
                                               عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَـى
                                           بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ
                                           عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ
                                              تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

كَبِكْرِ المُقَـانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْــرَةٍ
                                          غَـذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ المُحَلَّــلِ

تَـصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أسِيْلٍ وَتَتَّقــِي
                                           بِـنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِـلِ

وجِـيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِـشٍ
                                               اِذَا هِـيَ نَصَّتْـهُ وَلاَ بِمُعَطَّــلِ

وفَـرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِــمٍ
                                              أثِيْـثٍ كَقِـنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِــلِ

غَـدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُــلاَ
                                          تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَــلِ

وكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجَدِيْلِ مُخَصَّــرٍ
                                            وسَـاقٍ كَأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّــلِ

وتُضْحِي فَتِيْتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِهَـا
                                         نَئُوْمُ الضَّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّـلِ

وتَعْطُـو بِرَخْصٍ غَيْرَ شَثْنٍ كَأَنَّــهُ
                                          أ َسَارِيْعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاويْكُ إِسْحِـلِ

تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا
                                              مَنَـارَةُ  مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ

إِلَى مِثْلِهَـا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَــةً
                                        ِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ

تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَـا
                                        ولَيْـسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَـلِ

ألاَّ رُبَّ خَصْمٍ فِيْكِ أَلْوَى رَدَدْتُـهُ
                                          نَصِيْـحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَــلِ

كَأَنَّ عَلَى المَتْنَيْنِ مِنْهُ إِذَا انْتَحَـى
                                         مَدَاكَ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةَ حَنْظَـلِ

كَأَنَّ دِمَاءَ الهَـادِيَاتِ بِنَحْـرِهِ
                                         عُصَارَةُ   حِنَّاءٍ   بِشَيْـبٍ مُرَجَّـلِ

فَعَـنَّ لَنَا سِـرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَـهُ
                                          عَـذَارَى   دَوَارٍ فِي مُلاءٍ مُذَبَّـلِ

فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّـلِ بَيْنَـهُ
                                           بِجِيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيْرَةِ مُخْـوَلِ

فَأَلْحَقَنَـا  بِالهَـادِيَاتِ    ودُوْنَـهُ
                                            جَوَاحِـرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّـلِ

فَعَـادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَـةٍ
                                          دِرَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَـلِ

فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ
                                          صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيْرٍ مُعَجَّـلِ

ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُوْنَـهُ
                                          مَتَى  تَـرَقّ َ العَيْـنُ فِيْهِ تَسَفَّـلِ

فَبَـاتَ عَلَيْـهِ سَرْجُهُ ولِجَامُـهُ
                                          وَبَاتَ بِعَيْنِـي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَـلِ

أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ
                                           كَلَمْـعِ   اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ

يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ
                                  أ َمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ

قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ ضَـارِجٍ
                                      وبَيْنَ العـُذَيْبِ بُعْدَمَا مُتَأَمَّـلِ

عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِـهِ
                                       وَأَيْسَـرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُـلِ

فَأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ
                                    يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
ومَـرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ
                                     فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ

وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ
                               وَلاَ   أُطُمـاً    إِلاَّ    مَشِيْداً بِجِنْـدَلِ

كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ
                                 كَبِيْـرُ أُنَاسٍ    فِي    بِجَـاد   ٍ مُزَمَّـلِ

كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُـدْوَةً
                                   مِنَ السَّيْلِ وَالأَغثَاءِ فَلْكَةُ مِغْـزَلِ

وأَلْقَى بِصَحْـرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَـهُ
                                  نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ

كَأَنَّ مَكَـاكِيَّ الجِـوَاءِ غُدَّبَـةً
                                    صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ

كَأَنَّ السِّبَـاعَ فِيْهِ غَرْقَى عَشِيَّـةً
                                بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُـلِ
.



     *************************************















الشعر في عصر صدر الاسلام
وامارتـه





          جاء  الاسلام  وانزل الله تعالى كتابه ( القرآن  الكريم ) من السماء  الى حبيبه  محمد  الصطفى صلى الله عليه وسلم ببيانه المعجز  واسلوبه الشيق وبلاغته  الرصينة  التي ا بهرت  عقول  وقلوب  اهل الفصاحة والحصافة  من  العرب   فاحتل   المكانة  الأولي  في  نفوس  العرب والمسلمين   .

   شعر  صدر الاسلام  تنحصر فترته ما بين حكم  النبي  محمد صلى 
الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين  وما بين  العصر الاموي ا و من مبعث النبي محمد صلى الله  وسلم الى قيام خلافة  بني اميـة  ويعرف هذا العصر ( عصر صدر الاسلام  ) وأدب تلك الفترة هو أدب صدر الإسلام بقسميه الشعري والنثر ي .

      ولو امعنا النظر في  الثقافة  العر بية  قبل الإسلام نلاحظ أن الشعر مسيطر او له الكلمة الطولى على الحياة الثقافية . ومما لاشك فيه أن الشعر العربي  كان  السجل الحافل  للحياة العربية في جزيرة العرب . ثم ظهر الإسلام وانتشر في  هذه الجزيرة  وما حولها  فاصطدم العرب برسالة جديدة  وثقافة  لم يألفوها  وبكتاب بليغ لم يستطيعوا مجاراته  او الايتاء  بآية من  آياته  او قول  مثل قوله ا ســـلوبا وبلاغة  وبيانا   و تحداهم علانية :
 (  وان كنتم في ريب مما نزلنا  على عبدنا  فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين * فأن لم تفعلوا – ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها  الناس والحجارة  اعدت للكافرين *) البقرة \ 23 و24
و( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا *)
 الاسراء\ 89 .

           فافحمت  وخرست  الألسن  وتراجعت اهمية  الشعر ومكانة  والشعراء  الا انه  بعد  دخول الشعراء  الإسلام  حاول هؤلاء الشعراء توظيف شعرهم لخدمة  الاسلام  و محاكاة  الدين  الإسلامي  شعراً  متسربلين  بعباءة  الجاهلية  فخرج الشعر في  معظمه  جاهلياً محاكاة وبناءاً  واسلوبا  وإن استمد بعضهم من المعاني الإسلامية  كلمات ومرادافات .

    اعتقد  اغلب  الناس أن  ما جاء في القر ان الكريم  حول الشعراء  مقصود به  ذ م الشعراء والنيل  منهم  وخاصة  الشعراء  المشركين الذين   كانوا   يهجون  النبي محمد  صلى الله عليه وسلم  وينالون من المسلمين  والحقيقة ان  المقصود  به  في الآيات الكريمة الواردة في  سورة الشعراء:
       قال الله تعالى:
 ( وَالشُّعَرَاء  يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ  تَرَ أَنَّهُمْ  فِي  كُلِّ  وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ  يَقُولُونَ  مَا لا  يَفْعَلُونَ *  إِلا الذِينَ  آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ  وَسَيَعْلَمُ الذِينَ  ظَلَمُواْ    أَيَّ  مُنْقَلَبٍ  يَنْقَلِبُونَ*)  
 الشعراء \ 224 -227
    هي طريقة الشعراء  ليس الشعراء أنفسهم  فجاء ذكرهم أنهم يتبعهم الفاسدون  او الغاوون  وأنهم يقولون ما لا يفعلون من هجاء الناس أو مدح الزيف أو وصف الخمرة أو غيرها من الأغراض التي تتعارض ودعوة  الإسلام ، خاصة  الهجاء  الفاحش الذي كان  يقوله  شعراء  قريش في هجاء المسلمين   وتشكيكهم  في الدعوة  الاسلامية   وقد تأكد ذلك في الاستثناء  الذي  ورد  في هذه  الايات المباركة  حيث استثنى القرآن الكريم  الشعراء المسلمين :
 (  إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا  وسيعلم ا لذين ظلموا اي منقلب ينقلبونْ *)
الشعراء  \ 227
         وهم الذين اعتبرهم القرآن الكريم  هم  الذين امنوا  وعملوا الصالحات  وذكروا  الله  كثيرا  وانتصروا  للمسلمين  بأ لسنتهم  فيما  قالوه من شعر  بحق الكفار والمشركين  وبما  فخروا به في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم و انتصار المجاهدين من المسلمين وشهداء الاسلام  .  كما ورد عن النبي محمد  صلى الله عليه وسلم  انه قال:
 ( ان من الشعر لحكمة ) 
او قوله  للشاعر حسان بن ثابت  يحرضه على هجاء شعراء قريش  الذين بقوا مشركين وكفارهم :
( هاجهم  وجبريل معك )

     ومما يخطر على الذهن  هنا  قول لبيد العامري  الشاعر الجاهلي
بعد اسلامه :

  الحمد لله  الذي لم يأتني اجلي
                                      حتى كساني من الاسلام سربالا
 او قوله  :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
                                    وكل   نعيم  لا محالة   زائل
                        
      فموقف القرآن  الكريم  من الشعر والشعراء  كان  واضحا  وهو موقف الاسلام  فهو  يعتمد  تسخير الشعر  لخدمة  الدعوة  الاسلامية  ومحاربة  من  يقف  ازاءها  من الشعراء  الذين قال عنهم:
 ( وسيعلم الذين ظلموا  اي منقلب ينقلبون )
        ثم ان النظرة الشاملة او العامة للاسلام  ( الكتاب والسنة)  هو ان يكون  توجه  المرء  الى القرآن الكريم  والابتعاد عما  سواه  وشد المسلمين اليه  دراسة  وتعلما  وحفـظا  وتفقـها  وفي كل  مجالات  الحياة وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي محمد صلى الله عليه  وسلم قال :
( لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتليء شعراً  )
    وفي هذا  امر بالابتعاد عن الشعر  وهجره  الى ما هو افضل  وهو القرآن الكريم . وقد ورد عن  الشاعر لبيد انه قال:
 ( الحمد  لله الذي  أ بدلني  بالشعر  سورة البقرة )
       اي انه حفظها وهجر الشعر لذا فأن تصدر القرآن الكريم والسنة النبوية كان  له الاهتمام الغالب للإنسان المسلم  حيث  ان غلبة الشعر على الفرد ربما  ينسيه ذكر الله  تعالى  والعودة الى الجاهلية ولبعض أخلاقها المذمومة  وعاداتها السيئة و التي أعلن  الإسلام  محاربتها  لذلك كان الصدى القوي الذي يرنَّ  في أسماع  الناس صوت الرسالة المحمدية  الجديدة  وفلسفتها . وكان جديرا  بهذا الامر بأن  يوقف كل  أساليب القول والتفكير إلا في هذه الرسالة نفسها . 
     حرص الخلفاء الراشدون على تعليم الناس القرآن الكريم  وحفظه  فهو  خير من  قول  الشعر وحفظه  ومع كل هذا  لم ينته الشعر و لم يهمل  وبقيت له مكانة في القلوب والنفوس  وقد ازدادت الحاجة اليه لما عمدوا إلى تفسير القرآن  الكريم  وخاصة في  معرفة غريب الألفاظ أو بعض المعاني فقد  قيل انه روي  لأبي بكر الصديق  قصيدة  في الحماسة  وروي لعمر  بن الخطاب  أبياتا  في   الحكمة  وكذلك   لعثمان  بن عفان   . أما علي بن ابي طالب فقد كان شاعرا  وروى  الناس من شعره كثير  و قيل ان بعضه  قاله  في معركة  صفين وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون  اي كلهم قالوا الشعر  الا انهم  كانوا يمنعون الشعراء من هجاء المسلمين  ا و هجو الإسلام .
       كل هذه  الامور  جعلت  تيار الشعر  العام في  هذا  العصر   يضعف  ويخبو أواره وتتوارى  بلاغته وبيانه في بداية هذا العصر  وخاصة في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم  وخليفتيه ابي بكر الصديق  وعمر بن الخطاب  لاهتمامهم  بالقرآن الكريم  فقط  الا انه ظل  مزدهرا على  شكل ومنهج الشعر الجاهلي  وامتدادا له   الا انه  عامة قد ضعف وأن غالبية الأغراض قد  قل القول فيها  إن لم  تكن  ندرت ,عدا  بعض  الأغراض  التي  أملتها  ظروف  الدولة  الجديدة في هذا العصر كشعر الفتوحات الاسلامية   وشعر التهاجي  بين  المسلمين والمشركين  وشعر الدفاع عن  النبي   محمد صلى الله عليه وسلم وشعر  رثاء المسلمين ممن  استشهد في ساحات الوغى والقتال في سبيل نصرة الاسلام  .
       وكان من أهم  أسباب هذا  الضعف  عدم  سهولة التكيف على تعاليم الإسلام الجديدة سلوكا واسلوبا  . لذا ظل الشعراء ينتهجون الأسلوب الجاهلي تصورا وأخيلة  مع إدخال بعض الألفاظ  الإسلامية في بداية عهد  الرسول محمد  صلى الله عليه وسلم .  لذا جاء  شعرا  ممزوجا  بين أسلوب الجاهلية والمعاني الإسلامية  ولم يستطع شعر صدر الاسلام ان يتحرر من قيود الشعر الجاهلي  ابدا . ومن ذلك  قول  الشاعر بجير  بن زهير بن ابي سلمى وكان قد اسلم :
إلى الله - لا إلى العزى ولا اللات – وخذه
                                       فتنجوه  إذا  كان  النجاء  وتسلمُ
لدى  يوم  لا  ينجو   وليس    بمفلت     
                                  من   النار   إلا   طاهر  القلب  مسلمُ
      وفي لامية اخيه كعب بن زهير في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم  تظهر الصياغة  الجاهلية واضحة  كالشمس مهما حاول اكساءها  بثوب اسلامي :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ 
                                           متيم أثرها  لم يفد  مكبولُ
...إن الرسول لنور يستضاء به      
                                          مهند من سيوف الله مسلولُ
في عصبة من قريش قال قائلهم            
                                         ببطن مكة  لما  أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف       
                                     عند   اللقاء  ولا ميل معازيلُ
       فالشعر في هذه  الفترة مهما  كان  مكتسيا  ثوب الإيمان ملتزما بالمعاني الإسلامية ... الا  انه  ظل  جانحا إلى أسلوب الشعر الجاهلي  اخذا منه  سائرا  على  انماطه وهذا ليس عيبا في الشعراء  وإنما  هم   كانوا يحاولون  صياغة  أشعارهم  على  النمط  الإسلامي  إلى أقصى مدى  ممكن لهم , الا  ان الفترة  الزمنية  للرسالة  المحمدية  في زمن  صدر الاسلام  كانت قصيرة  وهي تعد  اقصر  العصور  في   التاريخ  العربي والاسلامي  بالإضافة إلى عدم إسلام  الشعراء   جميعهم  في  بداية الرسالة  فكان من أهم الأسباب التي أدت إلى بطيء تطور الشعر في هذا  العصر .
        ومن خلال دراستي لشعر الشعراء في هذا العصر  تبين لي هناك  تأثره بدعوة  الإسلام إلى درجة عالية  عند  حسان  بن  ثابت واقتباس بعض الألفاظ عند كعب بن زهير الا انه  بقي  مشدودا الى  الشعر الجاهلي  فكان شعره جاهليا في الإسلام – نسبة  إلى اسلوب الشعر - .
      يرجع ذلك التفاوت إلى الأسبقية في الإسلام والموهبة الشعرية المختلفة  والاستعداد  لتقبل الدعوة  الجديدة  طبقا  لظروف الشاعر في الجاهلية  فالحطيئة  مثلا  كان  معروفا بالهجاء في الجاهلية  لم يستطع أن يتخلص  بصورة  نهائية  من الهجاء حتى  حبسه الخليفة عمر بن الخطاب  بعض الوقت ولم يقل فيه  ثم  اطلقه فعاد اليه . وكعب بن  زهير اقتبس  بعض  شعره  في الإسلام من الايمان  الإسلامي فكان قليلا  ومن الأسلوب الجاهلي  كثيرا  وهكذا  بقية  الشعراء  حيث  كان  اغلبهم  مخضرمين  فأ ثر فيهم  اسلوب  وطبيعة الشعر الجاهلي  ولم يتمكنوا من التخلص  منه  فنسجوا على منواله .    
   ومن هنا  يتبين ان الشاعرالفطحل حسان بن ثابت (شاعرالرسول )  انت قص الاسلامية تصب في عصره  لقربه من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقرابته منه حيث انه كان عديله فاهتم به  كثيرا  وان عمره الطويل عركه فكانت قصائده في مدح الحبيب المصطفى وفي شهداء المسلمين كثيرة   فهو بحق امير الشعر  واميرالشعراء في عصر صدر الاسلام  حيث انه  هو الافضل في شعره وافضل الشعراء فيما قالواه في هذا العصر واقربهم  اليه مقالة  .








              ***********************************************











                  حسان بن ثابت

امير  شعراء  عصر صدر الاسلام



        هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري     و يكنى أبو الوليد وقيل: يكنى أبو عبد الرحمن  وقيل: أبو الحسام.

   اما  أمه فهي  الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدون بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية.

      ولد سنة  ستين  قبل الهجرة و نشا  في بيت عز وشرف  وغنى
 فهو  شاعر عربي  مخضرم عاش الجاهلية والاسلام  وصحابي جليل  من الأنصار ينتمي إلى قبيلة الخزرج ومن أهل ( يثرب ) المدينة المنورة التي نورها الحبيب المصطفى محمد  صلى الله عليه وسلم  بهجرته المباركة  اليها  ومن  بني النجار ( اخوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم واخوال جد ه عبد المطلب  بن هاشم  , حيث تزوج هاشم   اثناء  مرور  قافلته  التجارية  ب ( يثرب ) قاصدا   الشام  وهي (رحلة الصيف ) فمكث  فيها  مدة  تزوج  فيها  ( سلمى بنت عمرو بن عدي)  من  بني   النجار من  الخزرج   فتركها  في (  يثرب)  حاملا  وسار  بقافلته  الى الشام آملا الرجوع اليها عند عودته من الشام  الا  انه  وافته المنية  في  ارض الشام  في مدينة  (غزة) من ارض  فلسطين  ودفن هناك .

              فولدت  سلمى هذه   بعد   وفاة  زوجها  هاشم   ولدا  اسمته       ( شيبة)  حيث  قيل  انه  لما  ولد  وجد  في  رأسه  الشيب  . وقد   نشأ     ( شيبة )   في   يثرب   بين  اخواله  حتى  بلغ  ثماني  سنوات  فعلم بذلك  اعمامه   فطلبه  اخوه  المطلب  بن  ها شم  واخذه الى مكة  فكان  اغلب الناس  لا  تعلم  انه  ا خوه  وظنوا  انه  عبده  فقيل ( عبد المطلب ) وهو جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم  فكانت هذه ( شهرته ).

 لاحظ كتابي ( شذرات من السيرة النبوية المعطرة )

       وقيل ان ابا حسان   ثابت بن المنذر الخزرجي  كان  من  سادات قومه ومن اشرافهم .اسهم في  الخصومات  بين الاوس والخزرج  فهجا الاوس   ونال منهم .

    مدح حسان في الجاهلية الغساسنة ملوك الشام قبل الاسلام فاغدقوا عليه المال و من شعره فيهم :

لله درّ عصابةٍ نادمتهم         
                                  يوماً بجـِلَّقَ في الزمان الأولِ

أولاد جفنة حول قبر أبيهمُ
                                 قبر ابن مارية الكريم المفضلِ

يسقون من ورد البريص عليهمُ      
                                 برَدى يصفّق بالرحيق السلسلِ

بـِيضُ الوجوه كريمةُ أحسابهم
                                  شمَ الأنوف من الطراز الأولِ

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم   
                                  لا يسألون عن السواد المقبلِ

     وكذلك مدح  المناذرة ملوك الحيرة وغيرهم   الا انه  بعد مجيء الاسلام  واعلان اسلامه اختص في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم  ومدح المسلمين وفخر بهم  وكني ب(شاعر الرسول ) .
 .  
       وأهدى لهُ النبي محمد  صلى الله عليه وسلم  بعد اسلامه  جارية قبطية كان قد اهداها  اليه (المقوقس) ملك الاقباط  واسمها سيرين بنت شمعون فتزوجها حسان وأنجبت منهُ ولدهُ عبد الرحمن وحسن إسلامها و هذه هي أخت مارية القبطية زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أي ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان عد يله .. و من هنا  يتضح انه  تربطه به علاقة  قرابة وعلاقة مصاهرة .

      أصيب بالعمى قبل وفاته ولم يشهد مع النبي مشهدًا او معركة  لعلة أصابته ويعد في طبقة  المخضرمين  من الشعراء لأنه أدرك الجاهلية والإسلام وله شعركثير في كلا من العصرين .

     وقد عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها  في الإسلام  وتوفي في المدينة المنورة سنة أربع وخمسين للهجرة  وله مائة وعشرون سنة في خلافة معاوية  بن ابي  سفيان  في  رواية اخرى توفي  في خلافة  علي بن ابي طالب  سنة  اربعين  هجرية  وعمره مائة  وخمس  سنين وهذا الخلاف موجود في اغلب  سيرالشعراء . وهو القائل :

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا
                                        وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
          
          يمتاز شعره  بقوته ومتانته  وبلاغته  بحيث كان سوطا  لاذعا  لظهور اهل الشرك  والكافرين بعد اسلامه . اتخذه الرسول الكريم  محمد صلى الله عليه وسلم  شاعره المفضل  وحثه على قول الشعرفي مدح المسلمين والفخر بهم  ومناجزة شعراء الشرك والجاهلية وهجاء كفار  قريش  والرد على كل شاعر يهجو المسلمين  من شعراء الشرك .

     يقول النقاد  والمختصون في الشعر ان شعره في الجاهلية اقوى واحسن  وافضل  من الشعر الذي قاله في الاسلام   ويرجعون او يعولون  ذلك لانبهاره في اساليب القران الكريم  ومعانيه  وتقييده شعره  بقيود اخلاقية  اسلامية  منها الكذب المبالغ فيه  حد الاسراف  كما انه اسلم بعد ان بلغ الستين من عمره وتكون قد انطفأت  ثورة عاطفته او جذوة شاعريته .

       اما انا فلي قول اخر في ذلك  هو ان الشاعر حسان بن ثابت  قال الشعر في الجاهليــــة  والإسلام و في هذا المقال الموجز سابين رأيّ في شعره في كلا العصرين :

    يقول اغلب النقاد إن شعر حسان بن ثابت  الجاهلـي  أقوى من شعره الإسلامي   في  كل  قصائده  وهذا حكم – كما اراه -  قاس  وصارم  فقد  طرق  حسان أكثر الإغــــــــــراض الشعرية  فقد شبب ومدح  وهجا ورثا  ووصف  وافتخر وفخر وحكم  مثله  مثل كل الشعراء يقول:

نسبي اصيل في الكرام ومــــــــــذودي
                                      تكوى  مواسمه  جنوب المصطلي

       بدأ  قصيدته اعلاه  في الغزل كعادة الشعراء  الجاهليين قبله   وتساءل عن ديار الأحبة وتنقل  بين البضيع والجوابي وحومل وانتقل إلى مدح الغساسنة حكام الشام فـــي مدينة (جلّق ) ثم عرج على الخمرة واحتسائها ثم افتخر بنسبه  الأصيل وإذا أمعنا  النظر في هذه القصيدة او في غيرها من شعره الجاهلي نلاحظ متانة شعره  وبلاغته  وقوة الفاظه  وصلابتها  في كثير من الأحيان وكذلك الشعراء كانوا يفعلــــون إذ يخرجون في القصيدة الواحدة إلى إغراض شتى إذ تبدأ قصائدهم  بالغزل  والبكاء على الإطلال أو وصف الخمرة  ثم ينحدر مــــن فن لاخر  وهذا بلا شك  يفتح أمام الشاعر أجواء شعرية واسعة  فتاتي قصيدته  قوية متينة وطويلة  لذا كان الشعر الجاهلي  بليغا وقويا.  يقول في  قصيدته :

توحْ منَ الحسناء أمْ أنتَ مغتدي،
                                 وكيفّ انطلاقُ عاشقٍ لمْ يزودِ

تَرَاءتْ لَنا يَوْمَ الرَّحيلِ بمُقْلَتيْ
                                  غَرِيرٍ بمُلْتَفٍّ مِن السِّدْرِ مُفْرَدِ
 
وجيدٍ كجيدِ الرثمِ صافٍ، يزينهُ
                                    توقدُ ياقوتٍ، وفصلُ زبرجدِ

كأنَّ الثُّرَيّا فَوْقَ ثُغْرَة ِ نَحْرِها
                                    توقدُ، في الظلماءِ، أيَّ توقدِ

 لعَمْري لَقدْ حالَفْتُ ذُبْيانَ كُلَّها
                               وعبساً على ما في الأديمِ الممددِ

وأقبلتُ منْ أرضِ الحجازِ بحلبة
                               ٍ تَغُمُّ   الفَضاءَ  كالقَطا  المُتَبَدِّدِ

تحملتُ ما كانتْ مزينة ُ تشتكي
                            منَ الظلمِ في الأحلافِ حملَ التغمدِ

أرَى كثْرَة َ المَعْرُوفِ يورِثُ أهْلَهُ
                             وسَوَّدَ عَصْرُ السَّوْءِ غَيْرَ المُسَوَّدِ

إذا المرءُ لمْ يفضلْ، ولم يلقَ نجدة
                      ً           معَ القَومِ فَلْيَقْعُدْ بِصُغْرٍ ويَبعَدِ

وإنّي لأغْنى النّاسِ عَنْ مُتكلِّفٍ
                            يَرَى النّاسَ ضُلاَّلاً وليس بمُهْتدي

كَثِيرِ المُنى بالزَّاد، لا خَيْرَ عِندَهُ
                             إذا جاعَ يوماً يَشْتَكِيهِ ضُحى الغدِ

      اما شعر حسان في الاسلام  فيتميز  بطبقة شعرية  عالية  رفيعة  جمعت بين بيان الجاهلية ومعارفها وحداثــــــــة  الاسلام وروحانيته الواسعة  وافر البيان جزل الالفاظ  واسع البلاغة  يعود ذلك الى صلته الشديدة والقريبة من موقـــــــع مهبط الوحي  وقربه من معين الأدب الإسلامي  حيث كان يستمع  إلى القرآن الكريم ويحفظه   فشعره  قد تحلــــــــــــــى  بالفصاحة الخالصة من شوائب اللفظ وغريب العبارة والتعقيد  فشعره حسن مفهوم  خال من حوشي الكلام  زاخـــــــــــر بالمعاني الاسلامية  الجديدة  والاغراض السامية النبيلة ينهل من بحر المدرسة المحمدية التي التزم بها و أصبــــــــــــح لا يفارقها واذا كان غيره قد انبهر بالقرآن الكريم  فحسان بن ثابت استغل هذا الاسلوب في شعره وانشد فيه واتخذه نبراسا لقصائده بعد اسلامه  .

      من جهة اخرى انه كان شاعرا في الجاهلية شاعرا في الإسلام فازداد قوة شعرية ورفعة ومتانة  فعمــــــــــره الطويل وعراكه مع الزمن وتجربته الشعرية وحاجة الإسلام إليه في الذود عنه وعن شخصية الرسول الكريم محمـــــــد صلى الله عليه وسلم وتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم  المستمر له  قادته إلى السمو والعلى .

      وقال في  رد على الشاعر الزبرقان التميمي  لما وفدت تميم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم  في المدينة  المنورة :

هل المجد إلا السؤدد العود والندى
                                                 وجاه الملوك واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا  النبي  محمدا
                                   على أنف راض من معد وراغم

بحي حريد أصله وثراؤه
                                     بجابية الجولان وسط الأعاجم

نصرناه لما حل وسط ديارنا
                                        بأسيافنا من كل باغ وظالم

جعلنا بنينا دونه وبناتنا
                                      وطبنا له نفسا بفيء المغانم

ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا
                                   على دينه بالمرهفات الصوارم

ونحن ولدنا من قريش عظيمها
                                    ولدنا نبي الخير من آل هاشم

بني دارم لا تفخروا إن فخركم
                                      يعود  وبالا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخرون وأنتم
                                      لنا  خول ما بين ظئر وخادم

فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم
                                وأموالكم أن تقسموا في المقاسم

فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا
                                    ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم

     ( راجع  كتابي ( شذرات من السيرة النبوية المعطرة )
              صفحة \281 وما بعدها )

        قال ابن سلاّ م  في طبقاته  للشعراء  متحدثا عن شعراء الإسلام: (وأشهرهم  حسان بن ثابت وهو كثير الشعر  جيده ) من هذا  نستنتج إن شعر حسان في الإسلام يضاهي شعره  فــــــــي الجاهلية أو يزيد عليه لنقرأ له هذه الأبيات الإسلامية لنلاحظ  قوة شاعريته  وصياغته  الشعرية وجزالة شعره وبلاغته  ونلاحظ تاثير  الاسلام على هذه الشاعرية الفـذة   :
                                                   
الله ا كرمنا بنصر نبيــــــــــــــه   
                                        وبنا أقام دعائم الإســـــــــــلام

وبنا اعز نبيه وكتابــــــــــــــه 
                                   وأعزنا بالضرب و الإقـــــد ام

في كل معترك تطل سيوفنـــــا    
                                  فيه الجماجم عن فراخ الها م

ينتابنا جبريل  في أبياتــــــــنا     
                                بفرائض الإسلام  والإحكــــام

يتلو علينا النور فيها محكمـا          
                                 قسما  لعمرك ليس كالأقســام

             نلاحظ  جودة شعره وتأثير الإسلام فيه واقتباسه في شعره من آيات القرآن الكريم   فما اقتبسه من القران الكريم واحاديث الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم زادت في شاعريته  وروت شعره من معينها قوة وبلاغة وسهولة وفصاحة  حتى بلغ الذروة  حتى  يحق لنا ام نقول ان حسان بن ثابت هوامير الشعر و امير  الشعراء في صدر الاسلام  . رحم الله حسان فهـــو سيد الشعراء المخضرمين  وأسعدهم   .
                       
ومن جميل شعره هذه الابيات:  

عفـتْ ذاتُ الأصابـعِ فالجـواءُ  
                                      إلـى عـذراءَ  منـزلـها  خـلاءُ

ديارٌ منْ بَنِـي الحسحـاسِ قفـرٌ
                                     تعفيهـا  الـروامـسُ  والسمـاءُ

وكانـتْ لا يـزالُ بِهـا أنيـسٌ    
                                        خـلالَ مروجهـا نعـمٌ وشـاءُ

فدعْ هـذا، ولكـن منْ لطيـفٍ   
                                        يـؤرقنِـي إذا ذهـبَ العشـاءُ

لشعثـاءَ التـي قـدْ تيـمـتـهُ               
                                          فليـسَ لقلبـهِ منهـا شـفـاءُ

كـأنّ سبيئـةً مـن بيـتِ رأسٍ          
                                       يكـونُ مزاجهـا عسـلٌ ومـاءُ

عَلى أنيابـها، أو طعـمَ غـضٍّ  
                                       مـنَ التفـاحِ هصـرهُ الجـنـاءُ

إذا ما الأسربـاتُ ذكـرنَ يومـًا  
                                         فهـنّ لطيـبِ الـراح الـفـداءُ

نوليهـا الـملامـةَ، إنْ ألـمنـا    
                                       إذا ما كـانَ معـثٌ أوْ لـحـاءُ

ونشـربـها فتتركنـا ملـوكـًا     
                                       وأسـدًا مـا ينهنهنـا اللـقـاءُ

عدمنـا خيلنـا، إنْ لَـم تروهـا  
                                      تثيـرُ النقـعَ، موعدهـا كـداءُ

يبـاريـنَ الأسـنـةَ مصعـداتٍ    
                                     عَلى أكتافهـا الأسـلُ الظمـاءُ

تـطـلُّ جيـادنـا متمطـراتٍ         
                                      تلطمهـنّ بالخمـرِ الـنـسـاءُ

فإمـا تعرضـوا عنـا اعتمرنـا   
                                  وكانَ الفتحُ، وانكشـفَ الغطـاءُ

وإلا، فاصبـروا لـجـلادِ يـومٍ   
                                       يـعـزُّ  اللهُ فيـهِ مـنْ يـشـاءُ

وجبـريـلُ أميـنُ اللهِ فـيـنـا               
                                    وروحُ القـدسِ ليـسَ لهُ كفـاءُ

وقالَ اللهُ : قـدْ أرسلـتُ عبـدًا   
                                     يقـولُ الحـقَّ إنْ نفـعَ البـلاءُ

شهـدتُ بـهِ فقومـوا صدقـوهُ   
                                      فقلتـمْ : لا نـقـومُ ولا نشـاءُ

وقالَ اللهُ : قـدْ يسـرتُ جنـدًا   
                                  همُ الأنصـارُ، عرضتهـا اللقـاءُ

لَنَـا فِي كـلّ يـومٍ مـنْ معـدٍّ            
                                      سبـابٌ، أوْ قتـالٌ، أوْ هجـاءُ

فنحكمُ بالقَوافِـي مـنْ هجانـا   
                                    ونضربُ حيـنَ تَختلـطُ الدمـاءُ

ألا أبـلـغْ أبـا سفيـانَ عنِّـي     
                                       فأنتَ مجـوفٌ نَخـبٌ هـواءُ

بـأنّ سيوفنـا تركتـكَ عبـدًا     
                                    وعبـدَ الـدارِ سادتـها الإمـاءُ

هجوتَ محمـدًا، فأجبـتُ عنـهُ  
                                     وعنـدَ اللهِ فِـي ذاكَ الـجـزاءُ

أتَهجوهُ، ولسـتَ لـهُ بكـفءٍ    
                                      فشركمـا  لخيـركمـا  الفـداءُ

هجوتَ مباركـًا، بـرًا، حنيفـًا   
                                       أميـنَ اللهِ، شيـمـتـهُ الوفـاءُ

فمنْ يهجـو رسـولَ اللهِ منكـمْ         
                                       ويَمـدحـهُ، وينصـرهُ سـواءُ

فـإنّ أبِـي ووالـدهُ وعرضـي   
                                       لعـرضِ  محمدٍ منكـمْ وقـاءُ


******************************************





الشعر في العصر الاموي
وامــارته

        
        العصر الأموى  ابتدأ  سنة\ 41 هـجرية  عندما  انتقلت  الخلافة الاسلامية من الخلفاء الراشدين  وآخرهم  الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهما والذي حكم  مدة  ستة  اشهر بعد  مقتل  ابيه  علي كرم الله وجهه  ثم اعلن تنازله عن الخلافة  لمعاوية بن  أبى سفيان  بشروط  معينة اولها حقن دماء المسلمين وثانيها ان تؤول الخلافة اليه  بعد معاوية او لاخيه الحسين  رضي الله عنهما . فاعلن  معاوية  الخلافة  الاموية  في  الدولة  الاسلامية  واتخذ  مدينة  دمشق  في الشام  عاصمة  لها  وهي  ثالث  عاصمة  للخلافة  الاسلامية  بعد  المدينة  المنورة  والكوفة .
        و بينت  عندما تحدثت عن الشعر العربي في صدر الاسلام انه لحقه وهن و ركود خلال تلك الفترة بسبب انبهار  الشعراء في القران الكريم  والدين الجديد  وانشغالهم  به  وموقف  الاسلام من الشعر في هذا العصر واهتمام  المسلمين  بالقران الكريم  بحيث طغى على كل شيء  في  حياتهم  اليومية .

         ازدهر  الشعر مجددا  في العصر الاموي  واتسعت  افاقه  ومراميه وتحسنت اساليبه ورقت معانيه والفاظه  تبعا لحالة العصر  الجديد  ومظاهره السياسية  والدينية والقبلية والثقافية  فقد ظهرت في هذا العصر خلافات و احزاب سياسية واخرى قبلية  واخري مذهبية أي تعددت السياسات في هذا العصر وتحولت الى صراع عنيف بين  بعضها  والبعض الاخر حتى  وصلت الى حد المقاتلة  والتخريب  في  بعض  الاحيان   وقد   خاض  غمار هذه الاحداث الشعراء  وتحزب  كل شاعر  الى  فئته  او جماعته   وهذا  امر طبيعي  حيث ان الشعراء  هم من  افراد هذا المجتمع وصفوتهم  وهم  اصحاب الثقافة والفكر واولي  الالباب واؤلي النهى فكان لكل حزب من هذه الاحزاب او جماعة من هذه الجماعات او فئة  من هذه  الفئات  شعراؤه  الذين  يدافعون عنه  وينشرون   افكاره ومفاهيمه  فقد كا ن الشعراء والادباء  عامة  يمثلون الصحافة  المحلية في عصرنا هذا .

         فقد ظهرت الاحزاب الساسية في المجتمع  العربي  واختلفت  وجهات نظر كل حزب  عن الاحزاب الاخرى اتجاه سياسة الدولة او الخلافة  وكان هناك اربعة احزاب رئيسية :

 الاول الحزب الاموي:  وهو الحزب الحاكم و المناصر للدولة ومجريات سياستها   وهم الخلفاء والمناصرون لهم  وحاشيتهم  وذوي الجاه  والسلطان وما  تبعهم  من  ابناء  الشعب  او المجتع عامة  ولهم شعراؤهم  وادباؤهم الذين يعيشون في كنفهم  ويغدقون عليهم الاموال  واشهرهم  الاخطل التغلبي والفرزدق يقول الاخطل مادحا  الخليفة عبد الملك :

نفسي فداء امير المؤمنين اذا
                                        ابدى  النواجد  يوما صارم  ذكر

 الخائض الغرة الميمون  طائره
                                        خليفة الله  يستسقى  به   المطر

 من نبعة من قريش يعصبون بها
                                     وما ان يوازي  باعلى نبتها الشجر

      وهناك  الحزب  العلوي  الذين  كانوا  يرون  ان الامويين اغتصبوا  الخلافة  الاسلامية  ويعتقدون  انه   يجب  ان  تكون في  البيت العلوي  حصرا ومن شعرائهم الكميت الاسدي . يقول في مدح  ال البيت و يذ م بني امية  في هاشمياته :


          فقل لبني امية  حيث حلوا
                                        وان خفت  المهند  والقطيعا

          الا اف لدهر كنت فيه
                                      هدانا   طائعا   لكم     مطيعا
 
          اجاع الله من اشبعتموه
                                     واشبع  من  بجوركم    ا جيعا

          بمرضي السياسة  هاشمي
                                      يكون  حيا      لاءمته  ربيعا

       والحزب الزبيري : وهم  اصحاب عبد الله بن الزبير  واخيه مصعب بن الزبير وهؤلاء نظرتهم  ان الخلافة يجب ان تكون في قريش  وليست حكرا على العلويين او الامويين  و من شعرائهم  الشاعر قيس بن عبيد الله الرقيات اذ يقول  :

  ايا  المشتهي  فناء   قريش
                                       بيد  الله   عمرها    والفناء

 لو تقضى  وتترك الناس كانوا
                                      غنم الذئب  غاب عنه الرعاء

 انما  مصعب  شهاب من الله
                                       تجلت عن  وجهه  الظلما ء

 ملكه   ملك   قوة  ليس له
                                       جبروت  ولا  به    كبرياء
 
  يتقي الله في الامور  وقد
                                        افلح من كان همه   الاتقاء

        اما الحزب الاخر فهم الخوارج  وهم الذين خرجوا على علي بن ابي طالب رضي الله عنه اثر  قبوله الصلح في معركة ( صفين ) حيث  يرون ان الخلافة حق لجميع المسلمين  لا  فرق بين مسلم واخر امتثالا للاية  الكريمة  ( ان اكرمكم عند الله اتقاكم )  بل  تكون  للاصلح و منهم الشاعر قطري بن الفجاءة والطرماح ومن قول الاخير:
.


   لقد شقيت شقاءا  لا  انقطاع له
                              اذ  لم  افز فوزة  تنجي من النا ر

   النار لم ينج من  روعتها احد                                                                                                             
                             الا المنيب  بقلب المخلص الشاري

 او الذي  سبقت  من قبل مولده
                            له  السعادة   من    خلاقها  الباري

                                                             
           ولكل  حزب من هذه الاحزاب  او  لكل جماعة من هذه الجماعات    شعراؤهم  والناطقون   باسمهم   وكانت  الجماعات الثلاثة المذكورة  انفا   معارضة   لسياسة   الدولة  الاموية  و قد  تطورت هذه الخلافات بينهم  وبين  الدولة  الى حد النزاع المسلح  والاقتتال .

     واذا  كان الاسلام قضى على العصبية القبلية  وجعل الولاء لله وللرسول  فان بعد وفاة الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه  بدت بوادر العصبية  القبلية  تنبت  بذورها  من  جديد . وكانت  قد بدت للظهور مجددا في زمن  الخلفاء الراشدين  وبالأخص في خلافة عثمان  وعلي  بن ابي طالب  رضي الله عنهما  حيث تفاقم هذا الخلاف  حتى بلغ ذروته  اثناء الحكم الاموي  اذ  تغذت العنصرية القبلية  وبدت الخلافات بين القبائل  هذه   مضرية  وهذه  يمانية وهذه عدنانية وهذه قحطانية  وغيرها من الخلافات القبلية  .    

       وكان للخلفاء  الامويين  يد في اذكاء هذه الفتن  ذلك لغرض ابعاد الناس عن سياسة  الدولة  وانشغالهم  في   مثل هذه الامور  وليؤمنوا المعارضة او شدتها  وليحدوا   منها  فكان ان  اشتد  النزاع  والصراع القبلي  الى درجة  خطيرة  وكان  لكل  قبيلة   شعراؤها الذين يذودون عنها  ويردون على شعراء القبيلة  المناهضة  لها  ويفخرون عليهم .  وكان هناك رجعة  ثقافية لدراسة  تاريخ القبائل  الى العصر الجاهلي والبحث عن مفاخر  ومثالب كل عشيرة  كي  يستطيع  الشاعر ان  يرد  على  شاعر القبيلة  الاخرى  بما عنده  من  مفاخر  لقبيلته  ومثالب  في القبائل الاخرى .

     وقد ظهر اثر التعصب القبلي  في الشعر كثيرا  مما ادى الى ظهور الهجاء بين الشعراء ومنه  ظهور شعر  النقائض وكذلك ازداد فن  الفخر  فاخذ الشعراء كلٌ يفخر بقومه  وقد ادت هذه الظاهرة الى انشقاق بين القبائل وشرخها او تعميق العلاقات بينها  .

         وكذلك تأثر الشعر الاموي بالتيارات الثقافية وقد اهتم بعض الشعراء  والادباء في الناحية الثقافية  والفكرية وكان من اسباب  دفع  هؤلاء الشعراء  الا هتمام  بالشعر وبما يحقق ما يصبون اليه  وما يحتاجونه من معلومة تفيد هم في شعرهم  وحركة  النقد  والاستشهاد  بجيد الشعر وتاثر الشعراء  الامويين  بالثقافة  الجاهلية والاسلامية  لذلك جاء  اغلب  شعرهم  سليم العبارة  فصيحا سهل الحفظ  مختلط المعاني  وكثير من استشهد  بشعر هذا العصر في اللغة وبلاغتها او نحوها وبيانها  واعتمد عليه  النقاد والادباء .

          والاحوال  المعاشية والاجتماعية ورفاهية العيش  كان  لها تاثيرا عظيما  في الشعر الاموي  و كذلك ظهور اللهو والترف  فنشط الغزل الحضرى في الحجاز وخاصة  في المدينة  المنورة ومكة المكرمة والطائف  وظهر الغزل البدوي( العذري)  في  نجد والبادية وبين قبائل عذرة  وكذلك اتسعت معالم الشعر الخمري ومجالسه  والشعر الوصفي   نتيجة  اختلاط  العرب   بالامم الاخرى كالفارسية والرومانية والهندية  اضافة لما ورثوه من موروث جاهلي.

         لم  يسر الامويون على السياسة التي انتهجها الاسلام في القران الكريم ( ان  اكرمكم عند  الله  اتقاكم )  و ما سار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه  وسلم او الخلفاء  الراشدون  من بعده  في تسيير دفة الحكم  وامور الدولة .

        فقد انتهجت  الدولة  الاموية  سياسة التعريب  وتفضيل العنصر العربي  على غيره  من اتباع   الدولة الاسلامية التي  اصبح  في داخلها  ومن رعاياها  الفارسي والرومي والهندي  والافريقي  والاوربي  والتركي  ومن كل العناصر  الانسانية  الاخرى  فكانوا  يسمون  غير العرب  ( الموالي ) ويعتمدون  العنصر العربي  في  كل  مفاصل الدولة  ويفضلونهم  على غيرهم  من الاقوام  أي ان الدولة الاموية دولة قومية عربية  فيقدمونهم على الموالي الذين ينظرون اليهم  نظرة  فيها  نوع   من ريبة  وخشية ومذلة  ولا يستخدموهم  في  شؤون الدولة  الا   النزر القليل  منهم  والذي لا يجدون عنه  بديلا عربيا . لذا عزف الموالي عن وظائف الدولة  وتحولوا  للعمل  في الحرف  و الصناعا ت  البسيطة  كل بمعرفته  لتلك الحرف  التي  كان  يأنف منها  العربي  او يستهجنها  ويعتبر العمل  فيها عيبا .

     ومن المعلوم انه نبغ في العصر الاموي او قال الشعر فيه عدد من الشعراء كثير . فقد ذكر ان عدد شعراء هذا العصر او من قال الشعر فيه قد تجاوز عددهم  مائتي وخمسين شاعرا  منهم المخضرمون الذين عاشوا في عصر صدر الاسلام  والعصر الاموي وقالوا  الشعر في  كل  منهما . وقد انتقيت في هذا الكتاب كما في العصر الجاهلي  والاسلامي  كوكبة من الشعراء  فترجمت لحياتهم  وقد شمل هذا الاختيار كل مناحي الحياة  في  هذا العصر  وكذلك  كل الفنون الشعرية  وجئت بالافضل  والاسمى في الاختيار فيما يخص الاشخاص والقصائد المقالة والاغراض الشعرية  وانواعها .

     وقد  ادى هذا  التصرف الخلافي  الى ظهور التباغض  والتناحر والكراهية  بين العرب وبين  العناصر الاخرى  من المسلمين الاعاجم  وخاصة الفرس , وقد ظهر هذا  جليا  في الشعر اذ  ظهر شعراء  من الموالي   تعصبوا لقومياتهم   وافتخروا  بها  ثم  كانوا  وبالا  على  العربية  ومستقبلها  كالشاعر الفارسي اسماعيل بن سيار الذي راح يفتخر بالفرس ويفضلهم على العرب .

       وعلى العموم اتسعت افاق الشعر  في كل مدارج الحياة في هذا العصر بعد ركودها في عصر صدر الاسلام الاول ويمكن ان نقول ان الشعر في العصر الاموي كان  في بداية  ثورته  وبداية  شدة غليانه .

     وكان من الطبيعي ان تتوسع وتزداد  الفنون الشعرية في هذا العصر بعد الانكماش الذي لحقها في العصر الذي قبله فقد طرق الشعراء في هذا العصر ابوابا  فنية  كثيرة  في  الشعر منها  ما كانت  موجودة  في الجاهلية  والاسلام  فوسعوها  واكثروا  فيها . ومنها ما هو محدث وجديد ابتكروه  تبعا لظروف الحياة  وسعتها  ومتطلباتها   ومنها ما كان له اثر في الجاهلية  و الاسلام  فا ضا فوا  فيه حتى جعلوه غرضا مستقلا قائما بذاته  فمن الفنون التي اتسعت  في هذا العصر:

     الفخر والمدح : فقد  توسعت  فنون  شعر الفخر في  هذا  العصر كثيرا  لوجود التحزب  واشتداد  المنافسة  بين   الاحزاب  من  جهة  وبين التعصب القبلي  من جهة  اخرى  ايضا  فتفاخر الشعراء  كل  بقبيلته او حزبه  او مذهبه  كما  تفاخروا  في الشجاعة  والكرم  وكثرة الاموال  والاولاد  ويتميز الفخر هذه  المرة  بطابعه  الاجتماعي  الجماعي  وسلوكه جماعية الفخر وابتعاده عن الفردية  ومن اشهر شعراء الفخر :

 جرير والفرزدق والاخطل  وقيس الرقيات  ومن شعر  الاخير  هذه الابيات:

 خلق من بني كنانة حولي 
                                          بفلسطين يسرعون الركوبا

من رجال  تفنى الرجال وخيل
                                          رجم  بالقنا   تسد  ا لغيوبا

 وان قوم الفتى هم الكنز  في
                                         دنياه والحال   تسرع التقليبا

        اما في المدح فقد بالغ الشعراء متأثرين بالتيارات السياسية  والتحزب و التعصب القبلي او الطمع والتكسب في الشعر لدى بعض الشعراء  وخاصة  شعراء  خاصة  الخلفاء  وامراء الولايات  الجديدة.

      والمديح  اما  حزبيا   فيعبر عن رأي و عاطفة الشاعر بصدق اتجاه ما يحمل  من  افكار ومفاهيم  او قبليا  مدافعة عن عصبيته وقبيلته  وفي كل  تنبع العاطفة  فيه صادقة  تعبر عما يجيش  في نفس الشاعر اتجاه الممدوح  او من احب  ومن  ذلك قول الشاعر الكميت الاسدي  في
 مدح   بني هاشم  يقول:-

  بني هاشم  رهط  النبي  فانني
                                بهم ولهم ارضى  مرارا واغضب

 فمالي  الا  ال  احمد  شيعة
                              ومالي  الا  مذهب   الحق   مذهب


      وربما  كان المدح  عن طمع  وتكسب  فيكون  الكذب والمخاتلة الشعرية واضحة فيه  وغير  معبر عن عاطفة صادقة خالصة ويكون التكلف ظاهرا فيه  ومنه  قول الفرزدق البصري  مادحا  الخليفة  عبد الملك بن مروان:-

 ارى الثقلين الجن والانس اصبحا
                                       يمدان   اعناقا  اليك   تقرب

 وما منهما الا  يرجى   كرامة
                                   بكفيك او يخشى العقاب  فيهرب

 وما دون كفيك انتهاء لراغب
                                 ولا  لمناه    من  ورائك    مذهب

         اما الهجاء  فهو  ايضا  فن توسع  كثيرا في هذا العصر وقد تشعب عدة شعب  او فنون  ترفد  كل فن  روافد  اخرى  فكان الهجاء السياسي  والهجاء   المذهبي و الهجاء  الفرقي  الطائفي  والهجاء التعصبي القبلي ومن الهجاء  قول الاخطل  التغلبي  النصراني  في هجاء الانصار :

 ذهبت قريش بالمكارم والعلى
                                         واللؤم  تحت عمائم الانصار

 فذروا المعالي لستموا من اهلها
                                          وخذوا مساحيكم بني النجار

      ومنه الصراع القبلي الذي ادى الى انقسام العرب الى يمانية وعدنانية  وفيه  يقول  الشاعر الطرماح بن الحكيم في هجاء قبائل  تميم: -

 تميم بطرق اللؤم  اهدى من القطا
                                        ولو سلكت سبل المكارم ضلت

ولو ان برغوثا على ظهر  نملة 
                                     يكر على   صفي   تميم   لولت


     ومنه  الهجاء الفردي الذي  يظهر فيه العداء الشخصي للشاعر   او المنافسة  بينهم  وقد  ظهر  لدى  فحول الشعراء  مثل الفرزدق وجرير  و الاخطل  ويتميز  بتجاوزه حدود الهجاء التي كانت معروفة من قبل  وربما  تجاوز  الاداب الاجتماعية  التي كانت سائدة  حيث يهجو الشاعر غريمه  باقذع  الكلمات واخسها  مما  لم تألفه العرب من  ذي  قبل  وبذلك ظهر فن جديد سمي   ( النقائض) . من ذلك هجاء جرير للفرزدق :

 خلق الفرزدق سوءة في مالك
                                ولخلف   ضبة   كان شر غلام

 مهلا فرزدق ان قومك فيهموا
                     خورالقلوب  وخفة  الاحلام

 كان العنان على ابيك محرما
                                   والكير كان عليه  غير حرام

 مازلت تسعى في خيالك سادرا
                                 حتى  التبست  بعرتي  وعرامي


          واما  الرثاء  بقي  على ما هو عليه  في الجاهلية والاسلام  غير  موسع  الا  انه  ظهر فيه  فن  يكاد  يكون   جديدا  هو  رثاء الخلفاء  والامراء  والقادة  واؤلي الشأن  ولم  يكن صادق العاطفة بل في  اكثر  الاحيان  كان  تقليدا  طمعا  في التكسب  والمال  الا ان  بعضه   ذو عاطفة  صادقة  فياضة  ,عندما يكون المرثي  ذا علاقة بالشاعر  كالقرابة  والصداقة  فتشعر  بحراة  نفسه  المتاثرة  او المحزونة  على  فقد  المرثي   .

    ومن  اشهر شعراء الرثاء : الاخطل  وجرير وليلى الاخيلية  التي تقول في  رثاء  حبيبها  المتوفي :-

  لعمرك ما الموت عار على الفتى
                                        اذا لم تصبه في الحياة المعاير

 وما احد حي  وان عاش  سالما
                                           باخلد  ممن  غيبته  المقابر

        والوصف  رغم  حدوث تطور كبير في كل مجالات الحياة فقد ظل الشاعر الاموي يصف ما وصفه  شعراء  الجاهلية  مثل  وصف الناقة والضعن  والاطلال  ومجالس الخمر ولم  يأتوا بجديد الا انه وجدت  ومضات  وصفية جميلة  لدى  بعض الشعراء  ومن الشعراء الذين اشتهروا  بالوصف :  ذو الرمة  والاخطل  يقول الاخطل في وصف الخمرة :-

 فصبوا عقارا  في اناء كأنها
                                         اذا  لمحوها  جذوة  تتآكل

 تدب  د بيبا في العظام كانه
                                     دبيب   نمال  من نقى  يتهيل

        ووجدت اغراض  او فنون  مبتكرة او لها  اثر جاهلي  فتوسع  الشعراء فيها   بحيث ا صبحت ا غراضا جديد ة  منها  الغزل .

      فالغزل فن من الفنون الشعرية القديمة قدم الشعر و فيه تعبير عما  يعتمل في عاطفة  الشاعر  الشخصية وما يختلج  في نفسه  وقلبه  من هواجس  ولواعج  حب  وشوق  ووجد  ووله  وغرام  يبثها لحبيبته .راجع كتابي (الغزل في الشعرالعربي ) .

          وقد انكمش في صدر الاسلام واصابه الضعف والوهن  ثم بعث  من جديد  في العصر الاموي  بصورة  واسعة  حتى ان  بعض الشعراء لم  يكن  لهم شعر الا  في الغزل  وهم امتداد  لعشاق العرب الجاهليين  ويتبين  في شعر الغزل  ثلاثة اتجاهات واسعة  ومختلفة  احدها عن الاخر تبعا لطبيعة  ونفسية الشاعر  ومكانته  وشاعريته .

 اولها الغزل التقليدي :     

      وهي  ابيات  في الحب  والغزل والتشبيب   يفتتح  الشاعر فيها قصيدته وسمي تقليديا لأنه استمرار لغزل الجاهليين  وصدر الاسلام في افتتاح القصيدة  وفيه يتغزل  الشاعر بمن يحب  وفي اكثر الاحيان يذكر اسما لحبيبته ويذكر ساعات اللقاء وايام  الجفاء والم   الشوق ولوعة الهوى والفراق  وقد اكثر فيه  فحول  الشعراء  هذا العصر  وهم :  جرير  والاخطل  والفرزدق   في افتتاحيات  قصائدهم  وغيرهم ايضا  ومما قاله جرير في  الغزل  و يتمثل  فيها  بافضل  بيتين  قالتها  العرب  في شعر الغزل في الشعر  القديم او الحديث  اذ  لم يجاريه  شاعر بمثلهما فيه :

لقد كتمت الهوى حتـى تهيجنـي
                                      لا أستطيـع لهـذا الحـب كتمانـا

كاد الهوى يوم سلمانيـن يقتلنـي
                                         وكـاد يقتلنـي يومـا ببيـدانـا

لا بارك الله في من كان يحسبكـم
                                     الا على العهد حتى كانـا ماكانـا

لا بارك الله في الدنيا اذا انقطعـت
                                     أسباب دنياك من اسبـاب دنيانـا

ما احدث الدهـر مما تعلميـن لكـم
                                     للحبل صرما ولا للعهـد نسيانـا

ان العيون التي في طرفها حـور
                                         قتلننـا ثـم لـم يحيـن قتـلانـا   *

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
                                       وهن اضعـف خلـق الله انسانا   *
        اما  الغزل  الاخر فهو الغزل العفيف او العذري  وسمي بالعذري  لانه  شاع  بين  قبائل  بني عذرة التي  تقطن  في نجد و قرى الحجاز الشرقية و منها  اشتقت  تسميته.  يتميز  الشعر العذري  بانه  شعر يروي  قصص حب  حقيقية  وصريحة  وهو شعر الحب  العفيف  المحتشم  البعيد عن التبذل والتفسخ  الخلقي  ويطلق  عليه (  الغزل البدوي )  ايضا  وقد تسمى  شعراؤه  او  بعض منهم   باسماء  من  يحبون   ومن  اهم  من اشتهر به من الشعراء  جميل  بثينة  و كثير عزة  وعبد الله بن الدمينة  ومجنون  ليلى  وغيرهم  يقول الشاعر (جميل  بثينة ) او جميل  بن عبد الله العذري في حبه  لبثينة
 حبيبته:

 واني لأرضى من بثينة بالذي
                                    لو ابصره الواشي لقرت بلابله

 بلاه بان لا استطيع و بالمنى
                                  وبالامل  المرجو   قد  خاب امله

 وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي
                                    واواخره   لا   تلتقي   واوائله

         بينما   ذاع او  انتشر غزل  اخر نسميه ( حضري)  في الحجاز خاصة في المدن الثلاث الكبرى  مكة  والمدينة والطائف لتوفر  اسباب العيش  المترف واستتباب الامن  وكثرة  الاموال  والترف  الاجتماعي  .

     وهذا الحب  حب مبني على المادة  الجسدية  واللذة  الجنسية  وقد ذكر الشعراء في  قصائدهم   قصصا  واحداث  بعبارات  جريئة  بشكل   لا مثيل  له  في  العصر الجاهلي  ولا في عصر صدر الاسلام  وقد توسع هذا  الغزل  ليشكل  مدرسة  شعرية  بذاتها  ويمثل  حياة العبث والمجون واللهو والفسوق  وخلاف  خلق  الاسلام .

        ويتميز بالاعتماد على الحادثة  لذلك  كثر فيه  القصص الغرامية والمغامرات  في  طلب النساء  والتعرض  لهن  ونلاحظ   فيه   الحوار الشعري  بين  الحبيب  وحبيبته  او الشاعر  وحبيبته .  

        ومن اهم شعراء هذا النوع  من الغزل : عمر بن  ابي   ربيعة والاحوص  والعرجي  والحارث  بن خالد ومن  قول  الشاعر عمر بن  ابي  ربيعة  هذه الابيات :

 فحييت  اذ  فاجأتها   فتولهت
                                       وكادت  بمكنون  التحية  تجهر

 وقالت وقد عضت بالبنان فضحتني
                                       وانت امرؤ ميسور أمرك أعسر

 فوالله ماادري أتعجيل  حاجة
                                     سرت بك ام  قد نام من كنت تحذر

 فقلت لها  بل  قادني الشوق والهوى
                                     الايك وما نفس من الناس  تشعر

       ومن الفنون  الشعرية التي  توسعت  كثيرا  (الخمريات)  فهي
 غرض من اغراض الشعر العربي  التي كانت معروفة  في الجاهلية  الا ان  الاسلام حرّم الخمر والقول  فيها  فا متنع  شعراء صدر الاسلام من  القول  في الخمرة  وحتى عن  ذكرها  في  اشعارهم   وقصيدهم  ومن المفروض  ان  تهجر نهائيا  طالما  حرمها  الاسلام  الا  انها  ظهرت في العصر الاموي مجددا  لقلة حدة الدولة اتجاه الدين  وانتشار اللهو  والترف  وظهور المجون  لدى بعض الشعراء  الشباب او من  اديان اخرى .

         ومن اسباب  ظهورها  ايضا  التمازج الاجتماعي بين الاعاجم من فرس  وروم  واقباط  وغيرهم  في الدولة الاموية واتساع رقعتها  الجغرافية  ومن شعراء  الخمرة الشاعر الاخطل  التغلبي حيث كان نصرانيا  اذ ذكرها  كثيرا في قصائده  وتغنى  بها  وفيها  يقول :

  تفوح بماء  يشبه الطيب طيبه
                                       اذا ما تعاطت  كاسها من يد  يد

 تميت وتحي   بعد موت وموتها
                                 لذيذ     ومحياها    الذ      واحمد

        
      واختم بحثي  هذا  بفن  النقائض  وهي  قصائد في غاية في  البلاغة والمتانة  تمتاز بطولها  وتكاد تكون تطورا  لشعر الهجاء الا  انه  يداخل القصيدة  المدح  والفخر ايضا   يردّ الشاعر  فيها على خصمه الشاعر الاخر  او خصومه  من الشعراء.

        و تتميز هذه القصائد  انها  تشترك  في الوزن  والقافية  والروي   فكل  قصيدتين  متضادتين  تأتيان  من  بحر  واحد  وروي واحد وقافية  واحدة   كانهما  قصيدة  واحدة  لولا  اختلاف المقاصد والاهواء  و نستطيع  ان  نقول انها  قد  تطورت من الهجاء  الجاهلي  وفي  النقيضة  يمدح الشاعر  قومه  ونفسه  بافتخار  ويفند  مزاعم  خصمه الشاعر الاخر .

       وقد  شاعت النقائض في هذا  العصر الاموي  نتيجة للصراع  الحزبي او القبلي  او العداء  الشخصي  بين الشعراء  انفسهم  حتى اصبحت  فنا جديدا  من فنون الشعر  العربي  له  شعراؤه  وفرسانه وقيلت  فيه  القصائد الطوال  الرائعة التي اعجب بها الادباء والنقاد  واعتبرت من روائع  الشعر  العربي.

        و النقائض  فن  متطور  من الهجاء الجاهلي  حيث يعتبر  البذرة  الاصلية  له  والقصيدة  في هذا  الفن   تختلف عن  قصيدة الهجاء  كونها  ملتزمة  الرد والنقض لما يرد في القصيدة  المقابلة    مع التزام القصيدة  الناقضة  نفس  وزن  وقافية  وروي القصيدة  المنقوضة .

      ويمكننا  ان  نقول انها  لم  يكن لها  وجود  في الشعر الجاهلي او شعر صدر الاسلام  وانها  وليدة هذا العصر  فهي  فن مستحدث  من فنون الشعر العربي الجديد في  العصر الاموي .

     ان  هذه النقائض زادت من حدة الخلاف وشدة النزاع  الحزبي والقبلي  بين  الاطراف  المتنازعة  حيث اتجه الشعراء  في البحث  عن مثالب   بعضهم  البعض  ومثالب الاقوام الاخرين واللهاث وراء  معرفة كل مثلبة  في الشاعر الاخر  و في  قومه وعشيرته في الماضي او في الحاضر  وان  كانت خافية  الا  ا نها  رسمت   صورة  لحياة المجتمع  العربي  والقبلي   وكانت  سببا   مباشرا في دراسة المجتمع القبلي من قبل هؤلاء الشعراء  واحداث عصرهم فكانت مصدرا مهما من مصادر تاريخ  العصر الجاهلي  فهي دراسة او نبش في التاريخ  وراء  الاحداث وما  تمخض عنها من  نوازع  وامور تهم هذا الطرف او ذاك وقد  خرجت  بعض هذه القصائد عن  المالوف  في  الاصول والاداب  واهم شعراء هذا الفن  الفرزدق  والاخطل  وجرير .
 يقول جرير في  الفرزدق : 

     ولقد  ولدت  ام  الفرزدق  فاجرا
                                      فجاءت بوزار قصيرالقوادم

   هو الرجس يا اهل ا لمدينة فاحذروا
                                   مداخل  رجس بالخبيثات عالم


 فيرد عليه  الفرزدق فيقول :

قال ابن صانعة الزروب لقومه
                                    لا استطيع   رواسي   الاعلام
ووجدت قومك فقؤوا  من لؤ مهم
                                   عينيك  عند   مكارم  الا قوام

صغرت دلاؤهم فما ملاءوا بها
                                       حوضا  ولا شهدوا  عراك  زحام

          واستطيع  ان  اقول لقد تميزت  الافكار عموما  بوضوحها  وعدم   المغالاة  في اخفائها  وراء  كلمات  العاطفة  فلم  يختلف  الشعراء   في رهافة  عواطفهم  وحساسيتها  ولا  في صورهم الشعرية عن شعراء العصرين  الجاهلي  وصدر الاسلام   فكانت  الدافع  المباشر الى القول  وموقف الشاعر  فتفتحت   نفس المتلقي  وبعثت  القصيدة  فيها بحيث  تكون أهم الحقائق  والافكار  والهدف  الرئسي  منها   اثارة   الانفعال  في نفوس المتلقين  بعرض الحقائق  الرائعة  و تمتاز العبارة  بالانتقاء  والتفخيم والوقوف على مواطن الجمال كما تكون  الصور  الخيالية  والصنعة البديعية  والكلمات   الموسيقية  مظهرا للانفعال  العميق  فاتت العبارة في القصيدة  الاموية  جزلة  متينة  وقد عبرت عن عاطفة  صادقة  قوية حية  انبعثت  في وجدان الشـاعر العربي . حيث  ان  الشـعر هو صياغة  لغوية  يجتمع  فيها  الحرف الرصين والمعنى الشريف والبلاغة  المعبرة  والخيال الواسع  و بهذه العناصر المختلفة  في وحدة  متكاملة  للتعبير عما يريد الشاعر أن يقوله. او ينشده  .

 ومن  خلال دراستي لشعر هذا العصر وشعرائه  ومن خلال تقييم النقاد والدارسين وارائهم لشعر هذا العصر  يتضح لي ان في هذا العصر ثلاثة شعراء هم افضل شعراء هذا العصر  وهم جرير الخطفي والاخطل التغلبي والفرزدق البصري   وافضل الثلاثة   واميرهم  هو الشاعر جرير بن عطية  الخطفي  لذا يعد الشاعر جرير  هو امير الشعر  واميرالشعراء  في العصر الاموي


               **************************
















جرير  بن عطـية  الخطفي

اميرالشعراء في العصرالاموي



          هو ابو حرزة  جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم من قبيلة يربوع ومن رهط كليب  من تميم .

         ولد سنة\ 33 هجرية – 653 ميلادية  في خلافة عثمان بن عفان  في نجد ونشأ  في  بيت فقير, ، وكان والده علي قدر كبير من الفقر، ولكن جده حذيفة بن بدر الملقب بالخطفي كان يملك قطيعا كبيرا من الجمال  و الغنم وكان ينظم الشعر وكذلك كانت أمه كانت  تقول الشعر  وعندما ولد جرير وضعته أمه لسبعة أشهر من حملها  به  ورأت رؤيا مفزعة في منامها  فذهبت إلي العراف كي يفسر الرؤيا فعادت تقول:

قصصتُ رؤياي علي ذاك الرّجل     
                                             فقال لي قولاً، وليت لم يقل
لـتَلِدنّ عـضلة مـن الــعضل          
                                            ذا منـطق جزلٍ إذا قال فصل

  قضى  طفولته  وصباه  في بادية  نجد  يرعى الاغنام وقال الشعر  منذ صغره متحديا كل الظروف  الملمة  به .

           قضى   جرير فترة  شبابه  باليمامة  وتهاجى في الشعر مع  الفرزدق  الشاعر البصري  ثم انتقل الى البصرة بعد سيطرة الامويين عليها  بعد القضاء على ثورة مصعب بن الزبير وظل يتهاجى مع الفرزدق الذي كان ساكنا فيها  ومن  أبنائها  وقد مدح  جرير فيها  بشر بن مروان  والحجاج بن يوسف  الثقفي  وغيرهما  وقد طالت علاقته مع الحجاج  اكثر من عشرين سنة  وكانا  هذين  من ولاة  الامويين  على البصرة  وكان  الحجاج  سببا في وصول  جرير الى الخليفة  الاموي  عبد الملك   بن  مروان  لمدحه  ثم  مدح  الخلفاء   الامويين   الوليد بن عبد الملك  وسليمان بن عبد الملك بن مروان  وعمر  بن عبد  العزيز  ويزيد  بن عبدالملك وهشام بن عبد الملك   وعد من شعراء الخلافة والبيت الاموي في وقت  كانت قبيلته  ضد الحكم الاموي .

        بقى  جرير  ينافس  الاخطل  والفرزدق  بمدحه  لخلفاء  بني امية  حتى نشبت بين الفريقين   مهاجاة  عنيفة  ازدادت عنفا  بمرور الزمن  وقد ولدت هذه الحالة  شعر النقائض في الادب العربي  .

    توفي جرير سنة \110  هجرية أي سنة \728 ميلادية  وقيل  سنة \ 114 هجرية.

          اشتهر جرير بالهجاء  والمديح  حتى عد  من  اشهر شعراء  العصر الاموي  واشهر شعراء الهجاء  في العربية  ويتميز  هجاؤه بالبذاءة والسب والمهاترة وتقصي عيوب  خصومه ومثالبهم  ومثالب اقوامهم وفضحها . وخاصة  المخزية منها  بسخرية لاذعة وتهكم مقذع  وقد تكالب على هجائه الشعراء  مثل الاخطل  والفرزدق  والراعي النميري حتى وصل عدد خصومه من الشعراء اكثرمن ثمانين شاعرا  كلهم افحمهم   واسكتهم  الا الفرزدق  والاخطل  ولعل ذلك يرجع  الى نشوئه في بيت  وضيع  واشتداد  العصبية القبلية  والخصوما ت السياسية في زمنه والتي كان طرفا في كل منها اضافة  الى شاعريته الفذة. وقد هجا جرير الراعي  النميري  بقصيدة  قالها  في سوق المربد وكان الاخير قد هجاه   :

أعد  الله  للشعراء    مني             
                                 صواعق يخضعون لها الرقابا

أنا  البازي المدل علي نمير  
                                  اتحت من السماء لها انصبابا

إذا علقت  مخالبه   بقرن             
                                    اصاب القلب أو هتك الحجابا

تري الطير العتاق تظل منه  
                                        جوانح للكلاكل ان تصابا

فلا صلي الإله علي نمير      
                                     ولا سقيت قبورهم السحابا

ولو وزنت حلوم بني نمير
                                      علي الميزان ما بلغت ذبابا

ستهدم حائطي قرماء مني    
                                          قواف لا  اريد بها عتابا

أعد لهم مواسم حاميات               
                                       فيشفي حر شعلتها الجرابا

فغض الطرف انك من نمير   
                                          فلا كعب  بلغت ولا كلابا

أتعدل دمنة قلت وخبثت               
                                        إلي فرعين قد كثرا وطابا

اذا غضبت عليك بنو تميم    
                                       حسبت الناس كلهم غضابا

لنا البطحاء تفعمها السواقي 
                                      ولم يكن سيل أوديتي شعابا

ستعلم من اعز حمي بنجد    
                                       وأعضمنا   بغائرها هضابا

شياطين البلاد يخفن زأري   
                                           وحية أريحاء لي استجابا


         وقد خص في هجائه الشاعرين  الاخطل  والفرزدق اكثر من غيرهما لهذه  الاسباب  ولوجود  المنافسة  بينهم على  مدح الخلافة الاموية  والتقرب  من الخلفاء   فكان  يعيب على  الفرزدق  تهكمه  وفسقه  ومجونه  وعلى  الاخطل  نصرانيته  وشربه الخمرة  وانتصار قيس على تغلب  وما صب عليهما في النقائض  من سباب  وهجاء  مقذع  وشديد يؤيد ما قلناه في الهجاء .

        بالاضافة  الى الهجاء برع جرير في المدح  وخص  به  الخلافة الاموية  وامراءها  وكان مدحه للتكسب  والحصول على المال لمعالجة فقر حالته  وافضل  بيت قاله في المدح :

ألستم   خير  من ركب  المطايا    
                                     وأندى   العالمين   بطون  راح 

وكذلك اشتهر بالفخر وافضل بيت قاله في الفخر بقومه  :

إذا غضبت   عليك   بنو  تميم           
                                    حسبت   الناس   كلهم  غضابا

  وكذلك  اشتهر بالرثاء والوصف

      ومن خلال  تتبعي  لشعر جرير  لاحظت  ثلاثة  امور  لم اجدها عند غيره من الشعراء :-
  الاول  - ان جرير قال بيتين في شعر الغزل يعدان من افضل  ما قيل في الغزل بالعربية-  رغم كونه ليست من شعراء العشق و الغزل ولم يتوله بأحدى  النساء  ولم تكن له معشوقة  او  حبيبة - ولم يقل الشعراء مثليهما   في الشعر العربي على مدى العصور:

   ان العيون التي في طرفها حور                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     .                                            قتلننا   ثم  لم  يحيين  قتلانا  

 يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
                                             وهن اضعف خلق الله انسانا

 والثاني -  تكالب  عليه  الشعراء  في  النقائض والهجاء  فأفحمهم واسكت  اغلبهم  ونقض  قصائدهم  بقصا ئد  افضل    منها  واشد معنى  واقوى  اسلوبا  وكان  سببا  من  اسباب ايجاد  شعر النقائض في العربية.
والثالث -  كان طيب النفس . طيبة  نفس جرير  جعلته  ينسى كل ما قاله فيه الفرزدق من هجاء  مقذع  في قصائده اذ  انه  لما سمع بوفاة الفرزدق  اشتد حزنه عليه وقام  برثائه افضل  رثاء في قصيدة رائعة تعد من روائع الشعر العربي  و تنم عن الخلق العربي الاصيل.
           شعر  جرير من الطبقة  الاولى  واني لأعتبره  اشهر شعراء  العربية في العصر الاموي فهو بحق امير للشعراء في  العصر الاموي وان ينازعه فيها الاخطل  الا ان شعره اسمى واقوم  والغلبة له . كان   شعره  مفهوم اللفظ   سهل  العبارة واضح   المعاني  جيد  المباني  شديد المتانة  قوي البلاغة   خال من التعقيد  عندما  تقرأه تنسجم معه  وتنفتح  اليه النفس  كأنه قاله الان  او ا نشده حاضرا . فقد أوتي جرير موهبة  شعرية ثرة  وحسا موسيقيا شاع  أثرهما في هذه الموسيقي العذبة التي تشيع  في شعره كله  وكان له من طبعه الفياض خير معين للإتيان بالتراكيب السهلة التي لا تعقيد فيها ولا التواء  .
    فاعتماد جرير علي الطبع وانسياقه مع فطرته الشعرية من الأمورالتي أدت أيضا إلي  سهولة  شعره  وسلاسة  أسلوبه  ورقة  ألفاظه  إذ يحس القارئ  لشعره بموسيقي تطرب لها النفس ويهتز لها المتذوق  العربي الذي  يعجب  بجمال  الصيغة  وسوامق  الشكل  و بأناقة  التعبير وحلاوة  الجرس أكثر مما يؤخذ بعمق الفكرة والغوص في  المعاني فله مقدرته علي انتقاء  اللفظ الجزل ومتانة النسج  وقوته  وحلاوة العبارة  واللحن  الموسيقي المؤثر ... وخاصة في غزلياته  حيث العاطفة  الصادقة  تتألم وتتنفس في تعبير رقيق .
        وفي  مدحه  الأمويين  بالغ  في  وصفهم   بصفات الشرف وعلو المنزلة  والسطوة  وشدة  البطش  ويلح  إلحاحا  شديدا  في وصفهم بالجود والسخاء ليهز أريحيتهم وعواطفهم  وقد يسرف في الاستجداء  وما يعانيه  من الفاقة والحرمان .

      يقول  في قصيدة  في  مدح الخليفة  عبد الملك بن مروان  شارحا حالته المالية  وكأنه  مستجديا :

  اشكو  اليك   فاشتكي     ذرية
                                           لا  يشبعون   وامهم   لاتشبع

  كثر و اعلي فما يموت كبيرهم
                                       حتى الحساب ولا الصغير المرضع

 واذا نظرت يريبني   من امهم
                                         عين    مهجة     وخد     اسفع

من روائع شعره في الغزل –

ياأم عمـرو جـزاك الله مغفـرة
                                
      ردي علي  فؤادي  كالـذي  كانـا

ألست أملح من يمشي علـى قـدم
                                       يا أملح الناس كل النـاس انسانـا

يلقى غريمكم من غير عسرتكـم
                                       بالبذل بخلا و بالاحسـان حرمانـا

قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم
                                           ما كنت أول موثـوق بـه خانـا

لقد كتمت الهوى حتـى تهيجنـي
                                         لا أستطيـع لهـذا الحـب كتمانـا

كاد الهوى يوم سلمانيـن يقتلنـي
                                           وكـاد يقتلنـي يومـا  ببيـدانـا

لابارك الله في من كان يحسبكـم
                                         الا على العهد حتى كانـا ماكانـا

لابارك الله في الدنيا اذا انقطعـت
                                        أسباب دنياك من اسبـاب دنيانـا

مااحدث الدهـر مماتعلميـن لكـم
                                         للحبل صرما ولا للعهـد نسيانـا

ان العيون التي في طرفها حـور
                                           قتلننـا ثـم لـم  يحيـن  قتـلانـا *

يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به
                                         وهن اضعـف خلـق الله انسانا   *

ياحبذا جبل الريـان مـن جبـل
                                         وحبذا ساكن الريـان مـن كانـا

* وهذين البيتين  من اجود ماقالته العرب في الغزل


  اما في رثاء الفرزدق فقد قال: -

لعمري لقد أشجى تميمـاً وهدهـا
                                على نكبات الدهر موت الفرزدق

عشيـة راحـوا للفـراق بنعشـه
                               إلى جدثٍ في هوة الأرض معمـقِ

لقد غادروا في اللحد من كان ينتمي
                                إلى كل نجم فـي السمـاء محلـقِ

ثوى حامل الأثقال عن كل مُغـرمٍ
                                  ودامغ شيطان الغشـوم السملـقِ

عمـاد تميـم كلهـا ولسانـهـا
                                  وناطقها البذاخ فـي كـل منطـقِ

فمن لذوي الأرحام بعد أبن غالبٍ
                                 لجارٍ وعانٍ في السلاسـل موثـقِ

ومن ليتيم بعد موت ابـن غالـب
                                    وأم عـيـال ساغبـيـن ودردقِ

ومن يطلق الأسرى ومن يحقن الدما
                                 يداه ويشفي صدر حـران مُحنَـقِ

وكم من دمٍ غـالٍ تحمـل ثقلـه
                                  وكان حمولاً في وفـاءٍ ومصـدقِ

وكم حصن جبار هُمـامٍ وسوقـةٍ
                                      إذا مـا أتـى أبوابـه لـم تغلـق

تفتـح أبـواب الملـوك لوجهـه
                                      بغيـر حجـاب دونـه أو تملُـقِ

لتبكِ عليه الأنس والجن إذ ثـوى
                                 فتى مُضرٍ في كل غربٍ ومشـرقِ

فتىً عاش يبني المجد تسعين حجـةً
                                وكان إلى الخيرات والمجـد يرتقـي

فما مات حتى لـم يُخلـف وراءه
                                   بحيلة وادٍ صولـةً غيـر مصعـقِ

واختم  في هجاء جرير  للاخطل التغلبي :
 

إنّي حَلَفْتُ، فَلَنْ أُعَافيَ تَغْلِباً
                                        للظّالِمِينَ عُقُوبَةً، وَنَكالا

قَبَحَ الإلهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ، إنّها
                                      هَانَتْ عليّ مَعَاطِساً وَسِبالا

المُعْرِسُونَ إذا انْتَشَوْا بِبِنَاتِهِمْ
                                        وَالدّائِبِينَ إجَارَةً وَسُؤالا

وَالتّغْلِبيّ إذا تَنَحْنحَ للقِرَى
                                        حَكّ اسْتَهُ وَتَمَثّلَ الأمْثَالا

عَبَدوا الصّليبَ، وَكَذّبوا بِمُحَمّدٍ،
                                       وَبِجِبرِئيلَ، وَكذّبوا مِيكالا

لا تَطْلُبَنّ خُؤولَةً مِنْ تَغْلِبٍ،
                                       فَالزّنْج أَكْرَمُ مِنْهُمُ أَخْوالا

خَلِّ الطّرِيقَ لَقَدْ لَقيتُ قُرُومَنا،
                                     تنفي القرومَ تخمّطاً وصِيالا

أَنسيتَ قَوْمَك بالجَزِيَرةِ بَعْدَمَا
                                       كَانَتْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْكَ نَكَالا

أَلاَ سَأَلْتَ غُثاءَ دِجْلَةَ عَنْكُمُ،
                                     وَالخامِعَاتُ تُجَرِّرُ الأوْصالا

حَمَلَتْ عَلَيْكَ حُماةُ قيس خَيلَهم،
                                   شُعْثاً  عَوَابِسَ، تَحْمُلُ الأبطالا

ما زِلْتَ تَحْسِبُ كلَّ شَيْءٍ بعدَها
                                        خَيْلاً تَشُدّ عَلَيْكُمُ وَرِجالا

زُفَرُ الرّئِيسُ، أَبو الهُذَيلِ، أَتَاكُمُ،
                                   فسبى النّساءَ، وأَحْرَزَ الأمْوالا

قَالَ الأُخَيْطِلُ، إذْ رأَى رَاياتِهمْ:
                                     يا مَارَ سَرْجِسَ لا أُريدُ قِتالا

ترَكَ الأُخَيْطِلُ أُمَّهُ، وَكَأَنّها
                                         مَنحاةُ سانيةٍ تُريد عِجالا

وَرَجَا الأُخيطِلُ من سَفَاهَةِ رَأْيِهِ،
                                        مَا لم  يَكُنْ وأبٌ لَهُ لِيُنالا


تَمّتْ تميمي، يا أُخيطلُ، فاحْتَجِزْ،
                                  خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حِينَ قُلْتُ وقالا
د
وَرَمَيْتَ هَضْبَتَنَا بِأَفْوَقَ ناصِلٍ،
                                  تَبْغي النّضال، فقد لَقِيتَ نِضالا

وَلَقِيتَ دوني من خُزَيمةَ باذخاً،
                                   وَشقاشقاً، بَذخَتْ عَلَيْكَ طِوالا

وَلَوْ أَنّ خِنْدِفَ زَاحَمَتْ أَرْكَانُها
                                       جَبَلاً أَشَمَّ مِنَ الجِبالِ لَزالا

إنَّ القوافيَ قدْ أُمِرّ مَريرُها
                                    لبني فَدَوكسَ إذْ جَدَعْنَ عِقالا

قَيسٌ وَخِنْدَفُ، إنْ عَدَدْتَ فِعَالَهم
                                        خَيْرٌ وَأَكْرَمُ من أَبِيكَ فَعالا

رَاحت خُزيمةُ بالجياد، كأَنّها
                                      عِقْبَانُ عاديةٍ يَصِدْنَ صِلالا

هَلْ تَمْلِكُونَ مِنَ المشاعر مَشعراً،
                                      أَوْ تَنْزِلُونَ من الأرَاكِ ظِلالا

فَلَنَحْنُ أَكْرَمُ في المنازل مِنْكُم
                                    خَيلاً، وأَطْوَلُ في الحِبالِ حِبالا

ا كان يُوجَدُ في اللّقاءِ فوارسي                                                                                                                                                                            م                                      مِيلاً، إذا فزعوا، ولا أَكْفَالا


  ومن خلال كل ما تقدم  وما قاله النقاد ومؤرخو الادب العربي  ومما تقدم من شعره  ارى انه الافضل بين شعراء عصره وشعره الاسمى لذا  يعد جرير هو اميرالشعر واميرالشعراء في العصرالاموي .


***************************************************




































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق