الخميس، 24 يونيو، 2010

شعراء النهضة العربية تاليف فالح نصيف الحجية القسم الثاني

سليم رشيد الخوري

الشاعرالقروي.



ولد رشيد سليم الخوري في 17 نيسان من عام \ 1887 م بقرية البربارة اللبنانية وكان ابوه معلما ثم ترك التعليم بعد زواجه ومارس تجارة التبغ والحرير

انتقل الى مدينة صيدا حين بلغ الثالثة عشرة سنة للدراسة فدرس في مدرسة الفنون الاميركية ثم في مدرسة سوق الغرب ثم ثم انتقل الى بيروت ليكمل دراسته في الكلية السورية الانجيلية والتي تغير اسمها فيما بعد الى الجامعة الامريكية ولاتزال تحمل هذا الاسم في بيروت 0

لقب الشاعر رشيد سليم الخوري ب( الشاعرالقروي) وسبب تسميته ذكرها الشاعر نفسه في أحد دواوينه وهي أن الشاعر يعقوب العودات الملقب (البدوي الملثم)، قد سأله كيف اخترت لقب الشاعر القروي، فقال: بعد أن صدر ديواني الرشيديات، لم يُرق للناقد قسطنطين الحداد، فظل الحداد ينقده في جريدة تسمى بـ (المؤدب) وفي أحد المرات قرأ رشيد سليم الخوري أحد النعوت التي قد نعت بها من قِبـَل الناقد المذكور من هذه النعوت( الشاعرالقروي ) الذي أعجبه كثيرا و وجد الشاعر رشيد سليم الخوري فيه ضالته في هذا النعت
عمل في التعليم وطاف بعدة مدارس في لبنان ولم يكن سعيدا بعمله ولا قانعا به لذا هجر مهنةالتعليم و لعدم كفاية مردودها المالي لعائلته الكبيرة 0 فاشتغل بعدة مهن مختلفة بجانب انصرافه الى قول الشعر فاصدر مجموعته الاولى او قل ديوانه الاول بعنوان ( الرشيديات )
ثار العرب ضد الاتراك في عام \1916م عندما نشبت الحرب العالميه الاولى في عام\ 1914 بين الدولة العثمانية والمانيا من جهة والحلفاء من جهة اخرى وعد الانكليز العرب بالاستقلال ان اصبحوا بجانبهم وبعد انتهاء الحرب لم يفي الحلفاء بوعودهم للعرب بل عملوا على تقسيم البلاد العربيه بين الانكليز وبين الفرنسين والطليان بموجب معاهدة ((سايكس بيكو )) المشهوره فاستعمرت بريطانيا كل مصر والسودان والعراق والسعودية والاردن وفلسطين والمغرب وحصة فرنسا كانت لبنان وسوريا وتونس والجزائر وحصة ايطاليا كانت ليبيا
ثم ان الانكليز توجوا استعمارهم باعلان وعد بلفور السيء الصيتن الذي بموجبه اعلنوا ان فلسطين وطنا قوميا لليهود على اشلاء عرب فلسطين واموالهم وعملوا على تهويد المدن الفلسطينية بحديث يطول وليس هذا مكانه وقد جاء هذا الوعد في اعلان اصدره (بلفور ) وزير خارجية انجلترا عام \1917 وقد اعلن العرب استنكارهم ومقاومتهم لهذا الوعد المشؤوم وكان للشاعر باع طويل في ذلك يقول في قصيدة بعنوان( وعد بلفور)0 منها هذه الابيات \

الحقُ منك َومن وعودك َ أكبرُ
فأحسب حساب الحق يا متجبرُ

تعدُ الوعودَ وتقتضي إنجازها
مهج َ العبادِ؟خَسِئتَ يا مُستَعمِرُ

لو كُنتَ من أهلِ المكارمِ لم تكن
من جيبِ غيركَ مُحْسِنًا يا بلفُرُ

عِد منْ تشاء بما تشاءُ فإنما
دعواه خاسرةُ ووعدُكَ أخسَرُ

فلقد نفوزُ ونحنُ أضعفُ أمةٍ
وتؤوب مغلوباً وأنت الأقدرُ

فلكم وقى متواضعا إطراقه
وكبا بفضل ردائه المتكبرُ

وأصدر أول مجموعة من أشعاره بعنوان الرشيديات ثم اصدر ديوانه الذي سماه القرويات ووقع شعره فيه باسم الشاعر القروي فأصبح معروفا بذلك الاسم ثم أصدر ديوانه الكبير الذي حوى جميع ما قد كان أصدره من شعره المتناثر وعاد الشاعر الى لبنان عام 1958 م فقامت وزارة التعليم في عهد الوحدة العربية بين سوريا ومصر باعادة طبع ديوانه تقديرا لشعره ومكانته الادبية الرفيعة.
مات والده عام \1910 م تاركا له مسؤولية اعالة عائلة كبيرة و رعاية اخوته عائلته مكونة من والدته واخوته ( قيصر وفيليب وفؤاد وأديب ونديم وأختيه فكتوريا ودعد) فلم يعد يحتمل معيشتهم وضاقت الدنيا بوجهه فقرر الهجرة الى خارج لبنان وكان له عم اسمه\ اسكندريقيم في البرازيل فسافر اليه في عام 1913 فاستقر مسكنه فيها بعد ان توفرت سبل المعيشة له وفي عام 1924 استقدم أمه وأخوته الى البرازيل ومن جميل شعره قوله في الطبيعة وفي شروق الشمس \

عرتني خشــيـةٌ لله لـما
رأيت الشمس تأذن بالشروق

فلم أرفع يدي بالحمد حتى
ذكرت بضاعتي وكساد سوقي

ولما قمت منصرفاً لشأني
تذكرت الصلاة على الطريق


* * *

حملت بضاعتي .. ألقي اتكالي
على المولى ووعد من صديق

فلم أبصر جمال الروض حتى
عرتني هزة الشعر الرقيق

ولما عدت من نظم القوافي
تذكرت الصديق على الطريق

* * *

وإني في ذهول الشعر يوماً
أحوم به على غصن وريق

إذا بحمامةٍ تبكي بكاءً
له جمدت دمائي في عروقي

فلما ذاب في سمعي صداها
تذكرت القريض على الطريق

* * *


سمعتُ كمنجةً في كفّ أعمى
تثير كوامن الحس العميق


فلما كنتُ منجذباً إليها
ومِلْتِ إلي ّ بالقدِّ الرشيق

ذُهلتُ عن الصلاةِ وكسبِ رزقي
وشِعْري والكمنجة والطريق


تطوع الشاعر سنة 1917 ليحارب في صفوف الجيش العربي في سوريا جيش الملك فيصل عندما اصبح ملكا عليها بعد الحرب العالمية الاولى واحتلال الانكليز للبلاد فقد وقف أمام أحد القبور ليرى معاناة الموت من خلال معاناته الحياة وقساوتها ، وذلك قبل مغادرته إلى البرازيل. فيقول :

فوقَ الترابِ بقيَّةِ الأجدادِ
أجثو وأندبُ أمَّتي وبلادي

وطني، ولكنْ للغريبِ وأمَّةُ
ملهى الطغاةِ وملعبُ الأضدادِ

يا أمَّةً أعيتْ لطول جهادها
أسكونُ موتٍ أم سكونُ رُقادِ

هل نرتقي يوماً وملء نفوسنا
وَجَلُ المَسوقِ وذلَّةُ المنقــادِ


يا أيُّها القبر الأنيس بقربِ مَنْ
يجلو دُجاك بنوره الوقَّــادِ

إنَّ الذين تركتَهم في ساحة
الدنيا هُمُ الأحزان في أجسادِ

كان الشاعر رشيد سليم الخوري من أبناء جيله الذين شهدوا ظلم الأتراك، وكان اللبناني في تلك الحقبة يتحرَّى عن هويته وشخصيته التي تعيِّنُ مكانَه من نفسه ومن العالم
لم يجد في السفر ما ينقصه في البلاد، فقد لاقى بشراً لم يألفهم من قبل، ولم يشاطرهم أفراحهم وأتراحهم، وكان دأبه حب الوطن، والهروب من الأتراك، بعد ان وجد الناس هناك يلقبون العربي ب (التركو) فلم يا نسَ لهم، بل هم أناس لذواتهم وليس لبعضهم البعض. فانشد قصيدته قبل سفره \

سفرٌ نهايتهُ سفرْ
مثل النسيم بلا مقرْ
حتَّام أبقى دائراً
حول البسيطة كالقمرْ
أصطادُ أطيار السعادة
وهي من وجهي تفرْ
أيوب سلِّم صولجانك
لست أعظم من صبرْ
لو ذقتَ يوماً ما أذوق
لكنت أول من كفرْ
ويزيد في الطنبور أني
بين نـاسٍ كالبـقر
لا يفهمون من الحياة
سوى البطالة والبطر

كنْ بينهم رجل الزمان
تظلُّ "تركو" محتـقر
حتى عبيد البرِّ قد سخروا
بنا مع من سخر
وطني ويا لك موطناً
قد مزَّقته يدُ الغِيَرْ
يشقى المقيم اليوم فيك
وليس يسلمُ من هجر

وفي ثورة الشعب العربي في الشام اي في سوريا ولبنان يقول هذه الابيات مخاطبا فيها الزعيم الدرزي سلطان الأطرش حين أشعل ثورته علي الفرنسيين سنة\ 1925 - أن يقاتلوا أعداء الأمة بسيف محمد صلى الله عليه وسلم ففي النصر والظفر\

فتى الهيجاء لا تعتب علينا
و أحسِن عذرَنا تحسنْ صنيعا

تمرستم بها أيام كنا
نمارسُ في سلاسلنا الخضوعا

فأوقدتم لها جثثًا وهامًا
وأوقدنا المباخر والشموعا

إذا حاولتَ رفعَ الضيم فاضرب
بسيف محمدٍ واهجر يسوعا

أحبوا بعضكم بعضًا وُعظنا
بها ذئبًا فما نجَّت قطيعا


ألا أنزلتَ إنجيلاً جديدًا
يعلِّمنا إباءً لا خنوعا

أجِرنا من عذاب النير لا من
عذاب النار إن تك مستطيعا


و يا لبنان مات بَنوك موتاً
وكنت أظنَّهم هجعوا هجوعا

ألم ترهم ونار الحرب تُصلى
كأنَّ دماءهم جمدت صقيعا

بدت لك فرصةٌ لتعيش حرًّا
فحاذرْ أن تكون لها مُضيعا

و ما لك بعد هذا اليوم يومٌ
فإن لم تستطعْ لن تستطيعا


كان لا يشعر بالهزيمة أمام قوى الشر والاستبداد والاستعمار والظلام في وطنه، بل كان يرد عليها بالشعر كسلاح يدافع به عن حق شعبه بالوجود والكرامة والحرية يقول \

مَنْ يُنبئُ الملأ الذين أُحبُّهم
فيكافئون الحب بالعدوان

إنِّي على دين العروبة واقفٌ
قلبي على سُبُحاتها ولساني

إنجيلي الحبُّ المقيم ُ لأهلها
والذود عن حُرُماتها فرقاني

أرضيتُ أحمدَ والمسيحَ بثورتي
وحماستي، وتسامحي وحناني

يا مسلمون ويا نصارى دينكم
دينُ العروبةِ واحدٌ لا اثنـانِ

بيروتكم كدمشقكم ودمشقكم
كرياضكم ورياضكم كعُمانِ

ستجدِّدون المُلك من يمنٍ إلى
مصرٍ إلى شامٍ إلى بغـدانِ

وفي البرازيل تولى تحرير مجلة الرابطة لاكثر من ثلاث سنوات وتراس جمعية ( العصبة والاندلسية ) فكان رئيسها الثاني بعد ميشيل معلوف، وظل في المهجر مدّة خمسةٍ وأربعين عاماً؛ يتعاطى التجارة وكسب الرزق وينشد الشعر ويكتب الادب وعينه ساهرة لما يحدث في بلده بل في كل الاقطارالعربية 0
اصدر ديوانه الثاني الذي سماه( القرويات) ووقع شعره فيه باسم الشاعر القروي فأصبح معروفا بذلك الاسم ثم أصدر ديوانه الكبير او مجموعته الشعرية الكاملة الذي حوى جميع ما قد كان أصدره من شعره وطبع على نفقة وزارة الثقافة السورية تقديرا لشعره ومكانته الادبية الرفيعة.
ثم اعيد طبع مؤلفاته الكاملة في 1\1\ 1998
لما شعر بالشيخوخة وكبرالسن عاد إلى وطنه لبنان وسكن في مسقط راسه الى ان وافاه الاجل في قرية البربارة القرية التي شهدت ولادته اول مرة

توفي الشاعر رشيد سليم الخوري الملقب ( الشاعرالقروي) في عام\ 1984
اعيد طبع مؤلفاته الكا ملة في 1\1\ 1998 اي بعد اثنتي عشرة مضت على وفاته
دعى الى توحيد الصفوف بين ابناءالعروبة بغض النظر عن الدين والطائفة والمذهب والقطر اوالمدينة يقول \

يا فاتح الأرض ميداناً لدولته
صارت بلادُك ميداناً لكل قوي

يا قومُ هذا مسيحيٌّ يذكّركم
لا يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله تكرمة
فبلّغوه سلام الشاعر القروي

ان رشيد سليم الخوري بحق شاعرالنهضة العربية اذشارك في ما حدث في زمنه من احداث للامة العربية وتحررها ودعى بكل جهده لنهضتها من مما هي فيه و تمنى في أكثر من موضع أن يعودالعرب الى سابق عهدهم وتعود الى بغداد والأندلس عهودهم الذهبية وفي ذلك يقول :

يا حبذا عهد بغداد وأندلسٍ
عهد بروحي أفدِّي عَودَهُ وذوي

من كان في ريبةٍ من ضَخْم دولته
فليتلُ ما في تواريخ الشعوب رُوي

ومن شعره العاطفي هذه الابيات

ألقيت في سمع الحبيب كليمـــــــــــة
جرحت عواطفه فما أقسانـــــــــي

قطع الحديث وراح يمسح جفنـــــــه
فوددت لو أجزى بقطع لسانـــــــــي

ومضى ولي قلب على آثـــــــــــــاره
ويدان بالأذيال عالقتـــــــــــــــــــــان

فطفقت من ألمي أكفكف أدمعـــــــــي
ورجعت من ندمي أعض بنانــــــي

حتى ظفرت به فمد يمينـــــــــــــــــه
ودنا إلي برقة وحنــــــــــــــــــــــان

وبكى وعانقني وقال عدمتنـــــــــي
إن كان لي جلد على الهجـــــــــــران

قل ما تشاء ولا تغب عن ناظـري
وفداك ذلي في الهوى وهوانــــــــــي

واختم مقالتي بهذه الابيات الوطنية من شعره

صياماً إلى أن يُفطِرَ السيفُ بالدمِ
وصمتاً إلى أن يصدح الحقُّ يا فمي

أَفِطرٌ وأحرار الحمى في مجاعـة؟
وعيدٌ وأبطال الجهــاد بمأتـم؟!

بلادك قدِّمها على كـلِّ ملَّـة
ومن أجلها أَفطِر ومن أجلها صُمِ!

فما مسَّ هذا الصوم أكبادَ ظلَّمٍ
ولا هزَّ هذا الفـطرُ أرواح نـوَّمِ

هبونيَ عيداً يجعل العُربَ أمَّـةً
وسيروا بجثماني على دين بَرهمِ!!

فقد مزَّقت هذي المذاهب شملنا
وقد حطمتنا بين نابٍ ومنسمِ

سلامٌ على كفرٍ يوحِّد بينــنا
وأهلاً وسهلاً بعـده بجهـنَّم



*******************************************








محمد رضا الشبيبي
سفيرثورة العشرين


ولد محمد رضا بن جـــواد بن محمد بن شبيب عام \1889 في النجف الاشرف 0 ينتمي إلى الأسرة الشبيبية المعروفة في النجف، وأول من استوطن هذه الحاضرة- حاضرة النجف - من رجالها الشيخ محمد بن شبيب بن الشيخ راضي بن إبراهيم بن صقر بن دليهم من قبيلة بني أسد من فخذ يسمى (المواجد)، وكان مسكنهم في ناحية الجزائر من قضاء الجبايش التابع لمحافظة ذي قار في جنوب العراق.0
ينحدر من أسرة علمية حيث هاجر جده محمد بن شبيب إلى النجف لتلقي علوم الفقه واللغة والأدب وعلوم القران الكريم ، تلقى تعليمه الأولي على يد والده حيث علمه مبادئ القراءة والكتابة والدين، ثم تلقى تعليمه لعلوم اللغة العربية على أكثر من شيخ في طليعتهم الشيخ محمد حسن المظفر. وعلوم المنطق والفقه والأصول فقد قرأها على يد الشيخين مهدي بحر العلوم وحسين الحمامي فأخذ منهما الكثير فأثر ذلك في نمط تفكيره. واجازه أستاذه الكبير هبة الدين الحسيني في الفلسفة والمنطق. في بداية اليقظة الفكرية في البلاد ،
وعندما شب شارك في ثورة العشرين مع بعض شيوخ عشائر الـــفرات الأوسط. و كان أحد الأعضاء البارزين لحزب الاستقلال الذي ترأسه السيد محمد الصدر انذاك 0
أصبح نائــــبا للرئيس في حزب الشعب ثم استقال منه، وأصـــبح عضوا في الهيئة الإدارية لحزب الإخاء الوطني \1930م الذي ترأسه ياسين الهاشمي ثم استقال منه 0 وهذه الاحزات تعبر عن تنظيمات سياسية وقفت بوجه الاستعمارالانكليزي ابان احتلاله للعراق مابين 1918 - 1958
لقب ب(سفير ثورة العشرين) حيث استطاع ان يصل الى قائد الثورة العربية في الحجاز التي اندلعت عام\ 1916 الشريف حسين بن علي شريف مكة بعد ان حمل مطاليب وتواقيع الاحرار العراقيين المطالبين بأختيار أحد أنجال الشريف حسين ملكاً على العراق بعد تيّقنهم بأن المستعمر الا نكليزي كان ينوي ابقاء العراق تحت الحكم العسكري البريطاني المباشر أو ادارة العراق عن طريق (الهند) تلك المستعمرة الا نكليزية التي كان يطلق عليها البريطانيون (درة التاج البريطاني) لأهميتها الحيوية القصوى من الناحيتين الاستراتيجية واللوجستية للاستعمار البريطاني كونها في اقاصي اسيا ووسطها وفي الشرق الاوسط وصولا لشبه الجزيرة العربية والعراق والهلال
الخصيب وذات الموارد العظيمة من الناحية الاقتصادية 0

أستطاع الشبيبي ان يتخفى ويصل الى الحجاز عن طريق الكويت مضللا الاستخبارات البريطانية وهو يتنقل على ظهر جمل حاملا مضبطة وتواقيع العراقيين مخفية طي مجلد محكم صنع خصيصا لهذا الغرض في نسخة القرآن الكريم التي كان يحملها الشيخ الشبيبي . كما استطاع من الحجاز ان يبلغ بلاد الشام بالثورة العراقية الشعبية حين اندلعت ثورة العشرين في الفرات الاوسط وكان يمدها بالاخبار اضافة الى ما تنشره جريدة (الفرات) الناطقة بلسان حال الثوار التي أصدرها شقيقه الأصغر الشيخ محمد باقر الشبيبي و جريدة الاستقلال الناطقة بلسان حال الثوار ايضا والتي اصدرها المؤرخ عبد الرزاق الحسني
انتقل الى بغداد وسكن فيها
تقلد وزارة المعارف العراقية خمس مرات ووزارة العدل مرة واحدة وأصبح عضوا لمجلس النواب في ثماني دورات كما اختيرا رئــــيسا لمجلس الاعيان في دورته الثالثة \1933 وكان ذلك في العهد الملكي اي قبل 1958
أسس محمد رضا الشبيبي المجمع العلمي العراقي سنة \1948 وا صبح رئيساً له إلى أن استقال منه عام\1963
كان عضواً في المجمع العلمي في دمشق في عام\ 1923 وعضواً في المجمع العلمي في القاهرة في عام\ 1947 وعضوا في مجمع الخالدين في القاهرة عام \ 1947 ومنح شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة عين شمس تقديرا لشخصيته الادبية ومواقفه المتميزة ونشاطه الثقافي 0
كان من المعارضين المعتدلين للسياسة البريطانية في العراق وأية سياسة أجنبية أخرى كذلك كان شقيقه الأصغر الشاعر الشيخ محمد باقر الشبيبي (الذي توفي قبله) لكن محمد رضا كان يظهر معارضته بحدة عالية وبقوة وبنقد لاذع يمكن التعرّف عليه بوضوح من مطالعة قصائده المشهورة التي تنتقد المحتل البريطاني واذنابه ،

تم تأليف العديد من الدراسات عن سيرة حياة الراحل الشيخ محمد رضا الشبيبي وفي العديد جوانب شخصيته كشاعر واديب ورجل سياسة ونوقشت العديد من اطروحات الماجستير والدكتوراه المؤلفة بحقه في جامعات بغداد والقاهرة والاسكندرية
أدى رسالته الثقافية وأنشطته الفكرية والأدبية على اكمل وجه ، فقد سعى إلى بعث تراث الأمة العربية وإحياء مجدها، ويتجلى ذلك النشاط في أشعاره ومقالاته التي ا طلع بها على الشعب من خلال الصحف والمجلات،وساهم في المنتديات السياسية والقومية والوطنية والاجتماعية مثل نادي القلم، والأدبية
وكان الشبيبي يشخص الداء ويصف الدواء، ويقوم بعرض السبل الكفيلة لا نجاح المشاريع الإصلاحية ويسجل المساوئ المجتمعية والحكومية وينقدها نقدا بناءا ولاذعا . قال بحقه أحمد حسن الزيات (إنه كان لا ينافق ولا يداهن ولا يمالق ولا يداجن

كان الشبيبي وطنياً بل كان قومي الهوى محبا لأبناء امته ولعروبته و في أشعاره وقصائده مايثبت مناصرته الدائمة لكل الاحداث التي كانت تحدث في البلادان العربية ويعد من شعراء النهضة العربية وروادها 0 انه بحق رجل قاوم الاحتلال والاستعمار الاجنبي وذاد عن بلاده والاقطار العربية جميعا 0
توفي الشاعر محمد رضا الشبيبي فجر يوم الاحد الموافق 17تشرين الاول من عام\1960 بعد عودته من المؤتمر العربي الذي انعقد في القدس0

تميزت لغته وقصيده بالفصاحة والسلاسة ودقة التعبير فهو شاعر بارع وسياسي متمكن وكاتب قدير ،
ترك مؤلفات عديدة مهمة، مطبوعة ومخطوطةمنها
ديوان الشبيبي
ابن الفوطي مؤرخ العراق بجزئيه
وفلاسفة اليهود في الاسلام،
فضلاً عن مئات البحوث والمقالات التي نشرت في المجلات العراقية والعربية.
ومن جميل قصائده هذه القصيدةالتي يخاطب بها الشباب رجال الغد حيث يقول \

نْتُمُ - مُتّعْتُمُ بالّسّؤْدُدِ
ياشبابَ اليَوْمِ - أشْياخُ الغَدِ

ياشَباباً دَرَسُوا فآجْتَهًدوا
لِيَنالوا غايَةَ الْمُجْتَهِدِ

وَعَدَ اللهُ بِكُمْ أوطانَكُمْ
ولَقَدْ آنَ نَجازُ المَوْعِدِ

أنتُمُ جِيلٌ جَديدٌ خُلِقُوا
لِعُصُورٍ مُقْبِلاتٍ جُدُدِ

كَوّنوا الوَحْدَةَ لا تَفْسَخُها
نَزَعاتُ الرّأْيِ والمُعْتَقَدِ

أنا بايَعْتُ عَلى أنْ لاأرَى
فُرقَةً،هاكُمْ عَلى هذا يَدِي

عُقَدُ العالَمِ شَتّى فآحْصُروا
هَمّكُمْ في حَلّ تلك آلعُقَدِ

لِتكُنْ آمالُكُمْ واضِعَةً
نُصْبَ عَيْنَيْها حَياةَ الأبَدِ

لِتَعِشْ أفكارُكُمْ مُبْدِعَةً
دَأبُها إيجادُ مالَمْ تَجِدِ

لا يَنالُ الضّيْمُ مِنْكُمْ جانِباً
غَيْرُ مَيْسورٍ مَنالُ الفَرْقَدِ

أو تَخَلّون - وأنتُمْ سادَةٌ
لأِعادِيكُمْ - مَكانَ السّيّدِ

الوفا حِفْظُكُمُ أو رَعْيُكُمْ
- بعد عَهْدِ اللهِ - عَهْدَ البَلَد
-
لا تَمُدّوها يداً واهِيَةً
لِيَدٍ مُفْرَغَةٍ في الزّرَدِ

تُشْبِهُ الأرْضُ الّتي تَحْمونَها
عَبَثَ الأعْداءِ غَابَ الأسَدِ

دبّروا الأرواحَ في أجسادِها
فاقَ داءُ الرّوحِ داءَ الجَسَدِ

إنّ عُقْبَى العِلْمِ مِنْ غَيْرِ هُدَى
هذه العُقْبى الّتي لَمْ تُحْمَدِ

مَنْ أتانا بالهُدى مِنْ حَيْثُ لَمْ
يَتَأدّبْ حائِرٌ لَمْ يَهْتَدِ

غَيْرُ مُجْدٍ-إن جَهِلْتُمْ قَدْرَكُمْ-
عَدَدُ العِلْمِ وعِلْمُ العَدَدِ

وإذا لَمْ تَرْصُدوا أحْوالَكُمْ
َلمْ تُفِدْكُمْ دَرَجاتُ الرّصَدِ

وإذا لَمْ تَسْتَقِمْ أخْلاقُكُمْ
ذَهَبَ العِلْمُ ذَهابَ الزّبَدِ

عَدّ عَنْكَ الرّوضَ لا أرتادُ لي
غَيْرَ أخلاقٍ هيَ الرّوضُ النّدي

بُورِكَتْ ناشِئَةٌ مَيْمُونَةٌ
َشَأتْ في ظِلّ هذا المَعْهَدِ

مَنْ جَنَى مِنْ عِلْمِهِ فائِدَةً
غَيْرُ مَنْ عاشَ فَلَمْ يَسْتَفِدِ

مايُرَجّى-لَيْتَ شِعْرِي-والِدٌ
أهْمَلَ التعليمَ عِنْدَ الوَلَدِ

سِيرةُ الآباءِ فِينا قُدْوَةٌ
كلٌ طِفْلٍ بأبِيْهِ يَقْتَدِي

ليس هذا الشّعرِ ما تَرْوُونَه
إنّ هذِي قِطَعٌ مِنْ كَبِدِي



***************************************



















عبد الحميد بن باديس

ترجمة الشيخ العلاّمة عبد الحميد ابن باديس رحم الله
هو الإمام المصلح المجدّد الشيخ عبد الحميد بن محمّد بن المصطفى بن المكّي بن باديس القسنطيني الجزائري، رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، ورائد النهضة الفكرية والإصلاحية والقدوة الروحية لحرب التحرير الجزائرية.
وُلد عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن المكي بن باديس الجزائري بقسنطينة سنة\ 1889م وسط أسرة من أكبر الأسر القسنطينية، مشهورة بالعلم والفضل والثراء والجاه، عريقة في التاريخ، يمتدّ نسبها إلى المعزّ بن باديس الصنهاجي، فهو في مقابل اعتزازه بالعروبة والإسلام لم يُخْفِ أصله الأمازيغي، بل كان يُبدِيه ويُعْلِنُهُ وقد أتمّ حفظ القرآن الكريم في أوّل مراحل تعلّمه بقسنطينة في السنة الثالثة عشر من عمره، على يد الشيخ( محمّد المدّاسي) وتقُدم لصلاة التراويح اماما بالناس على صغره، وأخذ مبادئ العربية ومبادئ الإسلام على يد شيخه (حَمدان لُونِيسي )وقد أثّر فيه القرآن الكريم وهزّ كيانه ليكرّس فيه بعد ذلك ربع قرن من حياته في محاولة إرجاع الأمّة الجزائرية إلى هذا المصدر والنبع الرباني بما يحمله من حقيقة توحيدية وهداية أخلاقية، وهو طريق الإصلاح والنهوض الحضاري.
في سنة \ 1908 التحق الشيخ عبد الحميد بجامع الزيتونة بتونس، فأخذ عن جماعة من كبار علمائها الأجلاّء، وفي طليعتهم زعيم النهضة الفكرية والإصلاحية في تونس العلاّمة (محمّد النخلي القيرواني ) والشيخ (محمّد الطاهر بن عاشور) اضافة الى مربين آخرين من المشايخ الذين كان لهم تأثير في نمو عقليته و استعداده لتقبل العلوم وتعهّدوه بالتوجيه والتكوين منهم (البشير صفر) و(سعد العياض السطايفي) و(محمّد بن القاضي) وغيرهم، وقد سمحت له هذه الفترة بالاطلاع على العلوم الحديثة وعلى ما يجري في البلدان العربية والإسلامية من إصلاحات دينية وسياسية، في مصر وفي الشام والعراق وغيرها ممّا كان لهذا المحيط العلمي والبيئة الاجتماعية والملازمات المستمرّة لرجال العلم والادب والإصلاح الأثر البالغ في تكوين شخصيته ومنهاجه في الحياة.
وبعد تخرّجه وتأهيله بشهادة التطويع سنة \1912 عاد من تونس متأهّبًا بطموح قويٍّ للتفرّغ للتدريس الممثّل في بدايته بعقد حلقات دراسية بالجامع الكبير، غير أنّ صعوبات واجهته في بداية نشاطه العلمي حالت دون تحقيق طموحه وآماله، وبعد طول تأمّل رأى من المفيد تزامنًا مع موسم الحجّ أن يؤدّي فريضة الحج مغتنمًا الفرصة في رحلته المشرقية للاتصال بالعلماء والمفكّرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي الأمر الذي يسمح له بالاحتكاك المباشر وتبادل الرأي معهم، والتعرّف على مواقع الفكر الإصلاحي، فضلاً عن الاطلاع على حقيقة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة في المشرق العربي. وفي أثناء تواجده بالحجاز حضر لدروس العلماء من مختلف البلدان الوافدين إلى هذه البقاع المقدّسة كالشيخ (حسين الهندي) الذي نصحه بالعودة إلى بلاده لاحتياجها إلى علمه وفكره، وقد حظي بإلقاء دروس بالمسجد النبوي من بعض الشيوخ الذين كانوا يعرفون مستواه، وقد تعرّف على كثير من شباب العائلات الجزائرية المهاجرة مثل (محمّد البشير الإبراهيمي) وقد استفاد الشيخ عبد الحميد بن باديس من التيارات الفكرية ومدارس الإصلاح الديني بالمشرق التي ظهرت في العالم الإسلامي وبعد عودته إلى قسنطينة سنة \ 1913 ساهم في بلورة الفكر الإصلاحي ميدانيًّا وتطبيق مناهجه التربوية عمليًّا، ساعده زملاؤه الأفاضل من العلماء الذين شَدُّوا عَضُدَه وَقَوَّوْا زناده، فكان تعاونهم معه في هذه المهمّة الملقاة على عاتق الدعاة إلى الله تعالى منذ فجر النهضة العربية دافعًا قويًّا وعاملاً في انتشار دعوته و سطوع نجمه، وذيع صيته، ، كما ساعده أيضًا الواقع الذي كانت تمرّ به الجزائر بين الحربين العالميتين.
وقد شرع ابن باديس رحمه الله تعالى في العمل التربوي، وانتهج في دعوته منهجًا يوافق الفكر الإصلاحي في البعد والغاية، وإن كان له طابع خاص في السلوك والعمل يقوم على ثلاثة محاور أساسية، الاول إصلاح عقيدة الجزائريين ببيان التوحيد لذلك ظهرت عنايته الأكيدة بتربية الجيل على القرآن وتعليم أصول الدين وعقائده من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إذ كان همّه تكوين رجال قرآنيين يوجّهون التاريخ ويُغيّرون الأمّة، وقد تجلّى ذلك في بعض مقالاته حيث يقول
رحمه الله: «فإنّنا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجّه نفوسهم إلى القرآن في كلّ يوم…».
- أمّا المحور الثاني فيتمثّل في إصلاح عقلية الجزائريين، بإصلاح العقول بالتربية والتعليم، ولتكوين أجيال قائدة في الجزائر، تعمل على بعث نهضة شاملة تخرج بها من حالة الجمود والركود إلى الحيوية والنشاط، وقد كان يرى أنّ تحقيق هذه النهضة المنشودة يتوقّف بالدرجة الأولى على إصلاح الفرد الجزائري وبعث الروح الوطنية فيه من الناحية الفكرية والنفسية.
- والمحور الثالث يظهر في إصلاح أخلاق الجزائريين، حيث ان هذا الميدان قد تدهور كثيرًا نتيجة لفساد العقول وفساد العقيدة الدينية كنتيجة لقرب الجزائر من فرنسا وما قامت به من احتلال للجزائر وماولة فرنسة الاوضاع واللغة فيها وطمس المعالم العربية والاسلامية منها وقد كانت عنايته بالغة من داخل الفرد بتطهير الباطن الذي هو أساس الظاهر، وتهذيب النفوس وتزكيتها وإنارة العقول وتقويم الأعمال، وإصلاح العقيدة
باشر عمله ونشاطه الاصلاحي جاعلا من المسجد منطلقا فاهتم بتعليم الصغار وتوعية الكبار واتخد من الصحافة وسيلة أخرى لنشر الوعي الديني والسياسي حارب الخرافات والبدع ورفض فكرة ادماج الجزائر بفرنسا في وقت الاحتلال الفرنسي وأعتبر كل من تجنس بالجنسية الفرنسية مرتدا
بدأ الشيخ عبد الحميد بن باديس مهمته الإصلاحية بعد أن نضج وعيه الإسلامي و تأثر بأفكار الجامعة الإسلامية ، و أدرك أن طريق الإصلاح يبدأ بالتعليم لأنه لا يمكن للشعب الجاهل أن يفهم معنى التحرر و محاربة الاستعمار ، لذلك باشر بن باديس تأسيس المدارس و تولّى بنفسه مهمة التعليم ، و ركزّ على تعلم الكبار بفتح مدارس خاصة لمحو الأمية ، كما اهتم بالمرأة من خلال المطالبة بتعليم الفتيات إذ أنشأ أول مدرسة للبنات بقسنطينة سنة 1918 ، واعتبر تعليم المرأة من شروط نهضة المجتمع تعليم المرأة لا يعني تجاوز التقاليد و الأخلاق الإسلامية .وسع بن باديس نشاطه ليفتتح عدة مدارس في جهات مختلفة
ساهم في فتح النوادي الثقافية مثل نادي الترقي بالعاصمة الجزائر
، وساعد على تأسيس الجمعيات المسرحية

اشرف على عدة مجلات منها المنفذ والشهاب و البصائر وعمل على تفسير القرأن الكريم وفي سنة 1931 كان من اشهر العلماء البارزين المتحمسين في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
كان عبد الحميد بن باديس مفكرا ومرشدا ومربيا سخر كل طاقاته المادية والبشرية لاصلاح أحوال المجتمع الجزائري وللحفاظ على الهوية الجزائرية الاسلام وكان منهجه الاصلاحي ينبثق من الثلاثية (الاسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا ) تصدى لفكرة الادماج عن طريق اصدار الفتاوى ونجح في بناء جيل ساهم بقوة في اذكاء ثورة تشرين الثاني عام \1954
كان عالما دينيا وشيخا فاضلا سخر كل جهوده في نهوض شعب الجزائر البطل وبث روح الثقافة العربية والنهضوية والاسلامية في نفوس السباب وغرسها في قلوبهم

توفي الامام في 16 نيسان \ 1940 وأعتبر يوم وفاته يوم العلم احياءا لذكرى وفاته اذ انه أحد أبناء وأبطال الجزائر العربية باديس رحم الله الإمام المصلح المجدّد الشيخ عبد الحميد بن باديس القسنطيني الجزائري فقد رئيسا لجمعية العلماء المسلمين بالجزائر، ورائد النهضة الفكرية والإصلاحية والقدوة الروحية لحرب التحرير الجزائرية

انشد الكثير من الشعر في الدين والسياسة والاجتماع وكان شعره هادفا غلبت عليه السمة الدينية ومن شعره هذه القصيدة التي يعرف بها الشعب الجزائري بعروبته وردا قاطعا للفرنسة ودعاتها الظالمين ويدعو البجزائريين للثورة والحياة\



شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ
وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ
أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ

أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ
رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ
يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا
وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ

خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا
وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهبْ

وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ
حْـسـانِ وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ

وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ
فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ

وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّــالـمِـينَ
سُـمًّـا يُـمْـزَج بالـرَّهَـبْ

وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ
فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ

مَنْ كَــان يَبْغـي وَدَّنَــا
فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحبْ

أوْ كَـــانَ يَبْغـي ذُلَّـنـَا
فَلَهُ الـمـَهَـانَـةُ والـحَـرَبْ

هَـذَا نِـظـامُ حَـيَـاتِـنَـا
بالـنُّـور ِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ

حتَّى يَعودَ لـقَــومــنَـا
من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ

هَــذا لكُمْ عَـهْــدِي بِـهِ
حَتَّى أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ

فَــإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحـتـي
تَحيـَا الجَـزائـرُ وَ الْـعـرَبْ


1 *******************************




ميخائيل نعيمة
ناسك الخرشوب


ولد ميخائيل نعيمة بقرية( بسكنتا) في جبل صنين من اعمال لبنان في شهر تشرين الأول من عام\ 1889. وكني( بنعيمة) نسبة إلى بلدة ( النعيمة) التابعة لمحافظة( اربد ) في المملكة الاردنية الهاشميه حسبما ذكره ميخائيل نعيمه في حواره مع الكاتب الاردني والمؤرخ روكس بن زائد العزيزي
رحل ميخائيل نعيمة رحلة العلم في الناصرة \ فلسطين ١٩٠٢- ١٩٠٦فمما كتب نعيمة في سيرته الذاتية يتحدث عن سفره إلى فلسطين يقول \
(كان عالمي رحما مغلفة بظلمات ضمن ظلمات. فأصبح سريرا صغيرا من خشب يغمره النور في النهار والظلام في الليل. ثم بيتا صغيرا سطحه من تراب وأرضة من تراب. ثم حيا في ضيعته. ثم ضيعة بخراجها الممتد إلى أعالي الجبال المحيطة بها. وها هو.. قد آن سفري إلى الناصرة.. يمتد بعيدا بعيدا إلى فلسطين. وأين أنت يا فلسطين. يا أرض الميعاد التي تدر لبنا وعسلا؟ أين أنت يا حلم موسى وسبية يشوع بن نون. ويا حبيبة داوود وسليمان. ويا ملهمة اشعيا وكاتب سفر أيوب. ويا مسرحا تعاقبت علية ادوار أنبل حياة وفصول افجع مأساة منذ مأساة عدن؟ وأين أنت يا ناصرة النجار يوسف وخطيبته مريم التي منها بطل تينك الحياة والمأساة؟ وما أبعدك يا ارض اللبن والعسل. وهل فيكما ما يعني هذا اليافع الذي لم يكمل بعد عامه الثالث عشر. وهل فيكما ما يغنيه عن وكره المتواضع.. وعن أهله..)؟

من قرية (بسكنتا) الجبلية حمل نعيمة معه بطاقة نفوسه (الباسبورت) ويمم إلى فلسطين بحرا متجاوزا حدود بلدته وبجعبته ريالا مجيديا وهو الزاد للمأكل والمشرب.. وكم تمنى ميخائيل نعيمة بأن تكون هذه النقود في البيت مع عائلته لما لهم بحاجة أكثر منه…
ما هي إلا أيام حتى تكحلت عيناه بعروس فلسطين حيفا العربية التي احتضنت الساحل بجمالها..

نزل نعيمة بشوارعها وقد البسته امه لتلك السفرة قمبازا جديدا.. و طربوشا احمر ومداسا جديد.ا.

وصف نعيمة تلك الزيارة لمدينة حيفا بشوارعها وبيوتها العريقة والسكة الحديثة وبما فيها الناس والجمال والحمير والبغال والكلاب والعربات تلهب ظهور جيادها أسواط الحوذيين وهم ينادوهن بأعلى صوتهم "ظهرك يا حرمة.. وجهك يا أفندي.. جنبك يا عتال…
فيها النساء المؤزرات.. المحجبات.. والرؤوس المعممة والمتقلنسة والمطربشة..
فيها باعة المرطبات يحملون القراب أو القناني الزجاجية الكبيرة ليطفئ بها الشاري أو السائر نارا ظمئة..
وفي أيديهم صحون من النحاس لا ينفكون يقرعون بعضها ببعض وينادون.. بورد يا عطشان!
يتحرك نعيمة للسفر إلى الناصرة ترافقه الذاكرة لما رأته عيناه وسمعته أذنيه من أحاسيس وصور وانطباعات…

إلى الناصرة إلى مدينة بشارة ومنشأ المسيح علية السلام…

العربة تسير متخطية التلال والسهول ومشاهد الطبيعة وجبال الجلبوع التي لم تخفيها حتى اكبر السحاب…

تلك هي المناظر التي شاهدها ميخائيل حين تخطى الطريق بين حيفا والناصرة..المسكوبية! المسكوبية الناصرة يا أفندي هكذا أعلن سائق العربة أو الحوذي بأعلى صوته ليستيقظ نعيمة من غثاء السفر الذي انهكة والذي استغرق ثماني ساعات..)
هكذا بدا نعيمة مشواره مع العلم في الناصرة كما يتحدث نعيمة عن نفسه عاش فيها مدة 6 سنوات كان غذاؤه الكتاب والقرطاس والقلم . حتى أنهى دراسته المدرسية في مدرسة الجمعية الفلسطينية فيها،
سافر الى روسيا لاكمال دراسته الجامعية في( بولتافيا الأوكرانية) بين عامي \1905 و 1911 حيث تسنّى له الاضطلاع على الأدب الروسي،
بعد اكماله الدراسة في روسيا حصل على منحة دراسية في فرنسا بحامعة السوربون فسافرالى باريس عام 1911
سافربعدها الى الولايات المتحدة الامريكية لدراسة الحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول عام \1912 ثم حصل على الجنسية الأمريكية.
انضم إلى الرابطة القلمية التي أسسها الأدباء العرب في المهجر وكان نائبا لرئيس الرابطة القلمية جبران خليل جبران الا انها اغلقت بعد وفات جبران عام\ 1932وعودة نعيمه من المهجر الى بلده لبنان 0

عاد إلى ( بسكنتا) قريته الاولى التي ولد فيها عام \1932 واتسع نشاطه الأدبي.
لقّب ب (ناسك الشخروب)، وبقي فيها بقية عمره متفرغا للكتابة والتاليف
توفي في 22 فبراير1988.

ميخائيل نعيمه مفكر عربي كبير وهو احد قاد ة النهضة العربية الفكرية والثقافية وداعية من دعاة التجديد في الفكر العربي 0 له في المكتبة العربية مكاناً واسعا لما كتبه وما كتب عنه . فهو شاعر وقاص ومسرحي وناقد وكاتب مقال متبصر وفيلسوف في الحياة والنفس الانسانية وقد كتب آثاره بالعربية والانجليزية والروسية وهي كتابات تشهد له بالامتياز وتحفظ له المكانة السامية و المنزلة الرفيعة .
نشر مجموعته القصصية الاولى( سنتها الجديدة ) عام 1914 عندما كان يتابع دراسته في امريكا ونشر قصته الثانية( العاقر ) عام 1915 ونشر قصته الثالثة ( مرداد ) عام 1946 وتعتبر هذه قمة انتاجه القصصي حيث يتداخل فيها انتاجه القصصي في فلسفته الفكرية وشخصيته الكتابية اما في عام \1956 فقد اصدر مجموعته ( اكابر )
وفي عام \1958 اصدرقصته ( ابوبطة ) التي اصبحت مرجعا للدراسة في المدارس والجامعات للادب القصصي اللبناني
والعربي المتجه نحو الادب العالمي

وفي سنة 1949 وضع نعيمة روايته الوحيدة بعنوان (مذكرات الأرقش).
اما عمله المسرحي فهو (مسرحية الآباء والبنون ) كتبها نعيمة سنة \1917، و مسرحية ( أيوب) صدرت عام \ 1967.
كتب نعيمة قصة حياته الشخصية في ثلاثة اجزاء على شكل سيرة ذاتية بعنوان ( سبعون ) معتقدا ان سيموت في السبعين من عمره لكنه عاش حتى قارب مائة عام
اما انتاجه الشعري فقد اصدر ديوانه بعنوان ( همس الجفون ) باللغة الانكليزية وعربت بعد ذلك من قبل الاستاذمحمد الصائغ وطبعت بالعربية عام 1945 وطبع عدة طبعات بعدها
اما طبيعة شعره فيمتاز بالسهولة والبلاغة والكلاسيكية فيه حلاوة وجمال وموسيقى عذبه تنسال الى النفس القلب كالماء المتدفق من عين ثرة تحف بها مواقع الزهور والشذى المعطور بعيدا عن العنف والكبرياء وقد انشد في اغلب اغراض الشعر وخاصة شعر الاحداث السياسية وما الم بالامة العربية خلال سني عمره فقد ترجم احداثها كما فعل اغلب شعراء العربية من قبله وبعده يقول بعد احتلال فلسطين من قبل الغزاة الصهاينة قصيدته المشهورة ( اخي ) متهكما \

أخي ! إنْ ضَجَّ بعدَ الحربِ غَرْبِيٌّ بأعمالِهْ

وقَدَّسَ ذِكْرَ مَنْ ماتوا وعَظَّمَ بَطْشَ أبطالِهْ

فلا تهزجْ لمن سادوا ولا تشمتْ بِمَنْ دَانَا

بل اركعْ صامتاً مثلي بقلبٍ خاشِعٍ دامٍ

لنبكي حَظَّ موتانا

***

أخي ! إنْ عادَ بعدَ الحربِ جُنديٌّ لأوطانِهْ

وألقى جسمَهُ المنهوكَ في أحضانِ خِلاّنِهْ

فلا تطلبْ إذا ما عُدْتَ للأوطانِ خلاّنَا

لأنَّ الجوعَ لم يتركْ لنا صَحْبَاً نناجيهم

سوى أشْبَاح مَوْتَانا

***

أخي ! إنْ عادَ يحرث أرضَهُ الفَلاّحُ أو يزرَعْ

ويبني بعدَ طُولِ الهَجْرِ كُوخَاً هَدَّهُ المِدْفَعْ

فقد جَفَّتْ سَوَاقِينا وَهَدَّ الذّلُّ مَأْوَانا

ولم يتركْ لنا الأعداءُ غَرْسَاً في أراضِينا

سوى أجْيَاف مَوْتَانا

***

أخي ! قد تَمَّ ما لو لم نَشَأْهُ نَحْنُ مَا تَمَّا

وقد عَمَّ البلاءُ ولو أَرَدْنَا نَحْنُ مَا عَمَّا

فلا تندبْ فأُذْن الغير ِ لا تُصْغِي لِشَكْوَانَا

بل اتبعني لنحفر خندقاً بالرفْشِ والمِعْوَل

نواري فيه مَوْتَانَا

***

أخي ! مَنْ نحنُ ؟ لا وَطَنٌ ولا أَهْلٌ ولا جَارُ

إذا نِمْنَا إذا قُمْنَا رِدَانَا الخِزْيُ والعَارُ

لقد خَمَّتْ بنا الدنيا كما خَمَّتْ بِمَوْتَانَا

فهات الرّفْشَ وأتبعني لنحفر خندقاً آخَر

نُوَارِي فيه أَحَيَانَا

***********

ميخائل نعيمة وضع \ 22 كتابا - عدا ماذكرناه من كتبه في القصةوالمسرحية والشعر- في الدراسات والمقالا ت الادبية والنقد والتاليف والرسائل المختلفة
المراحل، دروب - وجبران خليل جبران.
وزاد المعاد –والبيادر- وكرم على درب الأوثان - و النور والديجور
وفي مهب الريح -وأبعد من موسكو ومن واشنطن - واليوم الأخير - وهوامش 0
ومقالات متفرقة، يابن آدم نجوى الغروب
ومختارات من ميخائيل نعيمة وأحاديث مع الصحافة
ورسائل من وحي المسيح 1977.
واخيرا كتابه المشهور الغربال الجديد كما احتفظ بمكتبتي الخاصة بعدة مؤلفاته له
ومن جميل روائع شعره هذه القصيدة \


يا نهرُ هل نضبتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخريـر ؟
أم قد هَرِمْتَ وخار عزمُكَ فانثنيتَ عن المسير ؟

***
بالأمسِ كنتَ مرنماً بين الحدائـقِ والزهـور
تتلو على الدنيا وما فيها أحاديـثَ الدهـور

***
بالأمس كنتَ تسير لا تخشى الموانعَ في الطريـق
واليومَ قد هبطتْ عليك سكينةُ اللحدِ العميـق

***
بالأمس كنـتَ إذا أتيتُكَ باكيـاً سلَّيْتَنـي
واليومَ صـرتَ إذا أتيتُكَ ضاحكـاً أبكيتنـي

***
بالأمسِ كنتَ إذا سمعتَ تنهُّـدِي وتوجُّعِـي
تبكي ، وها أبكي أنا وحدي، ولا تبكي معي !

***
ما هذه الأكفانُ ؟ أم هذي قيـودٌ من جليـد
قد كبَّلَتْكَ وذَلَّلَتْـكَ بها يدُ البـرْدِ الشديـد ؟

***
ها حولك الصفصافُ لا ورقٌ عليه ولا جمـال
يجثو كئيباً كلما مرَّتْ بـهِ ريـحُ الشمـال

***
والحَوْرُ يندبُ فوق رأسِـكَ ناثـراً أغصانَـهُ
لا يسرح الحسُّـونُ فيـهِ مـردِّداً ألحانَـهُ

***
تأتيه أسرابٌ من الغربـانِ تنعـقُ في الفَضَـا
فكأنها ترثِي شباباً من حياتِـكَ قـد مَضَـى

***
وكأنـها بنعيبها عندَ الصبـاحِ وفي المسـاء
جوقٌ يُشَيِّعُ جسمَـكَ الصافي إلى دارِ البقـاء

***
لكن سينصرف الشتا ، وتعود أيـامُ الربيـع
فتفكّ جسمكَ من عِقَالٍ مَكَّنَتْهُ يـدُ الصقيـع

***
وتكرّ موجتُكَ النقيةُ حُرَّةً نحـوَ البِحَـار
حُبلى بأسرارِ الدجى ، ثملى بأنـوارِ النهـار

***
وتعود تبسمُ إذ يلاطف وجهَكَ الصافي النسيم
وتعود تسبحُ في مياهِكَ أنجمُ الليلِ البهيـم

***
والبدرُ يبسطُ من سماه عليكَ ستراً من لُجَيْـن
والشمسُ تسترُ بالأزاهرِ منكبَيْـكَ العارِيَيْـن

***
والحَوْرُ ينسى ما اعتراهُ من المصائـبِ والمِـحَن
ويعود يشمخ أنفُهُ ويميس مُخْضَـرَّ الفَنَـن

***
وتعود للصفصافِ بعد الشيبِ أيامُ الشبـاب
فيغرد الحسُّـونُ فوق غصونهِ بدلَ الغـراب

***
قد كان لي يا نـهرُ قلبٌ ضاحكٌ مثل المروج
حُرٌّ كقلبِكَ فيه أهـواءٌ وآمـالٌ تمـوج

***
قد كان يُضحي غير ما يُمسي ولا يشكو المَلَل
واليوم قد جمدتْ كوجهِكَ فيه أمواجُ الأمـل

***
فتساوتِ الأيـامُ فيه : صباحُهـا ومسـاؤها
وتوازنَتْ فيه الحياةُ : نعيمُـها وشقـاؤها

***
سيّان فيه غدا الربيعُ مع الخريفِ أو الشتاء
سيّان نوحُ البائسين ، وضحكُ أبناءِ الصفاء

***
نَبَذَتْهُ ضوضاء ُ الحياةِ فمـالَ عنها وانفـرد
فغـدا جماداً لا يَحِنُّ ولا يميلُ إلى أحـد

***
وغدا غريباً بين قومٍ كـانَ قبـلاً منهـمُ
وغدوت بين الناس لغزاً فيه لغـزٌ مبهـمُ

***
يا نـهرُ ! ذا قلبي أراه كما أراكَ مكبَّـلا
والفرقُ أنَّك سوفَ تنشطُ من عقالِكَ ، وهو لا

***


-------------------------------



اسماعيل صبري
شيخ الشعراء



ولد إسماعيل صبري باشا في مصر بمدينة القاهرة في يوم الأحد 16 شباط \1854م, وتلقى الدروس الثانوية في مدارس القاهرة المصرية,
نال شهادة الليسانس في الحقوق من كلية مدينة إكس في فرنسا سنة 1878م, حيث وصلها مع إحدى البعثات الفرنسية, ولما عاد إلى مصر عين قاضيا و تنقل في مناصب القضاء والإدارة حيث شغل وظائف القضائيين لاهليته في حل الخلافات والنزاع بين الناس ,او الخلافات التي كانت بين السكان والأجانب,
عين رئيساً لمحكمة الإسكندرية الأهلية, ثم محافظاً على الإسكندرية في عام\ 1896 ثم وكيلاً لوزارة العدل وعندما بلغ الستين أحيل على التقاعد
فتح بيته ليكون منتدى الشعراء والأدباء.
بدأ صبري نظم الشعر وهو في سن السادسة عشرة بأبیات مدح فیها الخدیوي إسماعیل، وکانت أشعاره تنشر في مجلة (روضة المدارس )
کان في بدایة أمره مولعاً بأشعار الشعراء القدامی، وکان یعشق شعر البحتري ویحفظ دیوان ابن الفارض فقد کانت أشعاره عبارة عن تقلید أفلح فیه حیناً وأخفق حیناً آخر
اطلع اسماعيل صبري علی الادب الفرنسي فحدا به إلی أن یعید النظر في أسلوبه الشعري، فأعرض شیئاً فشیئاً عن التقلید والمحاکاة، وأقبل علی أسلوب جدید هو التعبیر عن العواطف والأحاسیس الداخلیة ، والأفکار القومیة والوطنیة، وتعد موسیقاه الشعریة سلسة ومطربة و اعتبر من رواد الشعر الغنائي في العصر الحدیث، حیث تغنی المطربون بالکثیر من أشعاره وکان أسلوبه الغالب علیه الإقلال من النظم والتفنن فیه وكان شغوفا بمراجعة شعره وتنقیحه
امتاز شعر إسماعيل صبري بسمو الخيال وحب الفن والجمال وخفة الروح ورقة التسبيب, وله مقطوعات قصيرة وقصائد طويلة, وكان شعره رقيقاً ناعماً يحفل بالموسيقى الشجية والذوق الرفيع ,
وكان أستاذ الشعراء وشيخهم في الصناعة الشعرية يمتاز بمراعاة الدقة في الربط بين المعنى والتركيب وبين النفس ويتميز شعره بعاطفته القومية الصادقة, وهذه العاطفة متجلية في غزله الرقيق ونلمس في شعره كذلك مسحة الترف الحضري واللين والجلاءوتعبير جميل بألفاظ سهلة ومؤثرة , وتولد او تحضن معان كثيرة جليلة
.ومن خیر ما ترك ملحمتين شعريتين طویلتين ،بلغت الأولی قرابة ألف بيت وهي (النونية الكبرى) ،کما بلغت الأخری ستمائة بیت هي( الهمزیة الکبری ) في الکونیات واستعرا ض تاریخ الرسالات السماویة ،
كان اجتماعي النفس خفيف الروح ويقدس حرية الرأي, وقال الشعر في المديح والتهاني والتقاريض والهجاء وقال في الوصف والاجتماعات والسياسات والآلهيات والمراثي والأناشيد. فقد كان وطنياً ومثالياً. لم يتقرب الى أي انكليزي قط ماداموا في مصر وكانت له في السياسة مواقف مشرفة مثل وقعة حادثة دنشواي المؤلمة فنظم فيها قصيدة رائعة\ يقول


يا مِصرُ سيري عَلى آثارِهم وَقِفي
تِلك المَواقِفَ في أَسنـى مجالِيهـا

لا يُؤيسَنَّكِ ما قالـوا ومـا كتَبـوا
بيـن البَرِيَّـةِ تَضليـلاً وَتَمويهـا

إن يَمنَعوا الناسَ من قَولٍ فما مَنعوا
أن يَنطِقَ الحقُّ بِالشَكوى وَيُبديهـا

الحقُّ أكبَـرُ مـن أَن تَستَبـدَّ بـهِ
يدٌ وَإن طالَ فـي بُطـلٍ تماديهـا

ما ضيَّعَ اللَهُ ظلمـاً أمَّـةً نَهَجَـت
إلى المفاخرِ نَهجاً وهـوَ هاديهـا

فَقَلِّدوا الأُمَّةَ الكُبرى وَقـد رَكِبَـت
مَتنَ الفخارِ وكانَ الجِـدُّ حاديهـا



اعتزل العمل الحكومى عقب أحداث دنشواي إحتجاجاً على ما أنتهت إليه المحاكمة, وعُرف عنه وطنيته الصادقة وصداقته للزعيم مصطفى كامل وقيل انه عندما قام ليلقى قصيدته بتابين مصطفى كامل غلب عليه البكاء وعجز عن إلقاء القصيدة فأخذها منه حافظ إبراهيم فألقاها فنسبت إليه حتى اليوم.
اما نثره فكان أشد تأثيراً في النفس وأثبت أثراً. وقد نظم الكثير من الشعر الغنائي والأدوار والمواويل. و في قصيدته التي بعنوان( راحة في القبر) يصور ما عاناه في أواخر حياته من الآلام, ولكنه كان صابراً على أوجاعه, ولم يتشك ألم المرض الذي كان في صدره.
انتقل إلى رحمة الله تعالى ووافاه الاجل في 21 آذار 1923م, ودفن في مقبرة الإمام الشافعي بالقاهرة

ومن قصيدته النونیة الکبری نذكر هذه الابيات حول أسماء
الله الحسنی\


جلَّ شأنُ الإلهِ ربِّ البرایا
خالقِ الخلقِ دائمِ الإحسانِ

واحدٌ قاهرٌ سمیعٌ بصیرٌ
عالمُ الغیبِ صاحبُ السلطانِ

حَکَمٌ عادلٌ لطیفٌ خبیرٌ
نافذُ الأمرِ واسعُ الغفرانِ

قابضٌ باسطٌ قويٌّ عزیزٌ
مرسِلُ الغیثِ مُقسِطُ المیزانِ

واجدٌ ماجدٌ حلیمٌ کریمٌ
ترقبُ الخلقَ عینُه کلَّ آنِ

یعلمُ السرَّ في الصدورِ وأخفی
وإلیهِ سیُحشَرُ الثَّقَلانِ

ظاهرٌ باطنٌ قریبٌ مُجیبٌ
نِعمَ مَن فازَ منه بالرضوانِ

واعدُ المتّقینَ جنّاتِ عدنٍ
ولِمن خافَ ربَّه جنّتانِ

مُنعِمٌ وارثٌ عليٌّ عظیمٌ
باعثُ الخلقِ بین إنسٍ وجانِ

کلُّ مَن في الوجودِ للهِ عبدٌ
وإلی اللهِ مرجعُ الإنسانِ

إنّ یوماً تُطْوی السماواتُ فیهِ
کلُّ حيٍّ إلا المهیمنُ فانِ

یومَ تهوي الأفلاکُ من کلِّ برجٍ
آفلاتٍ ویُجمَعُ النِّیرانُ

وتدك الأرضُ إنهیاراً ویُقضی
کلُّ أمرٍ ویسجدُ الخافقانِ

-------------------------









. ابراهيم المازني


ولد إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني
عام 1890 بقرية ( كوم مازن) بمحافظة المنوفية المصرية واكمل دراسته الاولية والثانوية في المنوفية ثم تطلع المازنى إلى دراسة الطب بعد تخرجه من المدرسة الثانوية اقتداءً بأحد أقاربه، ولكنه ما إن دخل صالة التشريح بكلية الطب حتى أغمى عليه، فترك الدراسة الطبية وذهب إلى مدرسة الحقوق ولكن مصاريفها او اجورها زيدت في ذلك العام من خمسة عشر جنيها إلى ثلاثين جنيها، فعدل عن الدراسة في مدرسة الحقوق إلى مدرسة المعلمين. وعمل بعد تخرجه منها عام 1909 مدرساً,
ضاق بقيود الوظيفة,بعد ان حدثت له بعض المعوقات فاعتزل التدريس وعمل بالصحافة لكي يكتب بحرية, عمل بجريدة الأخبار مع أمين الرافعي، ثم محررا بجريدة السياسة الأسبوعية، و عمل بجريدة البلاغ مع عبد القادر حمزة وغيرهم في الكثير من الصحف الأخرى، كما أنتشرت كتاباته ومقالاته في العديد من المجلات والصحف الأسبوعية والشهرية

عرف عن المازني تمكنه من اللغة الإنجليزية والترجمة منها إلى العربية فقام بترجمة العديد من القصائد الشعرية إلى اللغة العربية،
انتخب عضواً في كل من مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع العلمي العربي بدمشق.
عرف المازني انه شاعر من شعراء العصر الحديث،كما عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره و عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من ايجاد مكاناة مرموقة بجوارهم على الرغم من اتجاهاته المختلفة ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان التي ينتمي اليها كواحد من مؤسسيها الاوائل
حاول المازني ان يبتعد عن العمود الشعري وقصيدة القافية الوزن فجاء بتجربة الشعرالحر او كتابة قصيدة النثركمجدد 0 نقلته هذه الوضعية من كتابة الشعر المرسل إلى الكتابة النثرية، فخلف لنا تراث غزير من المقالات والقصص والروايات بالإضافة للعديد من الدواوين الشعرية، كما عرف كناقد متميز.
اهتم ايضا بقراءة الكتب الفلسفية والاجتماعية، وقام بترجمة الكثير من الشعر والنثر إلى العربية وقد قال الايب عباس محمود العقاد عنه ( إنني لم أعرف فيما عرفت من ترجمات للنظم والنثر أديباً واحداً يفوق المازني في الترجمة من لغة إلى لغة شعراً ونثراً)

يعد المازني من رواد مدرسة الديوان وأحد مؤسسيها مع كل من عبد الرحمن شكري، وعباس محمود العقاد، عشق الشعر والكتابة الأدبية وعمل في شعره على التحرر من الأوزان والقوافي ودعا كغيره من مؤسسي مدرسة الديوان إلى الشعر المرسل، الا انها كانت اشبه بمحاولات فقد غلب على شعرهم وحدة القافية وعمود الشعرالعربي الخالد،
اتجه المازني للنثر كما انه أدخل في أشعاره وكتاباته بعض المعاني المقتبسة من الأدب الغربي، وتميز أسلوبه بالسخرية والنكتة واتخذ في كتاباته الطابع الساخر وعرض من خلال أعماله الواقع الذي كان يعيشه في شخوص أو تجارب شخصية أو من خلال حياة المجتمع المصري في تلك الفترة، فعرضه بكل سلبياته وإيجابياته من خلال رؤيته الخاصة وبأسلوب مبسط بعيداً عن التكلف الشعري والأدبي.
توقف المازني عن كتابة الشعر بعد صدور ديوانه الثاني في عام 1917م، واتجه إلى كتابة القصة والمقالة الصحفية والنقد الادبي
لقد كان المازني شاعراً يعظم الشعر ويجسد فيه كل انفعالاته ويصورفيه همومه وأحزانه وذكرياته 0امتاز شعره بجزالة اللفظ ونصاعة الفكرة جمع بين الثقافة العربية التراثية وبين الثقافة الغربية وكان وزميلاه شكري والعقاد من اتباع المدرسة الرومانسية ومن أصحاب مدرسة الديوان، وكان بينهم وبين مدرسة شوقي وحافظ مساجلات نقدية حيث أصدر كتاباً بعنوان: (شعر حافظ) كما أصدر مع العقاد كتاب (الديوان) نقدا فيه الشاعرين حافظً ابراهيم – شاعر النيل واحمد شوقي اميرالشعراء وتعرض بعد ذلك في دراسة نقدية لشكري والمنفلوطي، ولقد تميز أسلوبه بالسخرية والفكاهة التي شاعت في مقالاته وله فلسفة خاصة في الحياة ظهرت من خلال عمله في الصحافة فترة من الزمن حيث كتب في الأهرام والهلال والبلاغ والرسالة وغيرها من الصحف والمجلات وكان يقدم تجارب حياته اليومية في قصصه التي جمعها بعد نشرها في الصحف في كتب ويصفه الناقد الدكتور محمد مندور بأنه كان رائداً للتجديد الأدبي عامة والشعر بخاصة في النصف الأول من هذا القرن.

قدم المازني العديد من الأعمال الشعرية والنثرية المميزة نذكر من أعماله:
إبراهيم الكاتب
وإبراهيم الثاني – رواياتان،
أحاديث المازني- مجموعة مقالات
حصاد الهشيم في النقد
خيوط العنكبوت،
ديوان المازنى
رحلة الحجاز
صندوق الدنيا( في السياسة والاجتماع )
عود على بدء
قبض الريح
الكتاب الأبيض
قصة حياة
من النافذة
في الطريق
شعر حافظ
الديوان بالاشتراك مع عباس محمود العقاد
الجديد في الأدب العربي بالاشتراك مع طه حسين وآخرين، حديث الإذاعة بالاشتراك مع العقاد وآخرين الديوان في الأدب والنقد أصدره مع العقاد في عام 1921م
توفي الشاعر ابراهيم عبد القادر المازني سنة 1949

لقد كان المازني أديباً عظيماً وصاحب مدرسة ومذهب في الأدب ليس له نظير في أدب المشرق والمغرب في إجادته لأدب الترجمة فهو يترجم الشعر و النثر كأسلوب الجاحظ
وقد أضفى على ترجماته من حسه وروحه وطلاوته وموسيقاه مما جعل الناس يقبلون بشوق وشغف عليها واتسم نتاجه بالخصوبة والتنوع وقد تاثر في شعره بشعرالشريف الرضي وابن الرومي وبشار بن برد وغيرهم من الشعراء العباسيين وكان يكثر من الشكوى والالم والحسرة يقول \

خيم الهم على صدري يا صديقي
وبدت في لحظة الليل الهموم

لقدكان منذ صغره أخلص الأدباء للشعر والأدب والكتابة ورسم صورة قلمية تنبض بنبض حياته في مسراتها وأحزانها وقوتها وضعفها في طليعة رواد النهضة العربية
ولعمري لست اتحسس شيئا هو أحلى جنى وأعذب زلالا من الشعر إذا صدقنا قائله وترفع عن التقليد الذي لا حاجة بنا إليه ولا ضرورة تحملنا عليه، وتنزه عن مجاراة الناس ومشايعة العامة وتوخّي مرضاتهم فإن لنا أعينا حداسة وقوة حساسة وتذقا سليما ومادة الشعر واسعة فياضة لا تفني ولا تزول
وما الشعر إلا معان لا يزال الإنسان ينشئها في ذاته ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه ويراجعها في عقله، معانيها في كل ساعة تتجدد وفي كل لحظة تتولد لتشكل احساسا صادقا منبعثا من قلب مفعم بالشوق غارق بالعاطفة ثم تنهال محتدمة عليه الافكارالمتعلقة باهداب الخيال الثر وتشده الاحاسيس في شعر رومانسي قل مثيله ليكون نغما صادقا ولحنا را ئعا يسع الدنيا ومن فيها ذلك هو الشاعر المازني
ومن روائعه هذه القصيدة \

فؤادي من الآمال في العيش مجدب
وجوى مسود الحواشي مقطب

تمر بي الأيام وهي كأنها
صحائف بيضٌ للعيون تقلب

كأن لم يخط الدهر فيهن أسطرا
يبيت لها الإنسان يطفو ويرسب

شغلت بماضي العيش عن كل حاضرٍ
كأني أدركت الذي كنت أطلب


وما كلت الأيام من فرط عدوها
ولا عطل الأفلاك خطبٌ عصبصب

وما فتئ المقدار يمضي قضاءه
وما انفك صرف الدهر يعطي ويسلب

وما زلت ظهر الأرض في جنباته
مراحٌ لم يبغي المراح وملعب

ولكن قلباىً خالجته همومه ترى
أي ملهى طيب ليس يجنب

وكيف يسري عنه ملهى ومطرب
وما يطبيه غير ما بات يندب

لقد كان الدنيا بنفسي حلاوةٌ
فأضجرني منها الأذى والتقلب

وقد كان يصيبني النسيم إذا هفا
ويعجبني سجع الحمام ويطرب

ويفتنني نوم الضياء عشيةً
على صفحة الغدران وهي تسبسب

فمالي سقى اللَه الشباب وجهله
أراني كأني من دمائي أشرب

وما لي كأني ظللتني سحابة
فها من مخوفات الأساود هيدب

وليلٍ كأن الربح فيه نوائحٌ
على أنجم قد غالها منه غيهب

تجاوبها من جانب اليم لجةٌ
نزاءر فيها موجها المتوثب

كأن شياطين الدجى في أهابه
تغنني على زمر الرياح وتغرب

لقيت به ذا جنةٍ وتدلةه
له مقلةٌ عبرى وقلبٌ معذب

فقلت له ويلي عليك ولهفتي
ترى أين يوميك السرى والتغرب

ركبت الدجى والليل أخشن مركبٍ
فهل لك عند الليل ويبك مطلب

فقال وفي عينيه لمعٌ مروعٌ
وفي شفتيه رجفةٌ وتذبذب

ليهن ترابٌ صم حسنك أنه
سيرويه منه عارضٌ متصبب

سقاها ورواني من المزن سمحةٌ
فإني في ملحودها سأغيب

كفاني إذا ما ضم صدري صدرها
تحية سحب قلبها يتلهب

أأنت معيني إن قضيت بدمعة
يحدرها عطفٌ علينا ويسكب

فقلت له ما لي لدى الخطب عبرةٌ
تراق ولا قلبٌ يرق ويحدب

سكنت فما أدري الفتى كيف يغتدي
تجد به الأشجان طوراً وتلعب

ولكنني إن لم تعنك مدامعي
سأستهول الموت الذي بت تخطب

سأصرخ أما هاجت الريح صرخةً
تقول لها الموتى ألا أين نهرب

------------------------------------------------


















الشاعر ايليا أبو ماضي



ولد ايليا ظاهر ابوماضي في قرية المحيدثة في لبنان سنة 1890 ورحل إلى مصر عام 1902 ونزل مدينة الاسكندية ثم القاهرة وعمل في بيع السجائر والدخان. ، وكان مولعا بالادب والشعر فانكب على قراءة الشعر وحفظه ومطالعة الادب من اوسع مصادره العربية خاصة وان مصر كانت مركزاً للمفكرين اللبنانيين الهاربين من قمع الأتراك في ظل الدولة العثمانية ثم الاستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الاولى
نشر قصائد له في مجلاتٍ لبنانية صادرة في مصر، أهمها مجلةالعلم ومجلة الاكسبرس، وهناك، تعرف إلى الأديب أمين تقي الدين، الذي تبنى المبدع الصغير ونشر أولى اعمال إيليا في مجلته الزهور 0
هاجر إلى أمريكا عام 1911 واتخذها مهجراً. ولذلك فهو من شعراء المهجر وهم الشعراء العرب الذين هاجروا إلى أمريكا وكتبوا وألّفوا هناك باللغة العربية،
أحتضنته الطبيعة في طفولته، وكانت قرية المحيدثة تفتن إيليا أبو ماضي بأشكال الجمال الأخضر والجداول المغردة للجمال الطبيعي، فتعلم حب الطبيعةوالتحليق في الاجواء اللبنانية ذات الشذى العبق والنسيم المنعش الاخاذ الذيس يعي للنفس هناءتها ويشعرها بالفرح الغامر بحيث تتفتح اعطافها فينشرح القلب وتنشط الروح – وكان احد اخوالي قد باع بستانا كاملا مليئا باشجارالنخيل والبرتقال والكروم في خمسينات القرن الماضي لاجل ان يسافرالى لبنان لتمتع بهواءها وعبقها الشذي ولينفس عن قلبه الضيق والكمد فعاد معافى - وتعلق بمناجاتها ومحاكاتها . ثم انه قاسى مرارة الفقر، اذ نشأ من اسرة فقيرة معدمة فنشأته في قسوة الفقر، جعلت منه رفيقا للفقراء، لذا نراه يكتب دوماً عن المساواة الاجتماعية، فكلنا من تراب، لا فرق بين غني ولا فقير. وفي قصيبدته( الطين) المشهورة خير دليل على ذلك ثم انه عاني من الاغتراب منذ صغره،و كان التشرد في الغربة ثاني ديدن في اتجاه أبي ماضي، ومن التشرد تعلم الوفاء للوطن، فأغزر واكثر في الشوق اليه والحنين لوطنه والعناية بطيفه الباقي في قلبه.فنراه يجتمع في الغربة بابناء وطنه لبنان وابناء عروبته هذا الاختلاط الذي مهد له السبيل للتعرف بالنخب العربية المهاجرة، ففي المهجر، كان أبو ماضي منغمساً في علاقته برواد النهضة العربية وقادة الفكر التحرري الأدبي، من امثال ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران واحمد ابوشادي وغيرهم فاستفاد منهم، وبنى منهجه الشعري وأسلوبه الأدبي.

وكان لبنان في نظر أبي ماضي خريدة نفيسة من خرائد الزمان، ودرة غالية من درر الكون، فلا شمس تشبه شمسه، ولا ماء أعذب من مائه، ولا جبال أكثر شموخاً من جباله، ولا سهول أمرع من سهوله. وفوق ذلك كله، فلبنان أبي ماضي كان انفتاحاً بالنسبة اليه على الحضارة العالمية ، وتفاعلاً إنسانياً، ووحدة مشتركة تصهر جميع أبنائه في بوتقة واحدة يجمعهم حب الوطن والاخلاص له لا زيف فيها ولا خلاف ولا ضغينة.

وأحب شاعرنا الحياة وتفاءل بها فإذا هو كنهر ينساب بين الغدران، وروضاخضر يشع سناءا و يفوح عطراً وعبيراً، ونجم ساطع يمزق جلباب الظلام ويهتك استار الظلم ، وفجر يشع على الكون حباً وبشاشة ونوراً واملا وسعادة وهناء

ويعتبر ايليا أبو ماضي من أهم شعراء المهجر في أمريكا الشمالية. ومن المميزات التي ظهرت في أسلوبه الشعري هي وحدة الموضوع وشدة الارتباط بين أجزائها وعناصرها بالإضافة إلى الفكرة الموحدة، لذلك وضع عناوين لقصائده تتناسب مع ما تناولته هذه القصيدة اوتلك 0

فقد أحدث تجديداً في الكلمة الشعرية، وجعلها تتسع لتشمل فضاءات متدفقة حياتا لمضامين شعرية جديدة وواسعة في الحياة الاجتماعية والفكرية والنفسية من غير أن تخرج عن إطار البساطة والوضوح.
ففي مصر، أصدر أبو ماضي أول دواوينه الشعرية عام \1911، بعنوان (تذكار الماضي) وكان يبلغ من العمر \22 سنة ً، كما ان شعره السياسي والوطني جعله عرضةً لمضايقات السلطة الرسمية، فهاجر عام 1912 إلى أمريكا الشمالية، وصل أولاً إلى مدينة( سينسيناتي)حيث يقيم اخوه مراد وهناك عمل مع أخيه في التجارة، وتنقل بعدها في الولايات المتحدة إلى ان استقر في مدينة (نيويورك )عام 1916 وهناك عمل نائباً لتحرير جريدة مرآة الغرب وتزوج من ابنة صاحبها \ السيدة دورا نجيب دياب التي أنجبت له اربعة أولاد.

تعرف إلى عظماء القلم في المهجر، فأسس مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة الرابطة القلمية، التي كانت أبرز مقومات الأدب العربي الحديث، وتعتبر هذه الرابطة أهم العوامل التي ساعدت أبا ماضي على نشر فلسفته الشعرية.

في 15 أبريل 1919، قام إيليا أبو ماضي بإصدار أهم مجلة عربية في المهجر، وهي (مجلة السمير) التي كانت موئلا ومنارا للأقلام العربية المغتربة، وقدمت الشعر الحديث على صفحاتها، واشترك في إصدارها معظم شعراء المهجر لا سيما أدباء المهجر في امريكا الشمالية وقام بتحويلها عام 1936 إلى جريدة يومية. وتميزت هذه الصحيفة بوجهها العربي المشرق و لم تتوقف (السمير) عن الصدور حتى فارق الشاعر الحياة اثر نوبة قلبية

نشر أبو ماضي في حياته أربعة دواوين وهي\
تذكار الماضي
و ديوان ايليا أبو ماضي
و الجداول
و الخمائل ،
وأعد للطبع ديوانه الخامس \ تبر وتراب .

اشتهر ايليا أبو ماضي بالتفاؤل وحب الحياة والإيمان بجمالها، ودعا الناس إلى الأمل، كما دعا إلى المساواة بين الغني والفقير. ومن أشهر قصائد ايليا ابي ماضي (قصيدة الطين) و(فلسفة الحياة).
اطلق عليه النقاد لقب \ شاعر الأمل والتفاؤل والشاعر يستحق هذا اللقب عن جدارة لاحظ قوله \

قال السماء كئيبةً وتجهمَ،
قلت ابتسم يكفي التجهم في السما،

قال الصبا ولّى فقلت له ابتسم،
لن يرجع الأسف الصبا المتصرّما

إيليا أبو ماضي شاعر رومانسي حالم، أحب الطبيعة فغناها أجمل شعره، ورأى في هدوئها وروعتها ما تقر به نفسه. أعجبته في بساطتها وجمالها وبعدها عن أدران الحياة وأكدارها، فكان ينشد الراحة بين أفيائها والهدوء بين مناظرها، فألهمته صوراً رائعة، وأخيلة مجنحة، ومعاني تسمو بالإنسان إلى مراتب السمو والجلال. و كان الامل الجمال حاضراً في أغلب أعمال أبي ماضي، الذي امتاز بعشقه للطبيعة والحياة الطبيعية يقول\

يا ليتني لصٌ لأسرق في الضحى،
سرَّ اللطافة في النسيم الساري

وأَجسَّ مؤتلق الجمالِ بأصبعي
في زرقة الأفقِ الجميلِ العاري

وجعل هذا الجمال قريناً لكل شيء،
ابوماضي كان يحمل روح الشرق في المهجر، ويحمل هم أمته العربية وما تقاسي من الام وهموم وهي ترزح في ظل الاستعمار الغربي الذي سرق كل شيء المال والارض والنفوس العربية وحاول طمس معالم هذه الامة واذلالها فكتب لمصر عندما هددها الطغيان لاحظ قوله في مصر \

خَلِّني أستصرخُ القومَ النياما
أنا لا أرضى لمصرٍ أن تُضاما

لا تلُم في نصرة الحقِ فتىً
هاجه العابثُ بالحق فلاما

ومع كل هذه الامور لم ينس أوجاع الفقراء والمسحوقين فكتب لهم كثيراً وجعلهم من ثوابت قلمه ارائه وكتاباته يقول فيهم \

وإن هم لم يقتلوا الأشقياء،
فيا ليت شعريَ من يقتلونْ

ولا يحزننكمُ موتُهمْ،
فإنهمُ للردى يولدونْ

وقولوا كذا قد أراد الإله
وإن قدر الله شيئا يكونْ

أما ا كتاباته عن وطنه لبنان هذا الوطن الغالي في نفس كل عربي فلم يغب عنه في غربته فكان لبنان محور يوميات ايليا أبي ماضي، قال فيه\

اثنان أعيا الدهر أن يبليهما
لبنان والأمل الذي لذويه

وأجاد مع الحرب العالمية في ترجمة الحنين إلى العائلة الام والاخوان والأرض شعراً لاحظ قوله \

وكان لي امل اذ كان لي وطن
يا جارتي كان لي أهلٌ وإخوان

فبتت الحرب ما بيني وبينهم
كما تقطع أمراس وخيطان

فاليوم كل الذي فيه مهجتي ألم
وكل ما حولهم بؤس وأحزان

اما في الحب والشوق والحنين الى الحبيبة فقد كانت تجارب أبي ماضي قاسيةً عاطفياً، ولكنه احتفظ بالأمل الذي لم يفارق كتاباته، فكان يخرج دوماً حالماً مبرراً القسوة والانكسار جاعلاً من هذا الانكسار ومن قسوة الحب قلعة تفاؤل وتمسك بالحب وصدقه ممزوجة بالحزن واللوعة مع أنه لم ينف الحزن في قلبه، الا انه ميزه عن اليأس \

إنما تلك أخلفت قبل ليلين من موعدي
لم تمت لا وإنما أصبحت في سوى يدي

شغف شاعرنا الحياة وتفاءل بها فإذا هو نهر ينساب في الغدران، وروض رياض يفوح عطراً وعبيراً، ونجم ساطع يمزق جلباب الظلام، وفجر يشع على الكون حباً وبشاشة ونوراً.
ابو ماضي شاعر فلسف الحياة فقد كان ذو رؤيةٍ فلسفية في كل شيء حوله فله في الموت فلسفة وفي الكون والوجود فلسفة وفي السياسة وفي المجتمع وفي الحب فلسفة
آمن أن الإنسان خالد وأن الموت ليس آخر المطاف، بل تكملة للمسيرة، شارك جبران خليل جبران في ايمانه بالتقمص والعودة بأشكالٍ حياتية أخرى، خصص مساحةً من شعره لما بعد الموت صب العداء على التعصب والطائفية، ونبذها في قصائده مبشراً بديانة الإنسان وانسانيته الفاضلة

وتوفي اثر نوبة قلبية عام \ 1957 في نيويورك.\امريكا .

وفي الختام نطلع على بعض من شعره يقول في قصيدة الطين وهي من اروع قصائده


نسى الطين ساعة أنه طين
حقير فصال تيهاً وعربد

وكسا الخز جسمَه فتباهى
وحوى الماَل كيسُه فتمرد

يا أخي لا تَمل بوجهك عني
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

أيها المزدهي إذا مسَّك السقم
ُ ألا تشتكى؟ ألا تتنهد؟

قمر واحد يطل علينا وعلى
الكـوخ والبناء الموطد

إن يكن مشرقاً لعينكِ إني
لا أراه من كوة الكوخ أسود

النجوم التي تراها أراها
حين تخفى وعندما تتوقد

لستَ أدنى على غناك إليها
وأنا معْ خصاصتي لستُ أبعَد

أنت مثلي من الثرى وإليه
فلماذا يا صاحبي التيه والصد؟


ويقول في رائعته الاخرى قصيدة ( ابتسم )


قال: السماء كئيبة، وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما

قال: الصبا ولّى فقلت له ابتسم
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

قال: التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جهنما

خانت عهودي بعدما ملكتها
قلبي فكيف أطيق أن أتبسما ؟

قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها
قضّيت عمرك كله متألما

قال: التجارة في صراع هائل
مثل المسافر كاد يقتله الظما

أو غادة مسلولة محتاجة
لدم وتنفث كلما لهثت دما

قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها
وشفائها فإذا ابتسمت فربما..

أيكون غيرك مجرما وتبيت في
وجل كأنك أنت صرت المجرما

قال: العدى حولي علت صيحاتهم
أأسر والأعداء حولي في الحمى ؟

قلت: ابتسم لم يطلبوك بذمة
لو لم تكن منهم أجل وأعظما

قال: المواسم قد بدت أعلامها
وتعرضت لي في الملابس والدمى

وعلي للأحباب فرض لازم
لكنّ كفي ليس تملك درهما

قلت: ابتسم يكفيك أنك لم تزل
حيا ولست من الأحبة معدما

قال: الليالي جرعتني علقما
قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما

فلعل غيرك إن رآك مرنما
طرح الكآبة جانبا وترنما

أتراك تغنم بالتبرم درهما
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما

يا صاح لا خطر على شفتيك
أن تتثلما والوجه أن يتحطما

فاضحك فإن الشهب تضحك
والدجى متلاطم ولذا نحب الأنجما

قال: البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

قلت: ابتسم مادام بينك والردى
شبر فإنك بعد لن تتبسما


****************************************








أحمد زكي أبو شادي

ولد أحمد زكي بن محمد ابوشادي بيك بحي عابدين بالقاهرة في التاسع من شباط سنة 1892 وكان والده نقيباً للمحامين وأحد كبار الوفد البارزين, وكان أبوه ذا مكانة مرموقة في المجتمع نقيباً للمحامين وصاحب جريدة " الظاهر " وله صالون أدبي يلتقي فيه كبار شعراء مصر وأدبائها وفي هذا الجو نشأ أحمد زكي أبو شادي . دخل المدرسة وهو ابن الرابعة من عمرهوتلقى أحمد زكي تعليمه الابتدائي بمدرسة الهياتم الأولية بحي الحنفي ثم بمدرسة عابدين الابتدائية, وأكمل دراسته الثانوية بالمدرسة التوفيقية الثانوية في مدينة شبرا وفي القسم الداخلي حيث افترق ابواه عن بعضهما سنة 1905, وتخرج من القسم العلمي منها سنة 1911, وكان في أثناء دراسته الثانوية صوتا مدويا في مدرسته للحركة النهضوية العربية المتمثلة بالزعيم المصضري الثائر مصطعى كامل فكان ينظم الشعر وخاصة الوطني ويثير عواطف الطلبة ويحرك الدم في قلوبهم ونفوسهم الشابة الثائرة اضافة الى كتابة المقالات في الصحف المصرية انذاك وقيل انه الف بعضا من الكتب اثناء دراسته الثانوية وكان لابيه مجالس للادباء والشعراء يحضرها احمد زكي وقد تعرف على كثير من الشعراءالذين يحضرون مجلس ابيه اذكر منهم احمد شوقي بك اميرالشعراء وحاظ ابراهيم شاعرالنيل وخليل مطران شاعر القطرين
والتحق أحمد زكي بمدرسة الطب بقصر العيني، وفي سنة 1913 وعمره عشرون سنة سافر إلى انجلترا ليدرس الطب, وتزوج من سيدة انجليزية فوفرت له الجو الملائم وقد أتم دراسة الطب وتخصص في علمي الأمراض الباطنية والجراثيم وفاز في عامين متتاليين بشهادة الشرف وجائزة " وب " في علم البكتريولوجي من مدرسة مستشفى " سانت جورج " وهي إحدى مدارس جامعة لندن الشهيرة وعندما رجع الدكتور أحمد زكي أبو شادي إلى وطنه مصر عمل طبيباً متنقلاً بين القاهرة والاسكندرية والسويس وبورسعيد وظل يعمل في الوظيفة العمومية حتى أصبح وكيلاً لكلية الطب بجامعة الاسكندرية . حيث أتقن اللغة الانجليزية واطلع على آدابها, ثم تخصص في البكتريولوجيا, ثم تحول إلى النحالة وأسس «نادي النحل الدولي»، كما أسس جمعية آداب اللغة العربية. وفي سنة 1922 عاد إلى مصر ليعيد نشاطه الثقافي والوطني وبعودته كانما أعيد إليها نشاطه الوطني. والثقافي فقد أنشأ في سنة 1933 مجلته «ابوللو» ودعى فيها إلى التجديد في الشعر العربي والتخلص من التقاليد التي تحجرت, وكان من انصار دعوته الشاعرين ابراهيم ناجي وعلي محمود طه الا ان دعوته اصطدمت بجدار قوي ووجهت دعوته بحرب قاسية وشديدة من قبل الشعراء المحافظين بل وحتى من أنصار التجديد (مدرسة الديوان التي يرأسها العقاد والمازني) فأصيب بخيبة أمل شديدة. جعلته يفضل الهجرة على البقاء في مصر
ضاق أبو شادي بالنقد الموجه له والهجوم عليه، فهاجر إلى نيويورك سنة 1946 في الولايات المتحدة الامريكية وكتب في بعض صحفها العربية، وعمل في التجارة وفي الإذاعة العربية في امريكا، وألف في نيويورك جماعة أدبية أسماها ( رابطة منيرفا) وقد ضمت الرابطة عددًا من الأدباء والمفكرين العرب. كما درس العربية في معهد اسيا بنيويوك في امريكا
كانت وفاته فجاءة في واشنطن حيث قضى نحبه في الثانيس عشر من نيسان عام \1955
امتازت شخصية الشاعرالمجيد والطبيب القدير والمفكر الاديب احمد زكي أبي شادي بالطموح والثقة بالنفس والايمان القوي بقدرات الانسان والتحلي بالمثل العليا والكفاح الثابت من أجل تحقيق ما يصبو إليه في مجال خلق التعاون والاخاء الأدبي وخدمة اللغة العربية والنقد الادبي
. وترك لنا العديد من الدواوين الشعرية حيث انه يمتاز بكثرة الانتاج الشعري ويعد من المكثرين في الشعر العربي منها\
الشفق الباكي
أطياف الربيع
أنين ورنين
أنداء الفجر
أغاني أبي شادي
مصريات
شعر الوجدان
أشعة وظلال
فوق العباب والينبوع
الشعلة
الكائن الثاني
و دعوة الراعي
كما نظم قصصاً تمثيلية منها :
أردشير
إحسان
عبده بك
الزباء ملكة تدمر
الالهة
اخناتون فرعون مصر
كان أبو شادي شاعراً صادق الحس رقيق الشعور, وقد مكنته حياته في انجلترا وأمريكا من الوقوف على التيارات الفكرية المعاصرة فتأثر بها وتحمس لها. واشتغل بالأدب والنقد ونظم الشعر بالعربية والانجليزية, وأسس في أمريكا جماعة أدبية سماها «رابطة منيرفا» وقام بتدريس اللغة العربية في معهد آسيا بنيويورك واختير عضواً عاملاً في «لجنة حقوق الإنسان». وكان هواه موزعاً بين أغراض مختلفة لا تقارب بينها فبالوقت الذي نراه شاعرا ذا انتاج شعري ثر ووفير غلب على شعره الطابع الوطني والحنين الى مصر انظراليه يقول
وددت قبل مـماتي أراك يا "مصر" مرة
وإن أكن في جنان فريدة الحسن حرة
ويقول ايضا \
وطني لو دعيت أن افتديه ما تمنيت غير تخليد رمسي
فاخرج لنا العديد من الدواوين الشعرية وقد انفق عليها كل ماورثه عن ابيه من ثروة وما كسبه في اعماله وكان اديبا ناثرا له العديد من الكتب الادبية والنقدية ومن خلال صفحات مجلته ( ابو للو). في الوقت الذي كان عضوا في جمعية حقوق الانسان نراه مؤسسا لنادي النحل الدولي اي ان حياته كانت متشعبة الجوانب ومختلفة الامور وقد اثبت كفاءته في كل جانب طرقه منها
. وقد صدرت عدة دراسات عنه وعن تأثيره الفكري والثقافي في تطور الشعر العربي المعاصر
ومن قصائده هذه القصيدة بعنوان ( المناجاة )

طرفتْ، فلما اغرورقتْ عيني
وصَحَتْ صحوتُ للوعةالبيْنِ

خمسٌ من السنوات قد ذهبتْ
بـأعـزِّ مـا سميتُه «وطني»

مـا زالـتِ «الأفراحُ» تنهبهُ
وهْي «المآتمُ» في رؤى الفَطِن

«أفـراحُ» ساداتٍ له نُجُبٍ
مـن كـل صُـعلوك ومُمتنِّ

طـالـتْ أياديهم، وإذ لمسوا
أعلى الذُّرا سقطوا عن القُنَن

يـا ليتهم سقطوا وما تركوا
زُمَـراً تُـتـابـعهم بلا أَيْن

تـركوا الوصوليّين، صاعِدُهُمْ
صِـنْـوٌ لهابطهم، أخو ضَغَن

وكـأنَّـهـم أكـوازُ ساقيةٍ
دوَّارةٍ بـالـشـرّ لـلفَطِن

لا شـيءَ يشغلهم ويسعدهم
إلا الأذى فـي الـسرِّ والعلن

عـبـثوا بنا وبكلِّ ما ورثتْ
(مصرُ) العزيزةُ من غِنى الزَّمن!

****
هـذا الربيعُ السمحُ،واكفُهُ
دمعي.. ودمعُ البؤسِ في وطني

خـلَّـفتُهُ أَسْوانَ.. قد سلبوا
قـهـراً وشـائجَ نفعِهِ منّي

خَـلَّـفـتُه لا شيءَ يشغلني
إلاهُ، وهْـو بـشـغله عنِّي!

وتـركتُه الأغلى الذي فُتنتْ
روحـي به، وأشاح عن فنِّي

يـا لـلـربيع مُمازحاً فَرِحاً
ولـئـن بكى، ومُشنِّفاً أُذني!
أُصـغـي إليه ولا أُحسُّ بهِ
وهـواه فـي قلبي وفي عيني

يـجـري ويـقفز في مداعبةٍ
نـشـوانَ مـن فَنَنٍ إلى فنن

والـشمسُ قد تركتْ غلائلَها
نَـهـبـاً لديه، فلجَّ في الفِتَن

وبـدتْ عرائسُهُ وقد وُلدتْ
فـي الـفجر راقصةً تُغازلني

عَـرِيـتْ، وكلُّ كيانها عَبَقٌ
ورؤى وأطـيـافٌ من اللَّوْن

يـا لُـطـفَها في ما تُبادلني
بِـمـنوَّعٍ من سحرها الفنِّي!
وأنـا كـأنّـي لم أخصَّ بِها
شِـعري ولم يزخر بها زمني

وكـأنّـمـا غفرتْ مُجانبتي
ورأتْ أسـايَ أجلَّ من دَيْني!

مـن ذا يُحسُّ شعورَ مُغتربٍ
غـيـرُ الـربيع بدمعهِ الهَتِن

غـيـرُ (الطبيعة) وهيَ حانيةٌ
تـسعى وتمنحنا الذي تجني؟

هـيَ بي ولَوْعة مهجتي أدرى
وبـكـلِّ مـا ألقاه من محن


ولـئن تكن عصفتْ فغَضْبَتُها
شِـبـهُ العتاب يُسا ا للوَسِن

إنْ حـال دون لقائها مرضي
وغـدا الفِراشُ مُحاصِراً ذهني

فـبـكـلِّ جارحةٍ لها شغفي
وبـهـا أظـلُّ مُناجياً وطني!

****
=================================









خير الدين الزركلي:


ولد الشاعر والكاتب خيرالدين الزركلي عام 1893م بمدينة بيروت من أبوين سوريين وبالتحديد من دمشق ونشأ في دمشق وترعرع فيها، ودرس على علمائها أمثال جمال الدين القاسمي، وعبد القادرالبدران، وأبي الخير الميداني، فنشا محبا شغوفا بالعربية ولغتها وادابها يسري في قلبه الولاء للدم العربي وقوميته الخالدة ونستبين ذلك من خلال مواقفه الوطنية، ونشاطه السياسي للذود عن حياض وطنه وامته وتحررها من ايدي الاستعمار الفرنسي الأمر الذي دفع المستعمر الفرنسي، إلى الحكم عليه بالإعدام، لكنه عندما سنحت له الفرصة هجر بلده الشام مرغما وتخلصا من اذى اعداء بلاده وظل شاعرنا يتنقل حينذاك، بين مكة المكرمة، والقاهرة، وعمان وينشر قصائده الوطنية ومنها القصيدة التي وصف معركة ميسلون الشهيرة والتي تعتبر من روائع الشعر العربي فيصور الفاجعة التي حلت بوطنه الغالي.
وكانت الصحف تتناقل هذه القصائد، التي كانت تتساقط على المستعمر سهاماً مسمومة وضرباته موجعة له بل فهي سياط ممضة ونار لاهبة تحرق المستعمرين الفرنسيين و تفضح باطله، وتثير الرأي العالمي ضده ولنقرأ معا هذه الابيات للشاعر خير الدين الزركلي وهو ي يصور معركة ميسلون، هذه المعركة غير المتكافئة يقول فيها :

الله للحدثان كيف تكيد

. بردى يغيض وقاسيون يميد

غلت المراجل فاستشاطت أمة

عربية غضباً وثار وقود

زحفت تذود عن الديار ومالها

. من قوة، فعجبت كيف تذود

الطائرات محوّمات حولها

والزاحفات صراعهن شديد

واثناء وجوده في مصرعام 1929 أقيم مهرجان خطابي شعري لمساندة ومؤازرة الثورة العربية في سوريا ضد الاستعمار الفرنسي فوقف ا امير الشعراء احمد شوقي ليلقي قصيدته القافية الرائعة والتي تعتبر من روائع الشعر العربي في العصر الحديث ومطلعها \
سلام من صبا بردى ارق

ودمع لا يكفكف يا دمشق

وقف خير الدين الزركلي بعده وأنشد قصيدته الرائعة ومطلعها \

الأهل أهلي والديار دياري

. . وشعار وادي النيربين شعاري

لقد تغني خير الدين الزركلي بأفراح سوريا خاصة والشام عامة ، وبكى أتراحها، وكانت مواقفه مشهودة محمودة، اشتهر معظم شعر بالطابع الوطني الجياش الذي يفيض عاطفة ويقطر ثورة في نفوس الشباب الشامي والعربي عموما ،وهذا ماينم عن شخصية وطنية عربية فذة تحمل بين جنباتها روحا عربية خالصة
فقد كان صوت الشام المدوي ، والناطق بلسانها ، والمعبر عن خلجاتها ومشاعرها، كان حقاً شاعر الشام، وكان ابنها البار، وكان

توفي خير الزركلي في عام 1976م، تاركا خلفه ثروة طائلة للغة العربية وامتها وقرائها وهو( كتاب الاعلام ) النفيس الذي صدر في عدة أجزاء،_ ولولم يترك الشاعرالزركلي الا كتاب الاعلام لكفاه شهرة _ و مجموعة من الكتب والمؤلفات ,والقصائد الشعرية.







احمد الصافي
شاعر المعاني



ولد أحمد بن علي بن صافي النجفي ولد عام 1897 اي قبل القرن العشرين في النجف في أسرة علمية دينية كان والده علي الصافي قد ورث علوم الدين عن أجداده، أما جدّه لأُمه فهو الشيخ محمد حسين الكاظمي أكبر علماء عصره وله عدد من المؤلفات الدينية. تعلم الصافي بعض اجزاء القرآن على (شيخة)، ثم تعلم الكتابة وأكمل قراءة القرآن في (الكتّاب) اي في (الملاّ) والملا رجل اتخذ مهنة تعليم القراءة والكتابة بالطريقة الابجدية وتعليم القران الكريم حتى اتمامه على احسن وجه وكانت هذه الطريقة موجودة عند العراقيين لحد الستينات من القرن العشرين . كان رغم صغر عمره ينوب عن المعلم في تدريس الخط للتلاميذ.
توفي والده بالكوليرا التي عمت العراق عام\ 1907 وكان أحمد في العاشرة من عمره فتسلم شقيقه الأكبر محمد رضا إعالة العائلة. بعد تخرجه من (الملاّ) درس الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان وأصول الفقه من كبار الاساتذة والمجتهدين منهم السيد أبو الحسن الأصفهاني حيث درس على يده لثمانية اعوام فأتقن هذه العلوم بجدارة وحاز عليها . وكان يقول الصافي( فصادرات بلدتي مشايخ وواردات بلـدتي جنائز) اي بلدته النجف

كان أحمد ضعيف البنية فأرهقته الدراسات فأصيب بالانهيار العصبي الشديد فأشار الأطباء عليه التوقف عن متابعة الدروس فاتجه إلى المطالعة في الأدب القديم وخاصة الشعر وقرؤاءة الصحف والمجلات فاكتسب معلومات ثقافية واسعة وأخذ ينشر مقالاته في مجلة المقتطف والهلال وهي مجلة صغيرة الحجم مصورة جامعة تنشر مقالات فيها الكثير مما يحدث في اوربا،و كانت تثقيفية يجد القراء فيها كل ما هو جديد من الانجازات العلمية والافكار المتطورة في اوربا و كانت هذه المجلة تصل العراق حتى البصرة ولم يكن بوسعه شرائها فكان يقرأها في المكتبة العامة في البصرة كما يقول الشاعرمتحدثا عن نفسه
اما المقتطف فكان يصدرها فريق من المثقفين وهي اول واوحد مجلة علمية كانت تصدر في العالم وهي المجلة الوحيدة التي عرفت العالم العربي بنظرية التطور داروين كانت تصدر من مصر
عند بلوغه سن العشرين وابان الحرب العالمية الأولى انتقل من النجف إلى البصرة بحثا عن العمل, ولكنه لم يحظ بتلك الفرصة لضعف بنيته واعتلال صحته, فتركهاوسافر إلى عبدان ومنها إلى الكويت.
عاد ال النجف بعد أشهر قليلة حيث لم يجد عملا فانكب على دراسة اللغة العربية وقواعدها وفنونها.
في عام \1920م شارك و اسهم مع اخيه اسهاما فعالا في الثورة العراقيةالشعبية( ثورة العشرين ) التي اشتعلت شرارتها من ارض جنوب العراق فحكم على اخيه بالاعدام الذي خفف الى السجن بينما هو انهزم متخفيا ,وراح هو ينظم الشعر ويهاجم الاستعمار والغاصبين حتى الهب الحماس في قلوب الشعب العراقي وشدد على نهضتهم وثورتهم وقد تمكن من إيصال رسالة الثورة \ثورة العشرين في مناهضة قوى الاحتلال ومطالبته بالاستقلال من خلال الكثير من القصائد الوطنية التي كتبها ودون فيها تفاصيل الثورة ومواقف الثوار والحوادث التي حصلت من المقاومة الباسلة والقتال الذي تكبدت فيه بريطانيا وقواتها افدح الخسائر
استطاع التخفي والتنقل من بلدة لأخرىفي صفوف الثوار وانتهى به الهرب إلى إيران فعكف هناك على دراسة اللغة الفارسية وعمل مدرسا للادب العربي في المدارس الثانوية في طهران. و بعد عامين ترك التدريس واشتغل بالترجمة والتحرير في الصحف الإيرانية. واستقر بولاية شيراز وهناك تعلم اللغة الفارسية وعمل مدرساً للآداب العربية في ثلاث مدارس وتابع نشر مقالاته في الصحف والمجلات فلفت الأنظار إليه وانتخب عضواً في النادي الأدبي وبعدها عيّن عضواً في لجنة التأليف والترجمة، ثم كلفته وزارة المعارف في ايران ترجمة كتاب في (علم النفس) لمؤلفيه علي الجارم وأحمد أمين من العربية إلى الفارسية كي يتم تدريسه في دار المعلمين بطهران فترجمه بدقة الى الفارسية، ثم ترجم رباعيات الخيام من الفارسية إلى العربية حيث تعتبر أفضل ترجمة لهذه الرباعيات لأنه نقلها عن الأصل الفارسي وطبعت للمرة الأولى في طهران.
اما موقفه من امارة الشعر - ليس للشعر امير فاذا كان له امير فهو ليست احمد شوقي اذ انه شاعر الخديوي وتربى بعزه وانما هو أيليا ابو ماضي وفي ذلك يقول \
(سألتـني الشعراء أيـن أميرهم
فأجبـت إيليـا بقـول مطلق) (قالوا وأنت! فقلت ذاك أميركم
فأنا الأمير لأمة لم تخلق).

قضى ثماني سنوات في طهران ثم عاد إلى العراق بطلب من الحكومة العراقية وأصدقائه ليخدم بلده العراق فعيّن قاضياً في مدينة الناصرية شغلها لثلاث سنوات.

عاد للعراق بعد\ 8سنوات قضاها في إيران, لكن صحته تتدهورت بشكل سريع وتكالبت عليه الامراض المختلفة فنصحه الاطباء بالسفر الى الشام( سوريا
و لبنان)لاعتدال الجو فيه مما يعينه على الراحة والاستشفاء.
في عام \1930 ذهب إلى سورية للاستشفاء وكان يتنقل بين دمشق وبيروت متابعاً رسالته الأدبية. عندما اندلعت الحرب بين الحلفاء والمحور عام \1941 أدخل الصافي النجفي السجن في سوريا بأمر السلطات الإنكليزية، مكث في التوقيف أربعين يوماً تحت إدارة الأمن العام الفرنسي ثم أفرج عنه ونظم في السجن ديوانه (حصاد السجن) منها هذه بعض الأبيات التي مظمها في السجن:

(لئن أسجن فما الأقفاص إلا
لليث الغاب أو للعندليب)
(ألا يا بلبلاً سجنوك ظلماً
فنحت لفرقة الغصن الرطيب).

أمضى الصافي 36 عاماً متنقلاً بين سورية ولبنان وكانت المقاهي ضالته في دمشق حيث كان يرتاد مقاه معينة مثل (الهافانا) و (الكمال) و (الروضة) لانها كانت ملتقى الشعراء والأدباء والصحفيين.وفي دمشق قال \
(أتيت جلق مجتازاً على عجل
فأعجبتني حتى اخترتها وطنا)
(يكاد ينسى غريب الدار موطنه
في ربعها، ويعاف الأهل والسكنا).

كان الصافي قليل الدخل فاتخذ غرفة قديمة في (مدرسة الخياطين) وكان من أصدقائه بدمشق الدكتور عبد السلام العجيلي وسعيد الجزائري وعمر ابوريشة وفخري الباروديواحمد الجندي وبدوي الجبل . ومن أصدقائه في لبنان الشاعر القروي وميخائيل نعيمة ومارون عبود. وغيرهم. في إقامته في لبنان كان يرتاد ومقهى البحرين ومقهى فاروق ومقهى الحاج داود وفي المساء كان يأوى إلى غرفة متواضعة قرب مستشفى (أوتيل ديو).و كان في كل هذه المقاهي معه النا ركيلة يدخن بها وهي ممارسة شائعة في العراق ولبنان وسوريا وفي مصر .
.(عاش احمد الصافي النجفي حياة الفقر- كما يصفه احد الذين كتبوا عنه - كانت ايامه بائسة بين غرفة بائسة بسوق الحميدية بدمشق مساءً وبالمقاهي نهاراً. في الغرفة كان يتدفأ برؤية المصباح، وفي المقهى يلتحف بالجرائد حول صدره إن مسه البرد، وهي قراطيسه أيضاً، كان يدون قصائده على ورقها، وكان يحرر ما كتبه على حواشي الجريدة أو أغلفة عُلب السكائر، ثم يحررها بعد عودته إلى غرفته في دفاتر أشعاره.)
أمضى مدة\ 46 عاما متنقلا بين سوريا ولبنان.
لقد اختار العروبة واظهر اعتداده وايمانه المطلق بها، وليس لعقيدة او حزب معين ، فالصافي بقي على لباس الكوفية والعقال والدشداشة لباسا عربيا مميز ا

اصيب في الحرب الاهلية اللبنانية حيث اصابته رصاصة طائشة أطلقها قناص في منتصف يناير 1976م وهو يبحث عن رغيف خبز يأكله بعد أن أمضى ثلاثة أيام لم يذق فيها الطعام, فحمله بعض المارة إلى المستشفى ولم يطل بها مكوثه لصعوبة الوضع القائم انذاك, فنقل إلى بغداد وقد كف بصره قبل عودته فلما وصلها انشد قائلا:

ياعودة للدار ما أقساها
أسمع بغداد ولا أراها

وفي بغداد اجريت له عملية جراحية لإخراج الرصاصة من صدره، ولكن العملية زادت جسده نحولا وضعفا فاسلم الروح بعد عدة ايام من اجرائها فتوفى في السابع والعشرين من شهر تموز من عام 1977 وقد ناهز الثمانين من العمر

عُرف الصافي بشاعر المعاني. و(إن أول تلك المميزات وأهمها هي البساطة في طرح الأفكار، وتناول الأشياء، والمعالجة الفنية للموضوعات، وهو يعبر عن ذلك أصدق تعبير).
لقد اختار العروبة واظهر اعتداده بها، وليس عقيدة او حزب معين ، فالصافي بقي على لباس الكوفية والعقال والدشداشة لباسا عربيا من الصنف البسيط،

صدرت بعد رحيله مجموعته الشعرية ( قصائدي الأخيرة )التي تضم آخر ما كتب من قصائد.
من مؤلفاته الشعرية
الامواج صدرت عام \1932
اشعة ملونة صدرت عام \1938
الاغوارصدرت عام \ 1944
الحان اللهيبصدرت عام \ 1944
شرارصدرت عام \ 1952
اللفحاتصدرت عام \ 1955
كما له مقالات جمعت في كتاب عنوانه
حصاد السجن
وله ايضا رباعيات عمر الخيام\ صدرت عام 1934 ترجمها من الفارسية الى العربية
ومن قصيده هذه الابيات من قصيدة (دولة الشعر )

بمجتمع النفاقِ أضعتُ عمري
وفي سوق الكسادِ عرضتُ شعري

ولولا أنني أرضيتُ فنّي
بشعري ما ظفرتُ بأيّ أجر

ولو صحَّ الطلاقُ لأيّ قومٍ
إذن طلَّقتُ قومي منذ دهر

أمُتُّ لهم بجسمي لا بروحي
وأحيا بين عصرٍ غيرِ عصري

وكنتُ اخترتُ شعباً غيرَ شعبي
وَلُوعاً بالحقائق حُرَّ فكر

ولكن كيف أسلو عن لسانٍ
وتاريخٍ تضمَّن خيرَ ذُخر؟

وكيف أعاف أجملَ ذكرياتي
وعهدَ صِباً بقلبي مستقرّ؟

يُكلِّفني النفاقَ محيطُ سوءٍ
وتأبى همّتي وكريمُ نَجْري

أبعدَ الأربعين أعاف خُلْقي
وحتى اليوم ما لَوّثتُ سِفْري

أرى زمني تجاهَلَني وإني
على رغم الزمانِ عرفتُ قدري

هويتُ صلاحَهُ وهوى فسادي
كلانا في نضالٍ مستمرّ

إذا ما الكونُ كلّفني فساداً
فأجملُ موضعٍ في الكون، قبري

وإن ساد النفاقُ على بلادٍ
فأغربُ ما تراه وجودُ حُرّ

رأيتُ العلمَ يُفسد جُلَّ قومي
كأن العلم مجبولٌ بشرّ

بذورُ العلمِ تأتينا بشوكٍ
وتأتي للأنام بخير زهر

وكانت دولةٌ للشعر دالتْ
ودالت مثلها دولاتُ نثر

وجاءت دولةٌ للمال تسعى
وتاجرَ أهلُها لكنْ بخُسر

بنبذ الشعرِ قد باهت ولكنْ
تُتاجر باسم (تذكارِ المعرّي(

فقلْ لـ «ابن العميدِ» سعدتَ عهداً
فقد كنتَ الوزيرَ بدون وِزْر


------------------------------------







محمد بن ابراهيم المراكشي
شاعر الحمراء



ولد السيد محمد بن الحاج إبراهيم السراج زيد بمدينة مراكش عاصمة المملكة المغربية سنة1897 ومراكش يقال
لها مراكش الحمراء لذا لقب شاعرنا ب(شاعر الحمراء)وأبوه كان يعمل بالسراجة ،لذا لقب بالسراج وقد تعلم القرآن الكريم بمراكش، ثم درس وتخرج من جامعة القرويين سنة 1901
ولم يخاط محلات أُخـَر معدة للقراءة،ذو قريحة متفتحة للادب والثقافة ، وله ميلان للشعر،ونال في أقرب وقت بعض الشهرة لدى أهل العلم من رجال الدين بقصائده الشعرية ، ودرس على
يد السيد الحاج السباعي التونسي الوكيل الشرعي الفقه الشرعي والادب بما فيه الشعر مدة أربعة أعوام،أو خمسة، بحيث كان يتكفل بنشر قصائد تلميذه الشاعر محمد بن ابراهيم المراكشي في الصحف التونسية لعلاقاته مع محرريها وبعد وفاة السيد الحاج السباعي دخل السيد محمد بن الحاج إبراهيم السراج عند سيادة الباشا السيد الحاج التهامي المزواري الملقب ( الأكلاوي ) بصفته معلم لصبيانه ، ثم بعد شهور، طرد منها، وبسبب ذلك، أشاع شعراً فادحاًُ في جانب سيادة الباشا، وخليفته السيد أحمد البياز حتى ألزمه ذلك الخروج مؤقتاً فالتجأ الى مينة( فاس)وقد جاء في كتاب ( شاعرالحمراء في الغربال ) للشرقاوي ذاكرا هذه الحادثة مايلي زيادة في الايضاح \
(جواباً عن كتابكم نمرة 344 المؤرخ 24 مارس الجاري، المتعلق بقصيدة مبيدة وطاعنة لسيادة باشا فاس، من مشيعها عبد الرحمان المعروفي، أتشرف بأن أخبركم أنه حقيقة ينسب العموم بـ مراكش للشاعر المحلي السيد محمد بن الحاج إبراهيم السراج الذي ذكر على ملإ من الناس، بأن له غرضاً في ذلك، وهو أخذ ثأر أحد أصدقائه بـ فاس الذي أسيء به عند حركة الهيجان الواقع ضد جريان الظهير المتعلق بـ البرابر)

وقد مدح السيد التهامي ببعض القصائد منها قصيدته ( الدمعة الخالدة ) التي نقتطف منها هذه الابيات \

أسال من الأجفان عن صدره نهرا
ليطفئ ما بالقلب مشتعلاً جمرا

فما نكد مثل الرعاة تراهمُ
غدا نهبهم نهباً وأمرهمُ أمرا!

وذا الأرعن المشدود بالحبل نصفه
منى ساس غير الضأن جاز به وعرا!

يسوس بـ فاس من بنيه كرامهم
فيقلبهم بطناً ويجلدهم ظهرا

وفي مدينة فاس اقدم الشاعر محمد بن إبراهيم المراكشي على هجاء الباشا البغدادي حاكم فاس\2 بقصيدته الشهيرة حيث ان الحاكم قام بجلد الوطنيين الاحرار المناهضين للحاكم (الظهير البربري ) حيث كانت مراكش تحت الحكم الفرنسي وحاكم مدينة فاس هو الظهير البربري وكان هذا على اثر تقرير سري كتبه كوميسار مدينة مراكش بناء على طلب الحاكم الفرنسي في مراكش بين فيه ان الشاعر متعاون مع الاحرار والوطنيين من شعبه ومؤيدا لهم لاحظه يقول \

أكتم ما بي لو يدوم التكتـــــــــــــــم
ولاكنه هم به القلب مفعـــــــــــــــم

بني وطني إن الشعوب وأهلهــــــــا
قد استيقظت طرا وأنتم نــــــــــــوم

هو الوطن المحبوب يرجو من أهلــه
سماعا لشكواه وأهله أنتـــــــــــــــم

مضى زمن الجهل الذميم زمانـــــــــه
وهذا زمان آن فيه التعلـــــــــــــــــم

فبالعلم شادوا في البحار مساكنــــــا
وفيها مع الحيتان عاموا وعامـــوا

وبالعلم سارت في السماء ركابهـــم
وقد أسرجوا متن الرياح وألجمـــوا

وبالعلم أفنى الفريقان بعضهــــــــم
وما اختلفت بين الفريقين أسهـــم

ومالي أرى هذي العوائد أنهـــــــا
وأضرارها فينا تزيد وتعظــــــــم

فهل من دواء للعوائد أنهـــــــــــا
إذا تركت في الجسم لا شك تعدم

أشدخ رؤوس كلما حان موســــم
ونهش أفاع نهشهن محــــــــرم


قال الكثير من قصائده في المدح لمعارفه والرجال المشهورين والمعروفين بوطنيتهم وحبهم للبلاد وخاصة رجا ل الدين وقصائد اخرى في الهجاء المقذع الشديد وجاء في ديوانه ( ديوان محمد بن ابراهيم المراكشي ) لاحمد شوقي بنبين مايلي
( و يحب العيش الراغد،ولا قدرة له على تعاطي مواصلة ومواظبة خدمة، ويستعمل الأقوال الهجوية اللا ذعة في مذمات الناس، الذين يؤدون له الدراهم أو يتركونه يأوي عندهم،ويستخرج الدراهم من عدة مستخدمين، وأعيان يخافون من هجائه، ويتصنع السيد محمد بن الحاج إبراهيم دائماً باستظهاره غاية الاحترام للحكومة الفرنسوية،وها يصلك طيه، ورقة في ارشاداته( عن استعلامات تتعلق به)
وقد ذكر هذه المقولة ايضا الكاتب اقبال احمد الشرقاوي في كتابه( شاعر الحمراء في الغربال) تحت عنوان في السياسة والتاريخ والاجتماع صفة 112
وفي سنة 1934 عندما تاسست الجمعية الخيرية بمدينة مراكش القى قصيدته المشهورة بهذه الماسبة نذكر منها الابيات التالية \

كيف المآلُ إذا تكون الحالُ
بالجوع تقضي نِسوةٌ ورجالُ؟

هذا الضعيفُ أمامكم مُسترحمً
يرجو النوالَ فهل لديكَ نوال؟

هذا أبو الأيتامِ خلفَكَ سائلاً
وأبو اليتامى دأبُه التَّسآل

فعساكَ تُشفق من أليم عذابهِ
وإذا فعلتَ فربُّنا فَعّال

آهٍ لأرملةٍ تقود صغارَها
والدمعُ من أجفانهم هطّال

آهٍ لها آهٍ لها آهٍ لها
لو كان تُجدي الآهُ حين تُقال

ظلّتْ تطوف على الأكفّ بهم وما
أجداهمُ الإدبارُ والإقبال

حتى إذا ما الليلُ أقبلَ كاشرًا
مُتبيّنًا مَن منهمُ يغتال

وجرتْ دموعُ اليأسِ فوق خدودهم
واليأسُ تعلم أنه قتّال

نظروا السماءَ بأعينٍ مُبتلّةٍ
وعلى التراب لهم فِراشٌ مالوا

عارٌ علينا أن تموتَ ضعافُنا
جوعًا وتفضلَ عندنا الأموال

جمعٌ لنور الهدي نورٌ واهتِدا
ولذي الضلال مَسبّةٌ وضلال

حقّقتمُ الآمالَ في إخوانكم
حاشا تخيب لديكمُ الآمال

سألوا فلبّيتم سؤالَ ذويكم
ما ضاعَ بين المسلمين سؤال

توفي الشاعر محمد بن ابراهيم المراكشي ( شاعر الحمراء) في سنة\ 1955
يمتاز شعره ببلاغته و سهولة لفظه وذو امكانية تعبيرية جيدة هو الاقرب لما يقع في النفس ويجيب على التساؤلات النفسية ونقد الاوضاع الاجتماعية صد ر ديوان الشعري بعنوان
( روض الزيتون ) في عام \ 2000 وفي الختام نطالع قصيدته المعروفة المسماة ( المطعم البلدي ) \

إن كان في كل أرض ما تشان بــــــه
فإن طنجة فيها المطعم البلدي
أخلاق أربابها كالمسك فــــــــي أرج
بعكس أخلاق رب المطعم البلدي
يأتيك بالأكل والذباب يتبـــــــــــــــعه
وكالضباب ذباب المطعم البــلدي
والبق كالفول إن جهلت بـــــــــــــــه
فعشه في فراش المطعم البلدي
ما بالبراغيث إن تثاءبت عجـــــــب
لما ترى حجمها بالمطعم البـــــلدي
تلقاك راقصة بالباب قائلـــــــــــــــــة
يامرحبا بضيوف المطعم البلــــــــــــدي
تبيت روحك بالأحلام في رعــــــــب
إن نمت فوق سرير المطعم البلـــــدي
وفي السقوف من الجدران خشخشة
فأي نوم ترى بالمطعم البلـــــــــــدي
ولا تعج فيه ابان المصيف ففـــــــي
المصيف نار لظى بالمطعم البلـــــــدي

وفي الشتاء من الثلج الفراش به
ومن حديد جدار المطعم البـــــــلـــــدي
أما الطبيب فعجل بالذهاب ـــــــــله
إذا أكلت طعام المطعم البــــــــــــــلدي
الطرف في أرق والقلب في خنق
والنفس في قلق بالمطعم البلــــــــدي
الصدر منقبض والمرء ممتعض
والشر معترض بالمطعم البـــــــــلدي
يا من مناه المكان الرحب في سفر
كالقبر في الضيق بيت المطعم البلدي
وليلة زارني في الفجر صاحبـــــه
ياشقوتي بنزول المطعم البـــــــــلدي
وكالمدافع خلف الباب سعلتـــــــــه
يهتز منها جدار المطعم البلـــــــــــدي
دق ، فمن قلت قال افتح فقلت لمن
قال افتحن أنا رب المطعم البلـــــــــدي
أشر من رؤية الجلاد رؤيتــــــــه
لما يزورك رب المطعم البلـــــــــــــــدي
وكم ثقيل رأت عيني وما نظرت
فيهم مثيلا لرب المطعم البلـــــــــــــدي
طاب الحديث له فجاء يسألنــــي
وقال:ماذا ترى في المطعم البلـــــــدي
فقلت خيرافقال:الخير أعرفــــــه
ويعرف الناس خير المطعم البلــــــــدي
إن كان عندك قل لي من ملاحظة
مثل الضباب بأفق المطعم البلـــــــــــدي
فقال: إن فضول الناس يقلقنـــي
هذا الذباب ذباب المطعم البلـــــــــــــدي
فقلت والبق قال : البق ليس به
بأس إذا كان بق المطعم البلـــــــــــــدي
فقلت:هذي البراغيث التي كثرت
مابالها كبرت في المطعم البــــــــــــلدي
فهزني كصديق لي يداعبنـــــــي
وقال:تلك جيوش المطعم البلــــــــــــدي
فقلت: عفوا فما لي من ملاحظة
وإنني معجب بالمطعم البلـــــــــــــــــــدي
فقال:ها أنت للحق اهتديت فقل
إذن متى ستزور المطعم البـــــــــــــــلدي
فقلت:إن قدر الله الشقاوة لـــي
فإنني سأزور المطعم البلــــــــــــــــــــدي
ينسى الفتى كل مقدور يمر به
إلا مبيت الفتى بالمطعم البلــــــــــــــــــــدي
يامن قضى الله أن يرمي به سفر
إياك إياك قرب المطعم البلـــــــــــــــــــدي




********************************************************















محمد مهدي الجواهري
شاعر العرب


ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري في النجف في السادس والعشرين من تموز عام 1899م ولد من أسرة نجفية محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر ، نسبة إلى أحد أجداد الأسرة والذي يدعى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر ، والذي ألّف كتاباً في الفقه واسماه (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ) . وكان لهذه الأسرة ، كما لباقي الأسر الكبيرة في النجف مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار الشخصيات الأدبية والعلمية .
مدينةالنجف كانت ولاتزال مركزا دينيا وأدبيا ، وللشعر فيها أسواق تتمثل في مجالسها ومحافلها ، وكان أبوه عبد الحسين عالماً من علماء النجف ، أراد لابنه الذي بدت عليه علائم الذكاء والمقدرة على الحفظ أن يكون عالماً من علماءالدين ، لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العا شرة.

قرأ القرآن الكريم وهو في سن امبكرة وتم له ذلك بين أقرباء والده وأصدقائه، ثم أرسله والده إلى مُدرّسين كبار ليعلموه الكتابة والقراءة، وعلوم اللغة العربية لترابط علوم اللغة بعلوم القران الكريم فأخذ عن شيوخه النحو والصرف والبلاغة والفقه وما إلى ذلك مما هو معروف في منهج الدراسة آنذاك . وخطط له والده وآخرون أن يحفظ في كل يوم خطبة من نهج البلاغة وقصيدة من ديوان المتنبي فيبدأ الفتى بالحفظ طوال نهاره منتظراً ساعة الامتحان مساءا بفارغ الصبر ، وبعد أن ينجح في الامتحان يسمح له بالخروج فيشعر انه خُلق من جديد ،ثم صحب والده إلى مجالس الكبار .

أظهر ميلاً كبيرا منذ الطفولة إلى الأدب فأخذ يقرأ في كتاب البيان والتبيين ومقدمة ابن خلدون ودواوين الشعرالعربي ، فنظم الشعر في سن مبكرة ، متأثراً ببيئته ، واستجابة لموهبة كامنة فيه .

كان أبوه يرغب ان عالماً لا شاعراً ، لكن ميله للشعر غلب عليه . وفي سنة 1917، توفي والده وبعد أن انقضت أيام الحزن عاد الشاب إلى دروسه وأضاف إليها درس البيان والمنطق والفلسفة.. وقرأ كل شعر جديد سواء أكان عربياً أم مترجماً عن الغرب .

كان في أول حياته يرتدي العمامة وهي لباس رجال الدين حيث نشأ نشأةً دينيه محافظة ، واشترك بسب ذلك في ثورة العشرين عام\ 1920م ضد السلطات البريطانية معمما فكان من الدعاة لها ويدعوا ليقضة عراقية عربية ضد المستعمرين ، انتقل الى بغداد حيث اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما تُوج ملكاً على العراق وكان لا يزال يرتدي العمامة ، ثم هجر العمامة كما ترك الاشتغال في البلاط الملكي وراح يعمل بالصحافة بعد أن غادر النجف إلى بغداد ، فأصدر مجموعة من الصحف منها جريدة ( الفرات ) وجريدة ( الانقلاب ) ثم جريدة ( الرأي العام ) وانتخب عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين .

لم يبق من شعره الأول شيء يُذكر ، وأول قصيدة له كانت قد نشرت في شهر كانون الثاني عام 1921 ، وأخذ يوالي النشر بعدها في مختلف الصحف والمجلات العراقية والعربية .

نشر أول مجموعة له باسم " حلبة الأدب " عارض فيها عدداً من الشعراء القدامى والمعاصرين .

ترك النجف عام \1927 بعد ان تم تعيينه معلماً على الملاك الابتدائي في الكاظمية وكان يطمح ان يعين مدرسا على الملاك الثانوي بدلا من الابتدائي .

أصدر في عام\ 1928 ديواناً أسماه ( بين الشعور والعاطفة ) نشر فيه ما استجد من شعره .
استقال من البلاط سنة 1930 ، ليصدر جريدة (الفرات) ، ، ثم ألغت الحكومة امتيازها بعد اصدار العدد العشرين منها فآلمه ذلك كثيراً ، وحاول أن يعيد إصدارها فلم يوفق ، فبقي بدون عمل إلى أن عُيِّنَ معلماً في أواخر سنة\ 1931 في مدرسة المأمونية ، ثم نقل الى ديوان وزارة المعارف ( التربية حاليا ) رئيساً لديوان التحرير .

و في عام\1935 أصدر ديوانه الثاني بإسم ديوان الجواهري .

-وفي أواخر عام \1936 أصدر جريدة (الانقلاب) إثر الانقلاب العسكري الذي قاده بكر صدقي لكنه شعر با نحراف حكومة الانقلاب عن أهدافه التي أعلن عنها فبدأ يعارض سياسة الحكم فيما ينشر في هذه الجريدة ، فحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر وبإيقاف الصحيفة عن الصدور شهراً .

وبعد سقوط حكومة الانقلاب غير اسم الجريدة إلى (الرأي العام) ، ولم يتح لها مواصلة الصدور ، فاغلقت مرات عديدة بسبب ما كان يكتب فيها من مقالات ناقدة ولاذعة للسياسات المتعاقبة .

لما قامت حركة مارس\ 1941 رشيد عالي الكيلاني والضباط الاحرار أيّدها الاانها فشلت بسبب وجود قوات الاستعمار البريطاني في العراق وبعد فشلها غادر العراق مع من غادر إلى إيران ، ثم عاد إلى العراق في العام نفسه ليستأنف إصدار جريدته

في عام\ 1944 شارك في مهرجان أبي العلاء المعري في دمشق .

ثم أصدر في عامي\ 1949 و 1950 الجزء الأول والثاني من ديوانه في طبعة جديدة ضم فيها قصائده التي نظمها في الأربعينيات والتي برز ت فيها شاعريته ًالكبيرةً .

شارك في عام\ 1950 في المؤتمر الثقافي للجامعة العربية الذي عُقد في الاسكندرية ثم انتخب رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيباً للصحفيين .

واجه مضايقات مختلفة في زمن حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم التي اعلن تاييده لها منذ البداية لما اكتنفها من احداث دامية فاضطر لمغادرة العراق عام \1961 إلى لبنان ومن هناك سافر الى اوربا ليستقربه المقام في براغ ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين .

أقام في براغ سبع سنوات ، وصدر له فيها في عام\ 1965 ديوان جديد سمّاه ( بريد الغربة ) .

عاد إلى العراق في عام\ 1968 بعد قيام حكومة حزب البعث الثانية بقيادة المرحوم احمد حسن البكر وخصصت له حكومة الثورة راتباً تقاعدياً قدره\ 150 ديناراً في الشهر .

في عام\ 1969 صدر له في بغداد ديوان (بريد العودة) .

و في عام\ 1971 أصدرت له وزارة الثقافة والإعلام العراقية ديوان ( أيها الأرق) .وفي العام نفسه رأس الوفد العراقي الذي مثّل العراق في مؤتمر الأدباء العرب الثامن المنعقد في دمشق . وفي العام نفسه أصدرت له وزارة الإعلام ديوان ( خلجات ) .

في عام 1973 رأس الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء التاسع الذي عقد في تونس .

الجواهري شاعر كبير فتحت بلدان عديدة فتحت أبوابها اليه لتحتضنه ولتضيفه مثل مصر، المغرب، والأردن بمزيد من الاجلال والتقدير
و الاحترام الذي حظي به الاانه اختار دمشق فاستقر فيها واطمأن إليها واستراح فكانت محطة لا ستراحته الاخيرة

كرمه الرئيس السوري حافظ الأسد بمنحه أعلى وسام في البلاد بعد القاء قصيدته دمشق وان قصيدة الشاعر الجواهري (دمشق جبهة المجد ) لهي اشراقة حديدة في الشعر العربي الحديث

يتصف أسلوب الجواهري بالصدق في التعبير والقوة في البيان والحرارة في الإحساس الملتحم بالصور الشعرية الهادرة كالتيار في النفس ، ولكنه يبدو من خلال أفكاره متشائماً حزيناً ككل الشعراء العراقيين المحدثين لما الم ببلدهم من احداث و من الحياة تغلف شعره مسحة من الكآبة والإحساس القاتم الحزين تخرج من نفسية معقدة تنظر إلى كل أمر نظر الفيلسوف الناقد الذي لايرضيه شيء.

وتوفي الجواهري في السابع والعشرين من تموز\ 1997 ، ورحل بعد أن تمرد وتحدىالزمن والطغاة الظالمين ودخل معارك كبرى وخاض غمرتها واكتوى بنيرانها فكان بحق شاهد العصر الذي لم يجامل ولم يحاب أحداً . , ولم يرضخ لاحد فكان نارا فوق علم وان الجواهري لهو متنبي العصر الحديث لتشابه اسلوبه باسلوبه وقوة قصيد ه ومتانة شعره

- ومن دواعي الصدف ان الجواهري ولد وتوفي في نفس الشهر، وكان الفارق يوماً واحداً مابين عيد ميلاده وذكرى وفاته. فقد ولد في السادس والعشرين من تموز عام \ 1899 وتوفي في السابع والعشرين من تموز 1997\

ومن قصائده هذه


أرح ركابكَ من أيـنٍ ومن عثَرِ
كفاك جيلانِ محمولاً على خـطر ِ

كفاك موحشُ دربٍ رُحتَ تَقطعهُ
كأنَّ مغـبرَّة لـيل بلا سحَرِ

ويا أخا الطير في ورْد ٍ وفي صَدَرٍ
في كلَّ يومٍ له عـُشٌ عـلى شجرِ

عريانَ يحمل مِنقاراً وأجـنحةً
أخـفَّ ما لمَّ مـن زادٍ أخو سَفَرِ

بحسبِ نَفسَكَ ماتعيا النفوسُ به
من فرط منطلق ٍ أو فرط منحدر

أناشدٌ أنت حتفاً صنعَ منتحرِ
أم شابكٌ أنت , مغتراً, يدَ القدر


خفـَّضْ جَناحيكَ لا تهزأ بعاصفةٍ
طوى لها النسر كشحيه فلم يطر ِ

ألفى له عِبرةً في جؤجؤٍ خضبٍ
من غيره, وجَـناحٍ منه منكسِر ِ

ياسامرَ الحي بي شوقٌ يرمِضٌني
إلى الَّلداتِ, إلى النجوى إلى السمَرِ

ياسامر الحي بي داءٌ من الضجَرِ
عاصاه حتى رنـيـنُ الكـأس والوترِ

لا أدَّعي سهرَ العشاق يشبعَهُم
ياسامرَ الحي بي جْـوع إلى السهَرِ

ياسامر الحي حتى الهم من دأبٍ
علـيه آب إلى ضربٍ من الخدَرِ

ياسامر الحي انَّ الدهرَ ذو عجبٍ
أعيت مذاهبه الجلىٌ على الفِكَرِ

كأنَ نـُعماءه حبلى بأبؤسهِ
من ساعةِالصفو تأتي ساعة الكـَدَرِ

تـندسُ في النـَّـشوات الحُمسِ عائذَةً
هذي فـُتـدركها الأخرى على الأثَرِ

ينَغٌص العَيش إنٌ المَوت يدرِكهُ
فنحن من ذين ِ بين الناب والظفرِ

والعمرُ كالليل نـحييه مغالطة
يـُشكى من الطول أو يشكي من القِصَرِ

وياملاعــبَ أترابـي بمنعَطَفٍ
من الفرات إلى كوفـانَ فالجِزُرِ

فالجسرُ عن جانبيه خفقُ أشرِعةٍ
رفـّافةٍ في أعالي الجو كالطررِ

إلى (الخورنق) باق في مساحبهِ
من أبن ماء السما ماجرٌ من أثرِ

تلكم (شقائقه) لــم تــأل ناشرةً
نوافج المسك فضـّتها يدُ المَطَرِ

بيضاءَ حمراءَ أسراباً يموجُ بها
ريشُ الطواويس أو مـَوْشـية الحَبَرِ

للآنَ يـُطرب سمعـي في شواطئه
صدحُ الحمـام وثغيُ الشـاة والبقر

والرملة ُ الدمثُ في ضوءٍ من القَمَرِ
والمدرجُ السَمحُ بين السـُوح والحُجَرِ

يا أهنأ الساع في دنـياي أجمَعُها
إذا عددتُ الهنيء الحلوَ من عُمري

تصوبـَّي من علٍ حتـى إذا إنحَدَرتْ
بي الحتـُوفُ لذاك الرمل فانحَدري

تـُمحى الغضارات في الدنيا سوى شفق
من الطفولة عـذبٍ مثلها غضَرِ

وتـُستطار طيوفُ الذكرياتِ سوى
طيفٍ من المهد حتى الـلحد مُدٌكَرِ

في(جنـَّـة الخلد) طافت بي على الكـبر
رؤيا شبابٍ وأحلام ٍ مـن الصِغَرِ

مجنـَّـحاتُ أحاسـيـس ٍ وأخلية
مثل الفراشات في حقل الصـِبا النضِـر

أصطادهنَّ بزعمي وهي لي شركٍ
يصطادُني بالسنا واللطـِف والخفَرِ

أقتادهـُنَّ إلى حربٍ على الضجر
فيصْطلن على حربي مع الضجرِ


-------------------------------------------------------























علي محمود طه
المهندس



ولد الشاعر علي محمود طه بمدينة المنصورة بمصر في الثالث من اب أغسطس سنة\ 1902 وذلك بمنزل يقع بجوار مسجد النجار الاثري بسوق الخواجات بالمنصورة وقد اطلق علي الشارع الذي يقع فيه البيت اسم الشاعر علي محمود طه تقديرا لشاعريته ، ولا يزال البيت علي حاله حتى الوقت الحاضر
حصل على الشهادة الابتدائية وتخرج في مدرسة الفنون التطبيقية سنة 1924م حاملاً شهادة تؤهله لمزاولة مهنة هندسة المباني . واشتغل مهندساً في الحكومة لسنوات طويلة ،
يسّر له اتصاله ببعض رجال السياسة العمل في مجلس النواب .
وقد عاش حياة سهلة لينة ينعم فيها بلذات الحياة كما تشتهي نفسه الحساسة الشاعرة . وأتيح له بعد صدور ديوانه الأول " الملاح التائه " عام \1934 فرصة السفر و قضاء الصيف في السياحة في أوربا يستمتع بمباهج الرحلة في البحر ويصقل ذوقه الفني بما تقع عليه عيناه من مناظر جميلة . علي محمود طه شاعر الوطنية الحقة ورافع لواء النهضة العربية الحديثة له الكثيرمن القصائد في مناضلة الامة ومقارعتها لاعدائها يقول في قصيدته الرائعة التي تغنى بها المغنون وطرب لها الشعراء والادباء وكل العرب يحث بها الشباب العربي على طرد الصهاينة من فلسطين \

أخي، جاوز الظالمون الــمـدى
فحــــقَّ الجهـــادُ، وحقَّ الفـِدا

أنتركهُمْ يغصبونَ العُــــروبــــةَ
مجـــد الأبــــوَّةِ والـســـــؤددا؟

وليسوا بِغَيْرِ صليلِ الســيـوف
يُجيـــبونَ صوتًا لنا أو صـدىِ

فجــرِّدْ حـــسامَكَ من غـــمــدِهِ
فليس لهُ، بـــعـــدُ، أن يُغـــمـدا

أخي، أيهـــا العربيُّ الأبيُّ أرى
اليوم موعـــدنا لا الـــــــغــــــدا

أخي، أقبل الشرقُ في أمــــــةٍ
تردُّ الـــضلال وتُحيي الــــهُـدى

أخي، إنّ في القدسِ أختًا لنـا
أعــــدَّ لها الذابحون الـــمُــــدى

صبرنا على غدْرِهم قادرينــا
و كنا لَهُمْ قــدرًا مُــــرصــــــدًا

طلعْنا عليهم طلوع المنــونِ
فطاروا هبـــاءً، وصاروا سُدى

أخي، قُمْ إليها نشقُّ الغــمـار َ
دمًا قانيًا و لــظى مـــــرعـــــدا

أخي، ظمئتْ للقتال السيـــوفُ
فأوردْ شَباها الدم المُـــصــعـدا

أخي، إن جرى في ثراها دمي
وشبَّ الضرام بهــا مـــــوقــدا

فـفــتـِّـشْ على مهجـــةٍ حُرَّة
أبَتْ أن يَمُرَّ عـــليها الـــعِـــــدا

وَخُــذْ راية الحق من قبضــةٍ
جلاها الوَغَى، و نماها الــنَّدى

وقبِّل شهـــيدًا على أرضهـــا
دعا باسمها الله و استــشهــدا

فلسطينُ يفدي حِماكِ الشبابُ
وجلّ الفــــدائــي و المُــفتــدى

فلسطين تحميكِ منا الصـدورُ
فـــــإمًا الحياة و إمــا الـــرَّدى

. إحتل علي محمود طه مكانة رفيعة بين شعراء الأربعينيات في مصر بعد ان صدر ديوانه الاول وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحاً لا سيما \ لامارتين. وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه بمدينة المنصورة وخاصة نهر النيل العظيم من أمتع قصائد الديوان وأبرزها
علي محمود طه من أعلام مدرسة أبولو التي أرست أسس الرومانسية في الشعر العربي
يقول عنه أحمد حسن الزيات: (_كان شابًّا منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلا قصيدة من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك)

كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق الرفيع فيه أغلب من الثقافة. وكان انسجام الأنغام الموسيقية مظهرا من اهتمامه بالتعبيرالشعري . ورغم افتتانه الشديد بالمرأَة وسعيه لمناجاتها وشغفه بها وما تظهره قصائده الرائعة من التغزل بها بقوة وصدق عاطفة إلا أنه لم يتزوج. طيلة حياته
لم يسعف الزمان علي محمود طه كثيرا فقد توفي في 17 تشرين الثاني نوفمبرسنة \1949 إثر مرض قصير لم يمهله كثيراً وهو في قمة عطائه وقمة شبابه، ودفن بمسقط رأسه بمدينة المنصورة

صدرللشاعر الدواوين التالية \
الملاح التائه، عام \ 1934
. ليالي الملاح التائه \1940
أرواح وأشباح \1942
شرق وغرب \1942.
زهر وخمر \1943.
أغنية الرياح الأربع \1943.
الشوق العائد \1945 وغيرها.
ثم طبع ديوانه كاملاًََ في بيروت.

يقول عنه لاستاذ الدكتور محمد عناني (المفتاح لشعر هذا الشاعر [علي طه] هو فكرة الفردية الرومانسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة ولا تشعره بضغوطها.. بحيث لم يستطع أن يرى سوى الجمال وأن يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومانسية الماضي.. كان علي محمود طه أول من ثاروا على وحدة القافية ووحدة البحر، مؤكداً على الوحدة النفسية للقصيدة، فقد كان يسعى - كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب - أن تكون القصيدة بمثابة "فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة.. كان على محمود طه في شعره ينشد للإنسان ويسعى للسلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا..)
علي محمود طه من شعراء الرمزية في الشعرالعربي صاغها بطابع الرومانسية والحرية الشخصية فكانت قصائده تسبح في بحور الشعر ذات الموسقى الشجية تحمل في طياتها الق الحياة الشبابية العاطفية الثائرة فتاتي ابيات قصيدته ثرة معطاء تتدفق الى القلب تدفق الماء الزلال لتمنحه قوة التلقي حب الشعر واللافتتان به مما دفع المطربون ان يتغنون بقصائده مثل فلسطين والجندول وكليوباتره وغيرها
ومن راوئعه قصيدة الجندول يقول فيها \

اين من عيني هاتيك المجالي
ياعروس البحر , ياحلم الخيال
اين عشاقك سمار الليالي
اين من واديك يامهد الجمال
موكب الغيد وعيد الكرنفال
وسرى الجندول في عرض القتال

****************
بين كأس يتشهى الكرم خمره
وحبيب يتمنى الكأس ثغره
التقت عيني به أول مره
فعرفت الحب من أول نظره
أين من عيني هاتيك المجالي
ياعروس البحر , يا حلم الخيال

******************
مر بي مستضحكا في قرب ساقي
يمزج الراح بأقداح رقاق
قد قصدناه على غير اتفاق
فنظرنا , و ابتسمنا للتلاقي
وهو يستهدي على المفرق زهره
ويسوي بيد الفتنة شعره
حين مست شفتي اول قطره
خلته ذوب في كأسي عطره
أين من عيني هاتيك المجالي
ياعروس البحر , يا حلم الخيال

**********************
ذهبي الشعر , شرقي السمات
مرح الأعطاف , حلو اللفتات
كلما قلت له : خذ . قال : هات
ياحبيب الروح يا أنس الحياة
أنا من ضيع في الاوهام عمره
نسي التاريخ أو أنسي ذكره
غير يوم لم يعد يذكره غيره
يوم ان قابلته أول مرة
أين من عيني هاتيك المجالي
ياعروس البحر , ياحلم الخيال

*************************

قال: من اين ؟ وأصغي ورنا
قلت : من مصر , غريب ههنا
قال : ان كنت غريبا فأنا
لم تكن فينيسيا لي موطنا
أين مني الان أحلام البحيرة
وسماء كست الشطآن نضره
منزلي منها على قمة صخره
ذات عين من معين الماء ثره
أين من فارسوفيا تلك المجالي
يا عروس البحر , ياحلم الخيال

******************

قلت, والنشوة تسري في لساني
هاجت الذكرى , فأين الهرمان
أين وادي السحر صداح المغاني؟
أين ماء النيل ؟ أين الضفتان
آه لو كنت معي نختال عبره
بشراع تسبح الأنجم اثره
حيث يروي الموج في أرخم نبره
حلم ليل من ليالي كليوبتره
أين من عيني هاتيك المجالي
يا عروس البحر , ياحلم الخيال
******************

ايها الملاح قف بين الجسور
فتنة الدنيا وأحلام الدهور
صفق الموج لولدان وحور
يغرقون الليل في ينبوع نور
ماترى الاغيد وضاء الاسره؟
دق بالساق وقد اسلم صدره
لمحب لف بالساعد خصره؟
ليت هذا الليل لا يطلع فجره
أين من عيني هاتيك المجالي
ياعروس البحر , ياحلم الخيال

*********************

رقص الجندول كالنجم الوضي
فاشد ياملاح بالصوت الشجي
وترنم بالنشيد الوثني
هذه الليلة حلم العبقري
شاعت الفرحة فيها والمسره
وجلا الحب على العشاق سره
يمنة مل بي على الماء ويسره
ان للجندول تحت الليل سحره
اين يافينيسيا تلك المجالي؟
أين عشاقك سما ر الليالي ؟

******************

أين من عيني يامهد الجمال ؟
موكب الغيد وعيد الكرنفال؟

ياعروس البحر , ياحلم الخيال !!
***********************************





ابو القاسم الشابي


ولد أبو القاسم الشابي في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شباط عام 1909م الموافق الثالث من شهر صفر سنة 1327 هـ في مدينة(_ توزر) احدى مدن تونس الخضراء
. قضى الشيخ محمد الشابي( والده ) حياته المسلكية في القضاء حيث كان قاضيا يتنقل بحكم عمله لمختلف المدن التونسية حيث تمتع الشابي بجمالها الطبيعي الخلاب، ومن اغلب الاحتمالات أن يكون الشيخ محمد قد نقل أسرته معه وفيها ابنه البكر أبو القاسم وهو يتنقل بين هذه البلدان، وقيل ان القاضي محمد الشابي الكبير قد بقي في مدينة( زغوان) حتى مرض مرضه الأخير ثم رغب في العودة إلى( توزر) فرجع، ولم يعش الشيخ محمد الشابي طويلاً بعد رجوعه إلى توزر فقد توفي في الثامن من أيلول –سبتمبر 1929 الموافق للثالث من ربيع الثاني 1348 هـ.
الشيخ محمد الشابي كان رجلاً صالحاً تقياً يقضي يومه بين المسجد والمحكمة والمنزل وهذه حالى كثيرا ما تلازم رجال القضاء وفي هذا الجو نشأ أبو القاسم الشابي فقد ولد في عام 1917 في( قابس) وقيل ولد (الشابية ) واليها نسب ثم مات عنه أبوه وهو في سن الحادية عشر من عمره ولكنه أتم تعليمه في المدرسة الصادقية أقدم المدارس في القطر التونسي لتعليم العلوم الحديثة واللغات الأجنبية وقد أصبح الأمين وهو شقيق ابي القاسم الشابي الشاعر مديرا لفرع خزنة دار المدرسة الصادقية نفسها ثم اصبح الأمين الشابي أول وزير للتعليم في الوزارة الدستورية الأولى في عهد الاستقلال فتولى المنصب من عام 1956 إلى
عام 1958م.

تخرج ابو القاسم الشابي من جامعة الزيتونة اعرق الجامعات العربية وكان يشعر خلال دراسته أنه مريض قلبه الا ان أعراض الداء لم تظهر عليه واضحة إلا في عام 1929 وكان والده رغب بتزويجه والح عليه في ذلك فلم يجد أبو القاسم الشابي مع شعوره بالمرض والهزال بغية التوفيق بين رغبة والده وبين مقتضيات حالته الصحية بداً من أن يستشير طبيباً
في ذلك
ذهب الشابي برفقة صديقه المخلص اليه زين العابدين السنوسي لاستشارة الدكتور محمود الماطري وهو من افضل الأطباء، ولم يكن قد مضى على ممارسته الطب يومذاك سوى عامين وبسط الدكتور الماطري للشابي حالة مرضه وحقيقة أمر ذلك المرض وقد حذر الشابي على من عواقب الإجهاد الفكري والبدني وبناء على رأي الدكتور الماطري وامتثالاً لرغبة والده عزم الشا بي على الزواج وعقد قرانه.

كان ابو القاسم الشابي مصاباً بالقلب منذ نشأته وأنه كان يشكو انتفاخاً وتفتحاً في قلبه ومع مضي الايام حالته ازدادت سوءاً فيما بعد بعوامل متعددة منها التطور الطبيعي للمرض بعامل الزمن ثم ان الشابي كان في الأصل ضعيف البنية نحيل الجسم ومنها أحوال الحياة التي تقلّب فيها في طفولته ومنها الأحوال السيئة التي كانت تحيط بالطلاب عامة في مدارس السكن التابعة لجامعة الزيتونة ذات التاثير السيء على حياته . ومنها الصدمة التي تلقاها بموت محبوبتة الصغيرة والتي كانت من اسباب إهماله لنصيحة الأطباء في الاعتدال في حياته البدنية والفكرية ومنها أيضاً زواجه فيما بعد.حيث لم يأتمر الشابي بنصيحة الأطباء إلا بترك الجري والقفز وتسلق الجبال والسياحة ولعل الألم النفسي الذي كان يلم به من الإضطراب عن ذلك كان أشد عليه مما لو مارس بعض أنواع الرياضة باعتدال. وقد كتب في مذكراته يوما فقال ( ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية).
وقد وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال: (إن صدقنا أطباؤه وخاصة الحكيم الماطري قلنا إن الشابي كان يألم من ضيق الأذنية القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافياً وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً (سبيله) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب ما بين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث وهم على وشك البلوغ).
فالأطباء كانوا يصفون له الإقامة في الأماكن المعتدلة المناخ.
قضى الشابي صيف عام 1932 في (عين دراهم) مستشفياً وكان يصحبه أخوه محمد الأمين ويظهر أنه زار في ذلك الحين بلدة( طبرق) برغم ما كان يعانيه من الألم، ثم أنه عاد بعد ذلك إلى( توزر) وفي العام التالي اصطاف في( المشروحة) إحدى ضواحي مدينة ( قسنطينة) من أرض القطر الجزائري وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر تشرف على مساحات مترامية وفيها من المناظر الخلابة ومن البساتين ما يجعلها متعة الحياة الدنيا وقد شهد الشابي بنفسه بذلك ومع مجيء الخريف عاد الشابي إلى تونس الحاضرة ليأخذ طريقة منها إلى( توزر) لقضاء الشتاء فيها. غير أن هذا التنقل بين المصايف والمشاتي لم يجد الشابي نفعاً فقد ساءت حاله في آخر عام 1933 واشتدت عليه الآلام فاضطر إلى ملازمة الفراش مدة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه (حامة توزر) طالباً الراحة والشفاء من مرضه المجهول ومنعه الأطباء الاشتغال بالكتابة والمطالعة. غادر الشابي توزر إلى العاصمة وبعد أن مكث بضعة أيام في أحد فنادقها وزار حمام الأنف، أحد أماكن الاستجمام شرق مدينة تونس نصح له الأطباء بأن يذهب إلى( أريانة) وكان ذلك في أيلول من نقس العام (واريانة )ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة تونس وهي موصوفة بجفاف الهواء. ولكن حال الشابي ظلت تسوء وظل مرضه عند سواد الناس مجهولاً أو كالمجهول وكان الناس لا يزالون يتساءلون عن مرضه هذا: هل هو داء السل هو أم مرض القلب؟.

ثم أعيا مرض الشابي الاطباء على عناية وتدبير فرديين فدخل مستشفى الطليان في العاصمة التونسية فظهرانه مصاب بمرض القلب
توفي أبو القاسم الشابي في المستشفى في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً في الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين الموافق لليوم الأول من رجب سنة 1353 هـ.

نال الشاعر التونسي الكبير ابو القاسم الشابي بعد موته عناية كبيرة ففي عام 1946 تألفت في تونس لجنة لإقامة ضريح له نقل إليه نقل اليه جثمانه باحتفال جرى يوم الجمعة في السادس عشر من جماد الثانية عام 1365 هـ.
ويتعبر الشابي افض واندر شاعر في أجمل تعبير عن انوار تونس والمغرب العربي التي استفادت منها بلاد المشرق والمغرب العربي
نظم الشابي قصائده في مدى ثماني سنوات أو عشر في الأكثر. مما يلفت النظر أن الشابي ظهر فجأة كشاعر تام النضج كما يقول الحليوي أو على شيء كبير من النضج فهو قد نبغ في الشعرنبوغا وقال الشعر صبيا وشعره في الصبا كان تاما كاملا من حيث البلاغة الادبية والتصويرالشعري الجميل للطبيعة التي افتتن بها فهو ابن تونس الخضراء التي تلم به من كل جانب وصوب اضافة الى ذلك فهو شاعر وجداني وهو برغم صغر سنه شاعر مجيد مكثر يمتاز شعره بالرومانسية فهو صاحب لفظة سهلة قريبة من القلوب وعبارة بلاغية رائعة يصوغها باسلوب او قالب شعري جميل فهو بطبيعته يرنو الى النفس الانسانية وخوالجها الفياضة من خلال توسيعه لدائرة الشعر وتوليد ومسا يرة نفسيته الشبابية في شعر جميل وابتكار افضل للمواضيع المختلفة بحيث جاءت قصيدته ناضجة مؤثرة في النفس خارجة من قلب معني بها ملهما اياها كل معاني التاثرالنفسي بماحوله من حالة طبيعية مستنتجا النزعة الانسانية العالية لذا جاء شعره متاثرا بالعالمين النفسي والخارجي
جرى الشابي في شعره على أسلوبين : اسلوب فخم متين النسج جاء به في طوره الأول في الأكثر وخص به قصائده في الحكمة والرثاء والفخر ، ثم أسلوب لين سلس جاء به في القصائد التي طواها على أغراضه الوجدانية والخيالية. وكان من الطبيعي أن تضم قصائده التي على الأسلوب الأول الفاظاً جزلة والفاظاً غريبة وأن تكون متخيرة تدل على إحاطته بالقاموس العربي إلى حد كبير.
والشابي كان ثائرا على عمود الشعر العربي ، وعلى الحياة العربية الأصلية ، أراد أن يتجنب الألفاظ الإسلامية ذات النفحه العربية وملامحها ليتبدل بها ألفاظاً وثنية الأصل عامية الاستعمال في بعض قصائده ، وخصوصاً في طوره المتأخر.لما يحسه في قرارة نفسه من مرارة الحياة في المرض وعدم جدوى العلاج وسأمه من الحياة حيث انه في شعره شبه ثورة على كل ماهو ماض وقديم
والتراكيب الشعرية عند الشابي كالفاظه تجري مجريين: مجرى أساليب العرب ومجرى آخر كثير التحرر والانفلات من أساليب العرب يجب أن يكون التركيب صحيحاً متيناً. ونعني بالتركيب الصحيح أن تجري الجملة على أساليب العرب في الترتيب ووجوب التقديم والتأخير أو جوازهما وفي الاضمار وما إلى ذلك من القواعد اللغوية العربيةوالشعرية .من اناقة التعبير ورصانته وأصالته هي الدعائم الأولى التي يقوم عليها اسلوب الشابي الذي امتاز بالبعد عن (ا لركاكة ) التي أخذت على كثيرين من شعراء العربية
- يتميز الشابي كونه خيالي التفكير خيالي التعبير يبحث عن مثل أعلى من صنع هذا الخيال فلا يجده في العالم الذي يعيش فيه فينقلب شاكياً باكياً ثم تصطبغ آراؤه وتعابيره بالأسى والحزن والكآبة والوجوم. و قد امتلك ناصية الشعر الممتزجة بالخيال ورغم انه سكت عن الخيال عند الشابي أن التصور عند الشابي كان صادقاً حقيقاً لمن عاشرهم وسكنوا نفسه وانطبعوا في روحه وهي اشباح لأناس حقيقين لا خياليين فما كان ابوه رمزاً خيالياً ولا كانت عشيرة صباه بجنة شاعر أو حلم كاذب.انه يترجم في شعره الحقيقة ذاتها ومع كل ذلك كان للشابي خيال مولد موغل في الغرابة يصطنع من الأمور العادية مشاهد وقصصاً جميلة .
وفي بعض الاحيان نجد الجد يغلب على قصائد ديوان الشابي ولا ريب في ان اتجاه الرجل كان جدياً حزيناً ولكن يبدو أن الشابي كان في ايام تلمذته قبل ان يعلم مرضه أو قبل أن يدرك خطورة مرضه يميل إلى الهزل والمعابثة ككل شاعر آخر أو ككل أنسان في صباه.
اما اغراضه الشعرية فقد كانت أغراض الشابي محدودة في نطاقها فهي تدور في الوجدانيات وما يتبعها من التأمل في الحياة وكان الشابي منذ صباه وفي اول احياته الشهرية قال إنه عازف عن الفنون الشعرية المألوفة او التقليدية و ملتزم بما يعبرّ فيه عن شعوره ونفسيته ، لذا نلاحظ ان الا غراض الشعرية اوالفنون الشعرية في قصائده مستوحاة من التأمل في الحياة الطبيعية في كل مجرياتها فهو يتنقل بين زقزقة العصافير وتغريد البلابل ونوح الحمام ويتنقل بشعره او وهوينشد شعره بين الغابات والحدائق والبساتين والورود والجبال والشجر وفي الحياة الاجتماعية و السياسية والوطنية والحياة الأدبية بما تمليه عليه الظروف و بشعر به ازاءكل منها و كذلك في الحياة العامة وما يشعر به ازاء الحياة والموت
اما الموضوعات الوجدانية مثل رثاء أبيه او اي شخص عزيز عليه او الاباء والتفس و المجد ) والموضوعات النفسية الاخرى فقد كانت قصائده مليئة بها، الشعر مثل التبرم بالحياة و الشعور بالضيق و بالغزل والحب. فقد نخنى الحياة والحب كثيرا ولكل شاعر سلوبه في ذلك
ومن اروع ماقاله ابوالقاسم الشابي قصيدته ارادة الحياة التي لايزال كل الشعب العربي في المشرق والمغرب يتغنى بها

نظم الشابي قصائده في مدى ثماني سنوات أو عشر في الأكثر. مما يلفت النظر أن الشابي ظهر فجأة كشاعر تام النضج كما يقول الحليوي أو على شيء كبير من النضج فهو قد نبغ في الشعرنبوغا وقال الشعر صبيا وشعره في الصبا كان تاما كاملا من حيث البلاغة الادبية والتصويرالشعري الجميل للطبيعة التي افتتن بها فهو ابن تونس الخضراء التي تلم به من كل جانب وصوب اضافة الى ذلك فهو شاعر وجداني وهو برغم صغر سنه شاعر مجيد مكثر يمتاز شعره بالرومانسية فهو صاحب لفظة سهلة قريبة من القلوب وعبارة بلاغية رائعة يصوغها باسلوب او قالب شعري جميل فهو بطبيعته يرنو الى النفس الانسانية وخوالجها الفياضة من خلال توسيعه لدائرة الشعر وتوليد ومسا يرة نفسيته الشبابية في شعر جميل وابتكار افضل للمواضيع المختلفة بحيث جاءت قصيدته ناضجة مؤثرة في النفس خارجة من قلب معني بها ملهما اياها كل معاني التاثرالنفسي بماحوله من حالة طبيعية مستنتجا النزعة الانسانية العالية لذا جاء شعره متاثرا بالعالمين النفسي والخارجي
جرى الشابي في شعره على أسلوبين : اسلوب فخم متين النسج جاء به في طوره الأول في الأكثر وخص به قصائده في الحكمة والرثاء والفخر ، ثم أسلوب لين سلس جاء به في القصائد التي طواها على أغراضه الوجدانية والخيالية. وكان من الطبيعي أن تضم قصائده التي على الأسلوب الأول الفاظاً جزلة والفاظاً غريبة وأن تكون متخيرة تدل على إحاطته بالقاموس العربي إلى حد كبير.
والشابي كان ثائرا على عمود الشعر العربي ، وعلى الحياة العربية الأصلية ، أراد أن يتجنب الألفاظ الإسلامية ذات النفحه العربية وملامحها ليتبدل بها ألفاظاً وثنية الأصل عامية الاستعمال في بعض قصائده ، وخصوصاً في طوره المتأخر.لما يحسه في قرارة نفسه من مرارة الحياة في المرض وعدم جدوى العلاج وسأمه من الحياة حيث انه في شعره شبه ثورة على كل ماهو ماض وقديم
والتراكيب الشعرية عند الشابي كالفاظه تجري مجريين: مجرى أساليب العرب ومجرى آخر كثير التحرر والانفلات من أساليب العرب يجب أن يكون التركيب صحيحاً متيناً. ونعني بالتركيب الصحيح أن تجري الجملة على أساليب العرب في الترتيب ووجوب التقديم والتأخير أو جوازهما وفي الاضمار وما إلى ذلك من القواعد اللغوية العربيةوالشعرية .من اناقة التعبير ورصانته وأصالته هي الدعائم الأولى التي يقوم عليها اسلوب الشابي الذي امتاز بالبعد عن (ا لركاكة ) التي أخذت على كثيرين من شعراء العربية
يتميز الشابي كونه خيالي التفكير خيالي التعبير يبحث عن مثل أعلى من صنع هذا الخيال فلا يجده في العالم الذي يعيش فيه فينقلب شاكياً باكياً ثم تصطبغ آراؤه وتعابيره بالأسى والحزن والكآبة والوجوم. و قد امتلك ناصية الشعر الممتزجة بالخيال ورغم انه سكت عن الخيال عند الشابي أن التصور عند الشابي كان صادقاً حقيقاً لمن عاشرهم وسكنوا نفسه وانطبعوا في روحه وهي اشباح لأناس حقيقين لا خياليين فما كان ابوه رمزاً خيالياً ولا كانت عشيرة صباه بجنة شاعر أو حلم كاذب.انه يترجم في شعره الحقيقة ذاتها ومع كل ذلك كان للشابي خيال مولد موغل في الغرابة يصطنع من الأمور العادية مشاهد وقصصاً جميلة .
وفي بعض الاحيان نجد الجد يغلب على قصائد ديوان الشابي ولا ريب في ان اتجاه الرجل كان جدياً حزيناً ولكن يبدو أن الشابي كان في ايام تلمذته قبل ان يعلم مرضه أو قبل أن يدرك خطورة مرضه يميل إلى الهزل والمعابثة ككل شاعر آخر أو ككل أنسان في صباه.
اما اغراضه الشعرية فقد كانت أغراض الشابي محدودة في نطاقها فهي تدور في الوجدانيات وما يتبعها من التأمل في الحياة وكان الشابي منذ صباه وفي اول احياته الشهرية قال إنه عازف عن الفنون الشعرية المألوفة او التقليدية و ملتزم بما يعبرّ فيه عن شعوره ونفسيته ، لذا نلاحظ ان الا غراض الشعرية اوالفنون الشعرية في قصائده مستوحاة من التأمل في الحياة الطبيعية في كل مجرياتها فهو يتنقل بين زقزقة العصافير وتغريد البلابل ونوح الحمام ويتنقل بشعره او وهوينشد شعره بين الغابات والحدائق والبساتين والورود والجبال والشجر وفي الحياة الاجتماعية و السياسية والوطنية والحياة الأدبية بما تمليه عليه الظروف و بشعر به ازاءكل منها و كذلك في الحياة العامة وما يشعر به ازاء الحياة والموت
اما الموضوعات الوجدانية مثل رثاء أبيه او اي شخص عزيز عليه او الاباء والتفس و المجد ) والموضوعات النفسية الاخرى فقد كانت قصائده مليئة بها، الشعر مثل التبرم بالحياة و الشعور بالضيق و بالغزل والحب. فقد نخنى الحياة والحب كثيرا ولكل شاعر سلوبه في ذلك
ومن اروع ماقاله ابوالقاسم الشابي قصيدته ارادة الحياة التي لايزال كل الشعب العربي في المشرق والمغرب يتغنى بها


إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ
فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي
وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ
تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر


فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ
مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر

كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ
وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر

وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ
وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر

إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ
رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ
وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ
يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ
وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر

وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ
وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ :
أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟
"
"أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ
وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر

وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ
وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ
وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُر

فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ
وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم
لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ
مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"

وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ
مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر

سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ
وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر

سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ
لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيعَ العُمُـر؟

فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ
وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر

وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ
مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر

يَجِيءُ الشِّتَاءُ ،شِتَاءُ الضَّبَابِ
شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر

فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ
وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر

وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ
وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر

وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا
وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر

وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ
وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر

وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ
تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر

وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ
ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر

وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ
وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر

مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ
وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ الْمَدَر

لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ
وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر

وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِ
وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْمِ الثَّمَـر

وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ
حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر

فصدّعت الأرض من فوقـها
وأبصرت الكون عذب الصور

وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه
وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر

وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه
تعيد الشباب الذي قد غبـر

وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ
وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر

وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي
شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر

ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ
يباركهُ النـورُ أنّـى ظَهر

إليك الفضاء ، إليك الضيـاء
إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر

إليك الجمال الذي لا يبيـد
إليك الوجود الرحيب النضر

فميدي كما شئتِ فوق الحقول
بِحلو الثمار وغـض الزهـر

وناجي النسيم وناجي الغيـوم
وناجي النجوم وناجي القمـر

وناجـي الحيـاة وأشواقـها
وفتنـة هذا الوجـود الأغـر

وشف الدجى عن جمال عميقٍ
يشب الخيـال ويذكي الفكر

ومُدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ
يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَدِر

وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء
وَضَاعَ البَخُور بَخُورُ الزَّهَر

وَرَفْرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ
بِأَجْنِحَـةٍ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَـر

وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ
في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر

وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ
لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر

إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ
فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ



********************************






احمد علي باكثير



ولد علي بن أحمد بن محمد باكثير الكندي، في 15 ذي الحجة 1328 هـ الموافق 21 كانون الاول ديسمبر من عام \ 1910م، في جزيرة (سوروبايا) بإندونيسيا لأبوين يمنيين من منطقة حضرموت.
ينتسب علي أحمد باكثير إلى واحدة من أعرق الأسر في حضر موت وأُكثرها إيغالاً في العروبه، فأسرة باكثير ينتهي نسبها إلى كندة وهو نسب تقف الفصاحة قديماً وحديثاً عنده وقفة اجلال واكبار
وحين بلغ العاشرة من عمره سافر به أبوه إلى حضرموت لينشأ هناك نشأة عربية إسلامية مع إخوته لأبيه فوصل مدينة( سيئون )بحضرموت في 15 رجب سنة 1338هـ الموافق الخامس من نيسان أبريل\ 1920م.
ولم يكن في حضر موت في ذلك الوقت أي نوع من المدارس النـظامية، وإنما كان التلاميذ يتلقون علم مبادئ القراءة والكتابة في الكتاتيب ثم يتلقون الدروس المتقدمة في اللغة والعلوم العربية والفقهية على أيدي مشايخ يلزمونهم حتى يتموا معهم قراءة مجموعة من كتب النحو والفقه وحفظ النصوص المطلوبة . وقد انتظم باكثير في الدراسة بهذه المدرسة ( مدرسة النهضة العلمية) لمدة أربع سنوات وختم دراسته بها حوالي سنة 1342هـ، كان فيها من المتقدمين، وقد شهد له من التقيت به في حضرموت من رفاق دراسة الصبا بالنبوغ، فقد كان على قلة التزامه أكثرهم تفوقاً وفهماً. وقد روى لي أخوه الأستاذ عمر ـ رحمه الله ـ أن علياً كان إذا غاب مرة عن دروس العلوم المستعصية يسأل الزملاء عن موضوع الدرس فيطلع عليه في مظانه ثم يعود في اليوم التالي إلى المدرسة وقد نظم تلك المعاني شعراً فيُسِّهل على التلاميذ حفظه.


وهناك تلقى تعليمه في مدرسة النهضة العلمية ودرس علوم العربية والشريعة على يد شيوخ أجلاء منهم عمه الشاعر اللغوي النحوي القاضي محمد بن محمد باكثير كما تلقى علوم الدين أيضا على يد الفقيه محمد بن هادي السقاف وكان من أقران علي باكثير حينها الفقيه واللغوي محمد بن عبد اللاه السقاف. ظهرت مواهب باكثير مبكراً فنظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتولى التدريس في مدرسة النهضة العلمية وتولى إدراتها وهو دون العشرين من عمره.

تزوج باكثير مبكراً عام\ 1346 هـ ولكنه فجع بوفاة زوجته وهي في غضارة الشباب وريعان الصبا فغادر حضرموت حوالي عام \ 1931م وتوجه إلى عدن ومنها إلى الصومال والحبشة واستقر زمناً في الحجاز، وفي الحجاز نظم مطولته( نظام البردة) كما كتب أول عمل مسرحي شعري له وهو( همام أو في بلاد الأحقاف) وطبعهما في مصر في أول قدومه إليها.
وصل باكثير إلى مصر سنة \1352 هـ، الموافق\ 1934 م، والتحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) حيث حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الأنجليزية عام \ هـ / 1939م، وقد ترجم عام\ 1936 م أثناء دراسته في جامعة فؤاد الاول مسرحية (روميو وجولييت) لشكسبير بالشعر المرسل، ساهم في شعره في القضايا العربية ومما قال في ثورة مايس في العراق قصيدة قيل عنها \
في حفلة تأبينية كبرى أقيمت لشهيد عربي- قتل ظلمًا- قال الأستاذ علي أحمد باكثير قصيدة كانت حديث المجتمعين كلهم؛ لأن الشاعر قد انتحى منحىً مفاجئًا، إذ جاء بالقصيدة على لسان البطل الشهيد يقول عنها:
(إنها قيلت في الشهيد العراقي صلاح الدين الصباغ وقد وقف في وجه الإنجليز .. ولسوء حظه وقع في يد من قبض عليه لينفذ فيه حكم الإعدام علنًا ببغداد، فهاج الرأي العربي العام في كل مكان، فتأججت مشاعري فقلت هذه القصيدة مبتدئًا بقولي على لسان الشيهد:

فيم احتشادكمو هذا لتأبيــــني
أنتم أحق بتأبين الورى دونـي


إني نزلت بدار الخــلد في رغدٍ
بين الخمائل فيها والريــاحين

في جنة ما بها خوف ولا حـزن
لولا رثاء لحال العرب يشجيني

لا تندبوني فإني لم أمت ضـرعًا
فإن علمتم عني الـذل فابكوني

وإن تريدوا لوجه الله تكــرمتي
فابغوا الشهادة للدنيا وللديــن

فأين الولـيد على اليرموك يرقبكم
وليث أيوب يرعاكم بحطــين

تزوج باكثير مرة ثانية في مصر عام\ 1943م من سيدة مصرية ومن عائلة محافظة لها ابنة من زوج سابق، وقد تربت الإبنة في كنف باكثير الذي لم يرزق بأطفال. وبعد انتهاء الدراسة فضل الإقامة في مصر حيث أحب المجتمع المصري وتفاعل معه وأصبحت صلته برجال الفكر والأدب وثيقة، من أمثال العقاد والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وغيرهم

اكتسب باكثير الجنسية المصرية بموجب مرسوم ملكي في عام 1371 هـ / 22 اب أغسطس \1951 م.

وبعدها بعامين -أي عام\ 1938م - ألف مسرحيته (أخناتون ونفرتيتي) بالشعر الحر ليكون بذلك رائد هذا النوع من النظم في الأدب العربي. التحق باكثير بعد تخرجه في الجامعة بمعهد التربية للمعلمين وحصل منه على الدبلوم عام\ 1940م وعمل مدرسا للغة الإنجليزية لمدة أربعة عشر عاما. سافر باكثير من مصر إلى فرنسا عام\ 1954م في بعثة دراسية و بعد انتهاء الدراسة فضل الإقامة في مصر حيث أحب المجتمع المصري وتفاعل معه حيث أصبحت صلته برجال الفكر والأدب وثيقة، من أمثال العقاد والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وغيرهم كما شغل بقضية العرب المصيرية قضية فلسطين فالف الكثيرمن المسرحيا ت والروايات والقصائد الشعرية فيها

اشتغل باكثير بالتدريس في مصر خمسة عشر عاماً منها عشرة أعوام بالمنصورة ثم نقل إلى القاهرة. وفي سنة\ 1955م انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصلحة الفنون وقت إنشائها، ثم انتقل إلى قسم الرقابة على المصنفات الفنية وظل يعمل في وزارة الثقافة حتى وفاته.
حصل باكثير على منحة تفرغ لمدة عامين (1961-1963) حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في 19 جزءاً، وتعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمياً، وكان باكثير أول أديب يمنح هذا التفرغ في مصر. كما حصل على منحة تفرغ أخرى أنجز خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر (الدودة والثعبان - أحلام نابليون - مأساة زينب) طبعت الأولى في حياته والأخرتان بعد وفاته.


كان باكثير يجيد من اللغات الإنجليزية والفرنسية والملايوية بالإضافة إلى لغته العربية.

تنوع أنتاج باكثير الأدبي بين الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية، ومن أشهر أعماله الروائية (وا إسلاماه) و(الثائر الأحمر) ومن أشهر أعماله المسرحية (سر الحاكم بأمر الله) و(سر شهر زاد) التي ترجمت إلى الفرنسية و(مأساة أوديب) التي ترجمت إلى الإنجليزية.

كما كتب باكثير العديد من المسرحيات السياسية والتاريخية ذات الفصل الواحد وكان ينشرها في الصحف والمجلات السائدة آنذاك، وقد أصدر منها في حياته ثلاث مجموعات

كان طبيعياً أن تتفجر ينابيع الشعر في نفس علي أحمد باكثير في سن الثالثة عشرة من عمره، فقد كان الشعر في أسرته ميراثاً، وكانت البيئة العربية الخالصة في حضرموت لم تعرف ـ في ذلك الوقت ـ من فنون الأدب غير الشعر يبدع فيه الأدباء خير ما تجود به قرائحهم ويصورون فيه قضاياهم وقضايا مجتمعهم ومن خلاله يألمون ويأملون ويرسمون أحلامهم.
يقول باكثير من قصيدة نظمها وهو في الثالثة عشرة من عمره \

أما الدنيا تصير إلى الفناء
فـما هذا الضجيج مع البكاء

أما هذي الجبال الشم يوماً
تصيــر إذا أتــى مثل الهباء

إذا جــاء الحمام فلا فرار
لديك وليس يجدي من دُعا ء


مات اباه وهوفي سن السادسة عشرة فرثاه بقصيدة طويلة نجتزيء منها هذه الابيات:

عبثاً تحـاول أن تـكف الأدمعا
وأبوك أمسى راحلاً مستودعا

كيف السلو وما مررت بموضعٍ
إلا وسـاد الحزن ذاك الموضعا

كيف السلو وما مررت بمعدمٍ
إلا وأجهــش بالبكاء مرجّعا؟

والعيش أضيق ضيق لكن إذا
مـــا حلت الآمــال فيــه توسـعا

ولقد سئمت العيش في الدنيا
وما جاوزت بعد ثلاث عشر وأربعا


علماً بأن سرورها لا ينتهــي
إلا إلـــى حــــزنٍ يهـــز الأضلعا

لم ينشر باكثير أي ديوان في حياته وتوفي وشعره إما مخطوط وإما متناثر في الصحف والمجلات التي كان ينشرشعره فيها. وقد أصدر الدكتور محمد أبو بكر حميد عام\ 1987 ديوان باكثير الأول (أزهار الربى في أشعار الصبا) ويحوي القصائد التي نظمها باكثير في حضرموت قبل رحيله عنها ثم صدر مؤخراً \2008 ديوان باكثير الثاني (سحر عدن وفخر اليمن) صدر عن مكتبة كنوز المعرفة ب(جدة) يضم شعر باكثير سنة |1932 - 1933 وهي السنة التي أمضاها في( عدن) بعد مغادرته حضرموت ويعد حالياً ديوان باكثير الثالث (صبا نجد وأنفاس الحجاز) الذي نظمه سنة\ 1934 في السنة التي أمضاها في المملكة العربية السعودية قبيل هجرته النهائية إلى مصر
زار باكثير العديد من الدول مثل فرنسا وبريطانيا والإتحاد السوفيتي ورومانيا، بالإضافة إلى العديد من الدول العربية مثل سوريا ولبنان والكويت التي طبع فيها ملحمة عمر. كذلك زار تركيا حيث كان ينوي كتابة ملحمة مسرحية عن فتح القسطنطينية ولكن المنية عاجلته قبل أن يشرع في كتابتها.وفي المحرم من عام 1388 هـ الموافق نيسشان أبريل 1968م زار باكثير حضرموت قبل عام من وفاته.

توفي باكثير في مصر في غرة رمضان عام\ 1389 هـ الموافق 10 تشرين الثاني نوفمبر\ 1969 م، إثر أزمة قلبية حادة ودفن بمدافن الإمام الشافعي في مقبرة عائلة زوجته الثانية المصرية.

شارك في كثير من المؤتمرات الأدبية والثقافية واختير عضوًا في لجنة الشعر والقصة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كما كان عضوًا في نادي القصة وحصل على منحة تفرغ لتأليف ملحمة تاريخية عن عمر بن الخطاب.

ترك إنتاجًا أدبيًا وفيرًا حيث ألف أكثر من ستين قصة ورواية، بين مسرحية شعرية ونثرية

يتحدث باكثير نفسه في قضة العرب الكبرى قضية فلسطين حين يقول:
(على أثر حرب فلسطين التي انتهت بانتصار اليهود على الجيوش العربية مجتمعة انتابني إذ ذاك شعور باليأس والقنوط من مستقبل الأمة العربية والخزي والهوان مما أصابها، أحسست أن كل كرامة لها قد ديست بالأقدام، فلم تبق لها كرامة تصان، وظللت زمنًا أرزح تحت هذا الألم لمعض الثقيل، ولا أدري كيف أنفس عنه)

ومن العجب أن باكثير عالج قضية فلسطين قبل وقوع الكارثة في ثلاثة مسرحيات:
الأولى: عام\ 1944 تحت عنوان (شيلوك الجديد) قبل النكبة، وقد تنبأ فيها بنكبة فلسطين وقيام الدولة اليهودية وخروج أهلها العرب.
الثانية: شعب الله المختار.
الثالثة: إله إسرائيل.
ثم كانت مسرحيته بعد نكسة الخامس من حزيران بعنوان: (التوارة الضائعة) وكان يرى أن قضية فلسطين مازالت تنتظر العمل الأدبي الذي يتكافأ مع خطرها وأهميتها.

باكثير لا يؤمن بالفصل بين العاطفة والعقل، ولكنه يرى أنه من الطبيعي أن تركز الأعمال الشعرية في قضية فلسطين على العاطفة؛ لأن أولئك الشعراء يصفون الجراح الغائرة التي في قلوبهم.... والرسالة التي يحملها هؤلاء الشعراء هي أن يعمقوا إحساس الأمة بالمأساة ويذكرونها بأنها قضية حياة أو موت، قضية مصير ويثيرون همم الرجال في طرد المعتدين اليهود وقيام النهضة العربية او قل الامة العربية قومة رجل واحد في ذلك .

لقد كان باكثير على اتصال دائم بالحياة الأدبية في مصر والشام والعراق من خلال ما صدر فيها من مجلات وصحف وكتب كانت تصل إليه بشكل منتظم، وكانت هناك أشواق للانفتاح على ما في تلك البلاد من حركة نهضوية قوية وتجديد وفكر و يصل صدى كبار الشعراء العرب المحدثين، المسيطر على الأسماع هناك ولهذا كان وجود شوقي وحافظ أكثر من وجود العقاد وطه حسين مثلاً. ومن بدائع قصيده هذه الابيات من قصيدة بعنوان ( لوثقفت حضرميا )

عــلى إخــواننــا الـمتديـريـنــا
(أديس ابابا) سلام المخلصـيـنا
ســلام الـشاكرين لما بنوا من
عـلا لـبـنـي الـعـروبـة اجمعينا
تـذكـرنا بهـم عـهد (النجاشي)
وهـجـرة آل طـه الأكـرمـيـنــا
أبوا ضـيـم الأعـادي يـمتطيهم
بـدار الـشرك فامتطوا السفينا
الى حـيث الـمـقـام يـطـيب فيه
لــعــبـــاد الإلـــه الـذاكـريـنــا
رأت أخلاقهم عين (النجاشي)
فــآمـن إذ رأى الـحـق المبينا
فيــا لـمـواطـن هـبطـت الـيـهـا
مـلائـكـة الـسـلام مـبـشـريـنا
تــلـقـتـهـم بـحـب واحـتـــــرا
كـمـا يـسـتـقبل الخدن الخدينا

***

عــلــــى ذاك الأساس فـشيدوهــا
مــدارس عـامـرات للـبنـينــا
على ذاك الاسـاس فــشـيـدوهــــا
نـوادي للـشبــاب الناهـضـينا
هـنـالـك فـأرفـعوا الاسلام شـأنــا
وبـثـوا هـديه في الـعـالـمـينـا
وكونوا حجة لـلــديـن فـيــــــهـــم
وردّوا عـاديـات الـمـعـتـديـنا
ألا لـلـه دركــم رجــــــــــــــــــالا
سـعـيـتـم لـلـعـلا مـتـكـاتـفـينا
)بـنـادي الاتـفـاق ) قـد اتـفـقـتــم
عـلـى إعـلاء شـأن المسلمينا
رحـلـتـم تبتغون هـنـاك رزقـــــا
فـعـدتم تـنـشرون هناك دينا!
رأيـتم سـوء عـاقـبـة التعـــــاد
فـكـنـتـم بـالإخـا مـسـتمسكينا
فهـل لبني أبينا أن يــــروكــــــم
بأقصى الشرق هل لبني ابينا
لـعـلـهـم بـكـم إمـــــــا رأوكـــــم
نـهـضـتم بــالـتـآخي يـقتدونا

وأهـــــواء بـأدمـغـة صـغـــــار
تلاعبت كالصواريخ بالكرينا
غرور) قد مشى (حسد) الـيـه
عـلـى عـلـمـيـهـمـا يـتـقـاتـلونا!
فمن خمريهما اضحوا سكارى
وفـي كأسيهما إحتسوا المنونا
فوا أسفا شعوب الأرض ترقى
وقـومـي بـيـنـهـا يـتـشـاتـمـونا
اذا طالعت صحفهم بدت لــــي
أفـاعـي الـحـلـف رافعة قرونا
بـهـا الأهـواء عـالـيـة صـراخا
ولـيـس بـهـا صدى للمصلحينا

***

فــثـوبـوا لـلـوفـاق ولا تكونوا
(براقش) واسمعوا النصح الثمينا
ودعـوا الأقـدار لـلتاريخ يرقم
عـلـيـكم أولـكـم مـا تـعـلـمـونــــــا
وربــكـم بـكـم أدرى تـعـــالـى
فـفـيم عـلـى الـمـدى تـتـنـابـزونــا ؟
ومن يحسن ويعمل صالحات
فـإن الـلـه يـجـزي الـمـحـسـنـيـنــا

***

مضى زمن الجمود فودعوه
ووافـاكـم زمـان الـعـامـلـيـنــــا !
زمــان لـيـس يـعـلو فـيـه إلا
عـصـامـي جـرى في السابقينا
وإن لـنـا مـواهـب سـامـيـات
بني الأحقاف- أدهشت القرونا
الا فاستعملوها في الـمـعـالـي
تنالوا في الورى المجد الأثـيـنا

فـقـد لـعـبـت بـأدوار كـبــــار
جـدودكـم الـكـرام الـسـالـفـونــــا
ولـو ثـقـفت يوما (حضرميا)
لـــجــائـك آيــــة فــي الـنـابـغينا

**********************
























حمزة شحاته



ولد حمزة شحاته في مكة المكرمة سنة \1910 يتيم الاب
نشأ وتربى في (جدة) لدى جاره العم والمربي محمد نورجمجوم، درس في مدارس الفلاح النظامية في ( جدة ) وكان متفوقاً في دروسه ومتقدماً على سنه فيها ، وقد أثّرت أجواء هذه المدينة الانفتاحية في شخصية شحاتة كما فعلت مع بقية أبناء جيله من الشباب في تلك الفترة،
ثم درس لكبار كتاب التيارات التجديدية والرومانسية العربية التي انتشرت في البلاد العربية والمهجر، وقد تأثر كثيراً بجبران خليل جبران، وايليا أبوماضي وجماعة الديوان.
رحل إلى الهند، واقام بها مدة سنتين، مبعوثا لمباشرة الأعمال التجارية لإحدى البيوتات التجارية في جدة وزتشكل هذه الرحلة منعطفا تاريخيا في حياته، حيث انكب فيها على تعلّم اللغة الإنجليزية والتزود بالمعارف والاطلاع على الإنتاج الأدبي البريطاني الغربي ، فكانت رافداً أساسيا في تكوين شخصيته الفكرية ونزعته التجديدية0 اوجدت رؤيا فلسفية حكيمة في النتاج الشعري والنثري له الذي كان في زمن بعيد عن واقع العالم من حوله، نظم خلال هذه الفترة قصيدته المشهورة ( جدة) يتجول بكلماته الشعرية بين تأملاته لمكان ولد وعاش فيه وسط أناس لم يقدروا فكره، ولذلك لم تكن مجرد مقطوعة شعرية تجسدت في شخصية الشاعر وكانت معشوقة الفيلسوف الغامض كما وجده الكثيرون، فهي قصيدة حملت دلالات فلسفية وقد قال عنه احد اصدقائه إنه «قمة عُرفت ولم تُكتشف».
وقصيدة «جـدة» التي أطلقت عنانها غربة قاسية من نفحات ذاكرة رجل ولد داخلها عام 1328هـ، وعاش راكضا بين أزقتها وتنقلت طفولته بين رائحة حاراتها العتيقة.. الشام.. اليمن.. البحر.. المظلوم.. لتكون بكل ذلك جسدا غضا لامرأة عذراء مراهقة ساحرة القوام، تتلحف ببحرها، المطرز بالزرقة، كما وجدها شحاتة منذ أول رحلة له في صباه إلى الهند لمزاولة العمل لعدة سنوات، والتي تركت أثرها في نفسه، و تقول ابنته الصغرى زلفى «رحلته إلى الهند كانت منعطفا ثقافيا في حياته».
عاد من الهند شابا فارع الطول مرتب الهندام وطامحا مكافحا وسيما وصاحب ثقافة دسمة استطاع تكوينها من ولعه بالقراءة التي لا يتوقف عنها أبدا في أي مكان يكاد يصله، تقول زلفى «إنه مولع بها بشكل كبير، وليس ذلك فحسب، لقد كان واجبنا اليومي الذي إن لم نفعله نعاقب عليه، وما زلت أتذكر كلماته رغم صغر عمري: ستقرؤون.. ستقرؤون.. الآن بعد قليل.. ستفعلون ذلك».

ذاع صيت شحاتة في المشهد الثقافي بالحجاز في محاضرة مطولة وشهيرة ألقاها في خمس ساعات متواصلة في جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة في عام 1938م، حيث قام بتغيير عنوان هذه المحاضرة الى(الرجولة عماد الخلق الفاضل) بدلا من (الخلق الفاضل عماد الرجولة) الذي اختارته جمعية الاسعاف الخيري عنوانا لمحاضرته ولم يتقيد به مما أثار به فضول واندهاش شيوخ ومثقفي مكة من بلاغته ونمط تفكيره، دلل على أبعاد فكرية ومضامين فلسفية واجادات لغوية جاءت باكرة في حياة شاب في الثلاثين من عمره .يقول في قصيدته
( سطوة الحسن ) مطلع قصائد ديوانه \

وتهيأت للسلام ولم تفعل
فأغريت بي فضول رفاقي

هبك أهملت واجبي صلفا
منك فما ذنب واجب الأخلاق

بعد صفو الهوى وطيب الوفاق

عزّ حتى السلام عند التلاقي

يا معافى من داء قلبي وحُزني

وسليماً من حُرقتي واشتياقي

هل تمثَّلتَ ثورة اليأس في وجهي

وهول الشقاء في إطراقي؟

احب المطالعة حبا جما وكان يستمتع كثيرا بالقراءة والموسيقى التي كان يعزفها بالفطرة على العود رغبة منه في التحليق لعوالم ما وراء الحياة في نتاجه الفكري فكان شبيهه بأبي العلاء المعري الشاعر الضرير الذي رأى العالم من حوله بقلبه وعقله ولم يره بعينيه
حمزة شحاتة شاعر الحجاز وأديب مكة وفيلسوف الحرية في الجزيرة العربية، وطليعة الخطاب النهضوي والأخلاقي فيه. انه قمة الحجاز التي لم تكتشف، والصرخة الأخلاقية التي سبقت زمانها، وارهاصة الشعرالحديث في ثوبها الريادي على مستوى الحجاز والسعودية، والجزيرة العربية أجمع.

يعتبر حمزة شحاتة من رواد الشعر الحديث في الحجاز وتا ثرٌ بمضامين فلسفية عميقة، وناثر وخطيب مفوّه بانطلاقات أخلاقية وأفكار نهضوية.
وعازف على العود وملحن وموسيقي بارع.

عرف بنفوره الاضواء و الشهرة وحريص على العزلة في المشهد الثقافي على الرغم من إجماع أقرانه على ريادته وعبقريته وتقديمهم له. عُد شعره ونثره -من قبل النقاد في طليعة الأدب الحجازي، ضمن الر عيل الاول اذ انه ترك من خلفه مدرسة أدبية وفكرية عريضة في الحجاز،.

رحل إلى القاهرة ساخطاً على أحوال البلد عام \1944م، وهو ذات التاريخ الذي توقف فيه توقفا تاماً عن نشر أي إنتاج أو أدب، كما لم يشأ قط التواصل مع أدباء مصر على رغم عز الأدب في مصر في تلك الفترة . إلا أن الاباء كان سمة من سمات الشحاتة الواضحة. عاش في مصر منعزلاً في شقته صارفا اهتمامه في آخر سنواته إلى تربية بناته الخمس وتعليمهن والكتابة والتلحين دون نشر أو تسجيل. فقد البصر قبل وفاته. توفي عام 1972م في القاهرة، ودفن في مكة المكرمة في مقبرة المعلاة، عن عمر يناهز \62 عاما.
من مؤلفات الشاعر
الرجولة عماد الخلق الفاضل- محاضرة أخلاقية ونهضوية \1940
رفات عقل- نثر فلسفي رائد.
حمار حمزة شحاتة - نثر فلسفي.
المجموعة الشعرية الكاملة أو ديوان حمزة شحاتة - وقد جمعها محمد علي مغربي وعبد المجيد شبكشي
غادة بولاق- ملحمة شعرية كتب مقدمتها الناقد المصري مختار الوكيل.
شجون لا تنتهي - من مطبوعات دار الشعب / القاهرة.
إلى ابنتي شيرين- تحفة في أدب الرسائل الرومانسية.
إضافة إلى العديد من القصائد والأعمال النثرية الفلسفية والآراء الفكرية التي لا تزال مخطوطة،
من أجود شعر الشحاتة قصيدة بعنوان (المعاناة).. وقصيدة شهيرة في وصف مدينة جدة، تتزين إحدى ميادينها بمطلع القصيدة الذي يقول:

النهى بين شاطئيك غريق
والهوى فيك حالم ما يفيق

ورؤى الحب في رحابك شتى
يستفز الأسير منها الطليق

من أقوال حمزة شحاتة
(الرجولة عماد الخلق الفاضل)
(الرذيلة لا تنتصر إلا متى كان صوتها قويا، وصوتها لا يكون قويا إلا إذا نفخت في بوق الفضيلة)
(كانت القوة في الرجل مصدر الإعجاب والتقديس، والقوة ما تعرف الهوادة في تأمين سبيل حياتها ومطالبها) ويقول

سطوة الحسن حللت لك ما كان حراما
فافتن في إرهاقي أنت حر
والحر لايعرف القيد
فصادر حريتي

ومن جميل قصيده هذه الابيات

مــالــي أراهــــا لا تـــــرد ســلامـــي
هــل حـرّمـت عـنــد الـلـقـاء كـلامــي

أم ذاك شـــأن الـغـيـد يـبـديـن الـجـفـا
و فـؤادهــن مــــن الـصـبـابـة دامــــي

يـــا قـلــب ويـحــك إن مـــن علـقـتـهـا
رأت الـوفـا فــي الـحـب غـيـر لـزام ِ


هـــي لا تـبـادلـك الــغــرام فـنـاجـنـي
لـمـا أنـــت فـــي أحضـانـهـا مـتـرامـي

مـا كـان يبكـي يـومـه كــي تضحـكـي
مـــا كـــان يـسـهــر لـيـلــه لـتـنـامـي

بل كـان ينشـد فـي هـواك سعـادة
فجعلتـهـا حلـمـا مـــن الأحـلا م ِ

يـــا ربّـــة الـطــرف الكـحـيـل تـذكــري
عهـدي وخافـي الله فـي استسلامـي

لـــولا رجـائــي فــــي ودادك و الــوفــا
لكرهـت عيشـي فـي الهـوى ومقـامـي

أصـبـحــت عــبــدا فــــي هـــــواك
و إنني لسليل قوم ماجدين كرام ِ

روحــي فـداك إذا ملـكـتـي تـرفـقـي
لا تـتـركـيـنـي فــريــســة الــلــوّام ِ





****************************************


عمر ابو ريشة



ولد في منبج بلدة في سوريا عام 1910م ونشأ يتيما وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في حلب .وأكمل دراسته الجامعية ببيروت في الجامعة الأمريكية وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم عام \
1930م
ارسله ابوه لاكما ل دراسته في لندن فدرس الكيمياء الصناعية في صناعة النسيج ،
في لندن قام بدعوة واسعة للدين الإسلامي شهير،
يعتبر عمر أبو ريشة من كبار شعراء وادباء العصر الحديث وله مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي وهو الإنسان الشاعر الأديب الدبلوماسي الذي حمل في عقله وقلبه الحب والعاطفة للوطن وللإنسان وللتاريخ السوري والعربي وعبر في اعماله وشعره بأرقي وأبدع الصور والكلمات والمعاني.

عمل عمر أبو ريشة مديرا لدار الكتب الوطنية في حلب وانتخب عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1948 وعضو الاكادمية البرازيلية للآداب وعضو المجمع الهندي للثقافة العالمية وعمل ملحق ثقافي لسورية في الجامعة العربية ثم عين سفير سوريا في البرازيل وبعدها تنقل في عمله الدبلوماسي بين الأرجنتين وتشيلي والهند والولايات المتحدة. وبقي يعمل في السلك الدبلوماسي لبلده طوال حياته فهو ممثل لبلده سوريا في العديد من الدول
وقد حصل على الكثير من الاوسمة والاوشحة منها مايلي \
• الوشاح البرازيلي
الوشاح الأرجنتيني
الوشاح النمساوي
الوسام اللبناني برتبة ضابط أكبر
الوسام السوري من الدرجة الأولى
آخر وسام ناله وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى وقد منحه إياه
الرئيس اللبناني إلياس الهراوي.

أُدخل عمرابوريشة المستشفى لإجراء عملية قلب فكتب وصية وغلفها وسلمها لزوجته وطلب منها عدم فتحها الا بعد خروجه من المستشفى ظانا أنه سيموت فكتب الله تعالى له الشفاء ولما خرج سألها عن الرسالة ففتحتها وإذا فيها وصيته شعرا يوصيها بها \

رفـيقتي لا تُـخبري إخوتي كيف
الردى كيف عليّ اعتدى

إن يـسألوا عني وقد راعَهم
أن أبـصروا هيكلي الموصدا

لا تـقلقي لا تُـطرقي خشعةً
لا تسـمحي للحزن أن يولدا
قـولي لـهم سافرَ قولي لهم
إن لـه فـي كـوكبٍ موعد ا

توفي الشاعر عمر أبو ريشة في مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة عام 1410هـ، الموافق للرابع عشر من شهر حزيران من عام /1990م ونقل جثمانه ودفن في مدينة حلب في سوريا

للشاعر عمر أبوريشة الكثير من الاعمال والمسرحيات الشعرية الهامة في تاريخ الشعر العربي الحديث. ومن هذه الأعمال والدواوين والمجموعات الشعريه نذكر:
• ديوان بيت وبيتان.
• ديوان نساء.
• ديوان كاجوارد. فقببيس
• غنيت في مأمتي.
• أمرك يا رب.
• مسرحية تاج محل
• مسرحية علي
• مسرحية سمير اميس
• مسرحية محكمة الشعراء
• مسرحية الحسين
• مسرحية شعرية رايات ذي قار
• مسرحية الطوفان
• مجموعة قصائد شعرية
• ملاحم البطولة في التاريخ الإسلامي
وللشاعر الكبير ديوان شعر باللغة الإنجليزية، والكثير من المؤلفات والقصائد الشعرية الهامة والتي تعد من أبدع الأعمال الشعرية بين شعراء العرب في النصف الثاني من القرن العشرين،
عمر أبو ريشة من رواد النهضة العربية واعلام الشعر العربي
شردته الكلمة اثنين وعشرين عاما في مشارق الأرض ومغاربها

الشاعر عمر أبو ريشة شاعر أصيل متمكن في مجال الشعر له أسلوبه المميز والمنفرد ، وله طريقته في الشعر وسمته التي يتميز بها عن غيره من الشعراء فأنت تقرأ قصيدة من شعره تسير على نمط معين ولكنه
يفاجئك في أخرها ببيت يختم به قصيدته تلك ويكون هذا البيت خلاف ما تتصور فيكون بيت مفاجأة أو إثارة بالإضافة إلى أن الشاعر يحشد كما هائلا من الصور والأخيلة في قصيدته حتى لكأنك وسط معمعة من المفاجآت والخيالات والظواهر التي لا تتخيلها في الموقف فمثلا في قصيدته اقرئيها تجد :

إنها حجرتي لقد صدئ النسيان
فيها وشاخ فيها السكوت

ادخلي بالشموع فهي من الظلمة
وكر في صدرها منحوت

وانقلي الخطو باتئاد فقد
يجفل منك الغبار والعنكبوت

عند كأسي المكسور حزمة أوراق
وعمر في دفتيها شتيت

الشاعر عمرابوريشة يقدم خلال قصيدته الواحدة كما هائلا من الصور والأخيلة .التي تنهال على خيال الشاعر وقد يحلق في الفضاء مع النجوم والشموس والكواكب وكأنما يشعرنا أنه يتطلع إلى الصعود لكن معوقات الواقع تقيده وله نظرة سامية عليا يعبر عنها كثيرا بالنجوم والكواكب والشمس والفضاء نجدها في العد يد من قصائده انها كلمات تتعلق بالسماء وانها لتعبر عن نفسية الشاعر الذي عاش يبحث عن الرقي والكمال والرفعة والعلو فهو صاحب همة عالية وارتقاء في الفكر والسلوك لا يرضى بالوضيع بل يحب ان يحلق عاليا على الرغم مما يعانيه من معوقات ومن متاعب جنتها عليه همته العالية إلا انه ظل كذلك يقول\
عشت حرا بلغت جنة دنياي
وجفني بنورها اكتحلا

إنها نعمة أقطع فيها
العمر مستغفرا ومبتهلا

اعف عني يارب بدد همومي
فلقد عشت مرة رجلا

ونلاحظ في شعر الشاعر نبرة الفخر والاعتزاز بالنفس والثقة وقد تجرع غصص المجد ليصل إلى مبتغاه و بذل من أجله الكثير فاستطاع أن يصل إلى الكثير مما تمناه مع الاحتفاظ بكرامته التي يراها أعز واغلى
ما لديه وما أغلى الكرامة والمجد 0 يقول في الحفلة التذكارية التي أُقيمت في حلب ابتهاجاً بيوم الجلاء (جلاء الفرنسيين) عن سورية:

يا عروس المجد تيهي ، واسحبي
فـي مـغانينا ذيـول الـشهب

لـن تـري حـفنة رمل فوقها
لـم تـعطر بدم حـر أبـيّ

درج الـبـغي عـليها حـقبة
وهــو ى دون بـلوغ الأرب

وارتـمى كـبر الـليالي دونها
لـين الـناب كـليل الـمخلب

لا يـموت الـحق مهما لطمت
عـارضيه قـبضة المغتصب

مـن هـنا شـق الهدى أكمامه
وتـهادى مـوكبا فـي موكب

وأتـى الـدنيا فـرقّت طـربا
وانـتشت مـن عبقه المنسكب

وتـغـنت بالمروءات الـتي
عـرفتها فـي فـتاها العربي

أصـيد ضـاقت به صحراؤه
فـأعـدته لأفــق أرحــب

هـب لـلفتح فـأدمى تـحته
حـافرُ الـمهر جـبينَ الكوكب

وأمـانيه انـتفاض الأرض من
غـيهب الـذل وذل الـغيهب

وانـطلاق الـنور حتى يرتوي
كـل جـفن بـالثرى مختضب

حـلم ولـى ولـم يُـجرح به
شـرفُ المسعى ونبلُ المطلب

يـا عروس المجد طال الملتقى
بـعدما طـال جوى المغترب

سـكرت أجـيالنا فـي زهوها
وغـفت عـن كـيد دهر قلّب

وصـحـونا فــإذا أعـناقنا
مـثـقلات بـقيود الأجـنبي

فـدعوناكِ فـلم نـسمع سوى
زفـرة مـن صـدرك المكتئب

قـد عـرفنا مـهرك الغالي فلم
نـرخص الـمهر ولم نحتسب

كـم لـنا مـن ميسلون نفضت
عـن جـناحيها غـبار التعب

كـم نـبت أسـيافنا في ملعب
وكـبت أفـراسنا فـي ملعب

مـن نـضال عاثر مصطخب
لـنـضال عـاثر مـصطخب

شرف الوثبة أن ترضي العلى
غـلب الـواثبُ أم لـم يغلب

وخلاصة القول ان عمر ابا ريشة شاعر بارع مفعم بالروما نسية في اغلب قصائده واثرها واضح في ريادته لمحاولات التجديد في الشعر العربي ذا اسلوب شعري مؤثر وصور حية مبتكرة نابعة من اعماق الحياة متاثرة في بعض الاحيان بالرمزية الشعرية
واختم بحثي هذا بقصيدته ( نسر ) التي يجسّد من خلال النسر اغتراب الفرد المعاصر ، وألمه وشعوره بالوحدة ، وبأنه متروك ومهمل من قبل المجتمع ويعتد بشموخه العربي المتعالي وشخصيته العربية الفذة وتمثل انطلاقا في افق النهضة العربية يقول \

أصـبح الـسفح ملعباً للنسور
فاغضبي يا ذرا الجبال وثوري

وقفَ النسرُ جائعاً يتلوّى
فوق شلوٍ على ا لرمال نثيرِ

وعجافُ البغاث تدفعُه
بالمخلب الغضّ والجناح القصيرِ

فسَرتْ فيه رعشةٌ من جنونِ
الكِبر و اهتزّ هزّةَ ا لمقرورِ

ومضى ساحباً على ا لأفق
ا لأغ برِ أ نقاضَ هيكلً منخورِ

وإذا ما أتى الغياهبَ واجتاز
مدى الظنّ من ضمير ا لأثير

جلجلت منه زعقةٌ نشّتِ الآفاقَ
حرّى من وهجها ا لمستطير

وهوى جثةً على الذروة ا لشّماء
في حضنِ وكْرِه المهجورِ

أيـها النسر هل أعود كم عدت
أم السفح قـد أمات شعوري

******************************









التجاني يوسف بشير



ولدأحمد التجاني بن يوسف بشير بن الأمام جزري الكتيابي في (أم درمان) عام 1912 عاصمة السودان الثانية ، وفيها تلقى دراسته الاولية والثانوية ولم يكمل دراسته في المعهد العلمي حيث فصل لأسباب سياسية وبالحقيقة هي ليست سياسية اذ انه مثل بعض قصائد الشاعر احمد شوقي بدلائل بعض ايات القران الكريم مما اثار غضب وحفيضة الاسرة التعليمية عليه فطر د من الدراسة
التجاني أحمد بن يوسف بشير من قبيلة "الجعليين"؛ شاعر سوداني متمكن ولد في "أم درمان" من أسرة علم وأدب فحفظ القرآن الكريم في وقت مبكرثم التحق بجامع أم درمان حيث المعهد العلمي الذي أصبح الآن جامعة أم درمان الإسلامية. عمل التجاني في الصحافة وكان مشهوراً بالذكاء وسعة الإطلاع والإلمام بأدب العالم العربي القديم والمعاصر بل تعدى ذلك ليكون مطالعاً على الأدب الغربي وصحافته. لكنه عاش حياة عملية بائسة حيث عمل في أكثر مهنة برواتب زهيدة كان أفضلها الإشراف على أحد المجلات تحريراً وإخراجاً وتصحيحاً مقابل
أربعة جنيهات شهرياً .
التجاني شاعر مبدع فقد تمكن في اللغة والفصاحة والأسلوب الشعري و في شعره تتمثل البيئة السودانية وعاداتها وأخلاقها وتقاليدها، و يعد من شعراء الرومانسية العربية الحديثة. وله شعر في حب الوطن ومقارعة المستعمرين يقول عنه د.عبدالله الطيب: (لم يجد التجاني يوسف بشير من نقاد العربية ما يستحقه من التقدير، ولم يشتهر بما هو أهل له من الاشتهار وذلك عائد لحداثته ولكونه من السودان)
توفي وهو في الخامسة والعشرين من عمره وذاك عام \ 1938. ومن أبياته:
يا مُظلم الروح كم تشقى على حُرَقٍ ـ
مما يكابدُ منكَ القلبُ والروحُُ
هدىً بجنبك مذبوحٌ يحفُّ به
في عالم الصَّدر قلبٌ منك مذبوحُ


التجانى يوسف بشير يمتاز بروعة شعره وقوته ومتنانته وجزالته فهو برغم قصر سنى عمره التى ما تجاوزت الخمس والعشرين سنة فأضاف الى التراث الادبى السودانى والعربى ديوانا رائعا اسماه (اشراقه) تسمت الكثير من بنات
السودان في حينه يضم قصائد روعة في الانشاد والبلاغة والخيال
فهذه السنوات القصيرة من عمره كانت مليئه باالآلام والمحن
عمل بائعا فى محطه بنزين بعد ان انسدت ابواب الحياة ومنها السفرالى مصر لاكما ل تعليمه فما
تمكن من مواصلة تعليمه فانكب على دراسة كتب الادب مجهدا نفسه حتى اعتلت . لاحظ قوله \

أملى فى الزمان مصر فحيا
الله مستودع الحضارة مصرا
نضر الله وجهها فهى ما تذداد
الا بعدا علي وعسرا

وقد اصيب بمرض عضال نتيجة الجهد المضني والتعب الشدبد فيرزح الشاعر تحت وطأة الالام النفسيه والجسديه والروحيه والتى ظهرت فى شكل شئ من الوسواس القهرى فى قصيدته (يؤلمنى شك( لاحظ قوله \

ما كنت أؤثر فى دينى وتوحيدى
خوادع الآل عن زادى ومورودى

غررن بى وبحسبى ان روايتى
ملأى هريقت على ظمأى من البيد

افرغتها وبرغمى انها انحدرت
بيضاء كالروح فى سوداء صيخود

ورحت لا انا عن مائ بمنتهل
ماء ولا انا عن زادى بمسعود

اشك يؤلمنى شكى وابحث عن
برد اليقين فيفنى فيه مجهودى

اشك لا عن رضا منى ويقتلنى
شكى ويذبل من وسواسه عودى

الله لصرح الدين من ريب
مجنونه الرأى ثارت حول معبودى

ان راوغتنى فى نسكى فكم ولجت
بى المخاطر فى دين وتوحيدى

وتتكرر هذه الالام والمتاعب في جل قصائده يقول فى قصيدته التي بعنوان حيرة \

بين اثنين اسر ام ابكى
قبس اليقين وجذوة الشك

فى النفس حاجات وان خفيت
فلعلها ضرب من النوك

حبك القضاء شراكه ورمى
للعقل منه بضيق ضنك

والعقل ينصب من حبائله
نصبا معاقدها من الشوك

انا من فوادح ما تجر يد
ابدا قنيصة ذلك الحبك

مازلت اقطعه ويعقدنى
والمرء بين قلاقل ربك

يصف الشاعر حالته المرضيه فى اخر قصيده كتبها وهو يصارع الموت فيقول \

انا اليوم لا حراك كأن قد
شد فى مكمن القوى أوثاق

بت استنشق الهوى اقتسارا
نفس ضيق وصدر طاق
وحنايا معروقة.... وعيون
غائران.... ورجفة.... ومحاق


ومن جميل قصائده هذه القصيدة

بعنوان( الصوفي المعذب)\

.. هذه الذرةُ كم تحملُ في العالم سرا

قف لديها وامتزج في ذاتها عمقاً وغورا

وانطلق في جوِّها المملوءِ إيمانا وبرّا

وتنقَّلْ بين كبرى في الذراريِّ وصُغرى

ترَ كلَّ الكون لا يفتر تسبيحاً وذكرا

وانتش الزهرةَ, والزهرة كم تحمل عطرا

نديتْ واستوثقتْ في الأرض إغراقاً وجذرا

وتعرتْ عن طرير خضِلٍ يفتأ نضرا

سلْ هزارَ الحقل من أنبتَهُ وردا وزهرا

وسلِ الوردةَ من أودَعَها طيباً ونشرا

تنظرِ الروحَ وتسمعْ بين أعماقِكَ أمرا

* * *

الوجودُ الحقُّ ما أوسع في النفس مداهْ

والكونُ المحضُ ما أوثق بالروح عُراهُ

كلُّ ما في الكون يمشي في حناياه الإلهْ

هذه النملة في رقتها رجعُ صداهْ

هو يحيا في حواشيها وتحيا في ثراهْ

وهي إن أسلمتِ الروحَ تلقّتْها يداهْ

لم تمت فيها حياةُ اللهِ إن كنْتَ تراهْ

* * *

أنا وحدي كنت استجلي من العالَمِ همسَهْ

اسمع الخطرة في الذر وأستبطنُ حسَّهْ

واضطرابُ النور في خفْقتِهِ أسمعُ جرسَهْ

وأرى عيدَ فتى الوردِ واستقبلُ عرسَهْ

وانفعالُ الكرمِ في فقعتِهِ أشهدُ غرسَهْ

ربِّ سبحانَك! إن الكونَ لا يقدر نفسَهْ

صغْتَ من نارِكَ جِنِّيَّهُ ومن نورِك إنْسَهْ

* * *

ربِّ في الإشراقةِ الأولى على طينة آدمْ

أممٌ تزخرُ في الغيبِ وفي الطينة عالَمْ

ونفوسٌ تزحم الماءَ وأرواحٌ تحاومْ

سبَّحَ الخلقُ وسبّحْتُ وآمنْتُ وآمنْ

وتسللْتُ من الغيبِ وآذنْتُ وآذنْ

ومشى الدهرُ دراكا ربذ الخطو إلى منْ...?

* * *

في تجلياتك الكبرى وفي مظهر ذاتِكَ

والجلا الزاخر الفياضُ من بعض صفاتِكْ

والحنانُ المشرقُ الوضاحُ من فيضِ حياتكْ

والكمالُ الأعظم الأعلى وأسمى سبحاتكْ

قد تعبدتُكَ زُلفى ذائداً عن حُرماتِكْ

فَنِيتْ نفسي وأفرغْتُ بها في صلواتِكْ

* * *

ثم ماذا جدَّ من بعدِ خُلوصي وصفائي

أظلمت روحي.. ما عدتُ أرى ما زنا راءِ

ثُم في صحوِ سمائي أيهذا العثير الغالي وللموت رجائي

للمنايا السود آمايا يوم قضائي

آه يا موت جنوني آه قف تزودْ أيها الجبارُ من زادي ومائي

واقتربْ إنَّ فؤادي مُثْقَلٌ بالبُرَحاءِ

**********************************





تم الكتاب بعونه تعالى



















المصادر المراجع

تاريخ الابي العربي شوقي ضيف
تاريخ الادب العربي عباس العزاوي
تاريخ الادب العربي السباعي بيومي
تاريخ الادب العربي احمد حسن الزيات
تاريخ الاسلام السياسي حسن ابراهيم حسن
والثقافي والاجتماعي

الشعر العربي المعاصر احمد زكي
الشعر الحديث عناد غزوان
الشعر العراقي الحديث منذر الجبوري

• نفوسة زكريا - البارودي حياته وشعره- القاهرة 1992.
• السماح عبد الله – مختارات من شعر محمود سامي البارودي – مكتبة الأسرة – القاهرة، 2005.
• علي الحديدي - محمود سامي البارودي شاعر النهضة- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة 1969.
• شوقي ضيف – البارودي رائد الشعر الحديث – دار المعارف –
• فؤاد البستاني الشيخ إبراهيم اليازجي - الروائع 41-43
• سلوان الشجى لمخايل أفندي عبد السيد
• الأعلام للزركلي
• معجم المؤلفين لرضا كحالة

• نهضة العراق الأدبية للدكتور محمد مهدي البصير
• البغداديون أخبارهم ومجالسهم - تأليف إبراهيم عبد الغني الدروبي - بغداد - 1958م - صفحة 180.
• أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران - تأليف وليد الأعظمي - مكتبة الرقيم - بغداد - 2001م - صفحة 13
• أبو اليقظان إبراهيم، سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، جزءان، المطبعة العربية، الجزائر، 1379هـ/1959م
• أبو القاسم الباروني، سليمان باشا الباروني زعيم المجاهدين الطرابلسيين، ط2، 1948، (مجهول مكان الطبع)
• محمد مسعود جبران، سليمان الباروني، آثاره، الدار العربية للكتاب، ليبيا،
عبد المحسن الكاظمي شاعرالعرب
• جورج نخل، "ميخائيل نعيمة"، الناشر: دار الشمال للطباعة والنشر والتوزيع
• محمد شفيق شيا، فلسفة ميخائيل نعيمة، الناشر: مؤسسة بحسون للنشر
• ^ قصة الإسلام: حدث في مثل هذا اليوم،19 من شعبان:وفاة الشاعر أحمد زكي أبو شادي

• الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، ح8/ (267ـ 270).
• معجم أعلام المورد، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة
0شعراء ماتوا جوعا - صالح بنمحمدالغفيلي " خصائص الأسلوب في ش0 شعر الجواهري، دراسة تطبيقية (1960- 1997م)، رسالة ماجستير، سهام قنبر علي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق، 2002م.
0الصورة الفنية في شعر محمد مهدي الجواهري، رسالة دكتوراه، طارق عمر عريفي، كلية الآداب، جامعة دمشق، 2004م.
• كتاب أنور المعداوي " علي محمود طه: الشاعر والإنسان ".
• كتاب للسيد تقي الدين " علي محمود طه، حياته وشعره ".
• كتاب محمد رضوان " الملاح التائه علي محمود طه
• كتاب أنور المعداوي " علي محمود طه: الشاعر والإنسان ".
• كتاب للسيد تقي الدين " علي محمود طه، حياته وشعره ".
• كتاب ديوان على أحمد باكثير: أسرار الربى في شعر الصبى
• محمد رضوان " الملاح التائه علي محمود طه
• ديوان على أحمد باكثير: أسرار الربى في شعر الصبى
• الموجز في الشعرالعربي فالح نصيف الحجية الكيلاني
دواوين الشعراء المذكورين
الاعمال الكاملة لاغلب شعراء النهضة






الفهرس

الاهداء 3
تمهيد \ النهضة العربية 5
الشعر والنهضة العربية 10
النهضةالعربية والاتجاهات الشعرية 13
ناصيف اليازجي 23
محمود سامي البارودي 29
ابراهيم اليازجي 45
محمد سعيد الحبوبي 55
جميل صدقي الزهاوي 61
احمد شوقي 66
سليمان الباروني 77
صالح القيرواني 82
عبد المحسن الكاظمي 86
حافظ ابراهيم 92
خليل مطران 100
معروف الرصافي 107
امين الريحاني 114
ابراهيم ناجي 121
علي الجارم 145
فيلكس فارس حبيب 151
بشارة الخوري 162
حافظ جميل 169
سليم رشيد الخوري 180
محمد رضا الشبيبي 192
عبد الحميد بن باديس 199
ميخائيل نعيمة 205
اسماعيل صبري 215
ابراهيم المازني 220
ايليا ابوماضي 228
احمد زكي ابوشادي 238
خيرالدين الزركلي 244


احمد الصافي النجفي 247
محمد ابراهيم المراكشي 256
محمد مهدي الجواهري 264
علي محمود طه المهندس 272
ابوالقاسم الشابي 280
احمد علي باكثير 295
حمزة شحاته الحجازي 307
عمرابوريشة 315
احمد التجاني يوسف بشير 320
المصادرالمراجع 328
الفهرس 330



------------------------------------------
























من مؤلفات السيد فالح الحجية الكيلاني
----------------------------------------------------
الشعرية
1- نفثات القلب
2-قصائد من جبهة القتال
3- الشهادة والضريح
4- القصائد الدينية( من وحي الايمان )
5-الحرب والايمان

النثرية
1- في الادب والفن
2- الموجز في الشعر العربي
3-عذراء القرية قصة طويلة
4- كرامة فتاة = =
5- الاشقياء قصص قصيرة
6- شرح ديوان الشيخ عبد القادرالجيلاني وشيءفي تصوفه
7- تذكرة الشقيق الجامعة لمعرفة اداب الطريق
8-اصحاب الجنة في القران الكريم
9-الامثال في القران الكريم
10- القران في القران الكريم
11- الادعية المستجابة في القران الكريم
12- بلدروز عبر التاريخ
13- التصوف والطريقة القادرية
14-شرح القصيدة العينية
15-عبد القادر الجيلاني وموقفه من الفرق والمذاهب الاسلامية
16- الانسان ويوم القيامة
17- شعراء النهضة العربية
18- يوم القيامة في القران الكريم
-----------------------

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق