الخميس، 24 يونيو، 2010

شعراء النهضة العربية تاليف فالح نصيف الحجية القسم الاول

فالح نصيف الحجية
الكيلاني



شعراء النهضة العربية





























الاهداء


الى \


سناء 000 ابنتي الحبيبة
تلك التي استقيت اسمها من اسمى امل واحسن اشراق
والتي جاءت للحياة في يوم مشمس قارص البرد
فكان سناء الشمس يبعث الدفيء والحياة في قلوب
الاخرين كما بعث هؤلاء الشعراء روح النهضة العربية
في شش ابنائها
فكانوا بسنائهم خالدين 0



فالح نصيف الحجية
الكيلاني






































تمهيد


النهضة العربية



ان المجمع العربي بدا ينهض من سبات عميق دام قرونا طويلة وقد بدت هذه اليقضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين في وقت فتح المثقون والاحرار من رجال الدين والمفكرون فيه عيونهم فرأوا شعبهم العربي يغط في نوم عميق ومن فوقهم الاخرون الغرباء يسومونهم سوء العذاب ويحاولون طمس معالم الامة العربية والاستحواذ على كل خيراتها واشاعة روح الجهل والامية فيها من جهة والاستبداد والجثم على الرقاب وبالقوة من جهة اخرى فكانت بداية نهضة عربية في سوريا ومصر ثم تبعتها في العراق وشمال افريقيا ثم شملت كل اقطار الامة العربية 0
ان الادب العربي بمافيه الشعر الشعر تطور او سرت فيه نفثة الحياة فسار في طريق التقدم ولايزال كذلك وقد كان الادباء والشعراء من اوائل قادة المجتمع العربي وهم اصحاب الرؤية والفكر الوقاد ولهم الزعامة في السياسة والثقافة والثورة كذلك وقد كان الادباء والشعراء من اوائل قادة المجتمع العربي وهم اصحاب الرؤية والفكر الوقاد ولهم الزعامة في السياسة والثقافة والثورة 0
ان شرارة النهضة العربية اتقدت في لبنان علي ايدي الثوار ناصيف اليازجي وابنائه وبطرس البستاني وغيرهم من بعدهم ثم اشتعلت في مصر على ايدي محمود سامي البارودي واحمد شوقي وحافظ جميل وغيرهم ومنها الى العراق على ايدي محمد سعيد الحبوبي وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي والشبيبي والجواهري وغيرهم كثير ثم في بقية الاقطارالعربية على ايدي الشعراءالباروني والقيرواني والمراكشي وباكثير و حمزة شحاته الحجازي والتيجاني وابن باديس وغيرهم كثير من شعراء الامة العربية 0
0
ونستطيع ان نجمل اسباب النهضة العربية الحديثة بمايلي \


1 - الدور الثقافي والاجتماعي
-------------------------------------------

تيقظ جماعات من الشباب العربي وحملوا انفسهم على
حمل رسالة التحرر من الاستعمار والاخذ بيد الشعب العربي
في الاتطلاق قدما نحو مجتمع افضل ولما كان ذلك يعارض الحاكمين وقفوا بحزم لتخريب كل عمل من شانه يقوي من عزيمة هؤلاء الشباب بل وعملوا على قتل مثل هذه الحركات الثورية في مهدها وبالقوة فزجوا ببعضهم في السجون وشردوا الاخرين خارج مواطنهم ليكونوا بذرة انبتت شباب المهجر فوجدت الجمعيات السرية رغما عن المستعمرين وكان يتراءس هذه الجمعيات الادباء والشعراء والمثقفون فزودوا افراد هذه الجمعيات بوقود الثقافة وغذوهم بالقصائد الشعرية الوطنية التي تلتهب نارا في نفوس الشباب العربي وقد ادى ذلك الى انضواء الكثير من ابناء الامة العربية تحت لواء هذه الجمعيات التي عملت على تثقيف افرادها وغيرهم من الشعب العربي ودعواهم الى التحررمن الاستعمار والى الحرية فانتشرالنشاط الاجتماعي ودبت الحركة في المجتمع العربي وازداد النشاط الثقافي وافتتحت المدارس كظاهرة حضارية فكانت بمثابة نهضة او بداية نهضة وبداية ثورة روحية سرت في جسد الامة العربية سياسيا وثقافيا واجتماعيا


2 - الاتصال بالغرب
---------------------

اتصل الشباب العربي بالغربيين بطرق شتى وتطلع االمفكرون العرب على ماعند الغرب وتاءثروا بالافكار والاساليب الثقافية الغربية وقد ظهر هذا التاثير واضحا في الثقافة والادب العربي و في شعر الشعراء كما تاءثروا بالترجمة وارسال البعثات الى الغرب لدراسة الثقافة الغربية والاطلاع عليها وايجاد السبل الكفيلة من نقل بعض منها الى البلاد العربية وكذلك كان للارساليات التبشيرية- ولو اني اعتقد ان هذه الارساليات الثقافية الغربية الى بلاد العرب تمهيدا لاستعمار جديد من نوع اخر وقد حدث بالفعل - الا ان كل هذه الامور قد وسعت افق اخيلةالشعراء والادبا ء والمفكرين العرب وافكارهم وشحذت همهم وقدحت نار الثورة العربية في نفوسهم المتعطشة اليها فعادوا الى بلادهم جذة من شعلة ملتهبة انارت الطريق للشعبي العربي وكانوا هؤلاء قادتهم ورؤسائهم في التحر ر والانعتاق واشاعة روح التمرد على القديم وعلى الجهل والامية والتخلف وظهور عوامل التجديد فيه وخصب خيال الشعراء او نهضتهم من نومة عميقة دامت قرونا طويلة 0









3- حملة نابلون على مصر
------------------------
ومن اسباب النهضة العربية غزو فرنسا لمصر وطرد العثمانيين الاتراك منها 0
فقد غزت فرنسا مصر بقيادة نابليون سنة 1217 هجرية تقريبا ومكث نابليون حاكما على مصر ثلاث سنوات أي بدل الاستعما ر العثماني باخر غربي افضل من الاول واكثر انفتاحا على الشعب العربي في مصر فقد جلب معه العلماء والادباء والمهندسين واسس مكتبة عامة ومطبعة واصدر صحيفة واسس مجمعا علميا أي اهتم بالثقافة العربية وادابها القديمة من خلال القيام بطبع بعض الكتب العربية في شتى مجالات الحياة وخاصة الدينية والثقافية والادبية بمافيها دواوين الشعراء وبعض الكتب العلمية
ان بعضا من الشعب المصري اخذ في تقليد الفرنسيين في كل امورهم ومنها التافه ومنها والجاد في الماكل والملبس والعادات والثقافة فتيقضت العقول والافكار فكانت بداية نهضة ثقافية اجتماعية في الشعب العربي في مصر كما كان من ثمار هذه النهضة مقارعة المصريين للحملة الفرنسية ذاتها على بلادهم هذه المقارعةالتي ادت الى بعث الشعور العربي لدى المصريين و في الوطن العربي الشعور القومي والاحساس بالظلم من المستعمرين القادمين من الخارج وايجاد شعور فياض بطردهم من البلاد والمطالبة بالحق وبحكم بلدهم بانفسهم اسوة بالشعوب الغربية 0
ومن مصر تسربت روح الثورة وروح النهضة الى الاقطار العربية الاخرى فكان لها ابلغ الاثر في نهضة الثقافة العربية ومنها الشعر وتقدمه حيث انه الوقود لكل الثورات وان الادباء والشعراء والمثقفين هم الساسة وهم قادة الثورات في كل زمان ومكان 0



4- انتشار المطابع والمكتبات

دخلت المطابع للبلاد العربية في سنة 1029 هجرية على وجه التقريب فساعدت على انتشا ر الصحف وطبع الكتب المؤلفة سابقا اوحديثا واطلع المفكرون ومنهم الادباءو الشعراء على الكتب التي طبعت وخاصة الكتب الدينية مثل المصاحف وكتب الحديث والسنن والسير والقصص والدواوين الشعرية وقد تأثربعض الشعراء بالشعر القديم فنهجوا المنهج الشعري القديم في الاغلب مع ظهور التاءثر بالغرب فكان ان ارتفع الشعر ظاهرا للوجود من جديد في اكثرالبلاد العربية وخاصة مصر والشام والعراق حاملا صوت التحرر والانعتاق من ربقة القيود التي فرضت عليه زمن الفترة المظلمة القاسيةاو زمن الركود والمحنة الحالكة وظهرت حركة التجديد في الشعر وظهرت الجمعيات والاحزاب السياسية القوميةاوالمحلية وكثرت المكتبات ايضا وفتحت المدارس فكانت هذه روافد تصب في معين الثقافة العربية
هذه الاسباب وغيرها دفعت المثقفين العرب وعلى راءسهم الشعراءالى حمل رسالة امتهم وثورت النهضة في الدم العربي فأورقت هذه الشجرة المباركة من جديد فكانت شجرة وارفة الظلال اغصانها ينابيع الثقافة العربية و فنون الادب العربي حيث فتحت افاق جديدة وانواع جديدة للادب و للشعر ونبغ الشعراء فكانت النهضة الشعرية الحديثة وكان هذا العدد الكبير من الشعراء في كل البلاد العربية كان صوتهم واحد ا ونداؤهم في شعبهم العربي واحدا الكل يدعوالى النهضة والثورة على الاستعمار وطرده من كل البلاد العربية ودفع البلاد الى كل ما
هو جديد 0


-------------------------------------







الشعر والنهضة العربية




بدت روح النهضة العربية الادبية وعلى راسها الشعر في النصف الاول من القرن التاسع اوقبيله بقليل –أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت وانتكست انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء في تاريخ الامة العربية ابتداءا من دخول المغول( ا لتتار) بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او قبيله بقليل
فقد كانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية ومهيمنة على البلاد العربية بحكمها القاسي حكما استعماريا ظالما – لافرق بين استعمار واخر كل يريد تحقيق مصالحه على حساب البلد الذي ابتعلعه وان ويجعله تحت سيطرته اطول مدة - ادى الى تاءخر البلاد في محتلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتبع الاتراك سياسة تتريك العرب في بلادهم وخاصة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والقضاء على لغتهم الام – العربية التي هي لغة القران الكريم والدبن الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي فضلوا اللغة التركية على دينهم في سبيل نشر لغتهم وطمس معالم العربية في البلاد التي تحت سيطرتهم وكان نتيجة ذلك ان ساد الامة العربية ثالوث الفقر والجهل والمرض
وقد ادى ذلك الى مهاجرة جما عات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل والتنكيل بهم من قبل الحاكمين الاتراك او الفرنسيين الذين جاؤوا واستعمروا البلاد بعدهم اومن سايرهم من الحكام العرب الذين كانوا يحكمون اهلهم واخوانهم للاجنبي وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون جاليات وجماعات وجمعيات في اميركا والبرازيل وغيرها من الدول التي هاجروا اليها وبرز منهم جماعات في مجال الادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران والمعلوف وغيرهم
اما في الشرق العربي فقد دبت الحياة تسري من جديد في الروح العربية وخاصة النهضة الفكرية وتسربت بين الشباب العربي وبعد اتصال البعض منهم بالغرب مثل بريطانيا اوفرنسا اوغيرها واخذ شبابنا العربي يتطلع بما في هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار والثورة على العادات والنظم البالية والمتهرئة التي البسها هذا الاستعمار للامة العربية وكذلك كان من اسباب هذه النهضة التمازج العربي مع الغربيين عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع جديد- ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع ودخولها البلاد العربية ونشر الحرف العربي والفكر العربي وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزوة نابليون لمصر
ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة - مطبوع بطابع الفردية تقليديا عنايةالشاعر تنطوي على التزويق اللغوي واللفظي دون المعنى وتحول الى صناعة شعرية بحتة تكثر فبها الصور التقليدية الماخوذة ممن سبقهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام المعاني الشعرية الجديدة اوطمسها
اما في بداية هذا العصر فقد تغيرت وطبعت بطابع التحرر والانطلاق والدعوة الى الثورة على كل ما خلفه الاستعمار من اوضاع ومفاسد وطبع الشعر بطابع التجديد من جديد فتوسعت افق افكار وخيالا ت بعض الشعراء بعد اطلاع بعضهم على الاداب الغربية والتاءثر بالشعر العربي القديم الذي بدء ينشر من جديد في حركة ادبية بداءت تتحرك وتتحرر في البلاد ومن الشعراء من اوجد شعرا جديدا فتحررمن قيود القافية كما هو الحال في الشعر الحر الذي ظهر حديثا في الشعر العربي ونتيجة اطلاع الشعراء العرب على الفن المسرحي الغربي فوجد الشعر التمثيلي
الشعر العربي يمتميز في هذا الوقت بثوريته و وطنيته و يدعو الى استنهاض الهمم والتخلص من الاستعمار والثورة على كل ما هو- قديم وبال لا خير فيه لاءمتنا العربية – فكان في اغلبه شعر ا هادفا قاد البلاد الى حركة وطنية قومية فكان الشعراء والمفكرون والادباء هم قا دة الثورات التحررية في الوطن العربي ومذكوا ا وارها 0






------------------------------------

















النهضة العربية والاتجاهات الشعرية



اوجدت النهضة العربية التي احدثت انقلابا في الحياة العربية الجديدة نوعا من التقدم الثقافي في كل المجالات الثقافية بمافيها الدينية والسياسية والتاريخية والادبية في النثروالشعر كان نتيجته نشوء انواع جديدة من الشعر مثل الشعرالحر او الشعرالمنثور كتب فيه جملة من الشعراء وخاصة الذين تاثروا بالثقافة الغربية و الشعر المسرحي او التمثيلي اضافة الى عمود الشعر اذ بقي شامخا يكتب فيه الكثير من الشعراء العرب ولا يزال عمود الشعر هوالسمة الواضحة في الشعر العربي
وعمود الشعر هو الشعر الموزون المقفى ويدعى بالشعر التقليدي ايضا لاءنه تقليد للشعر القديم وامتداد له في الوزن والقافية فالشعر التقليدي هو هذا الشعر الذي نظم على موسيقى بحر من البحورالشعرية العربية الستة عشر التي اوجدها العالم البصري الكبير الخليل الفراهيدي وتولد القصيدة على روي واحد وقافية واحدة ووزن واحد فالقصيد ة وحدة متماسكة من حيث البناء كانها بيت واحد واغلب الشعر العريي الحديث من هذا النوع الذي يمثل اصل الحضارة العربية الادبية
لقد حافظ الشعراء على اصالة عمود الشعر العربي وموسيقاه واوزانه والاسلوب الشعري القديم المتمثل بالقافية الواحدة والبيت الشعري الواحد المتكون من شطر وعجز في تنسيق متسق وبحر واحد أي متساوي التفاعيل الوزنية او موحد الموسيقى الشعرية للبيت الواحد بحيث تكون كل القصيدة مهما طالت ذات تفاعيل محددة الوزن ضربها الموسيقي واحد لاتخرج عما رسمه في الاصل الشعراء العرب وهو الماءلوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي وكذلك الالتزام بالقافية الواحدة في القصيدة

وسيبقى كذلك عمود الشعرمهما اختلفت الاغراض والفنون الشعرية واساليب الشعراء شامخا وله االقدح المعلى والجو الانسب على امتداد الوطن العربي حيث الاذن الموسيقية العربية جبلت عليه واستساغت سماعه واستسمجت كل انواع الشعر الا اياه فقديما وحديثا كانت القصيدة العربية التقليدية هي الاساس الشعري في الادب العربي وما جاء بعدها عيال عليها او تفرع منها وليس الفرع كالاصل ومن قصائد عمود الشعر هذه الابيات للشاعر العربي على محمود طه في ا ستنهاض همم الشعب العربي ودفعه الى الثورة بوجه الطغاة يقول فيها \

اخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجها د وحق الفدا

اتركهم يغصبون العروبة
مجد الابوة والسؤدد ا

وليسوا بغير صليل السيوف
يجيبون صوتا لنا او صدى

فجرد حسامك من غمده
فليس له بعد ان يغمد ا

اخي ايها العربي الابي
اري اليوم موعدنا لا غدا

اخي اقبل الشرق في امة
ترد الضلال وتحي الهد ى

اخي ان في القدس اختا لنا
اعد لها الذابحون المدى

صبرنا على غدرهم قادرين

وكنا لهم قدرا مرصدا

اخي قم الى قبلة المشرقين
لنحمي الكنيسة والمسجدا

يسوع الشيد على ارضها
يعانق في جيشه احمدا


بدات المحاولات الداعية الى التخلص من وحدة القافية في القصيدة الواحدة في الشعر العربي في العصر العباسي الثاني وفي الاندلس كظهور الموشحات الاندلسية والمواليا و المثلث والمربع والمخمس
ظل الشاعر العربي ملتزما بوحدة القافية و موسقى البحر الواحد الا ان في بدايات القرن العشرين ا وجد من شعراء المهجر من دعى الى الثورة على الاسلوب الشعري القديم فدعوا الى التحرر من هذه القيود فنظمو شعرا من غير وزن ومن غير قافية او خرجوا فيه عن الماءلوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي وكذلك لم يلتزموا بالقافية الواحدة في القصيدة
وعن شعراء المهجر تسربت هذه الحالة الجديدة في الشعر الى الاقطار العربية فظهرت في اغلب البلاد قصيدة النثر او ما يسمى بالشعر الحر فهي اشبه بثورة على الشعرالقديم شعرالتفعيلة في بناء القصيدة فتخلصوا من نظام الشطروالعجز وابتعدوا عن النظم بالعمود الشعري المتسق المتناسق في البناء وظهرت منازعات بين رواد الشعر العمودي الذين اعتبروا الشعر الحر ضرب من انواع النثر وانه نقص في شاعرية الشاعر اوفي اذنه الموسيقية اخرجته عن الماءلوف وبين رواد الشعرالحديث الذين يعتبرونه من متطلبات العصرالحديث
ولا اعلم ان كانت هذه الطريقة اهي نقص في شاعرية الشاعر العربي الحديث مع العلم ان هناك قصائد في الشعر الحر رائعة وجميلة وذات خيال شاعري يهز الوجدان هزا ام انها طريقة جديدة لنظم الشعر اقتضتها ظروف الحياة في هذا العصر الا اني اقول ان طبيعة العربي ستبقى متاءثرة بالقصيدة الشعرية ذات التفعيلة الواحدة والقافية الواحدة لدى سماعها او مطالعتها وتشد المواطن العربي اليها اكثر من قصيدة الشعر الحر الخالية من الوزن والقافية ويظل المواطن العربي ينظر الى قصيدةالشسعر الحر انها قصيدة النثر وقد اثبت الزمن صحة ذلك خلا ل هذه الايام على كثرة ما قيل في الشعرالحر ونظم فيه من دواوين شعرية واني رغم كتابتي بعض قصائدي في الشعرالحر الااني افضل القصيدة الموزونة المقفاة عليها
واشعر انها قصيدة الشعرالعربي قديما وحديثا واني شعرت حين اكتب القصيدتين ان الاولى اعلى قدرا وافضل سماعا واكثر تاءثرا في الوجدان العربي ومع هذا تبقى قصيدة النثر حاجة ملحة لشعر هذا العصر ولعلي ارجع يوما للتفضيل بينهما
من اشهر شعراء قصيدة الشعرالحر وروادها بدر شاكرالسياب وعبد الوهاب البياني ونازك الملائكة وميخائيل نعيمة وجبرا ن وغيرهم كثير
ومن الشعرالحر هذا النموذج للشاعرة نازك الملائكة تقول \


في دجى الليل العميق
راسه النشوان القوه هشيما
واراقوا دمه الصافي الكريما
فوق احجار الطريق

-------------------

وصباحا دفنوه
واهالوا حقدهم فوق ثراه
عارهم ظنوه لن يبقى شذاه
ثم سارو ا ونسوه

-----------

حسبوا الاعصار يلوي
ان تحاموه بستر اوجدار
وراءو ان يطفؤا ضوء النهار
غير ان المجد اقوى

------------------

ومن القفبرالمعطر
لم يزل منبعثا صوت الشهيد
طيفه اثبت من جيش عنيد
جاثم لا يتقهقر

-------------------
يا لحمقى اغبياء
منحوه حين اردوه شهيدا
الف عمر وشبابا وخلودا
وجمالا ونقاء

* * *
ومن الفنون الشعرية الحديثة الذي ظهر جراء النهضة العربية الشعر التمثيلي او المسرحي وهو فن طارئ على الادب العربي اقتبسه العرب نتيجة اتصالهم بالغرب وتاءثرهم بهم من خلال البعثات والترجمة واطلاع بعضهم على المسارح الغربية فقد اطلع الشعراء العرب على حركة المسارح الغربية وما يعرض فيها مما كتبه الادباء الغربيون من مسرحيت شعرية مثلت على المسارح فاقدم بعض شعراؤنا على محاكاتهم بدافع حب التشابه الة نظم مسرحيات تمثيلية باللغة العربية فنظموها شعرا
وقد نجح هذا النوع من الشعر في اول بداياته الاانه ركد اومال الى الركود مع مرورالزمن وقد كانت اغلب الروايات الشعرية مستقاة مادتها من التاريخ ومن اشهر من كتب في هذا الشعر واوجده الشعراء احمد شوقي وعزيز اباظة من مصر و خالد الشواف من العراق وغيرهم
وهذا مقطع من مسرحية –كليوباترة - شعر احمد شوقي -

اونيس – محاولا اسعاف الجرح –

تلك انفاسه توالى وهذا جسمه لا يزال غضا طريبا

هو ذا قد تخلجت شفتاه وتهيا لسانه ليثو با

ايها الملائكة ارفقي بجريح بات تحت الرواء جرحا صبيبا

لاتناديه بالدموع مرارا ربما ضر جرحه ان يجيبا

انطونيو-

كليوباتره عجب انت هنا لم تموتي هم اذن مكذبون

كليوباترة –

سيدي روحي حياتي قيصري امن حي

انطونيو

بعد حين لا اكون

كليوباتره

من تعاني كذبا من قالها لك

انطونيو

اوملبوس النذل الخؤون

مر فاستوقفته اساءله
قال ماتت فتجرعت المنون

* * *

تميز الشعرالعربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بنهضته الثورية فكان الشعر سياسيا ثوريا ناهضا وكان الدافع الرئيس لهذا الشيء هو الحالة الجديدةالناهضة في الوطن العربي فقد شارك الشعراء العرب في اذكاء كل حركات التقدم و الثورية العربية وكا نوا رؤوساء ودعاة لها ومشتركين فعليا فيها فهم الاساس الاول في النهضة العربية لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضةالعربية في بدايات هذا العصر يجد ان القصيدة العربية تقطر دما في ثورة جامحة صارمة كاءن ابيات قصائدهم سيوفا مصلتة مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا جيادهم للجها د في سبيل الحق ونصره شعبهم والذود عن وطنهم المسلوب وهم يرونهم قد تقاسمت الامم اسلابهم فهتفوا في الشعب العربي وتغنوا ببيطولات هذا الشعب الذي هب كالمارد يشق طريقه الى الحرية و الانعتاق وطرد الاستعمار وينشدالنور والامان بالايمان يقدراته وروحيته الابية الطامحة الى العلو والارتقاء والثورة
و الشعرالسياسي يمثل الاحداث العربية تمثيلا صادقا فقد ذكرت فيه الصغيرة والكبيرة من الاحداث التي المت بالامة العربية وكان الشعراء صوت الشعب الهادر والمدوي
فالشعرالعربي كان نار تلتهب لتحرق ظهور الاجنبي وثورة في نفس العربي تزيدها قوة واندلاعا فالشعراء كل الشعراء هتفوا للتحرر العربي وطرد المعتدين والفخر في الشخصية العربية واذكاء نار الثورة فيها يقول الشاعرالاخطل الصغير هذه الابيات من قصيدته سائل العلياء عنا والزمانا \

سائل العلياء عنا والزمانا
هل خفرنا ذمة مذ عرفا نا

المروءات التي كانت بنا
لم تزل تجري سعيرا في دمانا

ضجت الصحراء تشكو عريها
فكسوناها زئيرا ود خا نا

ضحك المجد لنا لما رءانا
يد م الابطال مصبوغا لوانا

عرس الاحرار ان يسقى العدى
اكؤسا حمرا وانغاما حز ا نا



ومع كل ماتقدم نفول ان الفنون الشعرية في بدايات عصر النهضة العربية التي ظهرت حديثا وانشد فيها شعراءالعربية قصائدهم كثيرة الا ا ن اغلبها كا ن في الثورة العربية والتغني بامجادها ورموزها وما لاقته البلاد العربية من نكبات واحداث ومن اهمها نكبة دمشق ونكبة ضياع فلسطين واستلاء اليهود عليها تبقى القصائد الوطنية هي السمة الغالبة لهذا العصر والمحوك القوي للشبا ب العربي المؤمن برسالة امته واعادتها الى سالف عهدها التليد

























تراجم شعراء



النهضة العربية






















ناصيف اليازجي





هو ناصيف بن عبد الله بن جنبلاط بن سعد اليازجي اللبناني المولد السوري الحمصيّ الأصل . ولد في قرية كفر شيما من قرى الساحل اللبناني في 25 آذار سنة 1800 م في أسرة اليازجي التيكانت تسكن سوريا وفي مدينة حمص منها هاجرت الى لبنان وسكنت السهل الساحلي وقد نبغ من هذه العائلة كثير من أفرادها في الفكر والأدب. والثقافة والعلوم
نشأ ناصيف ميالاً إلى الأدب والشعر ، وأقبل على الدرس والمطالعة بنفسه ، وتصفح ما تصل إليه يده من كتب في النحو واللغة ودواوين الشعراء ،وقد نظم الشعر وهو في العاشرة من عمره ، ولم تكن الكتب المطبوعة ميسّرة في عصره فكان اكثر اعتماده على كتب يستعيرها من المكتبات الخاصة ، فمنها ما يقرأها مرة فيحفظ مضمونها ومنها ما ينسخها بخط يده. ويحتفظ بها منسوخة
و بعد اكتمال شخصيته الثقافية اتصل بالأمير بشير الشهابي الكبير ، أمير لبنان ، فقرّبه إليه وجعله كاتباً له ، فلبث في خدمته اثنتي عشرة سنة ، وفي سنة 1840 م نفي الامير بشير خارج البلاد فخرج الأمير بشير من لبنان إلى منفاه وعلى اثر خروج الامير من لبنان انتقل الشاعر ناصيف اليازجي بأهل بيته إلى بيروت فأقام بها وتفرغ للمطالعة والتأليف والتدريس ونظم الشعر ومراسلة الأدباء فذاع صيته وأشتهر ذكره.
اتصل بالمرسلين الأميركيين يصحح مطبوعاتهم ، ودعي للتعليم في المدرسة الوطنية التي كان قد أسسها المعلم بطرس البستاني وذلك عام 1863 ، واشتغل معه بتصحيح الجزء الأول من معجمه " محيط المحيط " ، وشارك في أول ترجمة عربية للكتاب المقدس في العصر الحديث ، وهي الترجمة التي قام بها الأمريكان
عمل في مدرسة الأمريكان في بيروت ( الجامعة الأمريكية
فيما بعد ) ، وصنف مجموعة من المؤلفات اللغوية التعليمية تعد بدء بعث اللغة العربية الفصحى‌ في العصر الحديث .
أصيب بمرض عضال سنة 1869م وأصيب بشلل نصفي فلزم داره على اثر ذلك، وفي أثناء مرضه فجع بفقد ابنه البكر الشيخ حبيب وهو في شرخ شبابه فوقع عليه ذلك الحادث وقوع الصاعقة ولم يعش بعد ذلك إلا أربعين يوماً وكانت وفاته في 8 شباط (فبراير) سنة 1871 م.
عرف اليازجي بشعره ذي النفحة الوطنية التي تنبعث من اعماق قلبه وثابة في شعره وقصائده الوطينية تمتاز بكونها افضل قصائد واسماها
مؤلفاته:
ترك ناصيف اليازجي مؤلفات متعددة شملت الصرف والنحو والبيان واللغة والمنطق والطب والتاريخ ، كما ترك ديواناً شعرياً متنوع الموضوعات ، ومراسلات شعرية ونثرية ، وأهم هذه المؤلفات:
1- « نار القرى في شرح جوف الفرا » ، في الصرف والنحو.
2- « فصل الخطاب في أصول لغة الأعراب » ، وهي رسالة في التوجيهات النحوية.
3- « عقد الجمان في علم البيان ».
4- « مجمع البحرين » ، وهو يشتمل على ستين مقامة على غرار مقامات الحريري وبديع الزمان الهمداني.
5- « ديوان ناصيف اليازجي ». ومؤلف من ثلاث مجاميع شعرية هي النبذة الاولى ونفحة الريحان و ثالث القمرين

6- العرف الطيب في شرح ديوان ابي الطيب
7- فصل الخطاب في قواعد اللغة العربية
8- الجوهر الفرد في فن الصرف

ومن جميل شعره اخترت هذه القصيدة الرائعة

دع يوم امس


دَعْ يومَ أمسِ وخُذْ في شأنِ يومِ غَدِ
واعدِدْ لِنفسِك فيهِ أفضَلَ العُدَدِ

واقنَعْ بِما قَسَمَ اللهُ الكريمُ ولا
تَبسُطْ يَديَـكَ لنَيلِ الرِّزقِ من أحَدِ

والبَسْ لكُلِّ زمانٍ بُرْدةً حَضَرَتْ
حتى تُحَاكَ لـكَ الأُخرى من البُرَدِ

ودُرْ مَعَ الدَّهْرِ وانظُرْ في عَواقبِهِ
حِذارَ أن تُبتَلـى عَيناكَ بالرَّمَـدِ

مَتَى تَرَ الكلبَ في أيَّامِ دَوْلتِـهِ
فاجَعلْ لرِجْليكَ أطواقاً من الزَرَدِ

واعلَمْ بأنَّ عليكَ العارَ تَلْبَسُـهُ
من عَضَّةِ الكلْبِ لا من عضَّةِ الأسَدِ

لا تأمُلِ الخيرَ من ذي نعمةٍ حَدَثَتْ
فَهْوَ الحريصُ على أثوابـهِ الجُدُدِ

واحرِصْ على الدُرِّ أن تُعطِي قلائدَهُ
مَن لا يُميِّـزُ بَيْنَ الدُرِّ والبَـرَدِ

أعدَى العُداةِ صَديقٌ في الرَّخاءِ فإن
طَلَبْتَـهُ في أوانِ الضِّيـقِ لم تَجِـدِ



وأوثَقُ العهدِ ما بينَ الصِّحابِ لِمَنْ
عاقَدتَ قلبـاً بقلبٍ لا يَداً بيَدِ

عليكَ بالشُّكرِ للمُعْطِي على هِبَـةٍ
ودَعْ حَسُودَكَ يَشوي فِلْذَة الكَبِدِ

لو كانَ يَفَعلُ في ذي نِعمةٍ حَسَـدٌ
لَمْ ينجُ ذو نعمةٍ من غائلِ الحَسَدِ

مَحَضْتُكَ النُّصْحَ عن خُبرٍ وتَجرِبـةٍ
واللهُ سُبحانَـهُ الهادي إلى الرَشَدِ

فاخَترْ لنفسِكَ غيري صاحباً فأنا
شُغِلْتُ عنكَ بِمَا قد جَدَّ في البَلَدِ

قد شَرَّفَ اليومَ إبراهيـمُ بلَدتَنـا
كأنَّهُ الرُوحُ قد فاضَتْ على الجَسَدِ

أهدَتْ إلينا ضَواحي مِصْرَ جَوْهَرةً
من مالِنا فهي قد جادَتْ ولَمْ تَجُدِ

ما زالتِ الشَّامُ تشكو طُولَ وَحْشتِهِ
كالأمِّ طالتْ عليها غُربـةُ الوَلَدِ

سُرَّتْ بزَوْرتِـهِ يومـاً ونَغَّصَهـا
خوفُ الفِراقِ فلم تَسلَمْ من الكَمَدِ

عليلةٌ من دواعي الشَّوقِ حينَ دَرَى
من لُطفِـهِ ما بِهَا وافَى كمُفتقِدِ

لئنْ يكُنْ من حِماها غيرَ مُقترِبٍ
فقلبُـهُ عن هَواها غيرُ مُبتعِـدِ

كريم نفسٍ يُراعي عهدَ صاحبهِ
فلا يُقصِّـرُهُ طُـولٌ منَ المُـدَدِ

مُهذَّبٌ ليسَ في أقوالِـهِ زَلَـلٌ
وليسَ في فِعلِـهِ عَيـبٌ لِمُنتَقـدِ

يقومُ بالأمـرِ بَيْنَ النَّاسِ مُنفـرِداً
والغيرُ قد كَلَّ عنهُ غيرَ مُنفـرِدِ

ويَحطِمُ المَنكِبَ الأعلى بِهمَّتِـهِ
من قُوَّةِ الرأي لا من قُوَّةِ العَضُدِ

منَ الرِّجالِ رجالٌ عَدُّهـم عَبَثٌ
وواحدٌ قد كَفَى عن كَثْرةِ العَدَدِ

مالي وما لنُجوم الليلِ أحسُبُهـا
إذا ظَفِرتُ بوجـهِ البَدرِ في الجَلَدِ

أهديتُهُ بِنْتَ فكرٍ قد فتحتُ لَهَا
من حُسنِ أوصافهِ كَنْزاً بلا رَصَدِ

تَمكَّنت بعدَ ضُعفٍ من نَفائسِهِ
حتَّى ابتَنَتْ كُلَّ بيتٍ شامخِ العُمُدِ

كلُّ الملابِسِ تَبلَى مثلَ لابِسِهـا
ومَلبَسُ الشِّعرِ لا يبلى إلى الأبدِ

وأفضَلُ المدحِ ما وازَنْتَ صاحبَـهُ
وزْنَ العَروض فلم تَنْقُص ولَمْ تَزِدِ



* * *




















محمود سامي البا رودي


ولد محمود سامي البارودي عام\ 1839 ميلادية ، وكان أبوه حسن حسين بك البارودي من أمراء المدفعية ثم صار مديرا لمنطقة( بربر) ومن ثم (دنقلة) في عهد الوالي محمد علي باشا والي مصر ، وكان جده لأبيه عبد الله بك الجرسكي كشافا في عهد محمد علي مأمورا و أحد أجداد الشاعر واسمه مراد بن يوسف شاويشا ملتزما في العصر العثماني لبلدة (آيتاي البارود) إحدى مناطق محافظة البحيرة، وقد لقب بالبارودي نسبة الى هذه المنطقة وبقي هذه التسمية ملازمة لعائلته من بعده .
وكان أجداده بربطون نسبهم بنسب المماليك حكام مصر وانهم منهم وكان الشاعر محمود سامي البارودي شديد الاعتزاز بهذا النسب في شعره وفي كل أعماله ، و كان له فيه اثرا قويا في جميع أدوار حياته وفي المصير الذي انتهى أليه .
توفى والده وهو في الاسابعة من عمره فكفلته امه تر بية وتدريسا وسهرت على تعلمه
تلقي البارودي وهو في السابعة من عمره دروسه الأولى في البيت فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية
ابتدات مظاهر حبه و شغفًه بالشعر العربي تظهر في شخصيته ودراسته فحفظ الكثير من شعر الشعراء القدامى وخاصة شعراء العصر الاموي والعباسي مثل جرير والاخطل والفرزدق وابي تمام والبحتري والمتنبي وابن زيدون وكثير من الشعراء الفحول، فنظم الشعر واجاد وابدع فكان شاعرا فذا في مقتبل الشباب وعمر الصبا
وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج عام 1845\م برتبة (باش شاويش )ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان اللغتين التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من الأشعار بهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما . وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة \ ١٨٦٥م لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة "كريت"، وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحروب التي خاض غمارها، يقول في رائعة من روائعه الخالدة \

أخذ الكرى بمعاقد الأجفان
وهفا السرى بأعنة الفرسان

والليل منشور الذوائب ضارب
فوق المتالع والربا بجران

لا تستبين العين في ظلماته
إلا اشتعال أسِنَّة المران

كان الشعر العربي على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تبث فيه الحركة والحياة، وتعيد له الحياة في الأوصال، فتتورد وجنتاه نضرة وجمالاً بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن البدن، واهن الحركة، كليل البصر.

وشاء الله أن يكون البارودي هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية.
أن ولاية مصر الت إلى الخديوي عباس الأول ثم إلى سعيد وكان عباس قد عدل عن خطة محمد علي الذي نظم الجند وتقدمه حين لاحظ ان الدولة العثمانية تنظر إلى الجيش المصري بعين الريبة والقلق وهذا ما جعله يغير خطته ويبتعد عن كل مايقدم الجيش والتعليم كافة لذا تعطلت النهضة التي كانت متصلة بالجيش و في الصناعة والدراسة والتعليم .مما اثر على الحياة الثقافية في البلاد عموما
ترقى البارودي في السلك العسكري والسلك المدني، وحصل على أعلى المراتب، فكان وزيراً للمعارف والأوقاف ووزيراً للحربية والبحرية في عهد الخديوي توفيق،
وبعد عودة البارودي من حرب كريت تم نقله إلى المعية الخديوية ياورًا خاصًا للخديوي إسماعيل، وقد بقي في هذا المنصب ثمانية أعوام، ثم تم تعيينه كبيرًا لياوران ولي العهد توفيق بن إسماعيل في \ حزيران \ ١٨٧٣م)، ومكث في منصبه سنتين ونصف السنة، عاد بعدها إلى معية الخديوي إسماعيل كاتبًا لسره (سكرتيرًا)، ثم ترك منصبه في القصر وعاد إلى الجيش.
ولما استنجدت الدولة العثمانية بمصر في حربها ضد روسيا ورومانيا وبلغاريا والصرب، كان البارودي ضمن قواد الحملة الضخمة التي بعثتها مصر للقتال ولنجدت الدولة العثمانية، ونزلت الحملة في (وارنة) أحد ثغور البحر الأسود، وحاربت في (أوكرانيا) ببسالة وشجاعة، غير أن الهزيمة لحقت بالعثمانيين، وألجأتهم إلى عقد معاهدة( سان استفانوا) في (ربيع الأول ١٢٩٥هـ = مارس ١٨٧٨م)، وعادت الحملة إلى مصر، وكان الإنعام على البارودي برتبة (اللواء) والوسام المجيدي من الدرجة الثالثة، ونيشان الشرف؛ لِمَا قدمه من ضروب الشجاعة و البطولة.
وبعد عودة البارودي من حرب البلقان تم تعيينه مديرًا لمحافظة الشرقية في نيسان \ ١٨٧٨م، وسرعان ما نقل محافظًا للقاهرة، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها، بعد أن غرقت البلاد في الديون، وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية، بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية، ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة، وظهر تيار الوعي الديني الوطني الذي يقوده (جمال الدين الأفغاني)( لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار، وفي هذه الأجواء المشتعلة تنطلق قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته، توقظ النائم وتنبه الغافل، يقول \
جلبت أشطر هذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صاب ومن عسل

فما وجدت على الأيام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمل

لكننا غرض للشر في زمن
أهل العقول به في طاعة الخمل

قامت به من رجال السوء طائفة
أدهى على النفس من بؤس على ثكل

ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت
قواعد الملك حتى ظل في خلل

وبينما كان محمد شريف باشا رئيس مجلس النظار يحاول أن يضع للبلاد دستورًا قويمًا يصلح أحوالها ويرد كرامتها، فارضًا على الوزارة مسؤوليتها على كل ما تقوم به أمام مجلس النواب، إذا بالحكومة الإنجليزية والفرنسية تكيدان للخديوي إسماعيل عند الدولة العثمانية لإقصائه الوزيرين الأجنبيين عن الوزارة، وإسناد نظارتها إلى شريف باشا الوطني الغيور، وأثمرت سعايتهما، فصدر قرار من الدولة العثمانية بخلع إسماعيل وتولية ابنه توفيق.
غير أن (توفيق) نكص على عقبيه بعد أن تعلقت به الآمال في الإصلاح، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه، وأجبر شريف باشا على تقديم استقالته، وقبض هو على زمام الوزارة، وشكلها تحت رئاسته، وأبقى البارودي في منصبه وزيرًا للمعارف والأوقاف، بعدها صار وزيرًا للأوقاف في وزارة رياض.
وقد نهض البارودي بوزارة الأوقاف، ونقح قوانينها، وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة، وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد، ووضعها في مكان واحد، وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب ، كما عُني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها، فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم حتى تُبنى لها دار خاصة، ونجح في أن يولي صديقه (محمد عبده) تحرير الوقائع المصرية، فبدأت الصحافة في مصر عهدًا جديدًا.
ثم تولى البارودي وزارة الحربية خلفًا لرفقي باشا إلى جانب وزارته للأوقاف، بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي بعزل رفقي، وبدأ البارودي في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً، فخرج من الوزارة بعد تقديم استقالته ( ٢٢ من اب \ ١٨٨١م)؛ نظرًا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا رئيس الوزراء، الذي دس له عند الخديوي.

عاد البارودي مرة أخرى إلى نظارة الحربية والبحرية في الوزارة التي شكلها شريف باشا عقب مظاهرة عابدين التي قام بها الجيش في ٩ من سبتمبرابلول \ ١٨٨١، لكن الوزارة لم تستمر طويلاً، وشكل البارودي الوزارة الجديدة في شباط\ ١٨٨٢عين أحمد عرابي وزيرًا للحربية، ومحمود فهمي للأشغال؛ ولذا أُطلق على وزارة البارودي وزارة الثورة؛ لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.
وافتتحت الوزارة أعمالها بإعداد الدستور، ووضعته بحيث يكون موائمًا لآمال الأمة، ومحققًا أهدافها، وحافظا كرامتها واستقلالها، وحمل البارودي نص الدستور إلى الخديوي، فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق، ثم عرضه على مجلس النواب.
الثورة العرابية
تم كشف مؤامرة قام بها بعض الضباط الجراكسة لاغتيال البارودي وعرابي، وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين، فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان، ولمّا رفع البارودي الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه، رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقًا للدستور، ثم عرضت الوزارة الأمر على مجلس النواب، فاجتمع أعضاؤه في منزل البارودي، وأعلنوا تضامنهم مع الوزارة، وضرورة خلع الخديوي ومحاكمته إذا استمر على دسائسه.
انتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف، وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية، منذرتين بحماية الأجانب، وقدم قنصلاهما مذكرة في ٢٥ من مايو\ ١٨٨٢م) بضرورة استقالة الوزارة، ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وقد قابلت وزارة البارودي هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق، ولم يكن أمام البارودي سوى الاستقالة، ثم تطورت الأحداث، وانتهت بدخول الإنجليز مصر، والقبض على زعماء الثورة العرابية وكبار القادة المشتركين بها، وحُكِم على البارودي وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.
أقام البارودي في الجزيرة سبعة عشر عامًا وبعض عام، وأقام مع زملائه في (كولومبو) سبعة أعوام، ثم فارقهم إلى (كندي) بعد أن دبت الخلافات بينهم، وألقى كل واحد منهم فشل الثورة على أخيه، وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.
وطوال هذه الفترة كان البارودي ينشد الشعر ويقرض القصيد فكانت قصائده خالدة، في المنفى يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في ١٢من سبتمبرايلول \ ١٨٩٩
. بعد سلسلة من أعمال الكفاح والنضال ضد فساد الحكم وضد الإحتلال الإنجليزي لمصر عام \1882 قررت السلطات الحاكمة نفيه مع زعماء الثورة العرابية في كانون الاول عام\ 1882 إلى جزيرة سرنديب . اي جزيرة سريلانكا الحالية
مع مجموعة من رفاقه الثوار وعندها اطل شاعرنا على ساحل مصر ليلقي عليه نظرة وداع وحسرة المت بقلبه ، وما تكاد الباخرة تغادر أرض النيل الى جزيرة سرنديب حتى تشتد عواطف الشاعر الدافقة لتتحول إلى مشهد حزين ينتهي إلي تجربة شعرية صادقة تتجسد في قصيدته النونية :

ولما وقفنا للوداع وأسبلت
أهبت بصبري أن يعود فعزّني

وما هي ألا خطرة ثم أقلعت
مدامعنا فوق الترائب كالمزنٍ

وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن
بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن


ظل في المنفى أكثر من سبعة عشر عاماً يعاني الوحدة والمرض والغربة عن وطنه , بعد أن بلغ الستين من عمره اشتدت عليه وطأة المرض وضعف بصره وبناء على توصية الاطباء تقررت عودته إلى وطنه مصر للعلاج ، فعاد إلى مصر يوم 12 سبتمبرايلول عام \ 1899 وكانت فرحته غامرة بعودته إلى الوطن وأنشد قصيدته أنشودة العودة التي تعتبر من
روائع الادب العربي \

أبابلَ رأي العين أم هذه مصـر ُ
فإني أرى فيها عيوناً هي السحرُ

نواعسَ أيقظن الهوى بلواحـظٍ
تدين لها بالفتْكةِ البيضُ و السمرُ

فليس لعقلٍ دون سلطانها حـمىً
ولا لفؤادٍ من غشْيَانِها سترُ

فإن يكُ موسى أبطل السحرَ مرةً
فذلك عصر المعجزات و ذا عصرُ

وطوال هذه الفترة كان البارودي ينشد الشعر ويقرض القصيد فكانت قصائده خالدة، في المنفى يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (٦ من جمادى الأولى ١٣١٧هـ = ١٢من سبتمبر ١٨٩٩م).


كان البارودي في شعره السياسي ناقداً اجتماعياً وثائراً وطنياً ومصلحاً صريحاً شديد الحرص على حرية أبناء بلده ناقداً لهوانهم وذلهم وتهاونهم في الرد على الظلم والسكوت عليه لاحظ اليه يقول :

وكيف ترون الذل دار إقـــامـة
وذلك فضل الله في الأرض واسـعُ

أرى رؤوساً قد أينعت لحصادهــا
فأين ـ ولا أين ـ السيوف القواطعُ ؟

فكونوا حصيدا خامدين أو افزعـوا
إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافـع

أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجـة
أليّ ولبّاني الصدى وهو طائـــعُ

فلم ادرِ أن الله صور قبلكـــــم
تماثيل يخلق لهن مسامـــــعُ

وكثيرا ما تغنى بمصر وجمالها وسحرها لاسيما في المنفى إذ ظلت تلك القصائد تؤكد مشاعره تجاه احبته و وطنه وامته انظر اليه يقول :

فيا (مصر) مدّ الله ظلك وآرتوى
ثراك بسلسال من النيل دافــقِ

ولا برحت تمتار منك يد الصـبا
أريجا يداوي عرفه كل ناشــقِ

فانت حمى قومي ومشعب أسرتي
وملعب أترابي ، ومجرى سوابقي

بلاد بها حل الشباب تمائمـــي
وناط نجاد المشرفيّ بعانقـــي

امتازت مراثي البلاد عند البارودي بصدق الإحساس ورقة العاطفة لذا فانه لم يرث صديقاً أو قريباً إلا كان رثاؤه صادقاً بعيداً عن شعر المناسبات، ويبدو على شعره الحزن العميق بعد أن تسلم خبر وفاة زوجته وتعد هذه القصيدة من عيون الشعر العربي في رثاء الزوجات يقول:

أَيَدَ المنون قدحت أي زنـــاد
أطرت أية شعلة بفــــؤادي

أوهنت عزمي وهو حملة فيلق
وحطمت عودي وهو رمح طراد

لا ادري هل خطب ألم بساحتي
فأناخ ، أم سهم أصاب سوادي ؟

أقذى العيون فأسبلت بمدامـع
تجري على الخدين كالفرصـاد

ما كنت احسبني أراع لحـادث
حتى منيت به فأوهـــن آدي

أبلتني الحسرات حتى لم يكـد
جسمي يلوح لأعين الـــعوّاد

استنجد الزفرات وهي لوافـح
وأسفه العبرات وهي بــوادي

بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم احمد شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم (مدرسة النهضة ومدرسة الأحياء(
ولم تطل الحياة بالبارودي بعد عودته من المنفى اذ توفته المنية في 4 من شوال \1322هـ ، 12 من ديسمبر\ 1904م، بعد سلسلة من الكفاح والنضال .
ويعد البارودي باعث النهضة الشعرية الحديثة في الشعر العربي، فقد نجح في تحميل الإطار القديم تجارب حياته الخاصة، كما نجح في إعادة الشعر العربي إلى ما كان عليه في عصوره الزاهرة، فأضحى شعره يماثل شعر الفحول في صدر العصر العباسي. كابي تمام والبحتري والمتنبي وساعده ذكاؤه الحاد وموهبته الفذة على تحقيق هذا الهدف بمعارضة الشعراء الأقدمين وتقليد أساليبهم , ومعانيهم الشعرية في بناء القصيدة ، وبذلك أصبح رائد حركة إحياء الأدب العربي الحديث، وكان عظيم التأثير في المدارس الشعرية التي اتت من بعده ،وفي شعره تلاحظ تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي..
وان شعره تلاحظ فيه تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.
وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها (كشف الغمة)، وله أيضًا (قيد الأوابد) وهو كتاب في النثر سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و(مختارات البارودي) وهي مجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو\ ٤٠ ألف بيت.

ومن جميل قصائده هذه القصيدة\


مــحــا البــيــنُ ما أبقتْ عيون المها مني

فـشِـــــــــبتُ ولم أقضِ اللُّبانة من سني

عـــناءٌ ، ويــــأسٌ ، واشــــتيــــاقٌ وغــربةٌ

ألا ، شــدَّ ما ألقـــــاه في الدهر من غبنِ

فإن أكُ فــــارقـــــــتُ الــــديار فـــلي بـها

فُــــــؤادٌ أضـــــــلتْهُ عــــيـــون المها مِني


بعــــثــــتُ به يــــوم النـــوى إثـــــرَ لَحْظَةٍ

فأوقــــعــــه المِقدارُ في شَـرَكِ الحُــسنِ

فـــهل من فتى في الدهــــر يجمع بـينـنا

فـــلـــيــس كِلانا عــن أخــيه بمـسـتغــنِ

ولــما وقـــفــــنـا لِلــوَدَاع ، وأســـبَــلَـــتْ

مـــــدامـــعنا فـــــوق التـــرائب كالمـــزن

أهـــبتُ بـــــــصبري أن يعودَ ، فــعـــزنـي

وناديت حــلــمــي أن يـثــوب فــلــم يُغـنِ
ولمْ تَــمـْــضِ إلا خَــطْــرَةٌ ، ثــــم أقلــعـت

بنا عـــن شطوط الحـــي أجـنِحةُ السُّفْـنِ

فـكم مُـــــهجةٍ من زَفْرَةِ الوجدِ في لــظى

وكم مُقـْــــلَةٍ مِنْ غــزرة الدمــع في دَجْنِ

ومـــا كــــنتُ جــــربتُ النـــوى قبل هـذه

فـــلما دهــــتني كِدتُ أقــضي من الحزن


ولكـــنني راجـــعــــتُ حِــــلْمـِي ، وردني
إلى الحَــــزْمِ رأيٌ لا يــحـــومُ عــلـى أَفْنِ

ولولا بُـــنــيــاتٌ وشِـــيـــبٌ عــــــــواطـــلٌ

لــمــا قَــرَعَـتْ نفـسي على فائِتٍ سِني

فيــا قــلــبُ صــبـراً إن جـــــزِعتَ ، فربمـا

جَـــرَتْ سُـــنُــحاً طَيْرُ الحــــــوادثِ باليُمْنِ

فــقــد تُـــــورِقُ الأغـــصــان بـعد ذبـــولـها

ويــبــدو ضـــياء البــدر فـي ظــلمةِ الوَهنِ

وأيُ حـــســـــــــامٍ لم تُصِـــبهُ كـــهـــامُةٌ

ولهْــــذَمُ رُمْــــحٍ لا يُــــفَــــلُ مـــن الطـعنِ

ومن شــــــــاغــــــب الأيامَ لان مَــرِيـــرُهُ

وأســــلــمــهُ طولُ المِـــراسِ إلى الوَهْـنِ

وما المــــــــرءُ في دنـــيـاه إلا كـــســالِكٍ

مناهِـــــجَ لا تخـــلو من الســهل والحَــزْنِ

فإن تـــكـــــن الــدنيا تـــولــــت بــخـيـرها
فأهــــون بدنيا لا تــــدوم عــــــــلـى فَـنِّ!

تحــمــلــتُ خـــوفُ المَــنِّ كـــلَّ رَزِيــئـــةٍ

وحـــمـــلُ رزيا الدهــــر أحــلـى من المنِّ

وعــــاشـــــرتُ أخــداناً ، فلما بَلَــــــوتُهُمْ

تـــمـــنــيــتُ أن أبقى وحـــــيداً بلا خِـدنِ

إذا عـــــرف الــمـــــرءُ القلوبَ وما انطـوتْ

عـــليه مـن البغضاءِ - عاش على ضِــغْــنِ

يــــرى بــــصــــري مــــن لا أودُ لِـــقــاءَهُ

وتــسمـــعُ أذني مــا تــعــافُ مِن اللحــنِ

وكــيــف مُــقــامي بين أرضٍ أرى بـهــــا

من الظلم ما أخنى على الدار والسَّكْـــنِ

فسَمْعُ أنين الجَوْرِ قد شـــــاك مسمعي

ورؤيـــةُ وجـــه الغـــدر حــل عُرا جَفــــني


وصــعــب عــــلى ذي اللُّبِ رئــمـانُ ذِلةٍ

يَظَلُ بها في قــــومـــــــه واهي المـــتـنِ

إذا المــــرُء لم يــــرمِ الهـــــناةَ بــمــثلـها

تــخــطى إليه الخـوف من جـانب الأمـــن

وكـن رجلاً ، إن سيمَ خَــــسْفاُ رمـتْ به

حَــــمِـــيـــتُــهُ بــيـــن الصــــوارمِ واللُّــدنِ

فلا خـــيْرَ في الــدنيا إذا المرءُ لم يعـشْ

مـــهيباُ ، تـــراه العينُ كـــالنار فـي دغْــنِ


*****************************************




















إبراهيم اليازجي


إبراهيم بن ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط، ولد في بيروت في الثاني من شهر آذار سنة 1847 في بيت هو موئل اللغة والأدب.
تخرج إبراهيم اليازجي في مبادئ اللغة على يد أبيه الشاعر المعروف ناصيف اليازجي، ثم درس لنفسه كثيرا ، فنال بجده واجتهاده وحبه للادب واللغة وذكائه المفرط مراده المنشود ، فاصبح عالما من اعلام اللغة العربية وشاعر مجيد ا وقد نظم الشعر في صباه و ريعان شبابه وكان يوليه من الإتقان والعناية ما يولي كل أعماله الادبية واللغوية فجاء شعره غاية في الإبداع الشعري وقمة في الخيال الذي تاثر فيه بأ بيه، فرق أدبه وصفا خاطره وانتشرت شهرته في جودة النظم في مجتمعه وبقية الدول العربية فكان ان فاحتكم إليه فريق كبير من الأدباء وورد عليه من رسائل الشعراء الشيء الكثير حتى أصبح مجلسه لا يخلو من بحث شعري أو أدبي، الا انه رغب في دراسة العربية كلغة من نحو وصرف وبلاغة فرأى في ذلك ما يشغله عن سواه، فقرر هجر النظم وعكف على المطالعة والمدارسة كما انه درس العلوم الاسلامية وخاصة الفقه الحنفي على يد المرحوم الشيخ محي الدين اليافي أحد الأئمة الاعلام في ذلك الحين، فنال حظاً وافراً. من التعلم الفقهي على مذهب ابي حنيفة النعمان رحمه الله
التزم اليازجي القومية العربية وعمل في سبيل إحيائها وإذكائها في قلوب الناشئة العرب وبث الروح العربية المتوثبة في الشباب المثقف المتعطش الى الحرية ، وكان يعمل على استقلال البلاد العربية ويطمح لجعلها متمتعة باستقلال تام عن الدولة العثمانية، ولهذا عندما تاسست الجمعية العلمية السورية التي أنشأت في بيروت سنة 1868 انتسب اليها وراح يبث افكاره بين اعضائها فكانت تتلى في اجتماعاتها قصائد عامرة ومقاطع شعرية مثيرة تتحدث بأمجاد العرب، أشهرها القصيدة التي أنشأها اليازجي والتي تجاوب صداها في البلاد العربية عامة..والتي مطلعها
:
تنبهوا واســتفيقوا أيها العرب
فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

وفي سنة 1872 عُهد إليه تحرير جريدة (النجاح) فكتب فيها مقالات رائعة وبحوث مفيدة أظهرت مدى اقتداره اللغوي والادبي ومقدرته الشعرية فطارت معه شهرته،
عمد الآباء اليسوعيون إلى ترجمة الكتاب المقدس استعانوا باليازجي وفوضوا إليه تنقيح العبارة من حيث الإنشاء والسبك وانتخاب الألفاظ للمعنى المراد، فكان ذلك سبباً في دراسته اللغة العبرية والسريانية ليلبس عبارة الترجمة المعنى الأصيل بصدق وأمانة، فاستغرق عمله في ترجمة الكتاب المقدس للعربية نحو تسع سنوات حتى أخرجه بحلة أنيقة على أفضل ما يرجى بلاغة وصياغةً وفصاحة مفردات.
بعد أن فرغ اليازجي من تنقيح الكتاب المقدس، انصرف إلى تدريس اللغة العربية وآدابها في المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت، وفي هذه الأثناء اختصر ونقح كتب أبيه الشيخ ناصيف اليازجي ، حيث كان مفاخراً بأدبه وعلمه، يؤلمه أن ينال أحد منه، فقد نظر في كتبه وأصلح الخطأ منها وقال أنه اختصرها، وقام بشرح ديوان أبي الطيب المتنبي ونسبه إلى أبيه لأن اباه كان قد بدأ العمل بشرحه ولم ينجزه
في عام 1884، اتفق مع الدكتور بشارة زلزل والدكتور خليل سعادة فأصدروا مجلة (الطبيب) فنشر فيها مترجما المقالات اللغوية والأدبية مما اثبت مقدرته في النشر والابداع ، ولم يطل زمن الاتفاق أكثر من عام واحد.
وقيل استهوته مبادئ (الماسونية) وكانت حديثة العهد والثقافة فانخرط في سلك أعضائها وأعجب الناس بجرأته الأدبية ونزوعه إلى المبادئ الحرة والأخذ بكل جديد عن عقل وفهم وإدراك.
كان ابراهيم اليازجي كلما أرهقه تعب الكتابة والتأليف مال إلى الراحة وصرف أوقات فراغه في الرسم والحفر والموسيقى، وقيل أنه كان دون الرابعة عشرة من عمره حين وضع أول تقويم عربي. وكان له علم ثر وقدم راسخة في اللغة وادابها . عارفاً بموارد الكلام ومصادره، وبصيراً بجيده وسفسافه، طويل النفس في بحوثه اللغوية، بعيد غور الحجة. متمكن فيها
ولما لم يجد ابراهيم اليازجي مجالاً لأفكاره وآرائه الحرة في لبنان، تركه وتوجه إلى مصر حيث الآداب العربية وحرية الأقلام تنشد كاتباً مثله. وفي عام 1897 أصدر بالاشتراك مع الدكتور بشارة زلزل مجلة (البيان) وأعد لها الآلات اللازمة وكل احياجاتها مماجعله يسافر الى أوروبا، فجاءت المجلة والمطبعة مثالاً للإتقان، وما لبثت المجلة أن احتجبت وافترق الشريكان. وهذا ديدن الثقافة والعلم في البلاد العربية
وفي سنة 1898 استقل الشيخ إبراهيم بإنشاء مجلة (الضياء) التي اشتهرت بفصاحة العبارة ومتانة الأسلوب، وبقي يصدرها مدة ثمانية أعوام حتى حال الداء دونه ودون متابعة الكتابة.. فمرض في القاهرة
. وفاضت روحه في القاهرة في مصر سنة 1906 ونقل رفاته إلى بيروت وأودع جدث الرحمة في محلة الزيتونة في مقبرة الروم الكاثوليك.
خدم اليازجي العربية باصطناع حروف الطباعة فيها ببيروت وكانت الحروف المستعملة حروف المغرب والأستانة، وانتقى كثيراً من الكلمات العربية لتسمية المخترعات.الجديدة
بجانب الأبحاث والمقالات العلمية التي كتبها في المجلات و بخاصة مجلته( الضياء)،
انتشرت شهرته واسعة في طول البلاد وعرضها، واتصلت شهرته ببلاد الغرب فمنحه الملك أوسكار ملك أسوج ونروج وسام العلوم والفنون، وعُين عضواً في الجمعية الفلكية في باريس وأنفرس والسلفادور، وله مباحثات شهيرة مع الفلكي الفرنسي المشهور فلاماريون، وطُبع ماعرضه على الجمعية الفلكية في باريس في مجلة أعمالها وفي مجلة (الكوزمس) الشهيرة.
قال الشيخ مصطفى لطفي المنفلوطي في إبراهيم اليازجي: (هو أكبر عالم لغوي في العصر الحاضر واتفق له مالا يتيسر إلا القليل من اللغويين من قوة البيان وبراعة الإنشاء، فهو فخر سوريا خاصة والعرب عامة، ولو أن الله أبقاه للغة العربية لنالت فوق ما نالت على يده خيراً كثيراً).
قدرت الجالية اللبنانية والسورية في البرازيل مكانة و قدر الشيخ إبراهيم اليازجي، فأقرت أن تجمع مبلغاً من المال تبذله في سبيل إقامة تمثال من البرونز له في بيروت، فأتم ما ارتأت عام 1924، ورأت بلدية بيروت أن خير مكان لإقامة ذلك النصب هو الطريق التي كان يسلكها الشيخ في حياته، الطريق المؤدية من منطقة البرج إلى الكلية البطريركية حيث كان يعلم.
وفي سنة 1956 نقل تمثاله إلى قصر اليونسكو في بيروت بحفلة اشتركت فيها الحكومة اللبنانية وجمهرة من كبار الأدباء والشعراء تخليداً لذكراه وأدبه وعلمه. ومن اثاره في اللغة والاب والشعر مايلي

ـ كتب مقالات رائعة وبحوث مفيدة في جريدة النجاح، ومجلات الطبيب،و البيان،و الضياء.
ـ ومن مؤلفاته
1- (العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب )، كان قد بدأ والده به، فأتمه اليازجي.
2-ـ اختصر كتابي والده (نار القرى في شرح جوف الفرا) في النحو، (الجمانة في شرح الخزانة) في الصرف.
3ـ اختصر كتاب (الجوهر الفرد) وشرحه بكتاب سماه (مطالع السعد لمطالع الجوهر الفرد).
4ـ له تنقيح الكتاب المقدس للآباء اليسوعيين.
5ـ تنقيح (تاريخ بابل وآشور) لجميل نخلة المدور.
6ـ تنقيح (كتاب عقود الدرر في شرح شواهد المختصر) لشاهين عطية.
7ـ تنقيح (دليل الهائم في صناعة الناثر والناظم) جمعه شاكر البتلوني وبوبه بأسلوب مدرسي.
8ـ تنقيح (نفح الأزهار في منتخبات الأشعار) جمعه شاكر البتلوني بإرشاده.
9ـ ألف كتاب (نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد) في ألفاظ اللغة العربية وتراكيبها.
10ـ ألف كتاب (الفرائد الحسان من قلائد اللسان) لا يزال مخطوطاً.
11ـ ديوان شعر أسماه (العقد) بعض رسائله المكتوبة بخطه الفارسي الجميل معظمها محفور على الزنك وبعضها بحروف مطبعية.
12ـ له كتاب (شرح المقامة البدوية) من كتاب مجمع البحرين.
13ـ كتاب (تنبيهات اليازجي على محيط البستاني).
14ـ كتاب (تنبيهات على لغة الجرائد).

ومن قصائده الرائعة نختار هذه القصيدة التي تعتبر من روائع الشعر العربي

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ
فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُم
وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَاتِ القََنَـا سُلـبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا المَنَـامُ فَقَـدْ
شَكَاكُمُ المَهْدُ وَاشْتَاقَتْـكُمُ التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ
تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ

أَلِفْتُمُ الْهَوْنَ حَتَّى صَارَ عِنْدَكُمُ طَبْعَاً
وَبَعْـضُ طِبَـاعِ الْمَرْءِ مُكْتَسَـبُ

وَفَارَقَتْكُمْ لِطُولِ الذُّلِّ نَخْوَتُـكُمْ
فَلَيْسَ يُؤْلِمُكُمْ خَسْفٌ وَلا عَطَـبُ

لِلّهِ صَبْـرُكُمُ لَـوْ أَنَّ صَبْرَكُـمُ
فِي مُلْتَقَى الْخَيْلِ حِينَ الْخَيْلُ تَضْطَرِبُ

كَمْ بَيْنَ صَبْرٍ غَدَا لِلـذُّلِّ مُجْتَلِبَـاً
وَبَيْنَ صَبْـرٍ غَدَا لِلعِـزِّ يَجْتَلِـبُ

فَشَمِّـرُوا وَانْهَضُوا لِلأَمْـرِ وَابْتَدِرُوا
مِنْ دَهْرِكُمْ فُرْصَةً ضَنَّتْ بِهَا الحِقَـبُ

لا تَبْتَغُوا بِالْمُنَى فَـوْزَاً لأَنْفُسِـكُمْ
لا يُصْدَقُ الفَوْزُ مَا لَمْ يُصْدَقُ الطَّلَبُ

خَلُّوا التَّعَصُّبَ عَنْكُمْ وَاسْتَوُوا عُصَبَاً
عَلَى الوِئَـامِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ تَعْتَصِبُ

لأَنْتُمُ الفِئَـةَُ الكُثْـرَى وَكَمْ فِئَـةٍ
قَلِيلَـةٍ تَمَّ إِذْ ضَمَّتْ لَهَا الغَلَـبُ

هَذَا الذِي قَد رَمَى بِالضَّعْفِ قُوَّتَـكُمْ
وَغَادَرَ الشَّمْلَ مِنْكُمْ وَهْوَ مُنْشَعِـبُ

وَسَلَّـطَ الجَوْرَ فِي أَقْطَارِكُمْ فَغَدَتْ
وَأَرْضُهَا دُونَ أَقْطَـارِ الْمَلا خِـرَبُ

وَحُكِّـمَ العِلْـجُ فِيكُمْ مَعْ مَهَانَتِـهِ
يَقْتَـادُكُمْ لِهَـوَاهُ حَيْـثُ يَنْقَلِـبُ

مِنْ كُلِّ وَغْدٍ زَنِيمٍ مَا لَـهُ نَسَـبٌ
يُدْرَى، وَلَيْسَ لَـهُ دِيـنٌ وَلا أَدَبُ

وَكُلِّ ذِي خَنَثٍ فِي الفَحْشِ مُنْغَمِسٍ
يَزْدَادُ بِالْحَـكِّ فِي وَجْعَائِـهِ الجَرَبُ

سِلاحُهُمْ فِي وُجُوهِ الخَصْمِ مَكْرُهُمُ
وَخَيْرُ جُنْدهُمُ التَّدْلِيـسُ وَالْكَـذِبُ

لا يَسْتَقِيـم لَهُمْ عَهْـدٌ إِذَا عَقَـدُوا
وَلا يَصِـحَّ لَهُمْ وَعْدٌ إِذَا ضَرَبُوا

إِذَا طَلَبْـتَ إِلَى وُدٍّ لَهُـمْ سَبَبَـاً
فَمَا إِلَى وُدِّهِمْ غَيْر الْخُنَـى سَبَبُ

وَالْحَقُّ وَالبُطْـلُ فِي مِيزَانِهِمْ شُـرَعٌ
فَلا يَمِيل سِوَى مَا مَيَّـلَ الذَّهَبُ

أَعْنَاقُـكُمْ لَهُـمْ رِقٌّ وَمَالُكُـمُ
بَيْنَ الدُّمَـى وَالطِّـلا وَالنَّرْدِ مُنْتَهَبُ

بَاتَتْ سِمَانُ نِعَـاجٍ بَيْنَ أَذْرُعِـكُمْ
وَبَاتَ غَيْرُكُـمُ لِلدَرِّ يَحْتَلِـبُ

فَصَاحِبُ الأَرْضِ مِنْكُمْ ضِمْنَ ضَيْعَتِهِ
مُسْتَخْـدَمٌ وَرَبِيبُ الدَّارِ مُغْتَـرِبُ

وَمَا دِمَاؤُكُمُ أَغْلَى إِذَا سُفِكَـتْ
مِنْ مَاءِ وَجْهٍ لَهُمْ فِي الفَحْشِ يَنْسَكِبُ

وَلَيْسَ أَعْرَاضُكُمْ أَغْلَى إِذَا انْتُهِكَتْ
مِنْ عرْضِ مَمْلُوكِهِمْ بِالفِلْسِ يُجْتَلَبُ

بِاللهِ يَا قَوْمَنَـا هُبُّـوا لِشَأْنِـكُمُ
فَكَمْ تُنَادِيكُمُ الأَشْعَـارُ وَالْخُطَـبُ

أَلَسْتُمُ مَنْ سَطَوا في الأَرْضِ وَافْتَتَحُوا
شَرْقَـاً وَغَرْبَـاً وَعَـزّوا أَيْنَمَا ذَهَبُوا

وَمَنْ أَذّلُّوا الْمُلُوكَ الصِّيدَ فَارْتَعَـدَتْ
وَزَلْـزَلَ الأَرْضَ مِمَّا تَحْتَهَا الرَّهَـبُ

وَمَنْ بَنوا لِصُـرُوحِ العِـزِّ أَعْمِـدَةً
تَهْوِي الصَّوَاعِـقُ عَنْها وَهْيَ تَنْقَلِـبُ

فَمَا لَكُم وَيْحَكُم أَصْبَحْتُـمُ هَمَلاً
وَوَجْـهُ عِزِّكُمُ بِالْهَـوْنِ مُنْتَقِـبُ

لا دَوْلَـةٌ لَكُمُ يَشْتَـدُّ أَزْرَكُـمُ
بِهَا، وَلا نَاصِرٌ لِلْخَطِـبِ يُنْتَـدَبُ

وَلَيْسَ مِنْ حُرْمَـةٍ أَوْ رَحْمَةٍ لَكُمُ
تَحْنُـو عَلَيْكُم إِذَا عَضَّتْـكُمْ النُّـوَبُ

أَقْدَاركُم في عُيُـونِ التُّـرْكِ نَازِلَـةٌ
وَحَقُّـكُم بَيْنَ أَيْدِي التُّرْكِ مُغتَصَبُ

فَلَيْسَ يُدْرَى لَكُمْ شَأْنٌ وَلا شَـرَفٌ
وَلا وُجُـودٌ وَلا اسْـمٌ وَلا لَقَـبُ

فَيَا لِقَوْمِي وَمَا قَوْمِـي سِوَى عَرَب
وَلَنْ يُضَيَّـعَ فِيْهُم ذَلِكَ النَّسَـبُ

هبْ أَنَّـهُ لَيْسَ فِيكُم أَهْلُ مَنْزِلَـةٍ
يُقَلَّـد الأَمْـرَ أَوْ تُعْطَى لَهُ الرُّتَبُ

وَلَيْسَ فِيكُمْ أَخُو حَـزْمٍ وَمَخْبَـرَةٍ
لِلْعَقْـدِ وَالْحَـلِّ في الأَحْكَامِ يُنْتَخَبُ

وَلَيْسَ فِيكُمْ أَخُو عِلْـمٍ يُحَكَّـمُ في
فَصْلِ القَضَاءِ وَمِنْكُـمْ جَاءَتِ الكُتُبُ

وَلَيْسَ فِيكُمْ فِيكُم دَمٌ يَهْتَاجُهُ أَنَـفٌ
يَوْمَـاً فَيَدْفَـعَ هَذَا العَـارَ إذْ يَثِبُ

فَاسْمِعُوني صَلِيـلَ البِيـضِ بَارِقَـةً
في النَّقْـعِ إِنِّي إلِى رَنَّاتِـهَا طَـرِبُ

وَأَسْمِعُونِي صَـدَى البَارُودِ مُنْطَلِقَـاً
يُدَوِّي بِـهِ كُلُّ قَـاعٍ حِينَ يَصْطَخِبُ

لَمْ يَبْقَ عِنْدَكُـمُ شَيءٌ يُضَـنُّ بِـهِ
غَيرَ النُّفُـوسِ عَلَيْهَا الذُّلُّ يَنْسَحِـبُ

فَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَاسْتَغْنُوا بِرَاحَتِـهِ
عَنْ عَيْشِ مَنْ مَاتَ مَوْتَاً مُلْـؤُهُ تَعَبُ

صَبْرَاً هَيَا أُمَّـةَ التُـرْكِ التِي ظَلَمَتْ
دَهْـرَاً فَعَمَّا قَليِـلٍ تُرْفَـعُ الحُجُـبُ

لنَطْلُبـنّ بِحَـدِّ السَّيْـفِ مَأْرَبَنَـا
فَلَـنْ يَخِيـبَ لَنَـا فِي جَنْبِـهِ أَرَبُ

وَنَتْرُكَـنَّ عُلُوجَ التُّـرْكِ تَنْـدُبُ مَا
قَـدْ قَدَّمَتـْهُ أَيَادِيهَـا وَتَنْتَحِـبُ

وَمَنْ يَعِـشْ يَرَ وَالأَيَّـامُ مُقْبِلَـة
يَلُـوحُ لِلْمَـرْءِ فِي أَحْدَاثِهَا العَجَبُ

* * *
---------------------------------------------------








محمد سعيد الحبوبي


ولد أبو علي السيّد محمد سعيد بن السيّد محمود الحسني الشهير بحبوبي في مدينة النجف الاشرف في الرابع من جمادي الاخرةمن سنة 1266هجرية الموافق للخامس عشر من ايار\ 1849 ميلادية 0
يعد من أشهر مشاهير عصره، تعلم في الكتاتيب والمساجد
القراءة والكتابة وتتلمذ على ايدي علماء كانت لهم المكانة العليا في الادب والثقافةوالعلم0
فقد أخذ الأخلاق والرياضيات على الأخلاقي الكبير ميرزا حسين قلي وأكثر من صحبته والحضور عنده مدة حياته، فاكتسب منه طريقته الأخلاقية التي جعلته وحيداً بفضيلتها بين كبار اصحابه من النجفيين، ودرس الفقه والأصول ردحاً من الزمن عند الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسين الكاظمي ـ المتوفى 1308هـ ـ إذ كان هو المدرس العربي الوحيد في زمانه، وبعد وفاة استاذه درس عند الشيخ محمد طه نجف فكان من أساطين من حضروا عنده، وقد أيده الشيخ بكلمات كثيرة اعلت منزلته بين الفضلاء وجعلته في الطبقة الأولى منهم،
انقطع للتدريس والتأليف حتى أصبح معدودا من كبارالعلماء المجتهدين، يُرجَع إليه في المسائل الصعبة اوالمشكلة .

اتجه صوب المجتمع فكان ولوعاً بتكوين الحلقات الأدبية التي تصقل المواهب وتثيرها. والتحق ببعض رجال أسرته الذين عرفوا باشتغالهم بالتجارة بين نجد والنجف. كان يغرد بألوان من الشعر لم يعهد النجف لها مثيلاً، ويحف المحافل والأندية بقطع من قلبه الرقيق وروحه الكبيرة. واستطاع أن يتملك امور قول الشعر، ويترأس الحلقات الدراسية التي ضمت النوابغ والفحول من أرباب الأدب، فانضوى تحت رايته أكابر الشعراء، وانتسب إلى حضيرته معظم الأدباء في النجف .

الحبوبي شخصية ذات تأريخ واسع وحياة مليئة بالصور والخواطر والبطولات، فقد كان إنساناً لم يفهم غير الحق هدفاً أسمى، ولا غير الدين ناموساً أعلى، ولا غير الفضيلة نهجاً صحيحاً، فشب على ذلك واستمر حتّى شاب وحتى ارتحل إلى الفردوس الأعلى. ان تاريخ الحرب العالمية الأولى خصص صفحة مشرقة لجهاد السيّد الحبوبي، وأفرد فصلاً لبطولته وعزمه الملتهب في حفظ كيان الإسلام والمسلمين..

أعلن الجهاد ضد الاستعمار الإنكليزي في السادس عشر من المحرم من عام 1333 هـ، وما أن انتشر خروجه حتّى لحقت به الجموع المحتشدة من الذين نذروا أنفسهم لصون كرامتهم ودينهم قصد الناصرية مع جماعته ثم التحق به معظم عشائر الجنوب في العراق وسار بهم إلى الشعيبة المنطقة التي دنستها أول قدم إنكليزية، الا انه رجع الى الناصرية اذ راى في من حوله روح الطمع والانخذال مع فريق من المخلصين إلى الناصرية وقد غمرته موجة من الألم على تصاعد نفوذ الا ستعمار الانكليزي ،.و كان خلال سيره بالجموع ينفق عليهم من ماله الخاص،
وقد قدمت له الحكومة العثمانية خمسة آلاف ليرة ذهباً كمساعدة له على مواصلة جهاده أبى ان ياخذها قائلاً: (ما زلت أمتلك المال فلا حاجة لي بها، وإذا ما نفذ فشأني شأن الناس آكل مما يأكلون وأشرب مما يشربون). اصيب بمرض وهو يقود المجاهدين - بعد ان خرج بهم من النجف والتف حوله الاخرون من ابناء المناطق التي مر عليها في الجنوب - اقعده عن العمل وعن الحركة فعاد الى مدينة الناصرية وفيها وافاه الاجل
مات الحبوبي عشية الأربعاءالثاني من شعبان من عام 1333هـ الموافق 1915م في الناصرية ، ودُفن في النجف في مقبرة خاصة له في الايوان الكبير بالقرب من ضريح الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه .
رثاه كثير من الشعراء، وأرخ وفاته فريق من أعلام المؤرخين وقد كتب بعضهم على قبره هذا التأريخ:

فـقيـدُ المسلميـن غـداة أودى
حسيـب الدين بينهـم فقيدا

فـإن شهدتـه أعينهـم سعيـداً
فقـد حملتـه أرؤسهـم سعيدا

تـقـدّمَ للجهـاد أمـيـرَ ديـن
فسـاق المسلمين له جنودا

ومـذ لاقـى المـنيـة أرخـوه
(سعيدٌ في الجهاد مضى سعيدا)

رثاه الشيخ جواد الشبيبي بقصيدة مطلها\

عمّ الثغورَ الموحشاتِ ظلامُ
ودجت لأنك ثغرها البسّامُ

ورثاه الشيخ جواد البلاغي بقصيدة مطلعها:

شاقك الركب فأسرع سباقـا
وتركت الصب يلتاع اشتياقا

ورثاه الشاعر الشيخ علي الشرقي بقصيدة مطلعها:

حماة الحمى قد شيعوك إلى الثغرِ
فبالرغم أن يستقبلوك إلى القبـرِ

اشتهر بموشحاته التي كانت تعد امتدادا للموشحات الاندلسية في جودتها وجمالها واحيا ما اندثرمنها تلك الموشحات التي تتسم بتنوع القافية وتنوع الموسيقى الشعرية

ومن جميل قصائده \

يا يوسف الحسن فيك الصب قد ليما
فأن رأوك هووا للأرض تعظيما

لُحْ كوكباً وإمشِ غُصناً والتفِتْ ريما
فأن عداكَ آسمها لم تعدك السيما

وجه اغرّ وجيدٌ زانه جِيدُ
وقامة ٌ تخجل الخطيّ تقويما

يامن تجلّ عن التمثيل صورته
أأنتَ مثَّلتَ روح الحسن تجسيما

نطقت بالشعر سحراً فيك حين بدا
هاروت طرفُكَ يُنشي السحر تعليما

فلو رأتك النصارى في كنائسها
مصوراً رّبعت فيكَ الأقانيما

إذا سفرتَ تولىَّ المتقيّ صنَماً
وإن نظرتَ توقى ٌ الضيغمُ الريما


مَن لي بألمي نعيمي بالعذاب به
والحبّ ان تجد التعذيب تنعيما

لو لم تكن جنة الفردوس وجنته
لم يسقني الريق سلسالا وتنسيما

ألقى الوشاحَ على خِصر ٍ توهمٌه
فكيف وشٌحَ بالمرئيُ موهوما

ورجَّ احقاف رمل ٍ في غلائلِهِ
يكاد ينقدّ عنها الكشح مهضوما

ان ألٌم َالحِجل ساقيه فلا عجبٌ
فقد شكى من دقيق الدرز تأليما

الردف والساق رداً مشَيِهِ بهرا
والدرع منقدّة والحجل مفصوما

في وجهه رُسمت آيات مصحفه
تُتلى ولم يخش قاريهن تأثيما

ذي نون حاجبه لو حاؤه آتصلت
في ميم مبسمه لم تعدُ حاميما

ولحن معبد يجري في تكلٌمِهِ
إنْ أدمجَ اللفظ ترقيقاً وتَرخيما

يانازلي الرمل من نجد احبكم
وان هجرتم ففيما هجركم فيما

ألستُمُ انتُمُ رَيحانَ أنفسُنا
دون َ الرياحينَ مَجنيٌاً ومَشموما

إن ينأ شخصكم فليدنو طيفكمُ
لو أن للعين إغفاءً وتَهويما

هل توردون ظمآءً عذب منهلِكُم
أمْ تصدرون الاماني حِوٌماً هِيما

لي بينكم لا أطال الله بينكمُ
غضيض طرفٍ يردّ الطرف مسجوما

انا رضيع هواه منذ نشأتِهِ
ونشأتي لم تردني عنه مفطوما

ما حلتُ عنه ولا عن عهد صبوته
وان أطال الجفا عزماً وتَصميما

حرمَّت وصلي كما حللتَ سفكَ دَمي
صدقتُ شرعك تحليلا وتَحريما

ياجائراً وعلى عَمْدٍ أحَكُمٌهُ
أعدِلْ وجرْ بالذي ولاّك تحكيما

لك الصبا والجوى لي والعُلى لعَلي
وقل (لهادي) الهدى طرداً وتقسيما


*******************




جميل صدقي الزهاوي



ولد جميل صدقي الزهاوي ببغداد في 18 حزيران من عام \ 1863 فهو جميل صدقي بن محمد فيضي بن احمد بن حسن بن رستم بن خسرو بن الامير سليمان الزهاوي
الزهاوي شاعر وفيلسوف عراقي كبير يرجع نسبه إلى أسرة بابان وهي من الأسر المشهورة في شمال العراق، التي يرجع نسبها لقبيلة بني مخزوم العربية ، وقد عرف بالزهاوي حيث ان اصله من منطقة زهاو القريبة من خانقين الحالية في شما ل العراق واليها نسب كردي الاصل عربي النشاة عربي الثقافة
ولد في بيت عز وشرف وجاه كان ابوه مفتي بغداد و مفتي العراق وتهياءت له كل ظروف الدراسة فدرس العلوم الطبيعية والفلسفية بجانب الدراسات الادبية والشعرية فانعكست ثقافته في شعره فكان فيلسوفا وعالما وشاعرا كبيرا وكان يجيد العربية والكردية والفارسية والانكليزية 0
تقلد مناصب حكومية عديدة في حياته فقد كان عضوا في مجلس( المبعوثان) العثماني ونائبا عن بغداد ثم عين عضوا في مجلس الاعيان وعضوا في مجلس المعارف ببغداد وعضوا في محكمة الاستئناف العراقية كما درس الفلسفة الاسلامية بالمدرسة الملكية ودرس اللغة العربية في معهد الفنون وعين استاذا في مدرسة الحقوق . وعين مدرسا في مدرسة السليمانية ببغداد عام \1885م، ثم عين عضوا في مجلس المعارف عام\ 1887م، ثم مديرا لمطبعة الولاية ومحررا لجريدة الزوراء عام \1890م، وبعدها عين عضوا في محكمة استئناف بغداد عام \1892م، وسافر إلى إستانبول عام \1896م، فأعجب برجالها ومفكريها وتأثر بالأفكار الغربية، وبعد اعلان الدستور العثماني عام \ 1908م، عين استاذا للفلسفة الإسلامية في دار الفنون بإستانبول ثم عاد لبغداد، ، وانضم إلى حزب الأتحاديين، وأنتخب عضوا في (مجلس المبعوثان) مرتان، وعند تأسيس الحكومة العراقية عين عضوا في مجلس الأعيان. ونظم الشعر بالعربية والفارسية منذ نعومة أضفاره فأجاد واشتهر به.
كان له مجلس يحفل بأهل العلم والأدب، وأحد مجالسه في مقهى الشط وله مجلس آخر يقيمه عصر كل يوم في مقهي السيد رشيد حميد في الباب الشرقي من بغداد، واتخذ في آخر أيامه مجلسا في مقهى أمين في شارع الرشيد من بغداد وعرفت هذه المقهى فيما بعد بمقهى الزهاوي ولا تزال لحد الان قائمة و تحمل اسمه وقيل انه كان مولعا بلعبة الدامة وهي احدى اللعب الشعبية المشهورة في بغداد في بداية القرن الماضي وله فيها تفنن غريب، وكان من المترددين على مجالسه الشاعر معروف الرصافي، والأستاذ إبراهيم صالح شكر، والشاعر عبد الرحمن البناء، وكانت مجالسهم لا تخلو من أدب ومساجلة ونكات ومداعبات شعرية، وكانت له كلمة الفصل عند كل مناقشة ومناظرة، ولقد قال فيه الشيخ إبراهيم الراوي وفي قرينه الرصافي شعرا \:

مقال صحيح إن في الشعر حكمة
وما كل شعر في الحقيقة محكم

وأشعر أهل الأرض عندي بلا مرا
جميل الزهاوي والرصافي المقدم

كان الزهاوي معروفا على مستوى العراق والعالم العربي وكان جريئاً وطموحاً وصلبا في مواقفه، كثيرا ما اختلف مع الحكّام عندما رآهم يلقون بالأحرار في غياهب السجن ومن ثم تنفيذ أحكام الإعدام بهم فنظم قصيدة في تحيّة الشهداء مطلعها:

على كل عود صاحب وخليل
وفي كل بيت رنة وعويل

وفي كل عين عبرة مهراقة
وفي كل قلب حسرة وعليل

كأن الجدوع القائمات منابر
علت خطباء عودهن نقول

دافع الزهاوي عن حقوق المرأة وطالبها بترك الحجاب وأسرف
في ذلك، حيث يقول :

اسفري فالحجاب يا ابنة فهر
هو داء في الاجتماع وخيم

كل شيء إلى التجدد ماض
فلماذا يقر هذا القديم ؟

اسفري فالسفورللناس صبح
زاهر والحجاب ليل بهيم

اسفري فالسفور فيه صلاح
للفريقين ثم نفع عميم

زعموا ان في السفور انثلاما
كذبوا فالسفور طهر سليم

لايقي عفة الفتاة حجاب
بل يقيها تثقيفها والعلوم

وقال ايضا في قصيدةاخرى\


مزقي يا ابنة العراق الحجابا
أسفري فالحياة تبغي انقلابا

مزقيه واحرقيه بلا ريث
فقد كان حارسا كذابا

شعر الزهاوي سهل الالفاظ واضح المعاني ثر الانتاج يتسم بالتأثر بالعلوم التي درسها واشتهر بالشعر الوطني والاجتماعي والفلسفة والوصف وانشدفي اغلب الفنون الشعرية
ومن شعره هذه الابيات من قصيدة له في الشكوى وقد تمثل في شكوى والد لولده في شيخوخته يقول \

ابوك بان يردى بني مهدد
كاءن الردى سيف عليه مجرد

يشكو تباريحا تكاد تهده
وشيخوخة ليست عن الموت تبعد

تعال فقبلني بني مودعا
ان فراقي عنك يابني مؤبد

ولي في حياتي يابني بقية
ولكنها عما قليل ستنفد

بني اقم حينا لحيني فاءنني
على غير ما قد كنت من قبل تعهد

ابوك من الامال جر نفسه
وانت فتى فيه المنى يتجدد

ولم يكن حظانا من الدهر واحدا
فلي الامن من ايامه ولك الغد

انا اليوم اشقى بالمشيب ووهنه
وانت بشرخ من شبابك تسعد

لعمرك لا عهد المشيب الذي به
برمت ولا عهد الشبيبة سرمد

وما نحن الا كالسيوف بحومة
نجرد حينا للوغى ثم نغمد




**************************











احمد شوقي بيك
( امير الشعراء)

هو احمد بن علي بن شوقي، المعروف بأمير الشعراء.
ولد في القاهرة سنة 1868 وترعرع في ظلّ البيت المالك، لأن جدتّه لأمّه كانت من وصيفات القصر في عهد الخديوي اسماعيل.
تلقّى علومه الأولى في مكتب الشيخ صالح، تُمَّ انتقل إلى مدرسة(المبتديان) وبعدها إلى المدرسة التجهيزية . تخرّج بعد ذلك من مدرسة الحقوق، ونال شهادته من فرع الترجمة .
أعطاه الخديوي منحة دراسيّة ليتابع دروس الحقوق في فرنسا. فتوجّه الى مونبوليه في فرنسا حيث التحق بجامعتها لمدّة سنتين، ثم اكمل دراسة الحقوق في باريس بسنتين أخريين. ظلّ يرسل من باريس قصائد المديح في المناسبات للجناب العالي.
عاد الى مصر سنة 1892 ودخل في معيّة الخديوي عبّاس حلمي، وانقطع اليه والى نظم الشعر ونال حظوة كبيرة .
في سنة 1914، اي اثناء قيام الحرب العالمية الاولى وبعد أن خلعت انكلترا الخديوي عبّاس حلمي بسبب ميله الى الأتراك المتحالفين مع ألمانيا ضد دول الحلفاء بقيادة انكلترا ، طلبت الى شوقي ، شاعرالبلاط الخديوي ، ان يترك مصر وأن يختار منفاه، فاختار اسبانيا وسافر اليها سنة 1915.
بعد انتهاء الحرب عاد شوقي الى وطنه في أواخر سنة 1919 فوجد وجه مصر قد تغيّر في ظل الاحتلال الانكليزي ، فسارع الى التكيّف مع الوضع الجديد، فتوجّه في شعره نحو الشعب وقضاياه، فبايعه الشعراء العرب امارة الشعر سنة 1927 في أثناء حفلة تكريميّة برعاية الحكومة المصريّة. .
توفي شوقي سنة 1932.

منح الله شوقي موهبة شعرية فذة، وبديهة سيالة، لا يجد عناء في نظم القصيدة، فدائمًا كانت المعاني تنثال عليه انثيالاً وكأنها المطر الهطول، يغمغم بالشعر ماشيًا أو جالسًا بين أصحابه، حاضرًا بينهم بشخصه غائبًا عنهم بفكره؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية؛ إذ بلغ نتاجه الشعري ما يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف بيت وخمسمائة بيت، ولعل هذا الرقم لم يبلغه شاعر عربي قديم أو حديث.
وكان شوقي مثقفًا ثقافة متنوعة الجوانب، فقد انكب على قراءة الشعر العربي في عصور ازدهاره، وصحب كبار شعرائه، وأدام النظر في مطالعة كتب اللغة والأدب، وكان ذا حافظة لاقطة لا تجد عناء في استظهار ما تقرأ؛ حتى قيل بأنه كان يحفظ أبوابًا كاملة من بعض المعاجم، وكان مغرمًا بالتاريخ يشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية لا يعرفها إلا المتعمقون في دراسة التاريخ، وتدل رائعته الكبرى "كبار الحوادث في وادي النيل" التي نظمها وهو في شرخ الشباب على بصره بالتاريخ قديمه وحديثه.
وفي الفترة التي قضاها شوقي في المنفى في إسبانيا تعلم لغتها، وأنفق وقته في قراءة كتب التاريخ، خاصة تاريخ الأندلس، وعكف على قراءة عيون الأدب العربي قراءة متأنية، وزار آثار المسلمين وحضارتهم في إشبيلية وقرطبة وغرناطة.
وأثمرت هذه القراءات أن نظم شوقي أرجوزته "دول العرب وعظماء الإسلام"، وهي تضم 1400 بيت موزعة على (24) قصيدة، تحكي تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة، على أنها رغم ضخامتها أقرب إلى الشعر التعليمي، وقد نُشرت بعد وفاته.
وفي المنفى اشتد به الحنين إلى الوطن وطال به الاشتياق وملك عليه جوارحه وأنفاسه. ولم يجد من سلوى سوى شعره يبثه لواعج نفسه وخطرات قلبه، وظفر الشعر العربي بقصائد تعد من روائع الشعرالعربي صدقًا في العاطفة وجمالاً في التصوير، لعل أشهرها قصيدته التي بعنوان (الرحلة إلى الأندلس)، وهي معارضة لقصيدة البحتري التي يصف فيها إيوان كسرى، يقول

صنت نفسي عما يدنس نفسي
وترفعت عن جدا ر كل جبس

وقد بلغت قصيدة شوقي (110) أبيات تحدّث فيها عن مصر ومعالمها، وبثَّ حنينه وشوقه إلى رؤيتها، كما تناول الأندلس وآثارها الخالدة وزوال دول المسلمين بها،
ومن أبيات القصيدة التي تعبر عن ذروة حنينه
إلى مصر قوله:

حرام على بلابله الدوح
حلا ل للطير من كل جنس

وطني لوشغلت بالخلد عنه
نازعتني اليه في الخلد نفسي

شهد الله لم يغب عن جفوني
شخصه ساعة ولم يخل حسي

عاد شوقي إلى الوطن في سنة (1339هـ = 1920م)، واستقبله الشعب استقبالاً رائعًا واحتشد الآلاف لتحيته، وكان على رأس مستقبليه الشاعر الكبير (حافظ إبراهيم) وجاءت عودته بعد أن قويت الحركة الوطنية واشتد عودها بعد ثورة \ 1919م، وتخضبت أرض الوطن بدماء الشهداء، فمال شوقي إلى جانب الشعب، وتغنَّى في شعره بعواطف قومه وعبّر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجّل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال.
لقد انقطعت علاقته بالقصر واسترد الطائر المغرد حريته، وخرج من القفص الذهبي، وأصبح شاعر الشعب المصري وترجمانه الأمين، فحين يرى زعماء الأحزاب وصحفها يتناحرون فيما بينهم، والمحتل الإنجليزي لا يزال جاثم على صدر الوطن،
فيهتف فيهم قائلاً:

الام الخلف بينكم الاما
وهذي الضجة الكبرى علاما

وفيم يكيد بعضكم لبعض
وتبدون العداوة والخصاما

واين الفوز لامصر استقرت
على حال ولا السودان داما

ورأى في التاريخ الفرعوني وأمجاده ما يثير أبناء الشعب ويدفعهم إلى الأمام والتحرر، فنظم قصائد عن النيل والأهرام وأبي الهول. ولما اكتشفت مقبرة توت عنخ أمون وقف العالم مندهشًا أمام آثارها المبهرة، ورأى شوقي في ذلك فرصة للتغني بأمجاد مصر؛ حتى يُحرِّك في النفوس الأمل ويدفعها إلى الرقي والطموح، فنظم قصيدة رائعة مطلعها:

قفي يااخت يوشع خبرينا
احاديث القرون الغابرينا

وقصي من مصارعهم علينا
ومن دولاتهم ما تعلمينا

وامتد شعر شوقي بأجنحته ليعبر عن آمال العرب وقضاياهم ومعاركهم ضد المستعمر، فنظم في (نكبة دمشق) وفي (نكبة بيروت) وفي ذكرى استقلال سوريا وذكرى شهدائها، ومن أبدع شعره قصيدته في (نكبة دمشق) التي سجّل فيها أحداث الثورة التي اشتعلت في دمشق ضد الاحتلال الفرنسي،
ومنها هذه الابيات \

بني سورية اطرحوا الاماني
وألقوا عنكم الاحلام ألقوا
وللاوطان في دم كل حر
يد سلفت ودين مستحق
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق

ولم تشغله قضايا وطنه عن متابعة أخبار دولة الخلافة العثمانية، او قل دولة الخلافةالاسلامية في هذا العالم الواسع فقد كان لها محبًا عن شعور صادق وإيمان جازم بأهميتها في حفظ رابطة العالم الإسلامي، وتقوية الأواصر بين شعوبه، حتى إذا أعلن (مصطفى كمال أتاتورك) إلغاء الخلافة الاسلامية في تركيا واعلنها جمهورية تركيا سنة 1924 وقع الخبر عليه كالصاعقة، ورثاها رثاءً صادقًا في قصيدة مبكية حزينة تفتت الكبد الحر الحريص على الاسلام والدين الاسلامي
مطلعها:

عادت اغاني العرس رجع نواح
ونعيت بين معالم الافراح

كفنت في ليل الزفاف بثوبه
ودفنت عند تبلج الاصباح

ضجت عليك ماذن ومنابر
وبكت عليك ممالك ونواح

أصبح شوقي بعد عودته من المنفى شاعر الأمة المُعبر
عن قضاياها، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر سنة (1346هـ = 1927م) في حفل أقيم بدار الأوبرا المصرية في القاهرة بمناسبة اختياره عضوًا في مجلس الشيوخ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه (الشوقيات). وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه،
وأعلن في هذا الحفل الشاعر حافظ إبراهيم باسمه ونيابة عن كل الشعراء والادباء العرب الحاضرين مبايعتهم احمد شوقي بإمارة الشعر قائلاً:

بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي
بشعر امير الدولتين ورجعي

اعيدي الاسماع ماغردت به
براعة شوقي في ابتداء ومقطع

امير القوافي قد ا تيت مبايعا
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

وبهذا اصبح شوقي اميرا للشعراء
ولم يكن لهم ا مير قبل ذلك وكان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها لتحدث النغم الذي يثير الطرب ويجذب الأسماع، فجاء شعره لحنًا صافيًا ونغمًا رائعًا لم تعرفه العربية إلا لقلة قليلة من فحول الشعراء.
وإلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للفرنسية التي مكنته من الاطلاع على آدابها والنهل من فنونها والتأثر بشعرائها، وهذا ما ظهر في بعض نتاجه وما استحدثه في العربية من كتابة المسرحية الشعرية لأول مرة.
وقد نظم الشعر العربي في كل أغراضه من مديح ورثاء وغزل، ووصف وحكمة، وله في ذلك أوابد رائعة ترفعه إلى قمة الشعر العربي، وله آثار نثرية كتبها في مطلع حياته الأدبية، مثل: (عذراء الهند، ورواية لادياس وورقة الآس وأسواق الذهب) وقد حاكى فيه كتاب (أطواق الذهب) للزمخشري، وما يشيع فيه من وعظ في عبارات مسجوعة.
وقد جمع شوقي شعره الغنائي في ديوان سماه (الشوقيات)، ثم قام الدكتور محمد صبري السربوني بجمع الأشعار التي لم يضمها ديوانه، وصنع منها ديوانًا جديدًا في مجلدين أطلق عليه "الشوقيات المجهولة".
ألف شوقي ديوانه الشوقيات ويقع في أربعة أجزاء ويتضمن سيرته ومجمل شعره
وأنتج فى أخريات سنوات حياته مسرحياته الشعرية وقد استمد اثنتين منها من التاريخ المصري القديم، وهما (مصرع كليوباترا وقمبيز)
ومسرحية اخرى من التاريخ الإسلامي هي \مجنون ليلى، وأخري من التاريخ العربي القديم هي \عنترة
وأخرى من التاريخ المصري العثماني وهي \علي بك الكبير، وله مسرحية نثرية هي \أميرة الأندلس
ومسرحيتان هزليتان، هما: (الست هدي، والبخيلة).
ولأمر غير معلوم كتب مسرحية \أميرة الأندلس نثرًا، مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد.
وقد غلب الطابع الغنائي والأخلاقي على مسرحياته، وضعف الطابع الدرامي، وكانت الحركة المسرحية بطيئة لشدة طول أجزاء كثيرة من الحوار، غير أن هذه المآخذ لا تُفقِد مسرحيات شوقي قيمتها الشعرية الغنائية، ولا تنفي عنها كونها ركيزة الشعر الدرامي في الأدب العربي الحديث.
في بداية النهضة العربية الشعر العربي كان كأنه على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تعيد فيه الحركة والحياة، وتعيد له الدماء في الأوصال، فتتورد ابياته وتزدهر بنضرة وجمالً مبدع - بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن المعنى اسير الحكاياة والمحاكاة ، قليل الحركة، كليل الموسيقى الشعرية اوالقوافي والابداع .- ليعيد نشاطه الواسع والثابت في النفوس العربية المتعطشة اليه
وشاء الله أن يكون \البارودي هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية.
ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره- وإن كان له فضل السبق والريادة- فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال: إسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم، وأحمد نسيم، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري.في مصر والكاظمي والزهاوي والرصافي في العراق وناصيف اليازجي واولاده في الشام وابوالقاسم الشابي في تونس وغيرهم كثير ومنهم شعراء المهجر وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضى واختيار، فقد ملأ الدنيا بشعره، وشغل الناس، وأشجى القلوب

نظم شوقي العديد من القصائد في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) تعتبر من أبدع شعره ومن أشهر قصائده \نهج البردةالتي عارض فيها البوصيري في بردته ومنها يقول:

رزقتَ أسمح ما فــي الناس مــن خُلق
إذا رزقــت التماس العـــذر في الشيم

يا لائمي فــي هـــواه والهوى قــدرٌ
لـــو شفّك الوجدُ لـــم تعــذل ولــم تلم


لقـــد أنلتـــــك أُذناً غيــــر واعيــــــــةٍ
وربَّ منتصتٍ والقلـــبُ فـــي صمــم

وتعتبر قصيدة \ولد الهدى مع قصائد \سلوا قلبي و نهج البردة من أهم القصائد الإسلامية لشوقي، وتقع قصيدة ولد الهدي في مائة وواحد وثلاثين بيتًا، اختارت منها أم كلثوم أربعة وثلاثين بيتًا، وأعادت ترتيبها على غير ترتيبها في الديوان وغنتها فكانت بداعة في الاداء والشعر المغنى وقد لحن موسيقاها رياض السنباطي ومنها:

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا
بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ

وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ
وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ

نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ
في اللَوحِ وَاسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ

اسمُ الجَلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ
أَلِفٌ هُنالِكَ وَاسمُ طَهَ الباءُ

ومن قصائده التي يرد فيها على مزاعم المستشرقين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بحد السيف يقول:

قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا
لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم

جهل وتضليل أحلام وسفسطة
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم

كان شوقي عاشقا للموسيقي والغناء وقد احتضن المطرب محمد عبد الوهاب الذي يقول عنه\
(كان له الفضل في التحاقي بمعهد الموسيقي الشرقية وتقديمي إلي القادة والزعماء وأحاطني بعنايته وخصص لي مدرساً يعلمني الفرنسية وأخذني إلي باريس لأذهب إلي الاوبرا والمتاحف ليطلعني علي الفن الحقيقي.
وقال لي : ارجوك يا محمد آلا تهمل شعري بعد أن أموت .. تغني قصائدي .. فخلودي في أن يردد الشعب شعري .. وأنت كفيل بأن تجعل الشعب يردده.)
وذات يوم وجه شوقي دعوة لأم كلثوم التي لبت الدعوة وقامت بالغناء في كرمة ابن هانىء ومن اعجابه بالغناء قدم لها كأسا من الخمر ولكنها لم تكن تشرب الخمر فتصرفت بلباقة وذكاء ورفعته علي شفتيها فقط دون أن ترتشف منه شىء وقد اعجب شوقي بلباقتها فكتب لها قصيدة - يقال أوصلها بنفسه في الصباح التالي - وقد ظلت القصيدة منذ عام 1932م إلي عام 1944 حيث عهدت بها لرياض السنباطي لتلحينها وغنتها بعد أن تم تغيير كلمات بيتين ورد فيهما اسم أم كلثوم ، يقول شوقي في مطلع القصيدة :

سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واستخبروا الراح هل مست ثناياها

ومن بدائع قصائده هذه القصيدة التي تغنى بها الموسيقا ر محمد عبد الوهاب ومن بعده فيروز صاحبةالصوت الجميل الناعم ذي الصدحات العالية والنغمات الطويلة في بعض الانغام التي تطرب الاسماع وتنشرح لصوتها الصدور \

شَيَّعْتُ أحلامي بِقَلْبٍ باكِ
ولَمَمْتُ من طُرُقِ المِلاحِ شِباكي

وَرَجَعتُ أَدْراجَ الشَبابِ وَوَرْدَهُ
أَمشي مَكانَهُما عَلى الأشواكِ

وَبِجانِبي وَاهٍ كَأَنَّ خُفوقَهُ
لَمَّا تَلَفّتَ جَهْشَةُ المُتَباكي

شاكي السِّلاحِ إذا خَلا بِضُلوعِهِ
فإذا أُهِيْبَ بِهِ فَلَيْسَ بِشاكِ .
..
لَمْ تَبْقَ مِنَّا يا فُؤادُ بَقيَّةٌ
لِفُتُوَّةٍ أو فَضْلَهٌ لِعِراكِ

كُنَّا إذا صَفَّقْتَ، نَسْتَبِقُ الهوّى
وَنَشُدُ شدَّ العُصبَةِ الفُتَّاكِ

واليومَ تَبعَثُ فِيّ حيْنَ تَهُزُّني
ما يَبْعَثُ الناقوس في النُسَّاكِ

يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وعَادَنيْ
ما يُشْبِهُ الأحلامَ مِنْ ذِكْراكِ

مَثَّلْتُ في الذكرى هَواكِ وَفي الكَرى
والذِّكرياتُ صَدى السِنيْنَ الحاكي

ولَقَدْ مَرَرْتُ عَلى الرياضِ بِرَبْوةٍ
غَنّاءَ كُنتُ حِيالَها ألقاكِ

ضَحِكَتْ إليًّ وُجوهُها وَعيونُها
وَوَجّدتُ في أنفاسِها رَيّاكِ

لَمْ أَدرِ ما طِيْبُ العِناقِ عَلى الهَوى
حتَّى تَرَفَّقَ ساعِدي فَطَواكِ

وتأَوَّدَتْ أعْطافُ بانِكِ في يّدي
واحمًرَّ مِنْ خَفَريهِما خَدَّاكِ

وَدَخَلْتُ في لَيلَينِ فَرْعَكِ والدُجى
ولَثَمْتُ كَالصُبْحِ المُنَوَّر فاكِ ...

وتَعَطَّلَتْ لُغَةُ الكَلامِ وخاطَبَتْ
عينيَّ في لُغَةِ الهَوى عَيْناكِ ...

لا أَمْسِ مِنْ عُمْرِ الزمانِ ولا غَدٌ
جُمِعَ الزَمَانُ فَكانَ يَوْمَ رِضاكِ
.

*****






سليمان الباروني


ولد الشاعر عبد الله بن سليمان باشا الباروني سنة \1970 في مدينة( جادو) او ( فساطو) بليبيا،.
رحل صغيرا طالبا العلم وعمره \11سنة الى القطر التونسي ليلتحق طالبا بجامع الزيتونة ثم رحل الى مصر للدراسة بالجامع الأزهر ,ثم الى الجزائر لدارسة المذهب الأباضي (مذهب معظم الشعب الامازيغي) في الجزائرمدة أكثر من ثلاث سنوات ,
في مصر تعرف على المصلح الإسلامي الكبير الشيخ محمد عبده وصادقه وتواصل معه فكريا.وعقائديا
عاد إلى ليبيا بعد سنوات طويلة من الترحال وطلب العلم , كان قد أصبح شابا ناضجا , مشحونا بالروح الوطنية المعادية للاستبداد التركي في ليبيا الا انه بعد عودته سجن ثلاث سنوات واحرقت السلطات التركية الحاكمة انذاك كتابه( الازهار الرياضية ) الذي اصدره بثلاثة اجزاء , فاضطرته الاوضاع في بلده إلى مفارقة الوطن في رحلة طويلة شملت تونس والجزائر وفرنسا ومالطا ومصر
وفي اخر هذا التشرد استقر به المقام بمصر التي كانت ملجأ سياسيا وفكريا للمثقفين والسياسيين العرب والمسلمين الفارين من الاضطهاد التركي
اسس في مصر\ سنة 1906 مطبعة اسماها( مطبعة الازهار البارونية ) واصدر فيها صحيفة باسم ( الاسد الاسلامية ) عام 1908 دعى من خلالها او تبنى بكتاباته فكرة انشاء( الجامعة الاسلامية )
ثم قام بطبع ديوانه الذي اسماه ( ديوان عبد الله الباروني) كما قام بطبع الجزء الثالث من كتابه ( الازهار الرياضية )
رجع من مصر الى ليبيا ملبيا حاجة وطنه والدفاع عنه عندما هاجم الايطاليون ( الطليان ) ليبيا وحاولوا استعمارها
سليمان باشا االباروني مجاهد ليبي ومن اهم السياسيين في ليبيا ا ختير عضوا ممثلا عن مدينة طرابلس سنة \1910 في مجلس ( المبعاثان ) في الدولة العثمانية الذي يمثل مجلس الامة او مجلس النواب في ذلك الوقت لذا رحل الى الاستانة بعد الاصلاحات التي حصلت بعد انقلاب التركي ( تركيا الفتاة ) وحصل على رتبة( الباشوية) حيث اصبح واليا على ليبيا
وله العديد من الاصلاحات فيليبيا وجوده في ليبيا اضافة الى عضويته في مجلس المبعوثين العثماني منها
1- اصدرعملة اسماها( البارونية )
2- واسس اول جمهورية في الوطن العربيفي غرب ليبيا اسمها ( الجمهورية الطرابلسية )
3-اسس المدرسة (البارونية ) بمدينة (يفرن ) بليبيا

وفي سنة 1919م اعتزل العمل السياسي بعد اعتراف إيطاليا المزيف بالحكومة الوطنية الليبية.وفي عام 1922م
استمر الا حتلال الايطالي على ليبيا من \1911 حتى سنة \. ولما احتلت إيطاليا ليبيا العام 1911 عاد فورا إلى بلاده وانضم إلى قيادة المقاومة. لكن تركيا سرعان ما خانت الليبيين إذ باعت ليبيا لإيطاليا وفقا لمعاهدة (صلح أوشي) التي سحبت بموجبها ما تبقى من ضباطها وجنودها الذين كانوا يدربون المجاهدين الليبيين ويحاربون معهم الغزاة الايطاليين وكان( مصطفى اتاتورك) قائد انقلاب تركيا الفتاة واول رئيس جمهورية تركية بعد القضاء على الدولة العثمانية أحد هؤلاء الضباط!)
رفض الباروني معاهدة الصلح وقاد جناح المقاومة الوطنية الامازيغية في جبال نفوسة

وخلال سنوات الاستعمار الإيطالي الفاشي الاستيطاني, خاض الشعب الليبي مقاومة أسطورية بمعنى الكلمة تحت زعامة قائد عربي عظيم بمعنى الكلمة وهو شيخ المجاهدين , أسد الصحراء عمر المختار, والذي كان رغم سنواته الثمانين, يحشو بندقيته بالبارود وآيات القرآن. كان قائدا من صلب الشعب. فقيرا مثل أبناء الشعب لا يملك إلا بندقيته وقرآنه ونظارته الطبية وفرسه البيضاء
أجبرته السلطات الإيطالية على مغادرة طرابلس حين قاوم محاولة بعض الليبين اللجوء إلى الاستسلام للايطاليين ورفض صلح(بن ادم ) مع ايطاليا واصر على مواصلة الجهاد

تنقل بين تركيا و فرنسا محاولا العودة إلى ارض الوطن ولكنه منع من قبل السلطات الغازية او من الحاكمين باسمها في ليبيا فاستقر به المقام في سلطنة عمان سنة 1924 حيث عمل مستشارا لدى (الإمام محمد بن عبدالله الخليلي) إمام عُمان
رحل الى الهند في رحلة علاجية من مرض الملاريا الذي اصيب به
عاد الى سلطنة عمان ومكث فيها حتى توفته المنية في سنة\ 1940
يمتاز شعره بالوطنية ومقارعة الغزاة المعتدين بروح إسلامية إصلاحية. واسلوبية رقيقة بسيطة وثقافة لصيقة بمواقفه السياسية المرتبطة بفكرة الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية . ثقافته الشخصية تجمع بين الثقافة الامازيغية والعربية الإسلامية إلى جانب إطلاعه على الثقافة الفرنسية . تكاد رؤيته السياسية قد تمثلت في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية والحفاظ عليها

ومن قصائده الوطنيه هذه الابيات \

هذا هو الشَّعْرُ الذى
شهد الحروب الهائلات
هذا هو الشَّعْرُ الذي
شهد الحروب الهائلات
وعليه امطرت القنابل
كالصواعق نازلات
خاض المعامع لايهاب
على الجياد الصافنات
حبا بتطهير المواطن
من بني الايطاليات
آليت ان يبقى الى
ان يعبر الجند القناة
لنرى الغزاة على
ضفاف النيل تفتك بالبغاة
ونرى طرابلس العزيزة
في ليالي باهرات
تختال في برد الهنا
بالانتصار على الطغاة
وتسود اعلام الخليفة
في البلاد الضائعات
ونرى الهلال متوجا
جزر المحيط الخالدات
اد ذاك يحلق بين
افواج الاعاظم والغزاة
مابين تهليل وتكبير
وتقديم للصلاة
فيكون عنوان الفتوح
مدى العصور الدائرات
وهكذا يبقى اذا لم
ننتصر حتى الممات
يامن وعدت المسلمين
النصر امنن بالحياة

*****************************************



صالح القيرواني
الشاعرالشريف

ولد صالح بن عمر سويسي القيرواني سنة 1871 بالقيروان قضى جزءا من طفولته بحاضرة تونس بعد انتقال والده أليها سنة 1876 وان والدته هي بنت الشيخ علي العواني الشّريف الحسيني وهو بذلك يعتبر نفسه من الأشراف . حفظ القرآن بأحد كتاتيب مدينة تونس،
لقد نشأ صالح سويسي يتيما ، إذ فقد أباه سنة \ 1886 وهو في الخامسة عشرة
عاد إلى القيروان سنة \ 1886 بعد فقد ابيه . ولم يعرف عنه أنه تلقى تعليما منتظما، بل درج على قراءة الكتب والمجلاّت والدّواوين الشّعرية حتى تكونت له ملكة أدبية وشغف بالكتابة فهو أحد أدباء القيروان المعتزّين بمدينتهم الحريصين على حمل نسبتهم أليها.
وقد تأثّر صالح سويسي بالحركة السّلفية التي دعى لها رواد النهضة العربية الاوائل منهم السيّد جمال الدين الأفغاني والسيد محمد عبده وسعد زغلول وابن بلده الشيخ محمد النخلي القيرواني، فكان له منزع إصلاح لا يخلو من الجرأة، مما ادى الى نفيه إلى مدينة (توزر) بالجنوب التونسي سنة 1897 لمدة ثلاثة أشهر.
مات أبوه فقامت بتربيته ووجّهته إلى مصر للتعلّم واكتساب ما يلزمه من المعارف التي يدافع بها عن وطنه ودينه.

وصالح سويسي، كما يصفه بعض الذين عايشوه من أهل بلده، كان مثال الأديب المنقطع لخدمة الأدب لم يباشر عملا قطّ ولم تكن له مهنة معروفة سوى أنه ( شاعر) وكان يرتزق من بشعره ولا يستكنف من تسخير موهبته لأبسط الناس، وكثيرا ما شكا الفقر وسوء حظ الأديب في شعره.

وكانت جلّ قصائده على الدعوة إلى الإصلاح ونبذ التقاليد الفاسدة والبدع التي تسيء إلى الدين. ولئن اشتمل ديوانه على أهمّ الأغراض التقليديّة فقد غلب عليه التغني بمدينة القيروان وتاريخها العريق والمديح النبوي والنقد الاجتماعي، يتخلل ذلك ميل إلى الشكوى المشوي بالنفور من المدينة وتفضيل حياة البداوة.
حاول تجربة الشعرالحر او قصيدة النثر فلم يفلح
وقد كتب ( دليل القيروان )، المطبوع بسوسة، سنة 1911 ويحتوي اربعة اقسام القسم الأول كان مدخلا تاريخيا يتّصل بالفتح وأوّل الوافدين من قوّاد الجيش العربي والمؤسّسين للحكم العربي بإفريقية، والقسم الثاني يتعلّق بالمعمار، بينما يتناول القسمان الأخيران تراجم الأعلام المدفونين بالمقابر الشهيرة في القسم الثالث، ومن هم مدفونون داخل السور في القسم الرابع. ويختم الكتاب بما سماه (( النّشيد الوطني)) لتلاميذ المدارس
وقد حقق من خلال تاليفه لدليل القيروان لنفسه رغبتين ماانفك يسعى إليهما ويجلّيهما في كل ما يكتب : الأولى إبراز حبّه القوي لمدينته القيروان، واعتزازه بتاريخها وأمجادها ، والثانية إفصاحه عن منزعه الإصلاحي . لقد انخرط صالح سويسي في الحركة الإصلاحيّة السّلفية كما بنت سابقا وكان لا يفوّت على نفسه فرصة الدّعوة إلى مبادئها ومنهجها في تحليل أوضاع العالم الإسلامي والتفكير في حلول لمشاكله القائمة . وقد يستغرب القارئ من جرأته حين يقف شاخصا ناقدا للسّلطة السياسية ورجال الدّين ويستطرد من حين لآخر لتصويب سهامه ونقده اللاذع إلى جمعية الأوقاف مثلا ، والأغنياء المترفين الذي لا يحسّون بجوع الفقراء من الشعب او بفجائع اليتامى والمساكين كما سمّاها.

إنه يؤمن بأن علماء السّلف لم يكونوا مشدّدين في الدّين ، وأنّهم كانوا حريصين على مصالح الناس وأنهم ( كانوا يقولون الحق ويموتون عليه ). وقد نشأ صالح سويسي ويتمه المبكر نسبيا ، إذ فقد أباه سنة 1886 وهو في الخامسة عشرة ، من الأسباب التي رققت قلبه على اليتامى بالخصوص ، فسخّر قلمه لاستعطاف ذوي اليسار عليهم وعلى سائر البؤساء حتى خيّم على آثاره جوّ من الحزن والكآبة لكثرة ما خاض في هذا الغرض.
رجل عاش بالأدب وللأدب، واستطاع- رغم رقّة حاله – أن يرفع صوته بالدّعوة إلى الإصلاح والنهضة ويسخّر قلمه لغايات نبيلة ويحقّق نجاحا لا بأس به بالنّظر ألى ظروف عصره وأحوال جيله وطبيعة تكوينه. انه اديب شاعر وكان ظريفاً حاضر النكتة يعد في اوائل من طرقوا الموضوعات الاجتماعية والوطنية من ادباء تونس
يقول في احدى قصائده \\

قَوِّض رِحالَك عَن أَرضٍ تُضامُ بِها
فَالضَيمُ إِن دامَ نَفسُ الحُرِّ يَرديها

وَاِسكُن بُيوتاً إِذا راقَ المُقامُ بِها
فَاِمكُث وَإِلا خَفيف الحَمل يَطويها

أنّه كان يعيش بأدبه و يتكسّب بشعره لا على أبواب الأمراء كما كان الشّعراء يفعلون ، بل حتّى لدى عامة الناس ، أدرك في هذه المجاهرة بالنقمة والغيظ من المخاطرة والجرأة.
له العديد من ألاعمال منها:
الهيفاء وسراج الليل
دليل القيروان.
منجم التبر في النظم والنثر
والجامع اليتامي
زفرات الضمير
ديوان صالح السويسي القيرواني
سوق البلا ط
توفي في مدينة القيروان سنة\ 1941

ومن جميل قصائده هذه القصيدة

شهم حوى في سبيل الله رضوانا
قد خاض من بأسه في الحرب ميدانا

هيا أحملوني إلى نحو (الهلال)
فما أبغي عن الحرب إحجاما وسلوانا

ولا أبالي إذا ما صرت منجرحا
فان لي من رضا الرحمان غفرانا

ولست أسال عن أهلي وعن ولدي
إذا وجدت بأهل الدين إحساناً

هذا الدواء أتى من معشر شهروا
بين الكرام وأقوى الناس إتمانا

لا تبخلوا في اكتتاب (الهلال) بدا
فسوف يصلي بخيل القوم نيرانا

إن اليتامى وجرحى الحرب كلهم
يدعو لنا ذلكم سراً وإعلانا.



**********************





عبد المحسن الكاظمي
شاعرالبديهة والارتجال


هو ابو المكارم عبد المحسن بن محمد بن على بن محسن بن محمد بن صالح بن علي بن هادي النخعي من سلالة الأشتر النخعي
ولد في بغداد عام 1871 درس في الكاظمية والنجف الاشرف
شاعر فحل، لقب بشاعر العرب. امتاز بارتجال القصائد الطويلة الرنانة. ولد في محلة (الدهانة) ببغداد، ونشأ في الكاظمية، فنسب إليها. وكان أجداده يحترفون التجارة بجلود الخراف، فسميت اسرته (بوست فروش) بالفارسية، ومعناه (تاجر الجلود) وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ورغبه والده في العمل في التجارة والزراعة، الاانه لم يرغب بالعمل باي منهما وترك العمل بهما. واستهواه الأدب والشعر فقرأ علومه وحفظ الكثير من ابيات الشعر لفحول الشعراء ثم تعلم نظم الشعر فنظم. وأول ما نظم الغزل، فالرثاء، فالفخر. وعندما مر المصلح الثائر السيد جمال الدين الأفغاني بالعراق، اتصل به، فاتجهت إليه أنظار رجال الحكومة والجواسسيس وكتبوا عنه الوشايات ، الى الباب العالي وذلك في عهد عبد الحميد الثاني ، فطورد، فلاذ بالوكالة الإيرانية ببغداد. فحجبته عن الانظار الا انه خاف النفي أو الاعتقال، فسافر الى الجنوب وساح نحو سنتين في عشائر العراق الجنوبية و سافر الى إمارات الخليج العربي والى ايرا ن والهند،
سافر الى مصر سنة 1911ميلادية 1316هـ، على امل أن يواصل سيره إلى أوروبا، فطارت شهرته، وفرغت يده مما ادخر، فلقي في مصر من الشيخ محمد عبده العون والمساعدة وبره الخفي ما حبب إليه المقام بمصر، فأقام. وأصيب بمرض ذهب ببصره إلا قليلاً.
ومات محمد عبده ، فعاش في ضنك يستره إباء وشمم وعزة نفس عالية ، إلى أن توفي، في مصر الجديدة، من ضواحي القاهرة. سنة 1935 ميلادية
لقب بشاعر (البديهيه والارتجا ل)لان من اهم مميزاته ارتجاله الشعر ، فقد كان يلقي القصائد في مناسبات متعدده فيرتجل القصائد الطوال من خمسين او ستين بيتا دون اي ركاكه او ضعـــف. بل كان في احيان أخرى يرتجل المائه والمائه والخمسون مشـرقا في الفاظه ومعانيه .
لقب ايضا بشاعر العرب ؛وبشاعر الكفاح الخالد وكان شعره شعر البداوة لكثرة حفظه للشعر القديم وقيل انه كان يحفظ اثني عشرالف بيت من الشعر وشعره يمتاز بمتانة التعبير بعذوبة الالفاظ و وقوة المعاني وفصاحة البيان وفيه ابتعاد عن المدح الكاذب وتجنب الاقوال الهزيلة .كان شاعر العروبة حيث تغنى بأمجاد العراق والشام ومصر والحجاز وشحذ الهمم العربية ...وحارب الاستعمار والاستبداد وشعره فيه ثورة عارمة شديدة تحس بها وانت تقرا شعره.
لقد اثر تأثيــرا مباشرا على النهضه الادبيه بكتبه وشعره وهو خير اديب تفخــر به العروبة وتعتـــز به الضــاد . كان يرتدي العمامه البيضاء والجبه الفضفاضه .
عاش اكثر حياته في مصر.

ملأ الصحف والمجلات شعراً، وضاعت منظومات صباه. وجمع أكثر ما حفظ من شعره في (ديوان الكاظمي) مجلدان.

دواوينه : طبع المجموعة الأولى من ديوان الكاظمي عام \1940 والمجموعة الثانية عام\ 1948 والمجموعتان الثالثة والرابعة عام \ 1987 ، وله قصائد الكاظمي\ 1919 ، معلقات الكاظمي \1924 عراقيات الكاظمي \1960 .

ومن قصائده الثورية :

جليَّ المعالي أيُّ يومَيْكَ أعظمُ
أيومَ تشدّ الرحلَ أم يوم تُقدِمُ؟

أجدّكَ ما يوماكَ إلا صحيفةٌ
يُخَطّ بها فخرُ الرجالِ ويُرْقَم

وليس كلا يومَيْكَ إلا عزيمةً
يُشاد بها مجدُ البلادِ ويُدعَم

فيومُكَ إن ترحل ويومكَ إن تَؤُبْ
سبيلٌ إلى نَيْل الأماني وسُلَّم

إذا صحّ لليومين وصفٌ له اقتفوا
وجُدّوا على آثاره وتَرسَّموا

فيوماكَ جِدٌّ للحياة وجِدّةٌ
ويوماكَ شَهْدٌ في المذاق وعلقم
....
الشاعر الشيخ عبد المحسن الكاظمي الشهير بالارتجال والشاعر الذي أجمع العديد من النقاد على قدرته بارتجال الشعر، والذي كذاك يذهب في شعره مذهب الشعراء الأقدمين..
وأهم صفة في الكاظمي الاعتداد بنفسه والحافظة العجيبة وارتجاله الشعر فقد روى المرحوم الدكتور عز الدين آل ياسين الذين كان يطلب العلم في مصر- (، ان الكاظمي دعى مرة الى حفل أقيم في مصر حيث قدمه عريف الحفل لالقاء قصيدة فما كان الا ارتجال قصيدة غراء عصماء، جاوزت أبياتها مئة بيت وبيت، بين دهشة واستغراب حضور ذلك الحفل الحاشد.. )
ومن الذين قالوا بقدرة ارتجال الكاظمي، وعباس محمود العقاد، ، وعبد القادر المغربي، وحليم سركس، وأسعد داغر، وكمال ابراهيم، ومحمد مهدي البصير، وأحمد الصافي النجفي، وآخرون.
عاش الكاظمي في أرض الكنانة أكثر من (39)عاما، وهناك طحنته الحاجة حيث اشتغل في نقل الحجارة والجص، ولم يمد يده لقريب اوغريب ، إباء واعتداء وكان لا يرضى أبدا أن يكون موضع عطف الآخرين، وفي أخريات أيامه كان يروي المقربين اليه.. حيث كان يحدث حضار مجلسه عن أمراضه وأحزانه، فقد كان قد امتد به العمر ((70) عاما وضعف بصره وصار لا يميز وجوه مجلسه، الذين كان قبلا حافل بالمداعبات والأفاكيه والمطايبات والمستملحة غير المخدشة.
انشد الشيخ الكاظمي في شعره طارقا شتى الأغراض المعروفة في الشعرالعربي - المديح والغزل، والرثاء والسياسة.

سيروا بنا عبقاً وشـــدّا ... سيروا بنا ممســـى ومغدى

سيروانــذب عن الحمـى .. . ونردّ عنــه المـستبـــدا

نحمي حمــى أوطاننــا . .. ونصونهـا غورا ونجــــدا

سيــروا نؤلف شملهــا ... ونعيــدها عقدا وعقــــدا

تالله لا ارتضـــي الحيـا ... ة ارى لديها الخســـف وردا

سيروا نشــد لديارنـــا . .. عـــدلا يهد الظلم هــــدّا


كما. انه كان يعتنى في مأكله وملبسه وقيافته حيث كان يرتدي (الجبة و الزبون والزخمة).. والعمة العمامة.
ويقول الدكتور يوسف عز الدين:
(شاعر العرب الأكبر الشيخ عبد المحسن الكاظمي، لم يكن كاظميا أو عراقيا فحسب، وانما كان عربيا شرقيا، وقف شعره على أمته وشرقه وتغنى فيهما بأجمل الأغاريد وأعذب الألحان، وتاريخ حياته معروف فقد وصل مصر هاربا من الجور ليغرد أغاني المجد على أفنان الحرية وينشد أناشيد الاستقلال، التي زخر شعره بألوانها.. )
على الرغم من أن مصر كانت وطنه الثاني الا ان الحنين كان يعاوده الى العراق فنحس حنينه الذي يعتري كل غريب فتنتابه الذكريات الى أهله وعشيرته لاحظه يقول \

إلا خبر من ثنايا العراق
يطلع او زورة تطرق
هل الدار بعدي كعهدي بها
يباكرها العارض المغدق

وبعد ان يحرقه الوجد والحنين ينطوي على نفسه ويحز فؤاده الفراق ويدع الحشا تتلظى وجدا وحسرة وتتحرق جفناه الى الديار ويسال الدار، عندما ييد ان يستاف أخبار العراق.

أمعاهدة الأحباب هل خبر
تسري به الأرواح ما تسري

وقال عنه الدكتور يوسف عز الدين :
(وقد كان الكاظمي أول شاعر حمل لواء الوحدة العربية والدعوة اليها والتغني بها يوم كانت الأوطان نور العين وفداء النفس وليست مكانا للهو وقضاء الحياة بدون رسالة او هدف معين).
ومن شعر الكاظمي في حب الوطن والحنين اليه \يقول

أحن اذا قيل العراق وأغني
وأشهق ان قيل الشام وأزفر

وأطرق ان قيل الحجاز على جوى
وأعجب أما قيل مصر وأبهر

منى النفس ان يلقى العراق وغيره
من الخير ما يهوى وما يتخير

جميع بلاد العرب في القدر واحد
اذا وازنوا البلدان يوما وقدروا

ومن شعره


لم يكن بات في الكنانة جسمي
ففؤادي بالكرخ بات رهينا
ارفاق الصبا وليس حراما
ان أنادي رفاقي الأقدمينا

وفي 1935/5/2 كانت خاتمة حياة الشاعر الكاظمي، في مصر الكنانة حيث ورى التراب هناك، وهكذا احتضنته الكنانة حيا وضمت رفاته ميتا.. رحمه الله على الكاظمي شعر العروبة ومذكي فتيل الثورة ومقارع الاستبداد والاستعمار
وقال ايضا \
بكم يا حماة الدين قد آمن الحمـى ..
. قد هجمـوا شـرّ المغير المهاجـم خذوا

الحذر من نأئي التخوم ونبّهوا .
. . ظبــاكم الى كيد العدو المتــاخم

*****************



















حافظ ابراهيم
شاعر النيل


ولد محمد حافظ بن ابراهيم فهمي المهندس في( ديروط )في يوم24 شباط عام \1872 ولقد بحافظ ابراهيم ولد حا فظ على متن سفينة كانت راسية على النيل أمام (ديروط ) وهي مدينة بمحافظة أسيوط من أب مصري وأم تركية. ابوه كان مهندسا و أحد المشرفين على قناطر ديروط بمحافظة أسيوط. وأمه من أسرة كريمة وتاريخ ولادته غير معروف بالضبط حسب الأوراق الرسمية. بل عندما أريد تعيين "حافظ إبراهيم في دار الكتب قدر القومسيون الطبي عمره تسعة وثلاثين عماما وتأسس على هذا أنه ولد في شباط \ 1872.
مات ابوه وعمره اربع سنوات فعادت به أمه من( ديروط) إلى بيت أسرتها في القاهرة. وتولى خاله محمد نيازي الذي كان مهندسا بمصلحة التنظيم أمره. وتوفيت والدته عام \ 1908م. وعندما نقل خاله إلى عمل بطنطا ذهب معه حافظ وإلتحق بالجامع الأحمدي وهناك أخذ حافظ يدرس في الكتاتيب. أحس حافظ إبراهيم بضيق خاله به مما أثر في نفسه، فرحل عنه وترك له رسالة كتب فيها:

ثقلت عليك مؤونتي إني أراها واهية

فافرح فإني ذاهب متوجه في داهية

يقال انه بعد أن خرج من بيت خاله هام على وجهه في طرقات مدنية طنطا حتى انتهى به الأمر إلى مكتب المحا مي محمد أبو شادي، أحد زعماء ثورة 1919، وعمل معه وهناك اطلع على كتب الأدب وأعجب بالشاعر محمود سامي البارودي. وبعد أن عمل بالمحاماة لفترة من الزمن، التحق حافظ إبراهيم بالمدرسة الحربية في عام\ 1888 م وتخرج منها ضابطا عام\ 1891 م في الجيش المصري وعين في وزارة الداخلية. وفي عام \1896 م أرسل إلى السودان مع الحملة المصرية إلا أن الحياة لم تطب له هنالك، فثار مع بعض الضباط. نتيجة لذلك

وفي عام \ 1911م ، عين رئيسا للقسم الأدبي في دار الكتب ووصل إلى منصب وكيل دار الكتب أي الرجل الثاني في هذه الدار . وحصل على الباكوية عام \1912.
أطلق عليه لقب شاعر النيل وعمل فترة في المحاماة. وكان يلم بالفرنسية وترجم كتاب ( البؤساء) لفيكتور هيجو ، وإشترك مع الشاعر خليل مطران في ترجمة كتاب (موجز الإقتصاد)، وعندما عمل الشرطة كان ملاحظا لمركز بني سويف ولمركز الإبراهيمية.

حافظ إبراهيم أحد أعاجيب زمانه، حيث كان كثيرالحفظ او شديد القوة على الحفظ والتذكر ليس فى جزالة شعره فحسب بل فى قوة ذاكرته التى قاومت السنين ولم يصيبها الوهن والضعف على مدى\ 60 سنة هى عمر حافظ إبراهيم، فإنها ولا عجب إتسعت لآلاف الآلاف من القصائد العربية القديمة والحديثة ومئات المطالعات والكتب وكان بإستطاعته – بشهادة أصدقائه – أن يقرأ كتاب أو ديوان شعر كامل فى عده دقائق وبقراءة سريعة ثم بعد ذلك يتمثل ببعض فقرات هذا الكتاب أو أبيات ذاك الديوان. وروى عنه بعض أصدقائه أنه كان يسمع قارئ القرآن فى بيت خاله يقرأ سورة الكهف أو مريم او طه فيحفظ ما يقوله ويؤديه كما سمعه

يعتبر شعره سجل الأحداث، يسجلها بدماء قلبه وأجزاء روحه ويصوغ منها أدبا قيما يحث النفوس ويدفعها إلى النهضة الحديثة فقد كان يتربص كل حادث هام يعرض فيخلق منه موضوعا لشعره ويملؤه بما يجيش في صدره.

كان حافظ إبراهيم رجل مرح النفس صاحب نكتة وسريع البديهة يملأ كل مجلس ببشاشته و فكاهاته الطريفة التى لا تخطأ مرماها.

و تروى عن حافظ أبراهيم مواقف غريبة مثل تبذيره الشديد للمال فقد قال عنه صاحبه عباس محمود العقاد ( مرتب سنة فى يد حافظ إبراهيم يساوى مرتب شهر )
كان لحافظ إبراهيم طريقته الخاصة في ايصال فكرته وقصيده الى الناس اذ لم يكن حافظ يتمتع بقدر كبير من الخيال ولكنه أستعاض عن ذلك بجزالة الكتابة وترتيب الجمل وتراكيب الكلمات وحسن الصياغة وقيل انه يتمتع بقوة وقدرة حسن في إنشادهً للشعر. ومن أروع المناسبات التى أنشد حافظ فيها شعره بكفاءة هى حفلة تكريم أحمد شوقى ومبايعته أميراً للشعر فى دار الأوبرا، وأيضاً القصيدة التى أنشدها في تابيم مصطفى كامل ومما يبرهن ذلك ذلك المقال الذى نشرته أحدى الجرائد والذى تناول بكامله فن إنشاد الشعر عند حافظ. وكان عكس الشاعر أحمد شوقى البذي قيل عنه انه لم يلقي فى حياته قصيدة على ملأ من الناس حيث كان الموقف يرهبه 0

وقد تزوج حافظ بعد عودته من السودان من إحدى قريبات زوجة خاله. ولكنها لم تطق طبيعة حياة حافظ المنطلقة وإنتهى الأمر بالفراق بعد بضعة أشهر ولم يتزوج بعدها 0
وله قصيدة عن لسان صديقه يرثي ولده، جاء في مطلعها :

ولدي، قد طال سهدي ونحيبي
جئت أدعوك فهل أنت مجيبي؟

جئت أروي بدموعي مضجعا
فيه أودعت من الدنيا نصيبي


حافظ ابراهيم من الشعراء ا لمصريين والمشهورين ولد
يوم كا ن الاستعمار الانكليزي يجثم على بلده ونار الثورة تلتهب بقيادة احمد عرابي باشا نشا بهذا الخضم الجسيم من الاحداث ولقب بشاعر النيل لاءنه كان لسان قومه المعبر عما يكنه او يعلنه هذا الشعب العربي بمصر من ثورةعارمة على الاستعمار فكان لاتمر حادثة الا وسجلها في شعره فاصبح شعره تاريخا للفترة التي عايشها هذا الشاعر وقد عين رئيسا لدار الكتب المصرية
يقول عنه مطران خليل مطران (أشبه بالوعاء يتلقى الوحى من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها فى نفسه, فيمتزج ذلك كله بشعوره و إحساسه، فيأتى منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذى يحس كل مواطن أنه صدى لما فى نفسه).
شكلت لجنة يرأسها (أحمد أمين) عميد كلية الآداب جامعة فؤاد الأول وقتذاك. وعد الوزير إلى اللجنة بجمع قصائد (حافظ إباهيم) وشرحها وإعداد الديوان لتقوم وزارة المعارف بطباعته على نفقتها. وكتب مقدمة الطبعة الأولى (أحمد أمين) ، ونشرت الديوان (دار الكتب) التي كانت تابعة لوزارة المعارف عام \1937. وصدرت الطبعة الثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام \1980م. كان من ميزات حافظ أنه يحسن إلقاء الشعر ، ويتولى إلقاء شعره بنفسه
سافر حافظ إبراهيم إلى سوريا، وعند زيارته للمجمع العلمي بدمشق قال هذين البيتين:

شكرت جميل صنعكم بدمعي
ودمع العين مقياس الشعور

لاول مرة قد ذاق جفني
- على ما ذاقه - دمع السرور

لاحظ الشاعر مدى ظلم المستعمر وتصرفه بخيرات بلاده فنظم قصيدة بعنوان الامتيازات الأجنبية‏، ومما جاء فيها:

سكتُّ فأصغروا أدبي
وقلت فاكبروا أربي

يقتلنا بلا قود
ولا دية ولا رهب

ويمشي نحو رايته
فنحميه من العطب

فقل للفاخرين: أما
لهذا الفخر من سبب؟

أروني بينكم رجلا
ركينا واضح الحسب

أروني نصف مخترع
أروني ربع محتسب؟

أروني ناديا حفلا
بأهل الفضل والأدب؟

وماذا في مدارسكم
من التعليم والكتب؟

وماذا في مساجدكم
من التبيان والخطب؟

وماذا في صحائفكم
سوى التمويه والكذب؟

حصائد ألسن جرّت
إلى الويلات والحرب

فهبوا من مراقدكم
فإن الوقت من ذهب


توفي حافظ إبراهيم 21 تموز عام \ 1932 ودفن في مقابر السيدة نفيسة (رضي الله عنها).
حافظ ابراهيم مات فقيرا معدما و تمجد بالامة العربية وابطالها ودعى الى ا لتحرر من العادات العادات القديمة التي لاتنسجم اجتماعيا مع التطور الجديد والتحلي بالخلق الكريم
يتميز شعره بالروح الوطنية الوثابة نحو التحرر سهل المعاني واضح العبارة قوي الاسلوب متين البناء اجاد في كل الاغراض الشعريةالمعروفة ومن قوله يخاطب الشباب العربي المصري يقول \

اهلا بنابتة البلاد ومرحبا
جددتم العهد الذي قد اخلقا

لاتياءسوا ان تستردوا مجدكم
فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى

مدت له الامال كم افلاكها
خيط الرجاء الى العلى فتسلقا

فتجشموا للمجد لك عظيمة
ان راءيت المجد صعب المرتقى

من رام وصل الشمس حاك خيوطها
سببا الى اماله وتعلقا

حملوا عليما بالزمان وصرفه
فتانقوا في سلبنا وتاءنقا

هزوا مغاربها فهابت باءسهم
ياويلك ان لم تهزوا المشرقا

فتعلموا فالعلم مفتاح العلا
لم يبق بابا للسعادة مغلقا

ثم استمدوا منه كل قواكم
ان القوي بكل ارض ينتقى

وامشوا على حذر فاءن طريقكم
وعر اطاف به الهلا ك وحلقا


ومن آثاره الادبية
الديوان.
البؤساء: ترجمة عن فكتور هوغو.
ليالي سطيح في النقد الاجتماعي.
في التربية الاولية.
الموجز في علم الاقتصاد.

ومن شعره أيضاً:

كم مر بي فيك عيش لست أذكره
ومر بي فيك عيش لست أنساه

ودعت فيك بقايا ما علقت‏ به
من الشباب وما ودعت ذكراه

أهفو إليه على ما أقرحت كبدي
من التباريج أولاه وأخراه

لبسته ودموع العين طيعة
والنفس جياشة والقلب أواه

فكان عوني على وجد أكابده
ومر عيش على العلات ألقاه

إن خان ودي صديق كنت أصحبه
أو خان عهدي حبيب كنت أهواه

قد أرخص الدمع ينبوع الغناء به
وا لهفتي ونضوب الشيب أغلاه

كم روح الدمع عن قلبي وكم غسلت
منه السوابق حزنا في حناياه

قالوا تحررت من قيد الملاح فعش
حرا ففي الأسر ذلّ كنت تأباه

فقلت‏ يا ليته دامت صرامته
ما كان أرفقه عندي وأحناه

بدلت منه بقيد لست أفلته
وكيف أفلت قيدا صاغه الله

أسرى الصبابة أحياء وإن جهدوا
أما المشيب ففي الأموات أسراه


*************************************












خليل مطران
شاعر القطرين


ولد الشاعر خليل بن عبده بن يوسف مطران في الاول من حزيران من عام 1872 في مدينة بعلبك من اعمال لبنان
تلقى دروسه التعليمية الاولية بالمدرسة البطريركية في بيروت ثم درس العربية وبلاغتها وادابها وقواعدها على يدي استاذيه الاثرين الاخوين ابراهيم وخليل ولدي ناصيف اليازجي وبعد اكتمال دراسته للعربية سافرالى فرنسا حيث انكب على دراسة الادب الغربي في المدارس الفرنسية في باريس والاطلاع على ما كتبه الشعراء الغربيون وخاصة الفرنسيين منهم في مجال الادب والثقافة وهناك اطلع على اشعار الشاعر الفرنسي الشهير فكتور هيجو
خليل مطران شاعر لبناني ومصري ولد في لبنان ودرس فيها حتى اكتمل فعاش في مصرحتى مات فيها 0 عرف بغوصه في بحور المعاني العربية واساليبها وتراكيب مفرداتها وجمعه بين الثقافة العربية والأجنبية، وكان من كبار الكتاب كتب في الادب والتاريخ والترجمة،اضافة الى الشعر0 كثيرا ما شبهه الادباء العرب بالأخطل لتشابه اسلوبه الشعري بقصائد الاخطل ووصفوه ايضا ان موقعه الشعري يتوسط بين الشاعرين حافظ وشوقي،
. عرف مطران بغزارة معلوماته وسعة اطلاعه بالأدب الفرنسي والانجليزي اي في الادب الغربي، هذا بالإضافة لرقة طبعه ومسالمته وهو الشيء الذي انعكس على أشعاره، أُطلق عليه لقب (شاعر القطرين) وبعد رحيل الشاعرين حافظ وشوقي لقب خليل مطران (شاعر العربية).
مرض خليل مطران في القاهرة واشتد به المرض حتىوافته المنية في اجله المحتوم في الاول تموز سنة \1949 في القاهرة وهكذا شهدت مصر وفاته كما شهدت لبنان ولادته فهو بحق شاعرالقطرين 0
دعا خليل إلى التجديد في الأدب العربي والشعر خاصة فكان أحد الرواد الذين اخرجوا الشعر العربي من أغراضه التقليدية والفاظه البدوية التي كانت يتغنى بها الشعراء العرب ويحافظون عليها إلى أغراض حديثة تنسجم وطبيعة العصر وحداثته ونهضته امة ، مع الحفاظ على أصول اللغة والتعبيرفي النحو والصرف والبلاغة والبحور الشعرية، ويعتبر من اوائل الذين كتبوا الشعر القصصي والتصويري او المسرحي في الأدب العربي.
. خليل مطران يتميز بحسه الوطني فقد شارك في كثير من الحركات الوطنية التي أسهمت في تحرير الوطن العربي، وانتقل من باريس الى مصر ليكون في احضان القاهرة ، حيث عمل كمحرر بجريدة الأهرام لعدد من السنوات، ثم قام بإنشاء (المجلة المصرية) ومن بعدها جريدة (الجوانب المصرية) اليومية والتي كان فيها مناصرا لزعيم الثورة المصرية مصطفى كامل باشا في حركته الوطنية ضد الاستعمار و في سبيل النهضة العربية وتقدم الشعب العربي في مصر وقد استمرفي إصدارها على مدى اربعة اعوام ، وقام بترجمة العديد من الكتب. لاحظه يقول في احدى قصائده الثائرة
شـرِّدُوا أَخْـيَـارَهَـا بَحْراً وَبَرا
وَاقْـتُـلـوا أَحْرَارهَا حُرّاً فَحُرَّا


إِنَّـمـا الـصَّـالِـحُ يَـبْقَىصَالِحاً
آخِـرَ الدَّهْرِ وَيَبْقَى الشَّرُّ شَرَّا

كَـسرُوا الأَقْلامَ هَلْ تَكْسِيرُهَا
يَمْنَعُ الأَيْدي أَنْ تَنْقُشَ صَخْرَا

قَـطِّـعُـوا الأَيْـديَ هَـلْ تَقْطِيعُها
يَـمنَعُ الأَعْيُنَ أَنْ تَنْظُرشزراَ

أَطْـفِـئُوا الأَعْيُنَ هَلْ إِطْفَاؤُهَا
يَمْنَعُ الأَنْفَاسَ أَنْ تصْعَدَ زَفْرَا

أَخْـمِـدُوا الأَنْفَاسَ هَذَا جُهْدُكمْ
وَبِـه مَـنْـجـاتُـنَـا مِـنْكُمْ فَشكْرَا

خلال فترة إقامته في مصر عهدت إليه وزارة المعارف المصرية بترجمة كتاب الموجز في علم الاقتصاد بالاشتراك مع الشاعر حافظ إبراهيم، وصدر له ديوان شعر مطبوع في أربعة أجزاء عام\ 1908،
ونظراً لجهوده الأدبية المميزة قامت الحكومة المصرية بعقد مهرجان ادبي لتكريمه حضره كثير من الأدباء والمفكرين من بينهم الأديب الكبير طه حسين.
اهتم مطران بالشعر القصصي والتصويرياو المسرحي والذي تمكن من استخدامه للتعبيروالغور في التاريخ والحياة الاجتماعية العامة التي يعيشها الناس، فاستعان بقصص التاريخ وقام بعرض أحداثها بخياله الخاص، بالإضافة لتعبيره عن الحياة الاجتماعية، وكان مطران متفوقاً في هذا النوع من الشعر فكان يصور الحياة البشرية من خلال خياله الخصب مراعياً جميع أجزاء القصة.
عمل مطران على ترجمة مسرحيات شكسبير وغيرها من الأعمال الأجنبية، كما كان له دور فعال في النهوض بالمسرح القومي بمصر.
عرف مطران كواحد من رواد حركة التجديد، وصاحب مدرسة متجددة في الشعر والنثر،و تميز أسلوبه الشعري بالصدق الوجداني والأصالة العربية والنمغمة الموسيقية، ويعد مطران من مجددي الشعر العربي الحديث، و من مجددي النثر فأخرجه من الأساليب الأدبية القديمة.
قدم خليل مطران للمكتبة العربية العديد من الكتب النادرة في النثر منها\
ينابيع الحكمة
والأمثال،
ديوان الخليل،
إلى الشباب
و العديد من المترجمات لكل من شكسبير، وفيكتور هوجو. اضافة الى ديوانه الشعري الكبير
حاكى الشاعر خليل مطران في بداياته الشعرية شعراء عصره في أغراض الشعر التقليدية من غزل مدح ورثاء، الا انه أستقر على اسس المدرسة الرومانسية والتي تأثر فيها بثقافته الاجنبية الفرنسية،فقد عنى خليل مطران بالخيال الشعري والايحاء ، وأثرت مدرسته الرومانسية الجديدة على العديد من الشعراء في عصره ومن شعره الرومانسي هذه الابيات التي انشدها عندما سئل عن حبيبته \

يَا مُنَى الْقَلْبِ وَنُورَ العَيْنِ مُذْ كُنْتُ وَكُنْتِ

لَمْ أَشَأْ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ بِمَا صُنْتُ وَصُنْتِ

وَلِـمَـا حَـاذَرْتُ مِـنْ فِـطْـنَـتِـهِمْ فِينَا فَطِنْتِ

إِنَّ لَـيْـلاَيَ وَهِـنْـدِي وَسُـعَادِي مَنْ ا نَنْتِ

تَـكْـثُـرُ الأَسْـمَـاءُ لَـكِنَّ المُسَمَّى هُا أَنْتِ

شهدت حياة مطران جل الأحداث السياسية والوطنية والاجتماعية الهامة في العالم العربي وكان بالغ التأثر بها وعبر عن الكثير منها من خلال قصائده، وعرف فيها برقة مشاعره واحساسه العالي الأمر الذي نراه منعكسا في قصائده فكانت، اشبه بمراة نرى فيها الاحداث على حقيقتها وقد تميزت بنزعة إنسانية ممزوجة بروح عربية وطنية كما كان للطبيعة نصيب في شعره كبير عبر عنها وتغنى بها في الكثير من قصائده شعره بالوصف، وقدم الكثير القصائد الرومانسية

تعد قصيدة (المساء) من أشهر قصائد مطران رومانسية
يقول فيها:

داءٌ ألَمَّ فَخِلْتُ فِيهِ شَفَائِي
مِنْ صَبْوَتِي فَتَضَاعَفَتْ بُرَحَائِي

يَا لَلضَّعِيفَيْنِ اسْتَبَدَّا بِي وَمَا
فِي الظُّلْمِ مِثْلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ

قَلْبٌ أَذَابَتْهُ الصَّبَابَةُ وَالْجَوَى
وَغِلاَلَةٌ رَثَّتْ مِنِ الأَدْوَاءِ

وَالرُّوْحُ بيْنَهُمَا نَسِيمُ تَنَهُّدٍ فِي
حَالَيَ التَّصْوِيبِ وَ الصُّعَدَاءِ

وَالعَقْلُ كَالمِصْبَاحِ يَغْشَى نُورَهُ
كَدَرِي وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائِي

هَذَا الَّذِي أَبْقَيْتِهِ يَا مُنْيَتِي
مِنْ أَضْلُعِي وَحَشَاشَتِي وَذَكَائِي

عُمْرَيْنِ فِيكِ أَضَعْتُ لَوْ أَنْصَفْتِنِي
لَمْ يَجْدُرَا بِتَأَسُّفِي وَبُكَائِي

عُمْرَ الْفَتَى الْفَانِي وَعُمْرَ مُخَلَّدٍ
بِبيَانِهِ لَوْلاَكِ في الأَحْيَاءِ

إِنِّي أَقَمْتُ عَلى التَّعِلَّةِبِالمُنَى
فِي غُرْبَةٍ قَالوا تَكُونُ دَوَائِي

إِنْ يَشْفِ هَذَا الْجِسْمَ طِيبُ هَوَائِهَا
أَيُلَطَّف النِّيرَانَ طِيبُ هَوَاءِ

أَوْ يُمْسِكِ الْحَوْبَاءَ حُسْنُ مُقَامَهَا
هَلْ مَسْكَةٌ فِي البُعْدِ للْحَوْبَاءِ

عَبَثٌ طَوَافِي فِي الْبِلاَدِ وَعِلَّةٌ
فِي عِلَّةٍ مَنْفَايَ للاِسْتشْفَاءِ

مُتَفَرِّدٌ بِصَبَابَتِي مُتَفَرِّد
بِكَآبَتِي مُتَفَرِّدٌ بَعَنَائِي

شاكٍ إِلى البَحْر اضْطَرابَ خَوَاطِرِي
فَيُجِيبُنِي بِرِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ

ثاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمَّ وَلَيْتَ لِي
قَلْباً كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ

يَنْتَابُهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ مَكَارِهِي
وَيَفُتُّهَا كَالسُّقْمِ فِي أَعْضَائِي

وَالبَحْرُ خَفَّاقُ الْجَوَانِبِ ضَائِقٌ
كَمَداً كصَدْرِي سَاعَةَ الإِمْسَاءِ

تَغْشَى الْبَريَّةَ كُدْرَةٌ وَكَأَنَّهَا
صَعِدَتْ إِلى عَيْنَيَّ مِنْ أَحْشَائي

وَالأُفْقُ مُعْتَكِرٌ قَرِيحٌ جَفْنُهُ
يُغْضِي عَلَى الْغَمَرَاتِ وَالأَقْذَاءِ

يا لَلْغُرُوبِ وَمَا بِهِ مِنْ عِبْرَةٍ
للِمْسْتَهَامِ وَعِبْرَةٍ لِلرَّائي

أَوَلَيْسَ نَزْعاً لِلنَّهَارِ وَصَرْعَةً
لِلشَّمْسِ بَيْنَ مَآتِمِ الأَضْوَاءِ

أَوَلَيْسَ طَمْساً لِلْيَقِينِ وَمَبْعَثاً
للِشَّكِّ بَيْنَ غَلاَئِلِ الظَّلْمَاءِ

أَوَلَيْسَ مَحْواً لِلْوُجُودِ إِلى مَدىً
وَإبَادَةً لِمَعَالِمِ الأَشْيَاءِ..

***********************











معروف الرصافي

معروف عبد الغني الرصافي ولد ببغداد سنة\ 1294 هجرية 1875 ميلادية ودرس في الكتاتيب فيها ومن ثم في المدرسة الرشيدية
درس الادب العربي في جامع الفضل حيث أتصل بالشيخ العلامة محمود شكري الألوسي ولازمهُ أثنتي عشرة سنة، وتخرج عليهِ وكان يرتدي العمامة وزي العلماء وسماهُ شيخهُ الألوسي (معروف الرصافي) ليكون في الصلاح والشهرة والسمعة الحسنة، مماثلا لمعروف الكرخي.

عين الرصافي معلماً في مدرسة الراشدية التي أنشأها الشيخ عبد الوهاب النائب، شمال الأعظمية، ثم نقل مدرساً للأدب العربي في الأعدادية المركزية ببغداد، أيام الوالي نامق باشا الصغير عام \ 1902م، وظل فيها حتى أعلان الدستور العثماني عام\ 1908م،

ثم سافر إلى اسطنبول لعله يحضى برعاية الحكومة العثمانية الاانه لم يحظ برعايتها فرجع ،
ثم عين مدرساً لمادة اللغة العربية في الكلية الشاهانية ومحرراً لجريدة\ سبيل الرشاد عام 1909م

انتخب عضوا في مجلس( المبعوثان ) العثماني مرتين في عامي \1912 و\1914 وكذلك انتخب عضوا في مجلس النواب العراقي مرات عديدة
اشتغل مدرسا في دار المعلمين العالية ببغداد و مفتشا في وزارة المعارف العراقية الا انه عزف عن العمل الحكومي بعد ذلك وعاش منزويا في داره وقد حاق به الفقر في اخرايامه حتى قيل انه قام بيع السكاير المفردة للعيش مما تدره عليه لعدم تمكنه من العمل ولايوجد له من يعيله في كبرسنه

عين مدرساً في دار المعلمين في القدس عام 1920م، وعاد إلى بغداد عام 1921م.
وعندما احتل الإنجليز العراق سنة 1920م، سرعان ما نصبوا فيصلا بن الحسين ملكاً على البلاد وأصدروا دستورا وأنشئوا برلمانا وأصبحت أمور البلاد بأيديهم فثار الشعب العراقي بوجه الاستعمار البريطاني وبضمنهم الشاعر الرصافي حيث كانت قصائده تلتهب نارا ثورية مستعرة وقد هزء بسخرية من الانكليز واذنابهم ومما قاله قصيدته التي جاء فيها:

علم ودستور ومجلس أمة
كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها
أما معانيها فليست تعرف

من يقرأ الدستور يعلم أنه
وفقا لصك الانتداب مصنف

فالدستور الذي سن في نظره ما هو إلا وثيقة جديدة للانتداب الذي فرضه الإنجليز على العراق، دستور مزيف وعلم الدولة مزيف هو الآخر، وحتى المجلس الذي يسمى بمجلس الأمة أيضا كان مزيفا، ثم نلاحظ الشاعر الرصافي يصرخ ساخرا ويقول:

يا قوم لا تتكلموا
إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوم

وتأخروا عن كل ما
يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهم جانبا
فالخير أن لا تفهموا

أما السياسة فاتركوا
أبـدا ً ولا تنـدموا

سافر إلى الإستانة( استانبول ) عام \ 1922م، وعاد إلى بغداد عام \ 1923م، وأصدر فيها جريدة (الأمل) وأنتخب عضواً في مجمع اللغة العربية في دمشق، عام \ 1923م، وبعد ذلك عين مفتشاً في مديرية المعارف ببغداد عام \ 1924م، ثم عين أستاذاً في اللغة العربية بدار المعلمين العالية عام \ 1927م.

عاصر معروف الرصافي الشاعرَ العراقي جميل صدقي الزهاوي وقد دعى كلاهما إلى تحرير المرأة ونزع الحجاب (العباءة) التي كانت ولا تزال مستخدمة في العراق..

اختلف الرصافي والزهاوي وتشنج احدهما من الاخر كثيرا واختلفت الاراء الا ان هذه الحالة كللت بالصلح بينهما قبل وفاتهما في جلسة اصلح بينهما السيد محمود صبحي الدفتري في داره في الحيدرخانة وقد حضر الجلسة المفكرون ورجال الثقافة منهم \ عبد العزيز الثعالبي وروفائيل بطي وفؤاد السمعاني والعلامة محمد بهجت الأثري.
ارتحل الرصافي من بغداد الى الفلوجة التي تبعد عنها قرابة \80كم بعد أن سئم الحياة في بغداد، ونزل في ضيافة آل عريم ، الذين أنزلوه أحد منازهم المطلة على نهر ولغرض التفرغ للمطالعة والكتابة فكان يمضي مدة الصباح حتى الظهر بالكتابة
أن الملك فيصل الاول قد اجتمع مع الرصافي في مجلس عام عاتبه على بيته الذي يقول فيه-( يعدد أياماً ويقبض راتباً) فقال له \ يامعروف أنا الذي أعدد أياماً وأقبض راتباً فأجابه الرصافي أرجو أن لاتكون كذلك ياصاحب الجلالة



يتميز شعره بسهولة الالفاظ وجزالتها وعلو الاسلوب وقد اشتهر بالشعر السياسي وقارع الاستعمار الانكليزي كثيرا وناضل في سبيل تحرير بلده وامته.و برع في الوصف والغزل والمدح والفخر وحث على تاءسيس المدارس والمعاهد والثورة على التاءخر والانحطاط الاجتماعي
لاحظ قصيدته اذ يقول:

ابنوا المدارس واستقصوا بها الأملا
حتى نطـاول في بنيانها زحلا

جودوا عليها بما درت مكاسبكم
وقابلـوا باحتقار كل مـن بخلا

لا تجعلوا العلم فيها كـل غايتكم
بل علموا النش‏ء علما ينتج العملا

ربـوا البنيـن مع التعليم تربية
يمسي بهـا ناطق الدنيا به المثلا

فجيشوا جيش علم من شبيبتنـا
عرمرما تضـرب الدنيا به المثلا

أنا لمن أمة في عهد نهضتنا
بالعلم والسيف قبلا انشات دولا

ارتحل الرصافي من بغداد الى الفلوجة التي تبعد عنها قرابة \80كم ارتحل إلى هناك بعد أن سئم الحياة في بغداد، ولغرض التفرغ للمطالعة والكتابة فكان يقضي وقته من الصباح حتى الظهر بالكتابة والتاليف
اشتغل مدرسا في دار المعلمين العالية ببغداد و مفتشا في وزارة المعارف العراقية الا انه عزف عن العمل الحكومي بعد ذلك وعاش منزويا في داره وقد حاق به الفقر في اخرايامه حتى قيل انه قام بيع السكاير المفردة للعيش مما تدره عليه لعدم تمكنه من العمل ولايوجد له من يعيله في كبرسنه 0


توفي الرصافي بدارهِ في محلة السفينة في الأعظمية ليلة الجمعة في ربيع الثاني عام1364هـ/16 مارس 1945م، وشيع بموكب مهيب سار فيهِ الأدباء والأعيان ورجال الصحافة ودفن في مقبرة الخيزران
شيد للشاعرالرصافي نصبا تذكاريا تمثالاً في الساحة المقابلة لجسر الشهداء عند تقاطع الشارع الاتي من صوب الكرخ عبر جسر الشهداء مع شارع الرشيد القريب من سوق السراي ( سوق الرواقين ) والمدرسة المستنصرية الأثرية في بغداد وسميت الساحة باسمه ( ساحة الرصافي ) ولايزال التمثال يزين الساحة قائما بها .

برع في الوصف والغزل والحكمة والفخر وحث على تاءسيس المدارس والمعاهد والثورة على التاءخر والانحطاط ومن قصيدة له في وصف غروب الشمس هذه الابيات

نزلت تجرالى المغيب ذيولا
صفراء تشبه عاشقا متبولا

تهتز بين يد المغيب كاءنها
صب تململ في الفراش عليلا

ضحكت مشارقها بوجهك بكرة
وبكت مغاربها الدماء اصيلا

قد حان في نصف النهار دلوكها
هبطت تزيد على النزول نزولا

حتى دنت نحو المغيب ووجهها
كالورس حال به الضياء حيولا

وغدت باقصى الافق مثل عرارة
عطشت فابدت صفرة وذيولا

غربت فابقت كالشواظ عقيبها
شفقا بحاشية السماء طويلا

شفق يروع القلب شاحب لونه
كالسيف ضمخ بالدما مسلو لا


يحكي دم المظلوم مازج ادمعا
هملت يها عين اليتيم همو لا

رقت اعاليه واسفله الذي
في الافق اشبع عصفرا محلو لا



----------------------------------------------

























امين الريحاني
فيلسوف الفريكة
.
هو أمين بن فارس بن أنطوان بن يوسف بن المطران باسيل البجاني

ولد في 24 أكتوبر / تشرين الاول\ 1876 في بلدة (الفريكة) من قرى منطقة المتن الشمالي في جبل لبنان، وهو من أسرة مارونية تعود بجذورها إلى قرية (بجّة) في بلاد جبيل اللبنانية.
انتقلت اسرته منذ حوالي منتصف القرن السابع عشر إلى ضيعة (بيت شباب) في هذا المتن، ومنها إلى (الشاوية) مع المطران باسيليوس عبد الأحد سعادة البجاني، الجد الثاني لوالد أمين، ويحكى أن منزل الأسرة هناك كان محاطا بشجر(الآس) أو الريحان ومن هذه عرف ببيت الريحاني.
والد فارس انطون الريحاني من الشاوية، ووالدته أنيسة جفال طعمه من (القرنة الحمراء)
عمل والده في تجارة الحرير ونمت عائلته حتى أصبحت تضم ستة أولاد هم على التوالي: أمين (البكر)،و سعدىو أسعد، ويوسف و أدال و ألبرت. ومما يؤثر عنه ان طفولة أمين عرفت شقاوة مميزة بين الصبية لحدة في طبعه فقد كان كثيرا ما يعود إلى المنزل بعد عراك مع رفاقه، أو بعد تلاسن واقتتال بسبب اللعب مع أولاد القرية، وقلما كان يرضخ لإرادة ذويه، وكثيرا ما كان يصر على ما يريد، و قيل انه إذا زار معمل والده فانه يزوره ليس للعون والمساعدة، بل لفضول عنده لمعرفة ما يجري، فيستمع ويراقب الفتيات العاملات، وحين يصلين يجد نفسه خارج الجمع فلا يشارك في الصلاة، ولعل طبعه هو الذي دفعه من حيث لا يدري إلى التذمر والإنزعاج من أمور كان يصادفها في البيت ومعمل الحرير وازقة القرية، ومما يذكره شقيقه ألبرت: أن أمينا في طفولته ما كان ليتقيد بالشعائر الدينية أسوة بوالدته.

كانت نشأة امين الدراسية الأولى غير منتظمة، ولم تكن مادة الدراسة تختلف عن مادة الكتيبات الأولية المتداولة في مدرسة (تحت السنديانة) في ذلك الزمان كانت أولى دروسه الإبتدائية على يد معلم القرية، أمام كنيسة (مار مارون) المجاورة لمنزل والده شتاء وتحت زيتونة هرمة قرب العينفي الخريف والربيع.
يذكر الريحاني عن هذه الفترة من تعليمه أنه كان يقرأ كراسة الأبجدية، والمزمور الأول من مزامير داوود على يد الشدياق- متى، تحت الجوزة في الساحة السفلى من (بيت شباب) وينتقل إلى مدرسة (نعوم مكرزل) حيث يتلقن مبادئ الفرنسية إلى جانب القراءة العربية والحساب والجغرافية، وقد عرف خلال دراسته بذكائه وتفوقه على أترابه.
أرسله والده في صيف\ 1888 مع عمه إلى أمريكا وكان عمره اثنتي عشرة سنة، وفيها تعلم مبادئ اللغة الإنكليزية، وبرز ميله إلى المطالعة. ثم ترك المدرسة ليتسلم مهمة المحاسبة في متجر عمه في مدينة ( منهاتن) الامريكية 0

اندفع الريحاني إلى المطالعة ليل نهار، فاطلع على أعمال الشعراء والكتاب أمثال شكسبير وهيجو وسبنسر وهاكسلي وكارليل وآخرين من المعاصرين والقدامى،وفي عام \1895التحق بفرقة تمثيل محلية بعد أن ولدت فيه المطالعات ميلاً إلى فن التمثيل، حيث بقي فيها ثلاثة أشهر، ثم تركها لأسباب مجهولة لم تعرف واخالها نفسية


وفي عام\ 1897 التحق بمعهد الحقوق في جامعة نيويورك، واستمر فيه سنة الا انه احس بالمرض فأشار عليه الطبيب بالعودة إلى لبنان، فعاد إليه عام \1898، وهناك درس الإنكليزية في مدرسة أكليريكية، وتعلم اللغة العربية بالمقابل وبدأ في كتابة المقالات في جريدة (الإصلاح) التي اتخذها منبراً للهجوم على الدولة العثمانية.

وفي عام \ 1899 رجع الريحاني إلى أمريكا فاشتغل بالتجارة والأدب، وبدأ في إصدار الكتب وكان أولها كتاب ( موجز الثورة الفرنسية)، كما ترجم إلى الإنكليزية مختارات من شعر الشاعر والفيلسوف العربي - أبي العلاء المعري، ومنذ ذلك الحين كرس حياته للكتابة، وفي هذا الإطار تعترف صحيفة (الأوبزرفر) اللندنية بأن (أمين الريحاني هو أول من كتب كتباً بالإنجليزية عن البلاد العربية والشرق الأدنى).

وفي سنة \1904 عاد الريحاني إلى لبنان مروراً بمصر، فزار الخديوي عباس حلمي، واتصل بأبرز الأدباء والزعماء السياسيين، وتباحث معهم في أحوال الشرق العربي الاجتماعية والسياسية والفكرية ووسائل النهوض بها،
في لبنان تابع نشاطه الفكري والاجتماعي الكثيروالمتعدد الأوجه، وأصبحت صومعته في قريته (الفريكة) ملتقى عشرات الأدباء من أمثال: محمد كرد علي وبيرو باولي والأخطل الصغير والشيخ مصطفى الغلاييني وغيرهم، كما كان ينتقل من مدينة إلى أخرى يلقي الخطب داعياً إلى الحرية ومهاجماً الإقطاع والخضوع للاستعمار والجهل، ويحاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت وفي معاهد أخرى في لبنان وسوريا، ويكتب وينشر في المجلات والجرائد العربية والإنكليزية.


وفي سنة\ 1911 قفل أمين الريحاني راجعاً إلى نيويورك ليطبع كتابه (كتاب خالد)، ومنذ ذلك الحين أصبح يتنقل بين نيويورك وبلدته الفريكة. وأصبح معروفا في أمريكا وإنكلترا وكندا، وكذلك في أوروبا والشرق الأدنى والبلاد العربية.
في الحرب العالمية الأولى كان الريحاني أحد أعضاء (اللجنة السورية ـ اللبنانية) التي مارست نشاطاً سياسياً ضد السيطرة التركية. ومما يذكر ايضا اشتراك الريحاني سنة \1918 في مؤتمر انعقد في واشنطن من أجل الحد من التسلح، وقد زار أوروبا عدة مرات حيث التقى في إحدى زياراته الفيلسوف (ولز) صاحب النظرية المستقبلية و جرى نقاش ووجهات نظر بينهما حول الشرق والغرب.

في عام \1911 جرى اختيار أمين الريحاني عضواً مراسلاً للمجمع العربي بدمشق، وكان عضواً في جمعية الشعراء الأمريكيين وفي منتدى الصحافة النيويوركية ونادي المؤلفين الأمريكيين والجمعية الشرقية الأمريكية، كما اختاره معهد الدراسات العربية في المغرب الأسباني رئيس شرف له.

في عام\ 1922 بدأ رحلته الى الجزيرة العربية حيث قابل فيها شريف مكة - الحسين بن علي وسلطان قبائل حاشد والإمام يحيى إمام اليمن وعبد العزيز آل سعود امير نجد وأمير الكويت أحمد الجابر الصباح وشيخ البحرين أحمد بن عيسى وفيصل الأول ملك العراق ووثق ذلك كتابة عن رحلاته بالعربية والإنجليزية وشرح قضابا العرب في أمريكا وطالب باستقلال لبنان من الاستعمار الفرنسي وطرده من لبنان الامر الذي جعلت فرنساتقرر نفيه خارج لبنان 0 فنفته إلى العراق ولم يعد إلا بعد ضغط كبير من الجاليات العربية في المهاجر. حيث عاد منها عام \1934
تأثر امين الريحاني كثيرا بمبادئ الثورة الفرنسية وإنتقد المادية الغربية وكان معجبا بنشاط الأميريكين وقد كان مؤثرا في كتاباته في الأوساط الأميركية والغربية وقد كتب عن الرقي ومعناه وعن الحياة السياسية والإجتماعية وكان يحض المغتربين على التطوع للدفاع عن أوطانهم واستقلال بلادهم وقد تأثر بفلسفة شكسبير وكارليل وفولتير.
وخلال السنوات مابين\ 1927 ـ 1939، حاضر الريحاني في الولايات المتحدة الأمريكية حول مخاطر الدور الصهيوني في الوطن العربي، وشن حرباً ثقافية شديدة الوقع دفاعاً عن الحرية والتحرر والحقوق الإنسانية، وقد طلب إليه الحاج أمين الحسيني أن يشترك في الوفد الفلسطيني لمفاوضة الحكومة البريطانية فاعتذر 0

أمين فارس أنطوان الريحاني اديب و شاعر و باحث و مؤرخ و كاتب و روائي وقصصي و مسرحي و رحالة و سياسي و عالم آثار و ناقد ادبي و خطيب و رسام كاركتير اضافة الى انه داعية من دعاة الإصلاح الإجتماعي، وعملاق من عمالقة الأدب العربي وواحد من رجال الفكروالثقافة العربية والعالمية، وقد لقب بفيلسوف الفريكة
في 15 أغسطس آب عام \1947 تعرض أمين الريحاني لحادث إثر سقوطه عن دراجة اعتاد أن يركبها على طرقات الجبل حول بلدته الفريكة وأدخل المستشفى
توفي في 12 سبتمبر عام\ 1947 . ودفن في بلدته الفريكة
أقيم له تمثالاً نصب في باحة كلية الآداب في الجامعة اللبنانية.لايزال شاخصا اعترافا بفضله ومكانته الثقافية
امين الريحاني ترك تراثا أدبيا وتاريخيا ضخما وقيما كما كتب المسرحيات والقصص بالعربية والإنجليزية وكان أشهر أدباء المهجر بعد جبران خليل جبران.
ومن نثره الجميل يقول في وصف الشعر\
( الشعر أمواج من العقل والتصور تولدها الحياة ويدفعها الشعور، فتجيء الموجة كبيرة أو صغيرة، هائجة أو هادئة، باردة أو فاترة أو محرقة، بحسب ما في الدافع من قوة الحس والنظر والبيان.
ولكل موجة من الأمواج قالب من اللفظ، شعرا كان أو نثرا، يصيغه الشاعر في حال التقيد أو الاطلاق، فيجئ مجسما أو عدلا، مبتذلا أو مبتكرا، سمجا أو جميلا، بحسب ما عنده من علم وذوق وصناعة. وإذا ما جاء صغيرا يفقدها الضغط جمالها ومعناها، إذن لكن موجة قالب لا تهنأ في سواه أو بالحري لكل فكر صيغة لا يسلم ولا يصح ولا يكون جميلا إلا فيها. )
يعتبر الريحاني الأب المؤسس لما يُسمّى بالأدب العربي الأمريكي والأدب المهجري، له تسعة وعشرون مؤلفًا باللغة الإنكليزية وستة وعشرون مؤلفًا باللغة العربية.
الريحاني أديب بارع وشاعر فذ ألبس الشعر والنثر جلبابًا جديدًا. وهو القصاص الذي يسحرك بيانه ويجذبك إلى نهاية القصة وهو الممثل الذي يغريك فنه وتستهويك تعابيره ومظاهره. وقد تأثر كثيرا بالشاعر الأمريكي "وولت ويتمان" وكان أول من أدخل الشعر الحر (غير الموزون) إلى الشعر العربي.
يعدّ أمين الريحاني أول من كتب الشعر المنثور في الأدب العربي، حيث أصدر سنة \ ديوان هتاف الأودية . ويعد من اوائل روّاد الرومانسية العربية ومن أسبق الداعين إلى تحرير الشعر من أسر الأوزان والقوافي. .
منح أمين الريحاني عدة أوسمة منها
ـ وسام المعارف الأول
ـ وسام المعارف الأول للمغرب الإسباني
ـ وسام الاستحقاق اللبناني الأول المذهب.

من أهم مؤلفاته:
هاتف الاودية ( ديوان شعر )
موجز الثورة الفرنسية
ملوك العرب
قلب العراق
المغرب الأقصى
قلب لبنان
والإنجليزية.

من جميل شعره هذه القصيدة بعنوان ( ارز لبنان )

رفعت حجرا من حجارة الطريق إلى فمي
فقبلته ورعا، حامدا، آملا؛
قبل أن دخلت الظلال القدسية،
واستغفرت الأرز لامتهاني حرمة عزلته؛
هذه العزلة الفريدة في أعالي الجبال،
فوق وكر النسور،
وراء حجب الآفاق.
استغفرت الأرز،
لأني جئت أشق ستار كعبته،
جئت أستكشف مكنون سره..
إيه ربة الأشجار
، وسيدة الجبل الجبار،
أنت الرافعة أعلامك الخضراء بين هذه الصخور الدكناء،
بنت الجديدين،
وأخت القمرين،
حدثيني،
وعلميني،
وارفعي بي إلى علياء إيمانك؛
فقد جئت مستمدا من ينبوعك العالي\
القوة والحكمة

*****************






ابراهيم ناجي
شاعرالاطلال


ولد إبراهيم ناجي بن أحمد ناجي بن إبراهيم ناجي القصبجي في حي شبرا بالقاهرة في الحادي والثلاثين من شهر كانون الاول من عام \1898، لأسرة القصبجي المعروفة بتجارة الخيوط المذهبة، عمل والده في شركة البرق (التلغراف)، وهي شركة إنجليزية، اذ كانت مصر تحت الهيمنة البريطانية، فأجاد اللغة الإنجليزية، وتمكن من الفرنسية والإيطالية، وكان شغوفاً بالمطالعة، وامتلك في بيته مكتبة حافلة بأمهات الكتب، فنشأ ابنه إبراهيم على حب المطالعة، وشجعه على القراءة، وكان يهدي إليه الكتب، فأتقن العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية، وأمه هي السيدة بهية بنت مصطفى سعودي التي ينتهي نسبها إلى الحسين السبط بن علي بن ابي طالب عليه السلام، وتمت بصلة قربى من جهة الأخوال إلى الشيخ عبدالله الشرقاوي
حصل ناجي على شهادة الدراسة الثانوية سنة \ 1917 ثم انتسب إلى كلية الطب، وتخرج فيها سنة 1923، وافتتح عيادة بميدان العتبة بالقاهرة، وكان يعامل مرضاه معاملة طيبة، وفي كثير من الحالات بدون أجرة معاينة ، بل يدفع لبعضهم ثمن الدواء، ثم شغل عدة مناصب في وزارات مختلفة، فقد نقل إلى سوهاج ثم المنيا ثم المنصورة، واستقر فيها من عام\ 1927 إلى عام\ 1931 عاد إلى القاهرة وسكن فيها
. عاش في بلدته المنصورة في بداية حياته وفيها رأى جمال الطبيعة وجمال نهر النيل فغلب على شعره الاتجاه العاطفى. وكان قد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين اشهر الشعراءالمتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي.
بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه و توماس مور شعراً وينشرها في مجلة (السياسة) الأسبوعية ، وانضم إلى مدرسة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة .

تفتحت موهبة إبراهيم ناجي الشعرية مبكرا فقد نظم الشعر وهو في الثانية عشرة من العمر، وشجعه والده علي ذلك وفتح له خزائن مكتبته، وأهداه ديوان شوقي ثم ديوان حافظ وديوان الشريف الرضي، ومن شعره في الصبا قصيدة قالها وهو في الثالثة عشرة من عمره، عنوانها \على البحر، وفيها يقول

إني ذكرتك باكيا
والأفق مغبر الجبين

والشمس تبدو وهي
تغرب شبه دامعة العيون

والبحر مجنون العباب
يهيج ثائره جنوني


ابراهيم ناجي يميل الى الرومانسية، ، كما اشتهر بشعره الوجداني . وكان وكيلا لمدرسة أبولو الشعرية وترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن الماضي .
ترجم إبراهيم ناجي بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان( أزهار الشر )، وترجم عن الإنجليزية رواية( الجريمة والعقاب) لديستوفسكي ، وعن الإيطالية رواية( الموت في إجازة )، كما نشر دراسة عن شكسبير وكتب الكثير من الكتب الأدبية مثل (مدينة الأحلام و عالم الأسرة) . وقام بإصدار مجلة (حكيم البيت) . ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها أم كلثوم. و لقب بشاعر الأطلال .عام \ 1953ولهذه القصيدة قصة في حياته مؤلمة .
فقد احب فتاة أيام كان في الدراسة الثانوية كانت زميلته وتعلق بها الا أنها تزوجت بغيره فتهدمت مشاعره وكتب أكثر قصائده شهرة عن نظرته لهذه التجربة مصوراً أن ما بقي من عمره مجرد أطلال لروحه ولكنه عاد في نهاية القصيدة يستسلم للقدر ، و القصيدة عنوانها (الأطلال) وتقع في أكثر من مائة وثلاثين بيتاً على شكل مقاطع شعرية يتألف كل مقطع من أربعة أبيات، نظمها على بحرالرمل وبتصرف وقد غنت أم كلثوم مقاطع منها مع بعض التعديل في الألفاظ و بعد ضم مقاطع من قصيدة أخرى عنوانها (الوداع)
. يا فؤادي لا تسل أين الهوى
كان صرحاً من خيال فهوى


. في شهرايلول من عام \1932 صدر العدد الأول من مجلة جمعية أبولو، وكان رئيس تحريرها\ أحمد زكي أبو شادي، وقد اشترك إبراهيم ناجي مع أحمد زكي أبو شادي في إصدار المجلة، وفي العدد الثاني من المجلة تم الإعلان عن تأسيس جمعية أبوللو الشعرية
في تشرين الثاني من نفس العام اجتمع لفيف من الأدباء في كرمة ابن هانئ، وفيهم إبراهيم ناجي، وانتخب أحمد شوقي رئيساً للجمعية، ولكنه توفي بعد أربعة أيام، فخلفه نائبه مطران خليل مطران، وكان إبراهيم ناجي من الأعضاء المؤسسين لها ، وبعد أقل من عام جرت انتخابات جديدة في 22 سبتمبر ايلول عام \1933 وانتخب مطران رئيساً وأحمد محرم وإبراهيم ناجي وكيلين وأحمد زكي أبو شادي سكرتيراً.

هدفت هذه الجماعة إلى البعد عن الأغراض التقليدية وادب المناسبا ت وتوجهت لتوغل في الاتجاه الذاتي أي تعبير الشاعر عن مكنونات نفسه وما يعتلج في قلبه ويحس به حقا وصدقا بصورة اكثر انفتاحا وقربا من الادب الغربي اضافة الى التحرر من الصنعة والتكلف،
نشر إبراهيم ناجي معظم ما كتب من شعر وما ترجم على صفحات مجلة ابوللو ، وكان من أشهر ما ترجمه قصيدة (البحيرة) للشاعر الفرنسي لامارتين وقصيدة (أغنية الريح الغربية) للشاعر الإنجليزي الروما نتيكي شيلي، وقد صدر من المجلة خمسة وعشرون عدداً من ايلول \1932 إلى كانون الاول\1934، ثم توقفت عن الصدور.
اشتهر ناجي بشعره الوجداني ورأس رابطة الأدباء في مصر في الأربعينيات من القرن الماضي وعرف عنه تأثره بالشاعرين رفيقيه مطران خليل مطران وأحمد شوقي.
سام الحياة فاخذ يكتب قصائد الهجاء في هذا وذاك، و يترجم ويكتب القصص، فكتب قصة (مدينة الأحلام)، تحدث فيها عن حبه الطفولي الأول، ونشرها مع قصص أخرى مؤلفة ومترجمة في كتاب يحمل العنوان نفسه، قال في مقدمته: (وداعاً أيها الشعر، وداعاً أيها الفن، وداعاً أيها الفكر).
نقل الشاعر إلى وزارة الأوقاف، حيث عيّن رئيس القسم الطبي، فاطمأنت نفسه، لما وجد فيها من تقدير وتكريم، وقد عاصر ثلاثة وزراء كانوا يقدرون الشعر والشعرا ء، وهم عبد الهادي الجندي وإبراهيم الدسوقي وعبد الحميد عبد الحق وفي هذه المرحلة أخذ يمدح كل من ساعده ومد له يد العون وكان من أبرز من مدحهم إبراهيم الدسوقي وزير الأوقاف، وفي الاحتفال الطبي الذي عقد عام \ 1937الذي حضره العديد من الوفود من الاقطار العربية قا ل قصيدته التالية مرحبا \

يا شاعرَ الوادي وغرّيد الرّبى
قُلْ للضيوفِ تحيّةً وسلاما

مصرالعريقُ وفادُها حفَظْتُ
لكُم َهْداً على طُول المَدى وزِمَاما

لستُمْ بها غُرَباءَ, أَنْتُمْ أَهْلُها
أَنّى حَللَتُم تَنّزِلُون كِراما

الشّرْقُ مَهْدٌ للنبوغِ ومَوْلدٌ
للمجْدِ فيه رَبَا وشَبّ غُلاما

زَكَت النبوّة في حِمَاهُ ورعْرعتْ
وتألّقت كالفرقديّنِ نِظَاما

مُوسى الذي شَقّ العُبابَ وفجّر
الصخّر العنيدَ سواكباً تترامى

عيسى الذي فدّى الوجودَ وعلم
الغفّران والإحسانَ والإكراما

ومحمّدٌ يَكْفيكَ أنّ محمّداَ
بيّن البريّةِ أَوْجَدَ الإسلاما

هذا هو الشّرْقُ العظيم لم يزل
نوراً لمن رَام الهدى وإماما

أخرج من وظيفته عام 1952، ولم يكن يدخر شيئا فعاش في ضنك وتنكر له أقرب الناس إليه، بمن فيهم زوجته، لذا تغيرت حاله وأخذ ينغمس في السهر، وفي هذه المرحلة تعرف إلى الممثلة زازا وأحبها ، ونظم فيها قصيدة مطولة باسمها مصوراً إياها بالربيع الذي حل على خريف حياته و في قصيدته (أنوار المدينة) يقول\

ضحكت لعيني المصابيح التي
تعلو رؤوس النيل كالتيجان

ورأيت أنوار المدينة بعدما
طال المسير وكلت القدمان

وحسبت أن طاب القرار لمتعب
في ظل تحنان وركن آمان

فإذا المدينة كالضباب تبخرت
وتكشفت لي عن كذوب اماني

قدر جرى لم يجر في الحسبان
لا أنت ظالمة ولا انا جاني

اهمل ابراهيم ناجي صحته في اواخرايامه وكان مصابا بداء السكري ، ولا يأخذ العلاج، فاشتد عليه المرض داء السكري،
توفي في 25 مارس 1953 عن عمر ناهز الخامسة والخمسين، ودفن إلى جوار جده لأمه الشيخ عبد الله الشرقاوي، في مسجده بجوار مقام الحسين رضي الله عنه
صدرت عن الشاعر إبراهيم ناجي بعد رحيله عدة دراسات مهمة، منها:
إبراهيم ناجي للشاعر صالح جودت
وناجي للدكتورة نعمات أحمد فؤاد
كما كتبت عنه العديد من الرسائل العلمية بالجامعات المصرية . الأ

ابراهيم ناجي مر بظروف عصيبة في حياته وتخلى عنه الأقارب والأحباب في أحيان كثيرة لذا جاء شعره معبرا عن نزوع فردي رومانسي حزين، فشعره ذاتي، يكاد يكون خالصاً للحب والوجدان، للقهر والحرمان، فهو يعبر عن قلب محروم، ويصدر عن رؤية متشائمة، ونظرة حزينة، وروح مكتئبة. فانت تشعر وانت تقرا شعره بنوع من العذاب اوالفرقة عن الحبيب 0
كتب يقول :
سألتك يا صخرة الملتقى متى
يجمع الدهر ما فرقا
إذا نشر الغرب أثوابه
وأطلق في النفس ما أطلقا
أريك مشيب الفؤاد الشهيد
والشيب ما كلل المفرقا

الشاعر رومانسي يجد ضالته و سعادته في ظلال الحب الخالدة باعتباره يحمل عاطفة قد تضم الكون بأسره فهو دائما وأبدا حزين يبحث عن عوالم المثل الانسانية التي ينشدها ليغرق
فيها يقول:

إني امرؤ عشت زما ني حائرا معذبا
أمشي بمصباحي وحيداً في الرياح متعبا

أمشي به وزيته كاد به ان ينضبا
عشت زماني لا أرى لخافقي متقلبا

الا ان شعره لايخلو من الأبيات المتفائلة بالطبيعة مثل قصيدته (الربيع) والتي يخاطبه فيها بقوله:

مرحى ومرحى يا ربيع العام
أشرق فدتك مشارق الأيام

بعد الشتاء وبعد طول عبوسه
أرنا بشاشة ثغرك البسام

وابعث لنا أرج النسيم معطراً
متخطراً كخواطر الأحلام

وغيرها قصيدة لإبنيه عماد وأميرة:

يا ابنتي إني لأشعر أني
ملأت مهجتي شموس منيرة

أشرقت فرحتان عندي
فهذي لعماد وهذه لأميرة

أنتما فرقدان ، وهو جديد
بالذي ناله وأنت جديرة

اغنما كل ما يطيب وفوزا
بالمسرات والأماني الوفيرة

وافرحا بالذي يطيب ويرجى
عيشة نضرة وعين قريرة


ومن قصيدة بعنوان مصر يفتتحها بقوله:

أجل إن ذا يوم لمن يفتدي مصرا
فمصر هي المحراب والجنة الكبرى

أجل عن ماء النيل قد مر طعمه
تناوشه الفتاك لم يدعو شبرا

فهلا وقفتم دونها تمنحوها
أكفاً كماء المزن تمطر خيرا

سلاما شباب النيل في كل موقف
على الدهر يجني المجد أو يجلب الفخرا

تعالوا فقد حانت أمور عظيمة
فلا كان منا غافل يصم العصرا

شباب نزلنا حومة المجد كلنا
ومن يغتدي للنصر ينتزع النصرا

واختم الشاعرابراهيم ناجي بقصيدة الاطلال التي لاتزال نرددها على شفاهنا وسيرددها الاجيال بعدنا وتعد من
روائع الشعرالعربي \

يا فؤادي، رحم الله الهوى
كان صرحا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله
وارو عني، طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرا
ً وحديثاً من أحاديث الجوى

وبساطاً من ندامى حلم
هم تواروا أبداً، وهو انطوى

*****************

يا رياحاً، ليس يهدا عصفها
نضب الزيت ومصباحي انطفا

وأنا أقتات من وهم عفا
وأفي العمر لناس ما وفى

كم تقلبت على خنجره لا
الهوى مال، ولا الجفن غفا

وإذا القلب - على غفرانه –
كلما غار به النصل عفا

***************

يا غراماً كان مني في دمي
قدراً كالموت، أو في طعمه

ما قضينا ساعة في عرسه
وقضينا العمر في مأتمه


ما انتزاعي دمعة من عينه
واغتصابي بسمه من فمه

ليت شعري أين منه مهربي
أين يمضي هارب من دمه ؟

***************

لست أنساك وقد ناديتني
بفم عذب المناداة رقيق

ويد تمتد نحوي، كيد
من خلال الموج مدت لغريق

آه يا قبلة أقدامي، إذا
شكت الأقدام أشواك الطريق

وبريقاً يظمأ الساري له
أين في عينينك ذياك البريق ؟

******************

لست أنساك، وقد أغريتني
بالذرى الشم،فأدمنت الطموح

أنت روح في سمائي، وأنا
لك أعلو، فكأني محض روح

يا لها من قمم كنا بها
نتلاقى، وبسرينا نبوح

نستشف الغيب من أبراجها
ونرى الناس ظلال في السفوح

****************

أنت حسن في ضحاه لم يزل
وأنا عندي أحزان الطفل

وبقايا الظل من ركب رحل
وخيوط النور من نجم أفل

ألمح الدنيا بعيني سئم
وأرى حولي أشباح الملل

راقصات فوق أشلاء الهوى
معولات فوق أجداث الأمل

********************

ذهب العمر هباء، فاذهبي
لم يكن وعدك إلا شبحا

صفحة قد ذهب الدهر بها
أثبت الحب عليها ومحا

انظري ضحكي ورقصي
فرحا وأنا أحمل قلباً ذبحا

ويراني الناس روحا طائراً
والجوى يطحنني طحن الرحى

******************

كنت تمثال خيالي، فهوى
المقادير أرادت لا يدي

ويحها، لم تدر ماذا حطمت
حطمت تاجي، وهدت معبدي

يا حياة اليائس المنفرد
يا يباباً ما به من أحد

يا قفاراً لافحات ما بها
من نجي، يا سكون الأبد

************************

أين من عيني حبيب ساحر
فيه نبل وجلال وحياء

واثق الخطوة يمشي ملكاً
ظالم الحسن، شهي الكبرياء

عبق السحر كأنفاس الربى
ساهم الطرف كأحلام المساء

مشرق الطلعة، في منطقه
لغة النور، وتعبير السماء

*******************

أين مني مجلس أنت به
فتنة تمت سناء وسنى

وأنا حب وقلب ودم
وفراش حائر منك دنا

ومن الشوق رسول بيننا
ونديم قدم الكأس لنا

وسقانا، فانتفضنا لحظة
لغبار آدمي مسنا !

**********************

قد عرفنا صولة الجسم التي
تحكم الحي، وتطغى في دماه

وسمعنا صرخة في رعدها
سوط جلاد، وتعذيب إله

أمرتنا، فعصينا أمرها
وأبينا الذل أن يغشى الجباه

حكم الطاغي، فكنا في العصاة
وطردنا خلف أسوار الحياه

******************

يا لمنفيين ضلا في الوعور
دميا بالشوك فيها والصخور

كلما تقسو الليالي، عرفا
روعة الآلام في المنفى الطهور

طردا من ذلك الحلم الكبير
للحظوظ السود، والليل الضرير

يقبسان النور من روحيهما
كلما قد ضنت الدنيا بنور

******************

أنت قد صيرت أمري عجبا
ثرت حولي أطيار الربى

فإذا قلت لقلبي ساعة
قم نغرد لسوى ليلى أبى

حجب تأبى لعيني مأربا
غير عينيك، ولا مطلبا

أنت من أسدلها، لا تدعي
أنني أسدلت هذي الحجبا

*********************

ولكم صاح بي اليأس انتزعها
فيرد القدر الساخر : دعها

يا لها من خطة عمياء، لو
أنني أبصر شيئاً لم أطعها

ولي الويل إذا لبيتها
ولي الويل إذا لم أتبعها

قد حنت رأسي، ولو كل القوى
تشتري عزة نفسي، لم أبعها

********************

يا حبيباً زرت يوماً أيكه
طائر الشوق، أغني ألمي

لك إبطاء الدلال المنعم
وتجني القادر المحتكم

وحنيني لك يكوي أعظمي
والثواني جمرات في دمي

وأنا مرتقب في موضعي
مرهف السمع لوقع القدم

**************

قدم تخطو، وقلبي مشبه
موجة تخطو إلى شاطئها

أيها الظالم : بالله إلى كم
أسفح الدمع على موطئها

رحمه أنت، فهل من رحمة
لغريب الروح أو ظامئها

يا شفاء الروح، روحي تشتكي
ظلم آسيها، إلى بارئها

*******************

أعطني حريتي واطلق يديّ
إنني أعطيت ما استبقيت شيّ

آه من قيدك أدمى معصمي
لم أبقيه، وما أبقى علي ؟

ما احتفاظي بعهود لم تصنها
وإلام الأسر، والدنيا لدي !

ها أنا جفت دموعي فاعف
عنها إنها قبلك لم تبذل لحي

*********************

وهب الطائر من عشك طارا
جفت الغدران، والثلج أغارا

هذه الدنيا قلوب جمدت
خبت الشعلة، والجمر توارى

وإذا ما قبس القلب غدا من
رماد، لا تسله كيف صارا

لا تسل واذكر عذاب المصطلي
وهو يذكيه فلا يقبس نارا

*******************

لا رعى الله مساء قاسياً
قد أراني كل أحلامي سدى

وأراني قلب من أعبده ساخراً
من مدمعي سخر العدا

ليت شعري، أي أحداث جرت
أنزلت روحك سجناً موصدا!

صدئت روحك في غيهبها
وكذا الأرواح يعلوها الصدا

************************

قد رأيت الكون قبراً ضيقاً
خيم اليأس عليه والسكوت

ورأت عيني أكاذيب الهوى
واهيات كخيوط العنكبوت

كنت ترثي لي، وتدري ألمي
لو رثى للدمع تمثال صموت

عند أقدامك دنيا تنتهي
وعلى بابك آمال تموت

*******************

كنت تدعوني طفلا، كلما
ثار حبي، وتندت مقلي

ولك الحق، لقد عاش الهوى
في طفلا، ونما لم يعقل

وأرى الطعنة إذ صوبتها
فمشت مجنونة للمقتل

رمت الطفل، فأدمت قلبه
وأصابت كبرياء الرجل

******************

قلت للنفس وقد جزنا الوصيدا
عجلي لا ينفع الحزم وئيدا

ودعي الهيكل شبت ناره
تأكل الركع فيه والسجودا

يتمنى لي وفائي عودة والهوى
المجروح يأبى أن نعودا

لي نحو اللهب الذاكي به
لفتة العود إذا صار وقودا

********************

لست أنس أبداً ساعة في العمر
تحت ريح صفقت لارتقاص المطر

نوحت للذكر وشكت للقمر
وإذاما طربت عربدت في الشجر

****************

أيها الشاعر تغفو
تذكر العهد وتصحو

وإذا ما التام جرح
جد بالتذكار جرح

فتعلم كيف تنسى
وتعلم كيف تمحو

أو كـل الحب في
رأيـك غفـران وصفح ؟

***************


هاك فانظر عدد الرمـــــل
قلوباً ونساء

فتخير ما تشاء
ذهب العمر هباء

ضل في الأرض الذي
ينشد أبناء السماء

أي روحانية تعـــــصر
من طين وماء؟

***************

أيها الريح أجل، لكنما
هي حبي وتعلاتي ويأسي

هي في الغيب لقلبي خلقت
أشرقت لي قبل أن تشرق شمسي

وعلى موعدها أطبقت عيني
وعلى تذكارها وسدت رأسي

***************

جنت الريح ونادتــــــــــه
شياطين الظلام

أختاماً ! كيف يحلو لك
في البدء الختام ؟

*************
يا جريحاً أسلم الــــــــــجرح
حبيباً نكأة

هو لا يبكي إذا النـــــــــــاعي
بهذا نبأه

أيها الجبار هل تصــــــــرع
من أجل امرأه ؟

*******************

يا لها من صيحة ما بعثت
عنده غير أليم الذكر

أرقت في جنبه، فاستيقظت
كبقايا خنجر منكسر

لمع النهر وناداه له
فمضى منحدرا للنهر

ناضب الزاد، وما من سفر
دون زاد غير هذا السفر

**********************

يا حبيبي كل شيء بقضاء
ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا
ذات يوم بعدما عز اللقاء

فإذا أنكر خل خله
وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل إلي غايته
لا تقل شئنا،وقل لي الحظ شاء !

********************

يا مغني الخلد، ضيعت العمر
في أناشيد تغنى للبشر

ليس في الأحياء من يسمعنا
ما لنا لسنا نغني للحجر !

للجمادات التي ليست تعي
والرميمات البوالي في الحفر

غنها، سوف تراها انتفضت
ترحم الشادي وتبكي للوتر

**********************

يا نداء كلما أرسلته
رد مقهوراً وبالحظ ارتطم

وهتافاً من أغاريد المنى
عاد لي وهو نواح وندم

رب تمثال جمال وسنا
لاح لي والعيش شجو وظلم

ارتمى اللحن عليه جاثياً
ليس يدري أنه حسن أصم

*******************

هدأ الليل ولا قلب له
أيها الساهر يدري حيرتك

أيها الشاعر خذ قيثارتك
غن أشجانك واسكب دمعتك

رب لحن رقص النجم له
وغزا السحب وبالنجم فتك

غنه، حتى ترى ستر الدجى
طلع الفجر عليه فانهتك
************************

وإذا ما زهرات ذعرت
ورأيت الرعب يغشى قلبها

فترفق واتئد واعزف لها
من رقيق اللحن، وامسح رعبها

ربما نامت على مهد الأسى
وبكت مستصرخات ربها

أيها الشاعر، كم من زهرة
عوقبت، لم تدر يوماً ذنبها !
***************



علي الجارم




ولد علي بن محمد بن صالح بن ابراهيم الجارم بمدينة رشيد سنة \ 1881م والده الشيخ محمد صالح الجارم أحد علماء الأزهر والقاضي الشرعي بمدينة دمنهور والمتوفي عام \1910م ، وكان جده ابراهيم الجارم ملاذا لابناء المدينة من جور الحاكم التركي فيها 0
و رشيد مدينة مصرية تقع على الناحية القصوى من الشاطئ الغربي للنيل ، اي فرعه المسمى فرع رشيد ، تستمد منه الحياة و الجمال والجلال وتمزج بحقائق التاريخ الحديث وقال فيها\
أرشيد يا بلدي ويا ملهى الصبا
بيني وبين مدى الضبا أعوام

أيام لي في كل سرح نغمة
وبكل ركن وقفة ولمام

ألهو كما تلهو الطيور حديثها
شدو ورف جناحها أنغام


وهي مدينة محافظة ويعتقد أهلها أنهم ينحدرون من قبيلة قريش بالجزيرة العربية ، 0
درس علي عند الكتاب حتى سن الحادية عشرة حيث تلقى ما تيسر من القرآن الكريم وشيئا لاباس فيه من القراءة والحساب ، وبعد الحادية عشرة إنتقل إلى القاهرة وإلتحق بالأزهر وتلقى علوم الدين على يدي الشيخ محمد عبده ، ثم إلتحق بدار العلوم 0
عين مدرسا بمدرسة التجارة المتوسطة وتعرف إلى محمود فهمي النقراشي الذي بقى وفيا على صدقاته إلى أن أغتيل محمود فهمي النقراشي الذي رثاه بقصيدة تعد اخر قصيدة كتبها على الجارم
سافر في بعثة إلى إنجلترا ، وفي مدينة (نوتنجهام) درس أصول التربية وقثد بقي فيها اكثر من اربع سنوات وفيها يقول \

أَبصرت أَعمى في الضَبابِ بلندنٍ
يمشي فلا يشكو ولا يتأَوَهُ

فأَتاه يسأَله الهِداية مبصرٌ
حيران يحبط في الظلامِ ويعمهُ

فاقتاده الأَعمى فسار وراءه
أَنَّى توجَّه خطوهُ يتوجَّهُ

وهنا بدا القدر المعربد ضاحكًا
ومضى الضباب ولا يزال يقهقهُ


رجع من لندن ليكون مدرسا له في مصر بدار العلوم عام\1912م ، وبعد عمله بدار العلوم نقل عام\ 1917م مفتشا ب وزارة المعارف ورقي إلى وظيفة كبير مفتشي اللغة العربية حتى عام\ 1940 ، وظل وكيلا لدار العلوم إلى أن أحيل إلى المعاش عام \1941م. أصبح عام \1932 م عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة 0
عاصر علي الجارم دخول الإحتلال الفرنسي لمصر عام\ 1882م ، فتم حل الجيش الوطني عام\ 1883 وأجبر الإحتلال مصر على إخلاء السودان عام\ 1884م.

إنتقل بعد الحادية عشرة من عمره إلى القاهرة مع شقيقه الشيخ محمد نعمان الجارم وإلتحق بالأزهر ، وسكنا في درب السلحدار بحي الأزهر غرفة بسطح أحد البيوت. وكان من بين زملائه الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد أمين ، ومن الأزهر إلتحق بدار العلوم في عام 1902م ، وإعتبرها موئل العربية ففيها تحيا وفي غيرها تموت ، ووجد في دار العلوم خير طلاب الأزهر من الذين يتذوقون الأدب ، وهام شاعرنا حبا بمعهده الجديد وبأساتذته:

هي في مصر كعبة بعـــــــــث
الشر ق إليها طوائف الركبان
قد أعادت عهد الأعاريب في مصر
إلى ناعم من العيش هاني
وأطلت من الخــــــــــــباء عليهم
فســــبتهم بسحرها الفتان
كتب لصديقه اميرالشعراء احمد شوقي يقول \
( نشأت فى أسرة فتنت بالأدب ، وأغرمت بفطرتها، وباستعدادها الموروث - براوئع الشعر على اختلاف ألوانه وفنونه ، وكان أبى إذا جلس بعد العشاء، التف حوله أبناؤه فتنقل بهم من أدب إلى تاريخ إلى بحوث سلسلة فى اللغة ، ثم شعر جزل رصين ، ولقد كان - رحمه الله - كثير القراءة ، قوى الحافظة ، حسن العرض والأداء ، فكان متاعاً أن نستمع له ، وأن ترف نفوسنا حوله طليقة مرحة فى هذا الجو العجيب)

اثرت الأحداث الجارية في بلده على حسه القومي والوطني وإنعكست على شعره وتوجهاته الفكرية والثقافية دون أن يشتغل بالسياسة ، أو ينتمي إلى حزب من الأحزاب
بموت الخديوي توفيق ظهر على الساحة الوطنية شخصيتان هما .. الخديوي عباس حلمي الثاني ومصطفى كامل ، وتام الإتفاق الودي بين إنجلترا وفرنسا عام \1904 ثم دخلت إلى مشاعر المصريين وأحساسيهم الوطنية مأساة دنشواي عام\ 1906 ، حيث كان عمر الشاعر \ 26 سنة.. او قلقبل تخرجه من دار العلوم عام \1908م فإستوعب من أهله ومن حياته كل هذه الأحداث السياسية ، وترسبت في وجدانه ولكنه قرر أن يحتفظ بالوطنية بعيدا عن الحزبية وبالقومية بعيدا عن أي جماعات سياسية ، وأن يحتفظ في أعماله بالولاء للعروبة والإسلام.
وفي عام \1919م كانت الثورة الشعبية الكبرى بقيادة سعد زغلول تجتاح البلاد ، وكان شاعرنا مفتشا للغة العربية بوزراة المعارف أفصح لجمهورالتربية من المعلمين والمدرسين والطلبة أن الثورة الشعبية (وليدة إرادة الأمة هذه الامة التي عانت من الكبت ومن الإحتلال قرابة أربعين عاما.)
كتب العديد من الروايات العر بية منها (فارس بني حمدان ، وهاتف من الأندلس ، ومرح الوليد وفي سيرة يزيد الأموي والمعتمد بن عبا د وابن زيدون وشاعر ملك وهاتف من الاندلس و الفارس الملثم والشاعر الطموح المتنبي و نهاية المتنبي). وكذلك إشترك في إصدار (المجمل من الأدب العربي و(المفصل في الأدب العربي )و و (النحو الواضح) في 6 أجزاء و(البلاغة الواضحة) في جزأين 0
كان يحن لشبابه كثيرا في شيخوخته يقول\

آه لو يشتري الزمان قريضي
بسنين تعد لي في حسابه

ما الذي تبتغي يد الدهر عني
ودمي لا يزال ملء لعابه

المتتبع لشعر علي الجارم يجد ان اغلبه قيل في المناسبات الوطنية والقومية وفيه ايضا التفاتة الى الغزل بما يستهوي النفوس المتعطشة للحب والغرام وهنا لك قصائد في الرثاء وكانت اخر قصيدة نظمها هي في الرثاء
يتميز شعره بحسن الاداء والرومانسية وكأنه يغرف من بحرالحياة شعورا 0
بينما ولده بدرالدين كان يلقي قصيدة والده- نيابة عنه حيث كان يعاني من وعكة صحية - في رثاء صديقه الحميم محمود فهمي النقراشي لفظ الوالد الانفاس 0
فقد توفى الشاعرعلي الجارم في مساءاليوم الثامن من شباط من عام \1949

صدر للشاعر من الدواوين

ديوان الجارم في أربعة اجزاء عام\ 1938
سبات الخيال عام\ 1961 بالإضافة الى عدد من القصص التاريخية التي ذكرنا ها انفا وعدد من المؤلفات الاخرى
يتغنى علي الجارم في بغداد تغني العاشق المحب بحبيبته
فيقول قصيدته \

( بغداد )، يابلـد (الرشــيد)
ومـنـارة المجـــــد التلـــيد

يـا بـــسمـــة لمــــا تــــــــــزل
زهــــراء في ثغـر الخلـــود

يـا ســــطر مجــد للــعروبــــــة
خــــط في لـوح الوجــــود

يا رايـة الإسلام، والإسلام
خـفــــــــاق الـــــــبنـــود

يـا مــغرب اللــيل القــديم
ومــشرق الأمـــل الجـــديد

يـا بنت (دجلــة)، قـد ظـمئت
لرشـــــف مـبسمك البرود

يـا بهــــجة الصــحراء، ردي
بهـــــجة الدنـــــيا وزيــدي

كم جاش جيشك بالفـــوارس
مـن أســـــــاورة وصـــــيد

للنـــــــــــصـر في أعـــلامــهم
صــلة بأبنــــــاء الغـمـــــــود

مـــــلك إذا صـــــــورتــه
عجز الخيـال عن الصـــــــعود




************************************






حبيب فارس
فيلكس
.


هو فليكس بن حبيب بن فارس، ولد في صليما من اعمال (لبنان) سنة\ 1882 من أب محام دكتور في الحقوق وأم مثقّفة هي لويز شفاليه سويسرية بأمِّها فرنسيّة لأبيها.

كان حبيب - والد فليكس - كاتباً تَرَسَّل لقضايا أُمَّته نشد الحُرّية والإصلاح ما أغضب الدولة العثمانية، فاضطهدته. فسافر قسراً إلى مصر حيث أصدر مجلّة (صدى الشَّرق) سنة \1891. فتأثر فليكس بثقافة والده العربيّة وتحرّره كما تأثر بثقافة أُمِّه الفرنسّية.

لم يُمضِ فليكس فارس أكثر من سنة ونصف في المدارس، منها سنة في مدرسة صليما وستة أشهر في المدرسة الوطنيّة لنعيم صوايا في بعبدات التي تأسّست سنة\ 1888. وقد أكَّد بنفسه مُدَّة دراسته هذه بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس المدرسة الوطنيّة، فقال سنة\ 1898 في قصيدته بهذه المناسبة:

سنة بالدروس مرّت سريعاً
وهي تحكي أحلامنا الذهبيّة

وقد كفتني عِلماً وكانت ختاما
وهي كانت حياتي المدرسيّة

ولكن فليكس فارس انصرف إلى تثقيف نفسه فأخذ العلم على والده وتأثّرَه بوالدته وجدَّتهِ لأُمِّه. وأخذ روح النِّضال وحُبّ الحرّية عن والده الذي دافع عن قضايا لبنان الوطنيّة في مجلّته الشهيرة (صدى الشّرق) التي توقفت عن الصدور سنة\ 1917 بعد ثمانية وعشرين عاماً من صدورها سنة\ 1889.
أمّا والدة فليكس فقد أثَّرت فيه شفافيتها وحبّبت اليه اللّغة الفرنسيّة والفنّ والموسيقى. كما أن جدَّته لوالدته نمَّت فيه حُبّ اللغّة الفرنسّية وساعدته على اتقانها.
واتقاء للاضطهاد هربت العائلة إلى المريجات، وبدلاً من خباء الذهن فقد شحذ الاضطهاد ذكاء فليكس فإندمج بجوِّ العائلة الثقافي وأحبّ الشِّعر الفرنسّي ونَظمهُ، كما أحبَّ اللُّغة العربيّة وأتقنها، حتى صار لقبه (أمير المنابر) كما نظم الشّعر، وكانت بواكيره في المريجات. أما سنة انتقال العائلة إلى المريجات فليست معروفة بالضبط. وربما كانت \1894 بعد سفره مع والده إلى اسطنبول. وكان فليكس جريئاً شجاعاً. يظهر في المناسبات فيخطب أو يقول الشِّعر وقد بدأ الانشاد وهو في الرابعة عشرة من عمره. وكانت غالبية قصائده التي قالها بين\ 1896 و1898 قصائد مناسبات جمعها باسم (زهّر الرُّبا في شِّعر الصِّبا)، وبدأ بعد هذا التاريخ بالترجمات، ويتبدى من بواكير ترجماته ميله إلى محاسن الأخلاق والإصلاح الاجتماعيّ.
في التاسعة عشرة من عمره (1901) درس اللغة والأدب بالعربيّة والفرنسيّة، تملأه الثقة بالنفس والرغبة في نقل ما ثقَّف نفسه به إلى مجتمعه وخدمة هذا المجتمع. فدرَّس لدى الكبوشيين في عبيه وفي مدرسة الآداب الوطنيّة في الشبانية. أحبَّ التعليم وباشر بتأليف كتاب القراءة سبق نصوصه المختارة والمُعرّبة بمقدمة طويلة بيّن فيها ما يراه لازماً في تعليم المواد المختلفة ؛ لأنّه لم ينسجم مع الفوضى السائدة في التعليم، فقد ترك هذا الحقل إلى حقلٍ آخر كان ميالاً إليه هو الخطابة وكتابة المسرحيات وأخذ منذ سنة\ 1902 ينشر في مجلّتي (أنيس الجليس ولويتس) المصريتين لصاحبتهما الكسندرا افبيرينو. ساعده في ذلك معرفة والده بالسيدة المذكورة. وألَّف رواية (القضاء أو نُصرة العُرفان) و(العدل والحب أو رواية الحبُّ الصادق). وباكراً إشتهر فليكس بقصائده التي خص بها ناظم باشا والي الشام فلقّب بشاعر دولتلو (ناظم باشا) (1902 - 1908) وبلغ من تقدير ناظم باشا وإحترامه له وإعترافه بإستقامته أن التقاه يوماً - كما يذكر الكاتب مارون عبود - ويدهُ مُلطَّخة بالطّين فأبى أن يُسلِّم عليه إلاّ وهي كذلك وقال له : (إنّ يداً ملوّثة بهذا الطّين لهي أنظف من أيدي الوزراء والأُمراء) 0

ولكن التعليم لم يكن مدراراً فيكيفه، فترك المهنة إلى أعمال أخرى. لم يلقَ صعوبة في ولوج أيّ منها. لما كان عليه هو من جرأة ووالده من إحترام
كانت الإدارة العامة الفرنسيّة للسِّكك الحديديّة تمدُّ الخطوط الحديديّة بين حماه وحلب، فاتَّصل بها والده وطلب قبول ابنه ليعمل فيها. فقُبل فوراً في تشرين الأول\ 1905. وكان حسن السيرة في العمل قويّ الشخصيّة فصيح اللسان، شاعراً، رقيق العاطفة، رزين الكلمة فرض إحترامه ومحبَّته، فكوَّن صداقات في بعلبك بينه وبين أهلها وبينه وبين رؤسائه في العمل، وبرزت موهبته الشعريّة وكثر طالبوا سماع شعره أو ذكِرهم في قصيدة، ولم يكُ مقتراً أو بخيلاً ؛ ولكن الأجر لم يكُ كافياً وهو لم يعتدّ التكسُّب، فترك بعلبك والعمل فيها سنة\ 1907. يقول \من قصيدة: شكّ الهوى

ويحَ نفسي، لقد أضعتُ الجَنانا
ونُهًى أَبتَلِي به الحدَثَانا
كنت حيّاً بكلّ شيءٍ جميلٍ
أحسب الصّدق يملأ الأكوانا

كنت حيّاً، فصرت ميْتًا كحيٍّ
ناسجًا من عواطفي أكفانا

آهِ، يا قطعةَ الفؤاد، لأَنْتِ النْـ
ـنِصفُ منّي، منضَّرًا نَدْيانا

نحن حبٌّ، واللّه حبٌّ، فإنّ الـ _
ـلّه، بالحبّ يحكم الإيمانا

صدْقكِ الصّدق في الكيان، وكذْبٌ
منك كِذْبٌ يزعزع الأركانا

أنتِ غذّيتِ مهجتي بشكوكٍ
هي موتٌ يعود آنًا، فآنا

شُبُهات، أرادها العقل حسّاً
والهوى منك زادها كتمانا

فلمن ألْتجي، ولي منك خصمٌ
كبرياءٌ تُميت فيكِ الحنانا؟

كلُّ شيءٍ قد صار عندي افتراضًا
لخيالٍ في الشّكِّ أرخى العِنانا

صرتُ كالطّير تائهًا في ظلامٍ
لا يرى للقرار فيه مكانا



شهد فليكس ما أصاب والده حبيب من مصائب واضطهاد من الوُلاة والمتُصرّفين، فلم يتعاطَ السياسة حتى سنة\ 1908، ولكنّه كان يراقب وتختمر في نفسه مآخذه وملاحظاته على الأوضاع المُضّطربة القائمة، وابتداء من سنة\ 1908 أخذ فليكس - من المريجات - يزوّد الصُّحف والمجلاّت بالقصائد والمقالات. في لبنان وفي المهاجر والمغتربات ؛ فراسل مجلّة (الجامعة وجريدة الهُدى) وصاحبهما نعوم مكرزل في المهاجر الأميركية. وجريدة (النَّصير) في لبنان.
يعد الشاعر فيلكس حبيب فارس واحد من اللبنانيين المتحّمسين للعرّبية سياسيا وثقافيا ومن الذين لمع نجمهم في عالم الأدب والصحافة والمحاماة والفلسفة شعراً ونثراً وترجمة وتأليفاً وخطابة ومرافعات.
وبعد شفائه من حادث تعرض له بحريق منزله في المريجات انتمى الى جمعية (الاتحاد والترقّي) العاملة سرِّاً على الإصلاح في السلطنة العثمانيّة وعلى التخلُّص من عبد الحميد الظَّالم وإستمالت إليها ضباطاً من الجيش لخلع عبد الحميد واستبداله بشقيقه محمد رشاد، ووضعت دستوراً للسلطنة مُستمداً من الدُّستور الفرنسيّ ونشأ مجلس (المبعوثان) ومجلس شيوخ، ولكن تعصُّب هذه الجمعية للقوميّة التُركيّة جعل الشعوب غير التُركيّة في السلطنة تتكتَّل ضِدَّها وساندتهم المعارضة فتأسس حزب الائتلاف ؛ وامتد الانقسام إلى لبنان بين الحزبين.

وكان فليكس فارس تعلَّم أُسس الثورة الفرنسيّة : حُريَّة - مساواة - إخاء، فإعتلى المنابر دون أن يخشى أخصامه ودافع عن جمعية (الاتحاد والترقّي) ومبادئها.

وكان فليكس فارس يسعى للتقّرِيب وشَّدِ الأواصر بين الأديان وكُرهِ التعصُّب فأحبّه المسلمون والمسيحيّون على حدّ سواء وأعجبوا بحُسن بيانه وبهيّ طلعتِه.

سنة \1909 أصدر فارس في بيروت صحيفة (لسان الاتحاد) وقد توقفت سنة\ 1911 وقد شاركه العمل فيها : أمين الريحاني وحبيب فارس وماري عجمي الأديبة السوريّة صاحبة مجلة (العروس) وولي الدين يكنّ، إلاَّ أن حاله مع العثمانيين ساءت.
و في أثناء صدور (لسان الاتحاد) سافر فارس إلى الاستانة سنة\ 1910 ليحضر احدى جلسات مجلس (المبعوثان). ومن الاستانة إستدّعى لتدريس الآداب واللّغة الفرنسيّة في المدرسة السُلطانيّة، وبقي فيها حتّى أواخر الحرب العالمية الأولى (1917) وبأثناء وجوده في الاستانة أتقن اللغة الترُّكيَّة، سنة \1912 عُيّن تُرجماناً لولاية بيروت، ولم يعمل بهذه الوظيفة الا أربعة أشهر عاد بعدها إلى حلب وكتب في مجلّتي (العروس) و(المراقب) السوريتين، ولقي نجاحاً باهراً وانهمرت عليه رسائل الشُّكر والتقدير من الاهلين ومن الأدباء.

أواخر العقد الثاني ومطلع العشرينات من هذا القرن
بعد الحرب العالمية الأولى، أي بعد\ 1918، جرت محاولة توحيدية للدول العربية بقيادة الأمير فيصل، وكان لصوت فارس على المنابر آذان تسمع ونظرات ترنو، وقد أعجب به سامعوه في خطاب ألقاه سنة 1919 وفتحت أمامه كل الدوائر وسعت إليه الوظائف، غير أن إخلاصه لوظيفته وامتناعه عن المحاماة، كل ذلك، كان سبباً في إنهاء وظيفته في دائرة إنحصار التّبغ، فغيره كان أسلم تعاملاً مع المهرّبين. وهو الذي رفض دائماً التفاهم معهم : فعاد فارس الى لبنان سنة\ 1920، وأعجب فارس، كما الغالبية اللبنانية، بجرأة الجنرال غورو، وقامت صداقة وإحترام بين الرَّجلين كان من نتيجتهما أن سمح الجنرال غورو لأمين الريحاني بالعودة الى البلاد على مسؤولية فليكس فارس.

في سنة \ 1921 سعى فارس لتأسيس رابطة فنيّة تجمع بين أبناء الوطن من مختلف الطوائف وتُقاتل التعصُّب والتّفرِيق وانحدار الأخلاق وتعزُّز مكانة الآداب والفنّون، وقد أراد بيروت مركزاً لها، ولكنّه كان مريضاً وسافر إلى الولايات المتّحدة (1921 - 1922) برفقة جان والياس الدبس، بهدف العمل على توحيد المهاجرين. تعدّدت خطبه فيهم في أميركا وعرض عليهم مصائب المجاعة وأحيا فيهم الحنين إلى وطنهم. فإعتقل ستة عشر يوماً مع رفيقيه في جزيرة الليس قبل الوصول إلى أميركا لأن الإنكليز كانوا غير موافقين على هذه السَّفرة فجاء دور أمين الريحاني في إنقاذهم، وساءت صحة فارس وحُطِّمت تماثيل المجاعة التي كان يحملها.
وفي الولايات المتّحدة تمتَّنت أواصر الصداقة بينه وبين ادباء المهجر ، وبخاصة الشعراء منهم وفي مقدمهم جبران خليل جبران ونعوم مكرزل وميخائيل نعيمة ورشيد أيوب وقد سُلّم مفاتيح مدينة ديترويت. وأعجب جبران بفارس الخطيب والشاعر وكتب عنه في جريدة (السائح)، وقد بقي الإثنان يتبادلان الرسائل، وكان فارس عندما إشتدَّ به المرض في أميركا أوصى بقلمه لجبران.
وفي شباط\ 1922 كان فارس من خطباء المنتدى السوريّ في لورنس ماسّ الذي يرأسه الأديب فادي مراد. وفي الشهر اللاحق (أذار) إنتخبته الجمعيّة السوريّة التهذيبيّة عضو شرف فيها وفي نيسان خطب في المنتدى اللبنانيّ وفي أيار خطب في جمعية الصليب الاحمر الفرنسيّة اللبنانيّة وفي تموز إتصل به أحد كبار السياسيين في نيويورك الفونس تونيتي وطلب مقابلته لإجراء حديث معه عن أوضاع وأحداث الوطن كما يراها فارس وذلك بعد أن قرأ مقالاً له في جريدة (التايمز). وكان لفارس نشاط في الصحف. فاضافة الى التايمز كتب في الصحف التالية ( فري والجورنال والسائح والهُّدى والأخلاق)، وعن لقائه بجبران يقول فارس : (جالست جبران ساعات طويلة تركت في نفسي أثراً لم تترك مثله أيّة شخصيّة كبيرة عرفتها في حياتي)
أما جبران فقد ترجم قصيدتين لفارس الى الإنكليزيّة.

عاد فارس الى لبنان سنة \1922 ولكنه لم ينقطع عن مراسلة الصُّحف الأميركيّة.أما مع الجنرال ويغان فالأمر في المعاملة إختلف عما كان عليه مع الجنرال غورو، ففضَّل فليكس المهنة الحرَّة ودرس المحاماة على والده المحامي المشهور حبيب وقد زكَّاه عدد كبير من المحامين لممارسة المهنة ونشرت مرافعات عديدة له في الصُّحف.

و بعد مُدّة قصيرة من العمل في لبنان ، فكَّر بالسفر إلى مصر والعمل في صحُفها، وبعد استشارة أصدقائه الخُلَّص فضَّل العمل في الترّجمة في بلدية الاسكندريّة حيث أختير على إثر مباراة دخلها أربعون متبارياً"..وكان فارس ينقل بترجمة فوريّة وبتعريب فورّي باللغّة الفُصحى مع الحفاظ على النَّص وترجمته حرفياً.
ولم يكتف بالترجمة في مصر، بل حاضر وخطب بعنوان (الخُطابة والخطيب وتأثيرهما في الأُمَم) و( الجنون الاختياري)و( في حرب المسّكرات)، (صلاح المجتمع بصلاح الأُسرة) و(الثقافة الشرقيّة). . وأثناء وجوده في مصر راسل صُحفاً أفريقيّة ومجلاّت برازيليّة ونشرت له رسالة إلى ميّ زيادة ورسالة إلى جبران، وتوثّقت عُرى الصداقة بين فارس وبين ميّ زيادة ودامت هذه الصداقة طويلاً وبينهما رسائل متبادلة في التشجّيع والنّقد والصَّحافة، ولم يتركها في محنها حتى يوم إتَّهمتْ بالجنُّون، وكاتب مصطفى صادق الرافعي وتعرّف إليه كما أن أحمد حسن الزيّات زاره

مؤلـفـاته
كما يقول فليكس فارس في مستهلِّ كتابه (هكذا تكلّم زرادشت) المطبوع في الاسكندرية سنة 1938 فانّ مؤلفاته هي :

1 - رسالة المنّبر الى الشرق العربي.

2 - هكذا تكلّم زرادشت - تأليف الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه - مترجمة.

3 - اعترافات فتى العصر، تأليف الفرد دي موسّيه - مُترجمة وقد أُعيد طبعها.

4 - رواية الحبُّ الصادق -

5 - شرف وهيام -

6 - النجوى إلى نساء سوريا

وكذلك للشاعر المؤلفات التالية

1 - المراحل : سياسة وأدب واجتماع.

2 - القيثارة : ديوان شعر.

3 - قلعة حلب - وكتب أخرى.

4 - الأحرار في الشّرق - بالعربيّة.

5 - الأحرار في الشرق - بالفرنسية.

6 - رؤى متصوِّف عربّي - بالفرنسيّة.

7 - من إلهام الشّرق - بالفرنسيّة.

8 - من حدائق الغرب - مُختارات - مُتّرجمة.

9 - بين عهدين. قبل الاحتلال وبعده.

10 - أمام المحاكم : الإجرام والقانون.

11 - الأغلال : مسرحية متّرجمة.

12 - ثورة أثينا : مسرحية شعريّة نثريّة.

13 - حديث الأزهار

توفي فليكس فارس في 27 حزيران 1939 بمصر على اثر مرض أصابه، ونقل جثمانه إلى لبنان في 12 تموز من السنة ذاتها ودفن في لبنان
ومن جميل قصائده هذه القصيدة في الرثاء \

هذه أَرْبُعي، وهذي القبورُ
يا لَقومي أين الدفين القريرُ

أين «شكري» ينام في أرض لبنا
نَ، فيحلو له الرقاد الأخير؟

في ظلام الدير القديم، على دَوْ
حَيْه تبكي أزاهرٌ وطيور

ومن اللحد عطفةٌ، وحنانٌ
ومن التُّرب مؤنسٌ وسمير

حيث ريحُ الجبال صرخةُ مفجو
عٍ صداها في الواديين الهدير

عفتِ الدور في البلاد فما في
ـها قطينٌ، والآن تعفو القبور

أوحشتنا حتى العظام البوالي
أروعُ الهجر مدفنٌ مهجور

قد يُشاد الربع المهدَّم لكنْ
نَ عفاءَ القبور بئسَ النذير

عصفت زعزعُ المذلة في الوُكْ
ـنِ المعلّى، فما تعود النُّسور

حلّقت في جوانب الأفق، يحدو
ها إلى الجِدّ جرحُها المستور

تحمل الضيمَ لا تسفّ، ولا يَلْـ
ـوي لريحٍ جناحُها المكسور





*******************************














بشارة الخوري
الاخطل الصغير


ولد بشارة بن عبد الله الخوري المعروف بالاخطل الصغيرببيروت لبنان سنة \1885 وكني بها تيمنا بالشاعرالاموي
الاخطل التغلبي
تلقى تعليمه الأولي في الكتاب ثم أكمل دراسته الاولية في مدرسة الحكمة ثم في مدرسة الفرير.
أنشأ عام 1908 جريدة البرق وقد توقفت هذه الصحيفة عن الصدورطوعيا وحسب رغبة صاحبها اثناء الحرب العالمية الاولى 1914 – 1918 ثم عادت للصدور واستمرت في الصدور حتى بداية عام 1933،حيث أغلقتها السلطات الفرنسية وألغت امتيازها نهائياً.
اصبح نقيا للصحفيين في لبنان في ظل الاستعمار الفرنسي سنة \1928
اسس( حزب الشبية اللبناني ) وهوحزب سياسي يهدف الى تحريرواستقلال لبنان وطرد الاستعمار الفرنسي منها
كانت حياته سلسلة من المعارك الأدبية والسياسية نذر خلالها قلمه وشعره للدفاع عن أمته وإيقاظ هممها ضد الاستعمار والصهيونية، وكانت اللغة العربية ديدنه ومدار اعتزازه وفخره. )،
لقب بشارة الخوري اضافة الى لقبه الاخطل الصغير بلقب اخر حيث لقب ب(شاعرالهوى والشباب ) بعد ان انشد رائعته او قصيدته ( الهوى والشباب )
أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال.
اصبح بشارة الخوري مرتين رئيس وزراء لبنان أثناء الانتداب الفرنسي 0
الأولى كانت من 5 حزيران \ 1927 لغاية 10 اب \ 1928
الثانية من 9 حزيران \ 1929 لغاية 11 تشرين الاول 1929).
تم انتخابة رئيسا لبلدية برج حمود في عام 1930
أسس سنة 1932 الكتلة الدستورية التي تحولت إلى حزب سياسي عام \ 1955.
و في الحادي والعشرين من شهر ايلول \ 1943 إنتخب رئيساً للبنان وبقي رئيسا للجمهوية اللبنانية لمدة اقل ثلاثة اشهر0
اعتقل في 11 تشرين الثاني 1943 من قبل الفرنسيين مع الرئيس رياض الصلح وعدد من أعضاء حكومتهم في قلعة راشيا وذلك بسبب طلبهم الاستقلال عن فرنسا فثار الشعب في لبنان فاضطر الفرنسيون في آخر الأمر على الافراج عنهما والاعتراف باستقلال لبنان بعد عشرة ايام من اعتقاله واعلن استقلال لبنان في يوم اطلاق سراحه وبقية المناضلين في لبان ضد الاستعمارالفرنسي في يوم 22 تشرين الثامي من سنة 1943 ثم انتخب بعدها رئيساً للجمهورية فكان أول رئيس للبنان بعد الاستقلال. أ اصدر مع رياض الصلح الميثاق الوطني الذي نظم أسس الحكم في لبنان.
شهد عهده الذي إستمر مدة تسع سنوات توالي 15 حكومة و9 رؤساء حكومات. وفي عهده شهدت العرب حرب فلسطين \عام 1948 واحتلالها من قبل الصهيونية والعالمية واليهود وهذه شذرات من قصيدته في ذكرى حرب فلسطين \

سائل العلياء عنا والزمانا
هل خفرنا ذمة مذ عرفا نا

المروءات التي كانت بنا
لم تزل تجري سعيرا في دمانا

ضجت الصحراء تشكو عريها
فكسوناها زئيرا ود خا نا

ضحك المجد لنا لما رءانا
يد م الابطال مصبوغا لوانا

عرس الاحرار ان يسقى العدى
اكؤسا حمرا وانغاما حز ا نا

ومن العدل لديهم ا ننا
نزرع النصر ويجنيه سوانا

كلما لوحت بالذكر لهم
اوسعوا القول طلاءا ودهانا

ياجهاد ا صفق المجد له
لبس الغا ر عليه الا ر جوانا

يا فلسطين التي كدنا لما
كابدته من اسى ننسى اسا نا

نحن يااخت على العهد الذي
قد رضعناه من المهد كلا نا

شرف للموت ان نطعمه
انفسا جبارة تاءبى الهوا نا

انما الموت الذي ماتوا له
حقنا نمشي اليه اين كا نا



. ثم في عام\ 1952 أجبر على الاستقالة بعد مظاهرات ضخمة بعد اتهامه بالفساد.
انتشرت شهرته لتشمل كل ابناء الاقطار العربية شرقا وغربا وقد كرم عدة مرات في لبنان وفي القاهرة ولقب باميرالشعراء بعد وفاة الشاعر احمد شوقي في حفل بهيج أنشد فيه قصيدته الرئعة وقد تبين فيها مفهومه للشعر منها قوله:

شعر كما شاءه الإبداع مبتكر
تدفقت فيه أمواج من الصور
غنى العروبة الحانا مجنحة
من دمعه الليل أو من بسمة السحر
من سحر لبنان، من شلال قمته
وما تسلسل من آياته الكبر

توفي شاعر الهوى والشباب بشارة الخوري او الاخطل الصغير. في بيروت عام \ 1968
اتسم شعره بالأصالة، وقوة السبك ، وجزالة الأسلوب، وانتقاء العبارة، ووضوح الصورة الشعرية وطرافتها ، و تنوع الأغراض التي كتب فيها وتعددها.
تأثر الأخطل الصغير بحركات التجديد في الشعر العربي المعاصر ويمتاز شعره بالغنائية الرقيقة والكلمة المختارة بعناية فائقة. وان سر فنه الشعري جاء تلك الحيوية التي تمتاز بالعاطفة الشاعرية التي تمتزج بالحروف فتنسج منها قصيدة مشرقة الالوان والظلال، وتستوحي من المعاني صورا شعرية في غاية البداعة والنضوج 0.
تغنى الفنانون العرب في شعره كثيرا اطرب الناس وحببه اليهم ومنها هذه الابيات التي تغنى بها محمد عبد الوهاب اميرالغناء العربي \

جفنه علم الغزل
ومن العلم ما قتل

فحرقنا نفوسنا
في جحيم من القبل

ونشدنا ، ولم نزل ،
حلم الحب والشباب

حلم الزهر والندى
حلم اللهو والشراب

هاتها من يد الرضى
جرعة تبعث الجنون

كيف يشكو من الظما
من له هذه العيون

يا حبيبي ، أكلما
ضمنا للهوي مكان

أشعلوا النار حولنا
فغدونا لها دخان

قل لمن لام في الهوي ،
هكذا أحسن قد أمر

إن عشيقنا ... فعذرنا
أن في وجهنا نظر

كما غنت له المطربة اللبنانية المشهورة فيروز ذات الصوت الملائكي الناعم الشجي قصيدته ( يبكي ويضحك ) ومنها هذه الابيات

يـبـكـي ويـضـحـك لاحـزنـاً ولا فـرحـا
كـعاشقٍ خـطَّ سطراً في الهوى ومحا

من بسمة النجم همس في قصائده
ومـن مـخالـسـه الـضّـبـي الذي سـنحا

قـلبٌ تــمـرس بــاللـذات وهــو فـتـى
كـبـرعـم لـمـسـتـه الريـح فـانفتحا

مـاللأقاحية السـمراء قـد صـرفت
عـنّـا هـواهـا؟أرق الـحسن مـاسمحا

لو كـنت تدرين مـا ألقاه مـن شـجن
لـكنت أرفـق مـن آسـى ومـن صفحا
ومن قصائده المغناة ايضا هذه القصيدة

يـاعاقد الـحاجبين
على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي
قـتلتني مـرتين
مـاذا يـريبك مني
ومـاهممت بـشين
أصُـفرةٌ في جبيني
أم رعشة في اليدين
تَـمر قـفز غزالٍ
بين الرصيف وبيني
وما نصبت شباكي
ولا أذنت لـعيني
تـبدو كأن لاتراني
ومـلء عينك عيني
ومـثل فعلك فعلي
ويلي من الأحمقين
مولاي لم تبق مني
حـياً سوى رمقين
صبرت حتى براني
وجدي وقرب حيني
ستحرم الشعر مني
وليس هـذا بهين
أخاف تدعو القوافي
عليك في المشرقين
»

صدر له ديوان الهوى والشباب عام\ 1953.
و ديوان شعر الأخطل الصغير عام\ 1961.
كانت قصيدة الهوى والشباب التي كانت عنوانا لاحد دوا وين الشاعر هي اقرب إلى شعر اللوعة والتحسر وما يختلج في القلب من عاطفة تهز القلب هزا عنيفا فهو يخاطب فيها قلبه مرة وحبيبه مرة ويكاد اليأس يغلبه حين يقول:

الهوى والشباب والأمل المنشود
توحي فتبعث الشعر حيّا

الهوى والشباب والامل المنشود
ضاعت جميعها من يديّا

يا أيها الخافق المعذب يا قلبي
نزحت الدموع من مقلتيّا

فحتم على إرسال دمعي
كلما لاح بارق في محيّا

حبيبي لأجل عينيك ما القى
وما أول الوشا عليّا

أأنا العاشق الوحيد لتلقي
تبعات الهوى على كتفيّا

وكثير غير الذي ذكر من قصائده مغناة من قبل اشهر المطربين العرب من امثال محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش وفيروز ونرجس شوقي ووديع الصافي والمطربة العراقية عفيفة اسكندر وغيرهم




******************************






حافظ جميل


ولد حافظ جميل ببغداد عام \ 1908من أسره عريقه محافظه, فنشأ فى بيئة محافظة متزمتة شديدة التزمت . درس اللغه العربية ونحوها وبلاغتها وصرفها والادب العربى على يد\
الاستاذ منيرالقاضي
قرض الشعر صبيا حيث أصدر مجموعته الشعرية الاولى وهو لايزال على مقاعد الدراسه الثانويه, وقد اسماها ( الجميليات )
سافر عندما بلغ السنة السابعه عشر من عمره الى لبنان وسكن في بيروت. حيث درس فى الجامعه الامريكيه وأنصرف الى دراسة العلوم فتفتحت لديه آفاق عديده وعوالم جديده لم يألفها فى بغداد ولم يشهد مثيلها فى بيئته المحافظه فمما شاهده وانبهر به شارك الفتيات الدراسة الجامعية و فى الاندية والمجتمعات ورأى معالم الحضاره بحلاوتها ومرا رتها ¸كما شاهد كؤوس الخمر تدار وحلقات الرقص تنتظم قأنطلق من روح الشباب المحروم الى افاق اوسع فنظم أجمل القصائد فى المرأة. عندما كان طالبا في الجامعه الامريكيه فى لبنان ومنها قصائد( ياتين يارمان ياعنب) و(بائعة الورد) وغيرهما من القصائد الغزليه حيث يقول \
ياتين ياتوت يارمان ياعنب ياخير
ما أجنت الأغصان والكث
ويناجى الكاس و الراح ويرى في الخمره العلاج ااشافي و دواء لكل كلوم النفس واوجاعها الخفية فينشد قائلا؛
ألامل كان أعظمني شقاءا
وأكثرني بلا سكر عناءا
وأنزلني على أحكام دهر
قضى أن لا أرد له قضاءا
عاد حافظ جميل الى بغداد بعد أن أنهى دراسته فى بيروت والتحق بسلك التدريس , لكن حياته بقيت تتجاذبها عوامل متباينة ومتناقضه , بقى متقيد ا بالاصل العربى الاصيل فى مبانيه ومعانيه جامعا بين القديم و الحداثة من شعراء العرب الاقدمين وشعراء النهضه العربية الحديثه . حافظ جميل درس الادب الانكليزى وفنونه الا أنه لم يتأثر شعره به و بصوره الشعرية لذا بقي شعره بعيدا عن التطور و الثقافة الغربية حيث لم يحاول أن يصنع أساليبه بما تقتضيه حالة التغير .وبقي ينسج حلته الشعرية بمنوال الشعرالعربي وا ساليبه الشعرية القديمة والحديثة وينسج القصيدة وفق المفهوم العربي الخالص
الشاعر حافظ جميل سريع البديهيه طويل النفس كثير تصحيح شعره والرجوع اليه لينقد القصيدة التى ينظمها نقدا قاسيا ويزن كلماتها وأبياتها وفق الميزان الشعري كما يوزن الذهب الخالص في ميزانه و كما كان يفعل زهير بن أبى سلمى فى حولياته ومروان بن أبى حفص فى مديحه , وكما كان يفعل الشاعر الاديب الفرنسى غوستاف فلوبير صاحب التربيه العاطفيه, وقد تأثر حافظ جميل بشعر أبى نؤاس وأبن الرومى والمتنبى 0
ا شتهر حافظ جميل بغزلياته وخمرياته التى يعبر فيها عن قلب فتى شبابي لايؤمن بالهرم وشعور لايعرف الشيخوخة , وعاطفه مرهفة جياشة تحكي حكايا الشباب في ساعة هرمها و كهولتها 0 و عاش سن الكهولة بالأمال وليترقب(ليالى لبنان) ويحن الى الكأس وهو يقول؛
حبب بما يحلو لديك وسلمى
بالعين ان أحببت اوبالمبسم
حسب الحبيبة لحظهاأن سلمت
وشفاها ان أومأت لمسلم
ويكتب عن الشوق الى الحبيبه قائلا؛
ماذا أراد على اكتئا ب
ان كان مابى فوق مابك؟
ويسخط لجفاء الحبيبة ان هجرته او صدت عنه فيخاطبها قائلا؛
ودعت عهدك وانتهيت
وخرجت منه بما اكتفيت
ويناجى الكاس و الراح ويرى في الخمرة العلاج ااشافي و دواء لكل كلوم النفس فينشد قائلا؛
ألامل كان أعظمني شقاءا
وأكثرني بلا سكر عناءا
وأنزلني على أحكام دهر
قضى أن لا أرد له قضاءا
وشعر حافظ جميل بعد ذلك في لبنان وفى بغداد سائر على الالسنه, محبب الى القلوب فبغداد ولدته وفيها كل ذكريات الطفوله الجميلة ونشأته وصباه, فلا غرابة أن يخاطبها ويتغزل بجمال عشيقة طفولته وصباه فيخاطبها قائلا \
لغيرك يابغداد لم يهف جانحي
ولا شاقني في ظلك أن أشدو
ولاطاب لي في غير دجلة مرتع
ولا لذ لي فى غير شاطئها ند
________________________________________
حافظ جميل لا يعترف بالهرم ولا يودع الحب و الشباب وهو في سن الستين سن الشيخوخة له الكثير من القصائد في الحب والشاعر أصبح مراهقا بعد سن الستين حيث قال؛
مالى أهيم ولات حين هيام
أيكون في الستين بدء غرامي
أما لبنان فهو المرتع الروحى له لا يفتأ يشيد بمحاسنه ومحامده فكان كهف مشيبه وهو يقول؛
در الدمع الملح يزيد وكفا
فمالك غير لبنان وتشفى.......
أظلت في الشباب فكان وكنا
وحطك في المشيب فكان كهفا
ومن لك في النوازل ان ألمت
بأرعى دمه منه وأوفى
ويقول في لبنان؛
يقولون ماشأني ولبنان كلما
تغنيت فيه جن في الشعر شيطاني
فقلت هبوني فخر بغداد محتدا
ممن غير لبنان رعاني ورباني
ومن غير لبنان ادا ما وهبته حياتي
أحال الارز قبرا فواراني؟
للشاعر حافظ جميل صدرت ثلاثة دواوين منها؛
نبض الوجدان,
اللهب المقفى,
الجميليات.. وفيها شعر الصبا والشباب
وهذه بعض ابيات من قصيدته (صرخه الشريد) ؛
أشكوى مارفعت أم احتجاجا
وحد السيف خيرهما علاجا
تحلم قبلك المطبوع جهلا
فزاد جهاله الباغي لجاجا
وهل ترك التلملم منك آخدي
وأكثر منك للشر أحتياجا
كفى باللين في معوج طبع
يظل يزيده اللين اعوجاجا
وهل يتألم الشرير طبعا
وهل تتبدل الافعى مزجا
ويقول في قصيدة اخرى
من زيف الناس أخلاقا وأيمانا
وصبر الراهب الزميت شيطانا
حلاوة المال لم تترك لدي ورع
دينا ولا لرقيق القلب وجدانا
ويقول ايضا \
هات صهباءك ياخمار هات
أأخاف الموت حبا ...الحياة
ولمن أحيا وعمري أن يطل
فهو بالساعات لا بالسنوات
ولمن أصحو لعمر الذى
أحتمي سكرا به من سكراتي
حبذا اليوم الدي اقطعه
بين خمر وقان .........وسقاة
تقدم العمر بالشاعر حافظ جميل و بعد ان احيل على التقاعد عاش في شيخوخة هادئة هانئة الى أن وفاه الاجل في يوم الجمعه الرابع من أيار سنة \1984 في بغداد بعد ان ناهز الثمانين عاما ومن جميل شعره هذه القصيدةبعنوان ( اللغة العربية )




رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
ونا ديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت فلما لم أجد لعرائـــســـي
رجـالاً وأكـفــاءً وأدت بـنـــاتي

وسعت كتاب الله لفظاً وغــايــة
وما ضقت عن آيٍ به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماءٍ لـمخـتـرعــات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
ومنكم، وإن عـز الـدواء، أسـاتـي

أيطربكم من جانب الغرب ناعب
ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟
!
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً
من القبر يـدنـيـني بغـيـر أناة!!

وأسمع للكتاب في مصر ضجةً
فـأعـلــم أن الصائحـيـن نعاتي!!

أيهجرني قومي عفا الله عنهم
إلى لـغــة لــم تـتـصل بـــرواة؟
!
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى
لُعَابُ الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوبٍ ضم سبعين رقعة
مُشَكَّلَةَ الألـوان مـخـتـلـفــــــات

إلى معشر الكتاب والجمع حافل
بسطت رجائي بعد بسط شَكَاتِي

فإما حياة تبعث الميت في البلى
وتُبْنِتُ في تلك الرموس رفاتي

وإما مــمات لا قـــيــامــة بعـــده
مــمات لعمري لم يُقَــسْ بممـات




*******************************************

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق