الاثنين، 27 فبراير، 2012

الموجز في الشعر العربي- الجزء الثالث تاليف فالح نصيف الحجية

فالح نصيف الحجية
الكيلاني



الموجز في الشعر العربي


الجزء الثالث

دراسة في العصور\ عصر الفترة الراكدة والحديث





نشر على الانترنيت في موقعي\
اسلام سيفلايزيشن ( الحضارة الاسلامية )والمدونة الالكترونية
www falih blogger . Com) )































































الباب السابع

الشعر العربي في العصور الراكدة
او المظلمة


الفصل الاول- الاوضاع السياسية والاجتماعية
الفصل الثاني - االشعر في الفترة الراكدة او المظلمة
الفصل الثالث- الفنون الشعرية في الفترة المظلمة
الفص الرابع– من شعراء الفترة المظلمة
الفصل الجامس – نماذج من شعر هذه الفترة















الفصل الاول

الاوضاع السياسية والاجتماعية


التتر او المغول اقوام من اواسط اسيا ومن هضبة الصين وغربيها ومسكنهم الاصلي في مدن يأجوج ومأجوج في الصين او هكذا يخيل الي تجمعوا بقيادة ملكهم هولاكو ضاقت عليهم سبل العيش في بلادهم فغزوا العالم .

يتميزون بوحشية عنيفة وحب للقتل والموت ويفرحهم رؤية الدماء تسيل والارواح تزهق بين ايديهم . قلوبهم قاسية قساوة الدهر عليهم فصبوا جام غضبهم وحقدهم على البشرية.

قادهم هولاكو باتجاه الغرب فعاثوا في الارض الفساد وحل القتل والدمار في البلاد اينما توجهوا فنهبوا كل البلاد التي دخلوها من الهند الى مشارف البحرالمتوسط . دمروا البلاد ونهبوها وقتلوا العباد واكثروا فها الفساد
فقد احتلوا كل الامارات والممالك بين بلادهم والبحر المتوسط بما فيها خوارزم وسمرقند وبلاد ماوراء النهر وبلاد فارس والعراق والشام وكثير غيرها

دخل المغول بغداد سنة\ 656 هجرية و في هذا العام دخلها الخراب فاحرقوا الاموال و الممتلكات والمؤن وعاثوا في البلاد فسادا قتلا وتجويعا ودمارا وقد وصف المؤرخون ذلك خير وصف ولاحاجة لذكر مافعلوه فانه كله كان في الاخبار مسطورا

قيل ان من وحشيتهم احراق المكتبات والكتب ورميها في الانهر والشوارع والازقة وان دجلة بقيت سبعة اوعشرة ايا م تجري ماءا احمرا او اسودا لكثرة ما القي فيها من كتب ذابت احبارها وامتزجت بماء دجلة فتغيرت الوانها فاي وحشية هذه وكم من العلوم والاداب ذهبت وذابت فيها

دامت الفترة المظلمة – كما يسميها المؤرخون- قرابة السبعة قرون من منتصف القرن السابع الهجري الى القرن الثالث بعد الالف هجرية حكم البلاد العربية المغول والفرس والترك العثمانيين وشكلوا دويلات كثيرة تقاتلت فيما بينها وكان اهالي البلاد واموالهم واحوالهم اصبحوا وقود هذه النار فدمرت كل مالديهم من ممتلكات واحرقت الحرث والنسل واشتد بالناس الفقر وغلب عليهم القحط حتى قيل ان الناس اخذت تنبش المزابل للبحث عن لقيمة لسد الرمق فاكلت الحيوانات النافقة او الميتة وبيعت الاعراض وهتكت الحرائر جراء لقمة العيش
وكتب التاريخ خير شاهد على ذلك.




-------------------------------------



















الفصل الثاني

الشعر في الفترة المظلمة او الراكدة

1- الشعر في العصر المغولي

استولى التتار المغول على البلاد وجثموا على رقاب الناس بعد اذاقوهم العذاب الشديد فقيد هذا الاستيلاء السنتهم واسكتها و جمد عقولهم و قرائحهم جمودا شديدا فلم ينبغ من الشعراء من يستحق الذكر في داخل مملكة التتار الا خارجها وخاصة في مصر وسوريا اذ لاتخلو البلاد الاخرى من شعراء مجيدين الاانه بالاجمال يمكن القول ان حالة الشعر اصابها الخمول او الجمود وان وجدت في شخصية معينة اوفي بلد ما فقد اصبح الشعر صناعة لفظية
من سمات هذا العصر ان اختلط الشعر بالادب وقلما ظهر شاعر الا جمع الشعر والادب لذا فقد الفت الكتب في الادب وجمع الشعر ومافيه وحتى النكات والحكم والمواعظ وابتذلت الصناعة الشعرية وانتشرت بين الناس فتبارى الناس بينهم على قول الشعرالمصنوع وحشرت الكلمات حشرا في قوالب الشعر وموازينه حتى اصبح الشعر يقال لقتل ساعات الفراغ وكثر الناظمون من اصحاب الحرف كالنجارين والخياطين والدهانين والعطارين وما اليهم وعلى العموم كان الشعر كاسدا ويقال للتسلية فقط فاذا نبغ شاعر ممن يقولون الشعرالجيد فلايجد اذنا صاغية اليه ولا يوجد من يشجعه اويسمعه من الخلفاء والامراء فيشحذ قريحته وليهجر مهنته لذا يبقى في مهنته وسبيل عيشه اضافة الى قوله الشعر اوقل نظمه الشعر واذا ظهر وان قرب احد الخلفاء او الملوك او الامراء شاعرا فانهم يقربونه ليؤلف لهم الكتب في التاريخ او الادب او العلوم الاسلامية وليست يقرب لشعره لذا فقد كسدت سوق الشعر
وفي هذا العصر ونتيجة للظروف القاسية التي المت بالشعراء فقد وجد ضرب من الشعر اقتضته تلك الظروف ونشأ من فساد اللغة الفصحى الذي استشرى نتيجة اختلاط اهل البلاد بالاعاجم فتولدت طبقة من الشعراء نستطيع ان نطلق عليهم المستعجمة عن اللغة العربية الفصحى لدخول الالفاظ العامية في شعرهم وبخلوه من الاعراب

في المغرب العربي في تونس والجزائر والمغرب اشتهرت طوائف من هؤلاء ويسمون قصائدهم الاصمعيات واهل مصر والشام يسمونها البدويات ومنها هذين البيتين \

تقول فتاة الحي سعدى وهاضها
لها في ظعون الباكين عويل

ايا سائلي عن قبر الزناتي خليفه
خذ النعت منى لا تكون هبيل

وقد تولدت ضروب من الشعر كثير ة منها المربع والمخمس الذي يلتزم فيه القافية الرابعة في المربع والخامسة في المخمس وكذلك ظهر ما يسمى عروض البلد وهو ضرب من الموشح كقول ابن عمير الاندلسي الذي هاجرالى المغرب وسكن مدينة فاس ونشر شعره \

ابكاني بشاطي النهر نوح الحمام
على الغصن في البستان قرب الصباح

وكف السحر يمحوا مداد الظلام
وماء الندى يجري بثغر الاقا ح

فاستحسنه اهل فاس ونظموا على طريقته مع اغفال الاعراب او قواعد اللغة في نظمهم واختلفت الاسماء فيه مثل الكاري والملعبة والغزل ومن المزدوج قول شاعرهم ابن شجاع وهو من فحول شعرائهم \

المال زينة الدنيا وعز النفوس
يبهي وجوها ليس هي باهيا

فها كل هو كثير الفلو س
ولوه الكلا م والرتب العالية


وهذ النظم كثير الشبه بنظم العامة في الشام ومنها انتقل الى مصر ويقال له المواليا ومنها القوما والكان كان وغيره من الاسماء الاخرى ومنها مايسمى باسماء اخىر مثل الدوبيت ومنه قول الشاعر

طرقت باب الخبا قالت من الطارق
فقلت مفتون لا ناهب ولا سارق

تبسمت لاح لي من ثغرها بارق
رجعت حيران في بحر ادمعي غارق


وكذلك ظهر التاريخ الشعري وهو ضبط تاريخ معين لواقعة او حادثة معينة يريد الشاعر ان يثبت تاريخها وخاصة في القرون المتاخرة من هذا العصر واستمر في العهد العثماني وكثر وهو اتخاذ حساب الجمل والحروف اساسا في قيمةهذه الحروف الحسابية اذ وضع السريان والعبريون لحروفهم اقياما حسابية ونتيجة جمع هذه الحروف يظهر التاريخ المطلوب وهذا ما استخد مه اهل الحسا ب في صدر الاسلام كانوا يستخدمون الحروف العربية ويرمزون لكل حرف عدد معينا وهو ما استخدمه المنجمون بكثره في زمن الدولة العباسية ولاءيضاح ذلك - فان حرف الهمزة ا اتبتواله قيمة حسابية \ 1 والباء \2 والتاء\3

وهكذا ومنهم من استخدم حساب الجمل الصغير وحساب الجمل الكبير وهذا ما استخدمه اصحاب التنجيم والحظ والابراج والسحرة وغيرهم
ولايزال لحد هذا التاريخ موجودا فاذا ا ردت ان تعرف برجك ولا تعرف تاريخ ميلادك فما عليك الاان تقيد اسمك واسم امك وتحسب قيمة احرفهما جمعا ثم تقسم مجموع قيمة الحروف على 12 والباقي من خارج القسمة هو برجك واعتذر ان خرجت عن الموضوع قليلا فهوفقط للتسلية او الاستراحة


-------------------------------


الشعر في العصرالعثماني

اصاب الشعر الوهن او الضعف بل اوشك ان يموت مثلما اصاب سائر الاداب العربية فاستولى الجمود على قرائح ا لشعراء وذلك لتوالي الذل والهوان على البلاد في هذه الفترة ايضا الا انه وجد قلة من الشعراء المجيدين ومع ذلك كانت هذه الاجادة تقليدية ساروا بها على نهج الاقدمين من الشعراء يقلدونهم في الاساليب و المعا ني والالفاظ وكثر اهتمامهم باللفظ فقط حتى اصبح الشاعر لايهمه شيء الا التنميق في العبارة اوفي البيت الشعري لفظا فقط لذا كثر الجناس في الشعر والمطابقة والتورية وغيرها من المحسنات البلاغية اللفظية حتى خرج الشعراء فيها عن المألوف فاضاعوا اوقاتهم في الركض اواللهاث وراء تنميق الالفاظ فذهبت المعاني الشعرية وتلاشت في تلك الاساليب الباردة واختلفت عن الامر الذي قصدت لاجله فبعد ان كان الشعر المتين هو المرا د و بالالفاظ التعبير عن المعاني وتصوير الافكار وما يعتمل في النفوس والافئدة بها اصبحت الشغل الشاغل للشعراء والادباءفي هذا العصر فاهتموا بتنميق اللفظ المقال على حساب المعنى المراد
فاضاعوا المعا ني وهبط الكلام


- *****************



الفصل الثالث




الفنون الشعرية في الفترة المظلمة

ان الشعر في القرن الاول لفترة حكم المغول كان جيدا قوي الاسلوب والسبك ويتميز باخيلة جيدة ففي هذه الفترة نضج الفكر العربي في الاداب والفنون وبما كانت عليه الحالة في العصر العباسي الثاني وفي كل امور الثقافة الاان اغلب الشعراء قتلوا او تشردوا خوف القتل فاقفرت الحالة وانتكست الامور بخراب البلاد
لقد كتب الشعراء في هذا العصر في معظم أغراض الشعر العربي وأضافوا ما استجد في عصرهم من قضايا أخرى، وأهم هذه الأغراض:
1- الحماسة :
-----------------------

كان لشعر الحماسة المنزلة العظيمة بسبب الصراع القائم بين العرب المسلمين مع الفرنجة والتتار إذ أن الشعراء حملوا على عاتقهم مهمة تحميس الجند من أجل الجهاد ، وكانت المعارك التي وقعت بين المسلمين من جهة والتتار والصليبين من جهة ثانية مادة حية لهذه الأشعار والمتصفح لشعر الجهاد في هذا العصر يجد كماً كبيراً من الأشعار بعضها يبكي سقوط الخلافة، وبعضها يدعو إلى الجهاد من أجل استعادتها
من ذلك قول تقي الدين اسماعيل التنوخي:

لسائل الدمع عن بغداد أخبارُ

فما وقوفك والأحباب قد ساروا

تاج الخلافة والربع الذي سرُفت

به المعالم قد عفّاه إقفارُ

ومن ذلك أيضاً قول شهاب الدين محمود الكوفي:

إن لم تقرح أدمعي أجفاني
من بعد بعدكم فما أجفاني

إنسان عيني مذ تناءت داركم
ما راقه نظر إلى إنسان

كان الزنكيون والأيوبيون قد تولوا عبء الصراع مع الفرنجة ، و المماليك قد تولوا عبء الدفاع ومنازلة المغول ، وقد استطاع الملك المملوكي قطز أن يقضي على المغول ويردّ زحفهم بعد أن احتلوا حلب وحماة ودمشق ، وقد قام قطز بقتل رسل المغول الذين جاؤوا يدعونه إلى الاستسلام ، وكانت( عين جالوت) المعركة الحاسمة إذ اعتبرت من أهم معارك المسلمين ، ومثلها مثل معركة اليرموك و القادسية والزلاقة، ومن الشعراء الذين ارخوا لتلك الفترة الشاعر شرف الدين الأنصاري في مدح المنصور الثاني:

جرّدت يوم الأربعاء عزيمة
خفيت عواقبها عن الإدراك

وأقمت في يوم الخميس مبالغاً
في الجمع بين طوائف الأتراك

قعّدت أبطال التتار بصولةٍ
تركهم كالصّيد في الأشراك

وهذا ايضاً على الفرنجة و المغول، وقد قضى في إحدى المعارك على ثلاثة آلاف منهم وذلك في الجزيرة (671هـ) :

سر حيث شئت لم المهيمن جار
واحكم فطوع مرادك الأقدار

حملتك أمواج الفرات ومن رأى
بحراً سواك تقله الأنهار

وقد فتح المماليك بعد الظاهر بيبرس بزعامة المنصور قلاوون طرابلس الشام، وبناها من جديد بعد أن خربها التتار وفتحت (عكا )من قبل الأشرف خليل ابن منصور قلاوون.

ولمّا هاجم الفرنجة الاسكندرية عام (767هـ) وأسروا ونهبوا وقتلوا قسماً كبيراً منها، رثى شهاب الدين ابن مجلة هذا الثغر قائلاً:

أتاها من الإفرنج ستون مركباً
وضاقت بها العربان في البرّ والبحر

أتوا نحوها هجماً على حين غفلة
وباعهم في الحرب يصر عن فتر

وقد صور شعر الحماسة الأحداث العامة في ذلك العصر وعبّر عن الآلام والآمال واتجه نحو التصنع والتلاعب اللفظي، وقد كان شعراء ذلك العصر يشعرون بالغربة في أوطانهم الا أن العواطف في شعر ذلك العصر كانت صادقة بسبب الأحداث الجليلة الجسام


2- المديح:
------------------

ويتضمن هذا الغرض أنواع عدة:

آ- المدائح النبوية:
-----------------------
المدائح النبوية هي تلك القصائد التي قيلت في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقد ساعد على ظهورها سوء الاحوال السياسية والاجتماعية وقلة موار د البلاد وتكالب الطامعين من الحكام والامراء والاخرين والاستحواذ على خيرات البلاد

وقد دفعت هذه العوامل الناس إلى الالتصاق بالدين والاستشفاع بالرسول لتفريج الكروب، وقد غذّي المماليك اتجاه الاحتفالات الدينية مما جعل هذا اللون من أنشط الألوان الأدبية.

وقد ذكر الشعراء معاني لهذه المدائح منها: أخبار الرسو صلى الله عليه وسلم – صفاته ومعجزاته- الحديث عن المدينة المنورة- ذكر آل البيت – ذكر الخلفاء الراشدين . من ذلك ما قاله البوصيري في قصيدته المشهورة :
أمن تذكر جيران بذي سلم
مرجت دمعاً جرى من مقلة بدم

أم هبّت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ
وأومض البرق في الظلماء ومن إضم

وقد حذّر الشاعر في قصيدته من هوى النفس فقال:

النفس كالطفل إن تهمله شبّ على
حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فاصرف هواها وحاذر أن توليه
إنّ الهوى ما تولّ يصم أو يصم


*************
ب- مدح الحكام والعظماء:
--------------------------

وقد سار هذا المدح على طريقة الأقدمين طلباً للعطاء والنوال ولبلوغ المراتب الوظيفية عند السلاطين ولن تقعد معانيه الشجاعة والكرم والحكم والعلم، وقد أغار شعراء هذا العصر على معاني غيرهم واستباحوا ورجعوا إلى ظاهرة الوقوف على الأطلال أو الغزل أو وصف الطبيعة.
يقول ابن نباته مادحاً الشهاب محمود الشاعر الذي كان من كبار الإنشاء وكاتب السر للملك :

إمامٌ إذا هزّ اليراع مفاخراً به
الدّهر قال الدهر لست هناكا

علوت فأدركت النجوم فصفتها
كلاماً ففقت القائلين بذاكا

***************************************

ج- مدح الأصدقاء والأقرباء:
-------------------------------

ان مدح الاصدقاء والاقرياء والمعارف غالباً ما يكون أقرب إلى الصدق وإن كانت المبالغات تغزو معانيه، وتسيطر عليه الصنعة البديعية، من ذلك ما مدح به ابن نباته صفي الدين الحلّي:

3- الرثاء:
------------------

نظراً للأحداث الجسام التي مرت على الأمة الإسلامية وما حصل من معارك نتج عنها الموت والقتل والتخريب فقد واصل شعراء هذا الغرض فن الرثاء، فقد برز في هذا الغرض ثلاثة أنواع:


1- المراثي الخاصة:
------------------

التي قيلت في أناس أعزاء على قلب الشاعر كما في رثاء يحيى شرف الدين لزوجه فاطمة بنت عبد الله المعروفةبالفضل والكرم .فيقول:

وما فاطمٌ إلاّ الحور أخرجت

لنعرف قدر الحور قمّت ردّت

ي رثاء صفي الدين الحلّي لعبدٍ مملوك له، ربّاه من صغره حتى صار كاتباً فطناً:

هدّ قلبي من كان يؤنس قلبي إذ نبذناه بالعراء سقيماً

ونأى يوسفي فقد هذبت عبد منا ي من حزنه وكنت كظيماً

2- المراثي العامة:

-------------------

وهي كثيرة تقوم على الإشادة بصفات المرثي وكريم مزاياه

من خلال المبالغة والصنعة من ذلك قول ابن نباته في
رثاء الملك المؤيّد:

ليت الحمام حبا الأيام موهبة ف فكان يفني بني الدنيا ويبقيه

لهفي على الخيل قد وقت صواهلها ح حقَّ العزا فهو يشبجيها وتشجيه




3- رثاء الممالك والمدن:
--------------------------

كما في رثاء بغداد التي سقطت بيد المغول:

إن لم تقرح أدمعي أجفاني
من بعد بعدكم فما أجفاني

إنسان عيني مذ تناءت داركم
فما راقه نظرٌ إلى إنسان

ومن ذلك أيضاً قول تقي الدين:

ناديت والسبي مهنوك يجرههم
إلى السّفّاح من الأعداء وعّار

يا للرجال لأحداث تحدثونها
بما غدا فيه إعذارٌ وإنذارٌ

وأيضاً قول بهاء الدين الهائي يرثي دمشق:

لهفي على تلك البروج وحسنها
حفّت بهن طوارق الحدثاني

كانت معاصم نهرها فضية
والآن صرن كذائب العقيان


4- الغزل:
----------------

هو غرض أكثر منه الشعراء في العصر المملوكي فأفردوه حيناً بقصائد مستقلة وجعلوه أحياناً في مطالع مدائحهم وقد كان هذا الغزل يطل برأسه من خلال العتاب والرضى والافتتان والشكوى تعبيراً عن المشاعر يحمل في طياته التقليد حيناً والتجديد أحياناً أخرى، وقد انطلق شعراء هذا العصر بغزلهم من مفاهيم جمالية تقليدية غالباً وتحدث الغزل عندهم عن:

آ- وصف محاسن الحبيب:
حيث شبّهوا وجهه بالبدر والشمس وشعره بالليل، ورحيق الثغر بالخمر، ونظرات العيون بالسهام والحواجب بالقسي، وقدّه بالرماح وصدغه بالعقربة. ومن ذلك ما قاله التلعفري:

لو تنعق الشمس قالت وهي صادقة م ما فيَّ فيها، وما فيَّ الذي فيها

هبني أماثلها نوراً وفرط سناً م من أين أملك معنى من معانيها

ب- وصف أحوال المحبين:
حيث جعلوا المحبّ يحزن بشوق وصبابة، وجعلوا المحبوبة قاسية ظالمة لا تلين، وجعلوا وصله أبعد من الثريا .

ج- الحديث عن الوشاة والرقباء:
ومتاعب وعثرات الحب حيث اتهموا العذال والوشاة بالبلادة، وجعلوا أعين الرقباء مخيفة نظارتها حاقدة وحاسدة، وذلك لينتهزوا الفرص و لينهلوا ما يطيب لهم.

د- الحديث عن الجمال التركي والمغولي والهندي والفارسي والإفرنجي والكردي والزنجي:
وتغيرت معايير الجمال من العيون النجلاء الحوراء إلى العيون الضيقة.

يقول ابن نباتة:

وحبيب إليّ يفعل فعال الأعداء بالأجداء

ضيق العين إن رنا واستمعنا وعناء تسمّع النجلاء

وأيضاً :

بهت العذول وقدر رأي ألحاظها
تركية تدع الحليم سفيهاً

فثنى الملام وقال دونك والأسى

هذي مضايق لست أدخل فيها

وكذلك وصفوا العيون الزرقاء كما في قول ابن نباته:

وأزرق العين يمضي حدّ مقلته
مثل السنان بقلب العاشق الحذر

قالت صبابة مشغوف بزرقتها
دعها سماويّة تمضي على قدر

هـ- الإعراض عن ذكر الأسماء التقليدية كليلى وزينب ورباب وسعدى وهند وأسماء إلى أسماء جديدة هي واقع الحال يقول ابن نباته:

على ضيّق العينين تسفح مقلتي
ويطربني لا زينب ورباب

فيارشأ الأتراك لاسرب عامر
فؤادي من سكني السكون خراب

و- الحديث عن زيارة طيف المحبوب وخياله في المنام واليقظة وفي ذلك يقول صفي الدين الحلّي:

ما بين طيفك والجفون تواعد
فيفي إذا خُيّرت أني راقد

إني لأطمع في الرُّقاد لأنه
شرده يصار به الغزال الشاردُ

5- أغراض شعرية مختلفة:
---------------------------

لقد كتب الشعراء في هذا العصر في أغراض شعرية مختلفة وهي:

1ً- الوصف :
-------------------

وقد تناول هذا الغرض الأحاسيس المرئية والباطنية حيث وصفوا المعارك وما يتعلق بها ، والطبيعة وما تحتوي عليه والمظاهر المدنية كالأسواق والولائم والشوق والألم وآلام الجوع وتقلبات الزمان.

يقول النواجي القاهري في وصف مخدة:

هي نفع ولذة للنفوس وحياة و راحة للجليس

كم نديم أراحته باتكاء وتواضعت عند رفع الرؤوس

ومن ذلك قول أحدهم:

عجبٌ عجيبٌ عجبٌ بقرة تمشي ولها ذنب

ويقول ابن نباته واصفاً الفقر :

أشكو إلى الله ما أقاسي من شدة الفقر والهوان

أصبحت من ذلةٍ وعُريٍ ما فيّ وافٍ سوى لساني



2ً- الهجاء :
------------------

وقد برز بصورته الفردية واختفى بصورته القلبية وركّز على العيون والمثالب ومزج السخرية بذلك.



3ً- الخمريات والمجون:
----------------------

وهو من تواصل ذكره في هذا العصر بعد أن انتشر شرب الخمور وأصبح نوعاً من التحضر والرقي ، ساعد على ذلك انتشار فلسفة انهزامية تدعوا إلى الاستمتاع بالحياة قبل زوالها بسبب ما حلَّ بإنسان ذلك العصر من تشريد وقتل وتدمير وخراب، وانتشرت مجالس الخمرة في الطبيعة وزال الحياء بحيث تقام هذه المجالس مصحوبة بالرقص والغناء في المنازل أو على برك الأنهار.

يقول الشاب الظريف:

ناوليني الكأس في الصّبح ثمّ غنّي لي على قدحي

واشغلي كفّيك في وترٍ لاتهدّيها إلى السّبح


4ً- الحنين والشكوى :
-------------------------
وقد كثر الحديث عن هذا الغرض بسبب انتشار الفقر والحرمان وتنكر الأصدقاء وغدر الزمان، يقول ابن نباته:

أشكو لأنعمك التي هي للعفاة سحائب

حالي التي يرثي العدوّ لها فكيف الصاحب



5ً- المطارحات والتهاني:
-------------------------
--
وقد كثرت هذه المناسبات فتبادل الشعراء قصائد الأخوّة والمحبة، من ذلك ما قاله شهاب الدين لابن نباته:

البرق في كانونه قد نفخ
والثلج في جيب الغوادي نفخ

قد زمجر الرعد بآفاقه
كأنه مما دهاه صرخ

فأجابه :

ما البرق في كانونه قد مدح
والغيم في كفّ الثريا قدح

أضوأ من ذهنك ناراً ولا أرق
من لفظك كأساً طفح

ً6- الطرديّات:
--------------


وهي قصائد كتبها الشعراء في الصيد و وصف الخيول والفهود والكلاب المدربة. يقول صفي الدين الحلّي في وصف صقر:

والطير في لجّ المياه تسري كأنها سفائن في بحر

حتى إذا لاذت بشاطئ النهر دعوت عبدي فأتى بصقري

من الغطاريف الثقال الحمر مستبعد الوحشة حجمّ الصّبر



7ً- الألغاز والآحاجي :
----------------------

وهي أبيات تحمل لغزاً من الألغاز أو أحجية من الأحاجي من ذلك ما قاله ابن نباته للغز في (علي):

أمولاي ما أسمٌ جليٌّ إذا تعوّض عن حرفه الأول

لك الوصف من شخصه سالماً فإن قلعت عينه فهو لي


8ً- الشعر التعليمي :
------------------------

وهو من المنظومات التي قالها العلماء في علوم الصرف والنحو والبلاغة والعروض والمنطق والحديث والصرف مثل ألفية ابن مالك في النحو والصرف:

كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم اسم ، وفعل ثم حرف الكلم



******************









الفصل الرابع

شعراء الفترة المظلمة

البوصيري


البوصيري هو محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري كان احد ابويه من بوصير مصر والاخر من دلاص فسماه بعض المورخين الدلا صيري ولكن نسبنه الصحيحة والتي اشتهر بها البوصيري نسبة الى بوصير

اشتغل موظفا في ببليبس بمصر وكان اماما عالما
وتوفي سنة \695 هجرية

من اهم قصائدة قصيدته في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتسمى البردة وقد اشتهر بها كثيرا ومكونة من 162 بيتا من الشعر مطلعها –

امن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وهذه القصيدة تعرف بالكواكب الدرية في مد خير البرية وقد شملت النفس وهواها ومدح الرسول الكريم صلىالله عليه وسلم ومولده ودعائه ومدح القران الكريم و والمعراج وفي جها د الرسول الكريم وفي الاستغفار وفي المناجاة
له قصائد اخرى منها نونيته التي مطلعها –

نقدت طوائف المستخدمينا
فلم ار بينهم رجلا امينا

وله قصيدة اخرى في مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على وزن قصيدة البردة لكعب بن زهير – بانت سعاد—ومن قصيدته الاولى نقتطف هذه الابيات :

مولاي صلي وسلم دائماً أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى
أن اشتكت قدماه الضر من ورم

وشدَّ من سغب أحشاءه وطوى
تحت الحجارة كشحاً مترف الأدم

وراودته الجبال الشم من ذهبٍ
عن نفسه فأراها أيما شمم

وأكدت زهده فيهاضرورته
إن الضرورة لا تعدو على العصم

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من
لولاه لمتخرج الدنيا من العدمِ

محمد سيد الكونين والثقلين
والفريقين من عرب ومن عجمِ

نبينا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ
أبر في قولِ لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذيترجى شفاعته
لكل هولٍ من الأهوال مقتحم

دعا إلى الله فالمستمسكون به
مستمسكون بحبلٍ غير منفصم

فاق النبيين في خلقٍ وفي خُلُقٍ
ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمسٌ
غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ

وواقفون لديه عند حدهم
من نقطة العلم أو من شكلة الحكم


فهوالذي ت م معناه وصورته
ثم اصطفاهحبيباً بارئُ النسم

منزهٌ عن شريكٍ في محاسنه
فجوهر الحسن فيه غير منقسم

دعما ادعثه النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

وانسب إلى ذاته ماشئت من شيء
وانسب إلى قدره ماشئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له
حد ٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم

لو ناسبت قدره آياته عظماً أحي
اسمه حين يدعى دارس الرمم

الميم تحنا بما تعيا العقول به
حرصاً علينا فلم نرْتب ولم نهمِ

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى
في القرب والبعد فيه غير منفحم

كالشمس تظهر للعينين من
صغيرةً وتكل الطرف من أمم

كيف يدرك في الدنيا حقيقته
قوم ٌ نيامٌ تسلوا عنه بالحلمِ

فمبلغ العلم فيه أنه بشرٌ
وأنه خير خلق الله كلهمِ

وكل آيٍ أتى الرسل الكرام بها
فإنما اتصلت من نوره بهم

فإنه شمس فضلٍ هم كواكبها
يظهرن أنوارها للناس في الظلم

أكرم بخلق نبي ّزانه خلقٌ
بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كالزهر في ترفٍ والبدر في شرف
والبحر في كرمٍ والدهر في همم

لا طيب يعدل تُرباً ضم أعظمهُ
طوبى لمنتشقٍ منه وملتثمِ


************************************



ابن نباته المصري
-----------------

هو جمال الدين ابو بكر محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي المصري ولد سنة\ 686 هجرية

وابن نباته كان شاعرا ناظما ناثرا له ديوا ن كبير مرتب على الحروف الهجائية وله ايضا قصيدة غزلية مشهورة اسماها سوق الرقيق

وله العديد من الكتب الاخرى منها القطر النباتي ومطلع الفرائد وسجع الطوق وتعليق الديوان في الشعر وله سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون وسير دول الملوك وتلطيف المزاج في شعر ابن الحجاج
توفي ابن نباتة المصري ستة 768 هجرية
ومن شعره هذه الابيات:


قام يرنو بمقلة ٍكحلاءِ علمتني الجنون بالسوداء

رشأٌ دبَّ في سوالفه النم لُ فهامت خواطرالشعراء

روض حسن غنى لنا فوقهُ الحل يُ فأهلاً بالروضة ِالغناء

جائر الحكم قلبه ليَصخرٌ وبكائي له بكى الخنساء

عذلوني على هواه ُفأغروا فهواه نصبٌ على الأغراء

من معيني على رشاً صرت من دموعي عليه مثل الرشاء

من معيني على لواعجحبّ تتلظى من أدمعي بالماء

وحبيبٍ اليّ يفعلُ بالقل بِ فعال الأعداء بالأعداء

ضيق العينِ ان رناواستمحنا وعناء تسمح البخلاء

ليتَ أعطافه ولو فيمنامٍ وعدت باستراقة ٍللقاء

يتثنى كقامة الغصن اللدّ ن ويعطو كالظبية الأدماء

ياشبيه الغصون رفقاًبصبّ نائح في الهوى مع الورقاء

يذكرُ العهدَ بالعقيق فيبكي لهواهُ بدمعة ٍحمراء

يالها دمعة ٌ على الخد ّحمرا ء بدت من سوداء في صفراء

فكأني حملت رنك بن أيو ب على وجنتي لفرط ولاء

ملك حافظ المناقب تروي راحتاه عن واصل عن عطاء

في معاليه للمديح اجتماعٌ كأبي جاد في اجتماع الهجاء

خلِّ كعباً ورم نداه فما كع بُ العطايا ورأسها بالسواء

وارجُ وعد المنى لديه فإسما عيلُ ما زال معد نا ًللوفاء

ما لك فيهِ في الثراءهدوّ فهو فيه كسابح في ماء

جمعت في فنائه الخيل والاب ل وفوداً أكرم بها من فناء

لو سكتنا عن مدحه مدحته بصهيل من حوله ورغاء

همة ٌ جازت السماكَ فلميع بأ مداها بالحاسد العوّاء

وندى ً يخجلُ السحابَ فيمشي من ورا جودهِ على استحياء

طالَ بيتُ الفخار منه على الشع ر فماذا يقولُ بيتُ الثناء

أعربت ذكرهُ مباني المعاني فعجبنا لمعربٍ ذي باء

ورقى صاعداً فلم يبقَ للحا سدِ إلا تنفسُ الصعداء

شرفٌ في تواضعٍ ونوالٌ في اعتذار وهيبة في حياء

يا مليكاً علا على الشمس حتى عمَّ إحسانهُ عمومَ الضياء

صنت كفي عن الأنام ولفظي فحرام نداهمُ وثنائي


------------------------------------------------



















صفي الدين الحلي


هو عبد العزيز بن سرايا بن علي بن ابي القاسم ويعرف بصفي الدين الطائي السنبسي ولقب بالحلي نسبة الى مدينته الحلة في العراق ولد في الحلة من العراق سنة \677 هجرية وانتقل االى ماردين ليكون شاعرالدولة الارتقية فيها ورحل الى القاهرة ومدح فيها ملكها الناصر في قصيدة مطلعها :
اسبلن من فوق النهود ذوائبا
فتركن حبات القلوب ذوائبا

ثم عاد الى ماردين ثم الى بغداد

حيث توفي في بغداد سنة \ 750 هجرية
تميز شعره بسهولة اللفظ وحسن السبك وهو اشعر اهل زمانه بلا منازع ونظم الموشح المضمن وقد ضمن هذا الموشح قصيدة ابي نؤاس البائية منها مايلي :
وحق الهوي ما حلت يوما عن الهوى
ولكن نجمي في المحبة قد هوى

ومن كنت ارجو وصله قتلني نوى
واضنى فؤادي بالقطيعة والنوى

ليس في الهوى عجب ان اصابني النصب
حامل الهوى تعب يستفزه الطرب

وقد انتقد ه اهل زمانه لما فيه من العبث والمجون وله كثير من الكتب والدواوين الشعرية والقصائد
ومن لطيف شعره هذه الابيات:

سَلي الرّماحَ العَوالي عن معالينا،
واستشهدي البيضَ هل خابَ الرّجا فينا

وسائلي العُرْبَ والأتراكَ ما فَعَلَتْ
في أرضِ قَبرِ عُبَيدِ اللَّهِ أيدينا

لمّا سعَينا، فما رقّتْ عزائمُنا
عَمّا نَرومُ، ولا خابَتْ مَساعينا

يا يومَ وَقعَة ِ زوراءِ العراق، وقَد
دِنّا الأعادي كما كانوا يدينُونا

بِضُمّرٍ ما رَبَطناها مُسَوَّمَة ً،
إلاّ لنَغزوُ بها مَن باتَ يَغزُونا

وفتيَة ٍ إنْ نَقُلْ أصغَوا مَسامعَهمْ،
لقولِنا، أو دعوناهمْ أجابُونا

قومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنة ً،
يوماً، وإن حُكّموا كانوا موازينا

تَدَرّعوا العَقلَ جِلباباً، فإنْ حمِيتْ
نارُ الوَغَى خِلتَهُمْ فيها مَجانينا

إذا ادّعَوا جاءتِ الدّنيا مُصَدِّقَة ً،
وإن دَعوا قالتِ الأيّامِ: آمينا

إنّ الزرازيرَ لمّا قامَ قائمُها،
تَوَهّمَتْ أنّها صارَتْ شَواهينا

ظنّتْ تأنّي البُزاة ِ الشُّهبِ عن جزَعٍ،
وما دَرَتْ أنّه قد كانَ تَهوينا

بيادقٌ ظفرتْ أيدي الرِّخاخِ بها،
ولو تَرَكناهُمُ صادوا فَرازينا

ذلّوا بأسيافِنا طولَ الزّمانِ، فمُذْ
تحكّموا أظهروا أحقادَهم فينا

لم يغنِهِمْ مالُنا عن نَهبش أنفُسِنا،
كأنّهمْ في أمانٍ من تقاضينا

أخلوا المَساجدَ من أشياخنا وبَغوا
حتى حَمَلنا، فأخلَينا الدّواوينا

ثمّ انثنينا، وقد ظلّتْ صوارِمُنا
تَميسُ عُجباً، ويَهتَزُّ القَنا لِينا

وللدّماءِ على أثوابِنا علَقٌ
بنَشرِهِ عن عَبيرِ المِسكِ يُغنينا

فيَا لها دعوه في الأرضِ سائرة ٌ
قد أصبحتْ في فمِ الأيامِ تلقينا

إنّا لَقَوْمٌ أبَتْ أخلاقُنا شَرفاً
أن نبتَدي بالأذى من ليسَ يوذينا

بِيضٌ صَنائِعُنا، سودٌ وقائِعُنا،
خِضرٌ مَرابعُنا، حُمرٌ مَواضِينا

لا يَظهَرُ العَجزُ منّا دونَ نَيلِ مُنى ً،
ولو رأينا المَنايا في أمانينا

ما أعوزتنا فرامينٌ نصولُ بها،
إلاّ جعلنا مواضينا فرامينا

إذا جرينا إلى سبقِ العُلى طلقاً،
إنْ لم نكُنْ سُبّقاً كُنّا مُصَلّينا

تدافعُ القدرَ المحتومَ همّتُنا،
عنّا، ونخصمُ صرفَ الدّهرِ لو شينا

نَغشَى الخُطوبَ بأيدينا، فنَدفَعُها،
وإنْ دهتنا دفعناها بأيدينا

مُلْكٌ، إذا فُوّقت نَبلُ العَدّو لَنا
رَمَتْ عَزائِمَهُ مَن باتَ يَرمينا

عَزائِمٌ كالنّجومِ الشُّهبِ ثاقِبَة ٌ
ما زالَ يُحرِقُ منهنّ الشيّاطِينا

أعطى ، فلا جودُهُ قد كان عن غلَطٍ
منهِ، ولا أجرُه ُ قد كان مَمنونا

كم من عدوِّ لنَا أمسَى بسطوتِهِ،
يُبدي الخُضوعَ لنا خَتلاً وتَسكينا

كالصِّلّ يظهرُ ليناً عندَ ملمسهِ،
حتى يُصادِفَ في الأعضاءِ تَمكينا

يطوي لنا الغدرَ في نصحٍ يشيرُ به،
ويمزجُ السمّ في شهدٍ ويسقينا

وقد نَغُضّ ونُغضي عن قَبائحِه،
ولم يكُنْ عَجَزاً عَنه تَغاضينا

لكنْ ترَكناه، إذْ بِتنا على ثقَة ٍ،
إنْ الأمير َ يُكافيهِ فيَكفينا


***************************************




الشاعر محمد الحسيني النقيب


هو محمد بن كمال الدين بن حمزة النقيب ولد سنة \1024 هجرية بدمشق في اسرة كانت لها مكانة عظيمة في دمشق وتلقى العلوم والاداب على يد ابيه واساتذة عصره وقرا الحديث فكان محدثا وتعلم الفقه فكان فقيها على المذهب الحنفي
سافر الى القسطنطينية صحبة والده وتلقى دروسا فيها حج الكعبةالمشرفة ودرس الحديث على ايدي علماء الحديث في مكة المكرمة والمدينة المنورة وتكرر سفره الى القسطنطينية دار الخلافة ثم تولى النيابة الكبرى للتدريس في دمشق ثم خلف والده نقيبا للاشراف فيها
توفي بدمشق سنة\ 1080 هجرية له ديوان مطبوع قيل ان والده جمعه بنفسه
ومن شعره مايلي \

يامر تهن الهوى ولما ذقته
هل تحفظ عهده وقد مزقته

كم نطق طرف ميل لوى
لو كنت مقيدا لما اطلقتنه

-----------------------

يامدعي الحب اما حققته
ان الكتمان شرط ما قد ذقته

لم تطلق الدمع واله مرتهن
لو كنت مقيدا لما اطلقته

------------------

مذ نوه بالفضل لسان الاكوان
في حوزة دولة البديع العرفان

نادى بالشكر مستزيدا –ارخ
يمن الفتيا باه لعبد الرحمن


-----------------------------------------
































بدر الدين الغزي



هو ابو البركات محمد بن بن رضي الدين ابو الفضل بن محمد بن احمد بن عبد الله العامري والقريشي الدمشقي الغزي ولد في دمشق سنة \904 هجرية وتربى بها في كنف والده الشاعر رضي الدين الغزي نشا في بيت عز وادب وتصوف كان فقيها عالما في الشافعية عالما بالاصول والتفسيرالحديث
لزم العزلة في اواسط حيا ته للدراسة والتتبع فالف اكثر من مائة وعشرين كتابا وكان لا يزور احدا بل يقصده الحكام والاعيان لعلمه ومكانته العلمية والفقهية وكان كريما محسنا ينفق من ماله على تلاميذه فيعطي لهم رواتب واكسية وعطايا
توفي في دمشق سنة\ 984 هجرية
من شعره هذه المقاطع التي يقول فيها \

هبت سحرا فحركت وسواسي
نشوى خطرت عليلة الانفا س

اهدتارج الرجاء بعد الياس
ما احسن بعح وحشتي ايناسي

--------------

الطرق ثلاثون عشرون طريق
عن عائشة قد رويت بعد عتيق

والعم ونجله علي – عمر
عثمان – ابي هريرة وهو وثيق

سعد وحذيفة – ابن عوف وكذا
عن طلحة والزبير من غير طريق

فالطرق ثلاثون لنا عدتها
. قل فهو تواتر به الوصف بليق


--------------------------------





































شمس الدين محمد الصالحي الهلالي


هو شمس الدين محمد بن نجم الدين بن محمد الصالحي الهلالي الدمشقي الحنفي ، الشهير بالصالحي ، شاعر وكاتب عربي من أهل دمشق ،

ولد الصالحي عام ألف وتسعمائة وستين للهجرة بحي الصالحية ـ وإليها نسب ـ بدمشق وقرأ بها القرآن الكريم ، ثم توجه إلى مكة وقرأ بها الفقه على يد ابن حجر الهيتمي كما تعلم أيضا على يد القطب المكي النهرواني ثم عاد إلى دمشق بعد وفاة والده سنة وستين
والصالحي لم يتزوج ،ولزم العزلة في آخر حياته في حجرة بالمدرسة العزيزية بدمشق ، وقد قدم الصالحي إلى القاهرة ، ولم نعرف الهدف من رحلته هل كانت للتعلم أم للتدريس أم لشيء آخر ، كما لا ندري هل تكررت هذه الزيارة أم لا ، وما المدة التي أقامها الصالحي في مصر ، غير أن الرجح أنه أتاها عام تسعمائة وخمسة وتسعين ، أي بعد أن ذاعت شهرته ، ويذكر ذلك تلميذه شهاب الدين الخفاجي ، بل إن الصالحي نفسه يذكر زيارته لمصرفي كتاب لم يعثر عليه إلى الآن هو(سوانح الأفكاروالقرائح في غرر الأشعار و المدائح ) حيث يقول :
وكتب إلي بها ـ أي بمصر ـ شهاب الدين الخفاجي قصيدة سنة تسعمائةوخمسة وتسعين ...
كما سافر الصالحي إلى طرابلس الشام وبقي بها زمنا معلما لولد الأمير علي بن سيفا ، كما مدح هذا الأمير ، ثم عاد إلى دمشق فتوفي بها نهار الاثنين تاسع عشر صفر سنة ألف واثنتي عشرة بعد الهجرة. للصالحي عهد سيطرة الدولة العثممانية على الدول العربيةآنذاك ومنهاولاية سورية وعاصمتها دمشق موطن الصالحي ، وقد عاصر الصالحي من سلاطين آل عثمان كلا من :
ـ السلطان سليمان الأول الذي تولى الحكم سنة 926 هـ .
ـ السلطان سليم الثاني ، الذي تولى الحكم سنة 974 هـ .
ـ السلطان مراد الثالث ، الذي تولى الحكم 982 هـ .
ومن شعره له ديوان -سجع الحمام في مدح خير الانام
ومن قوله-

عليالمرتقي في المجد مرتبـةً
لها الانام وقوف اسفل الدرج

هو ابنُ سيفا الذي سَيفُ العدوِّا ن
به و سيف الندىقد فاض كاللجج

حُلْوُ الصنائع لا مَنٌّ يُشابُ بها
مر الوقائع يوم الموقف الحرج

-------------------------------------



















الفصل الخامس

نماذج من شعر الفترة المظلمة

وهذه نماذج نختم فيها هذه الفترة التي امتازت بانحطاط في كافة مرافق الحياة بما فيها اللغة وادابها العربية وعلى راسها الشعر حيث هبط مستواه الى ادني المستويات على مدى العصور في الادب العربي يقول الشاعر الشاب الظريف شمس الدين ابو عبد الله محمد بن عفيف الدين المتوفي سنة\ 688 هجرية :

يَا رَاقِدَ الطَرْفِ مالِلطَّرْف إغفاءُ
حَدّثْ بِذاكَ فما في الحُبِّ إخْفاءُ

إنّ اللّيالي والأيامَ مِنْ غَزَلي
في الحسنِ والحُبّ أبناءٌ وأنباءُ

وصفوة الدَّهر بحرٌ والصّبا سفنٌ
وللخلاعة ِ إرساء ٌوإسراءُ

يا ساكِني مِصْر شَمْلُ الشّوْقِ مُجْتَمِعٌ
بعدَ الفراقِ وشولُ الوصل ِأجزاءُ

كأنّ عَصْرَ الصِّبَا مِنْبَعْدِ فُرْقَتِكُمْ
عصرُ التصابي به للهوإِبطاءُ

نارَ الهَوَى لَيْس يَخْشَى مِنْكِ قُلْبُ فَتًى
يكون فيه لإبرا هي أرجاءُ

نَدْبٌ يَرَى جُودَهُ الرّاجي مُشافَهَة ً
والجُودُ مِنْ غَيْرِهِ رَمْزٌوإيماءُ

ذُو هِمَّة ٍ لو غَدتْ للأُفْق ِما رَحَلَتْ
له ثريا ولا جَازتهُ جوزاءُ

لَوْلاَ أخُوكَ ولا أَلْفَى مَكَارِمَهُ
لَمْ تَحْو غَيْرَ الذي تَحْوِيهِ بَطْحَاء

لَكِنْ تَعَوَّضْتُ عَنْ سُحْبٍ
بِمُشْبِهِه إذْ سُحْبُ هذا وهَذا فِيهِماالمَاءُ

وعندَ ذلك ظلٌّ باردٌشبمٌ
وعندَ ذا منهلٌ صافٍ وأهواءُ

إلَيْكَ أَرْسَلْتُ أبياتاً لِمَدْحِكُما
في ساحتي هن إسراءُوإرسَاءُ

لم يَقوَ مِنهنّ إقْواءٌلِقَافِيَة ٍ
ولم يطأْهُنّ في الترتيبِ إيطاءُ

فإن نظمي أفرادٌ مُعدّدةٌ
وَنَظْمُ غَيْري رُعاعاتٌ وَغَوغاء

فلا يُقاسُ بِدُرٍّ مِنْهمُ خْشَلبٌ
هذا دواءٌ وقولُ الجاهِل الدّاءُ

عَلَيْكَ مِنّي سَلامٌ ماسَرَتْ سَحراً
نُسَيْمَة ٌ عِطْرُها في الكَوْنِ دَرَّاءُ


---------------------------------

يقول الشاعرصفي الدين الحلي وهو اشعر اهل زمانه بلامنازع :

يونٌ لها مَرأى الأحبّة ِ إثمِدُ،
عَجيبٌ لها في عُمرِها كيفَ تَرمَدُ

وعينٌ خلتْ من نورِ وجه حبيبِها،
عجبتُ لها، من بعدِه، كيفَ ترقدُ

ولي لمقلة ٌ قد أنكرَ الغمضَ جفنُها،
وعرفها صرفُ النّوى كيفَ تسهدُ

تراعي النّجومَ السّائراتِ، كأنّما
تمثلَ فيهنّ المليكُ محمّدُ

تحاولُهُ بَينَ النّجومِ، لأنّهُ
لرُتبَتِهِ فوقَ الكَواكبِ مَقعَدُ

مليكٌ، لوَ أنّ الرّيحُ تُشبِهُ جودَهُ،
لما أوشكتْ يوماً من الدهرِ تركدُ

مبددُ شملِ المالِ، وهوَ مجمعٌ،
وجامعُ شَملِ الحمدِ، وهوَ مُبَدَّدُ

فلا نَمّقَ الاعذارَ يَوماً لسائلٍ،
ولا قالَ للوُفّادِ: مَوعِدُكم غَدُ

دَهَتُه المَنايا، وهيَ من دونِ بأسِهِ،
كذا الصارمُ الصمصامُ يفنيهِ مبردُ
فَيا مَلِكاً قد أطلَقَ الجُودُ ذِكرَهُ،
وكلّ نزيلٍ من نداهُ مقيدُ

لقد كنتُ للوفادِ وبلاً، وللعدَى
وبالاً، به تشقَى أناسٌ وتسعدُ

فكم أنشأتْ كفاكَ في المحلِ عارضاً،
وخَدُّ الثّرى من عارضِ الخطبِ أمرَدُ

وكم أرسلتْ يمناكَ في الحربِ للعدى
سَحابَ نَكال بالصّواهلِ يَرعُدُ

إذا ما وَنَى مَسراهُ ثِقلاً يَحُثّهُ
جوادٌ وعضبٌ: أجردٌ ومجردُ

فينظمُ فيها الرمحُ ما السيفُ ناثرٌ،
ويَنثُرُ فيها العَضبُ ما اللّدنُ يَنضِدُ

فمُفرَدُها من نثرِ سَيفِكَ تَوأمٌ،
وتَوأمُها من نَظمِ رُمحِكَ مُفرَدُ

وفي معلكِ الآدابِ كم لكَ موقفٌ،
لأهلِ الحجَى منهُ مقيمٌ ومقعدُ

ولم يَبقَ من آي المَفاخِرِ آيَة ٌ،
ولا غايَة ٌ، إلاّ وعندَكَ تُوجَدُ

عَليكَ سَلامُ اللَّهِ، لا زالَ سَرمداً
كجودكَ حتى بعدَ فقدِكَ سرمدُ

فلو خلدَ المعروفُ قبلكَ ماجداً
لكُنتَ بإسداءِ الجَميلِ مُخَلَّدُ

ويقول ايضا :

البدر يغار من تجليك
والغصن يحار من تثنيك

ما انصف من دعاك شمسا
والشمس تدار طوع ايديك

يا من رشف المدا م مهلا
ما السكر مقيد بها تيك

لا ترج من المدا م سكرا
ها سكرة فيك تكفيك

------------------------------------------------------


من شعر الشاعر الهادي اليمني وهو ابو عبد الله محمد بن علي
بن ابراهيم السودي المتوفى سنة 932 هجرية في موشح له علىوزن الدوبيت
ومشطوره يقول فيه \
افدي قمرا جماله الهاني
عن كل عمل

قد طابي به زمان عيشي الهاني
من يوم وصل

من شاهده يصير كالولهان
بهلول هبل

لااسمع قول من ينهاني
ما عنه بدل

حبه فني وقد تمكن مني

اذهب حزني بما هواه من حسن

حوري عدني كله مليح يعجبني

بالحسن متوج وبالاحسان
ولي غزل

بدر بهاه سائر الاكوان
في الحكم عدل

ايام وصاله نعيم الابد
و الهجر عذاب

كم من جسد افديه كم من كبد
انحل وذاب

من جور هواه لم ازل في كمد
الصبر صواب

مادمت اداه فالهنا من شاني
علاء ونهل
هذا العذري
جنب بعقلي شهري

من غير عذر
ما الذنب ياليت شعري


--------------------------------------


من شعر شهاب الدين احمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري
وكان قضي القضاة في مصر توفي سنة\ 1069 هجرية يقول في رباعياته:

ولى زمان الصبا مع الاحباب
والشيب يقول – اذ دعا او صابي

صني واحفظ امانة لي بقيت
اني – والله- اخر الاحباب

----------------------

كم عاتبني وكم جفاني حبي
والذنب له - حماه ربي

ما اطيب ما الذه من ذنب
اذ صار وسيلة لطوا العتب

------------------------

ياغصن نقا مهفهف الغصن رطيب
ان مال علي كان لي غير قريب

في وجهك للنداء حسن نادى
ابشر بالخير قاصدي ليس يخيب

--------------------------

المرء يظن دهره قد غيرا
لما افنى حياته والعمرا

كطالراكب مركبا يبحر زخرا
يجري فيظن ساحل البر جرى

-----------------------

تبا لزمان ذلة لم ينصف
في المنع لمن بعز نفس مسرف

ان اضماءه فمن سراب يروي
او اطعم من فارغ قدر يعرف

----------------------

طه المختار من كريم الاصل
في الفضل له افتخار كل الرسل

نور سنا بقربه من ادب
لم يمش مدانيا رقيق الظل

-----------------------------

لامشرب في الوجود ان راق حلا
الا بمذاق ضامىء قد جهلا

دار لبلوى وكم بها من محن
من عهد ألست قال الناس بلى

-----------------------------------

ومن شعر ابن عدلان الموصلي وهو عفيف الدين ابو الحسن علي بن عدلان بن علي الموصلي وكان عالما فقيها المتوفي سنة \666 هجرية

حي عصرا مضى بدارالسلام
فعليه تحيتي وسلامي

ايقظني ذكراي طيب لياليه
ماني قضيتها في المنام

كم حلبنا به من اللهو درا
وشربنا السرورشرب المدام
في دجى ليلة تبسم الل
هو حتى انجلى عبوس الظلام

قصرت طولها الخلاعةفالس
ساعة منها طالت على الف عام

------------------------------

ومن شعر شمس الدين ابو محمد بن عفيف الدين التلمساني الملقب بالشاب الظريف المتوفي سنة\ 688 هجرية يقول \

لي من هواك بعيده وقريبه ولك الجمال بديعه وغريبه

يا من أعيذ جماله بجلاله حذراً عليه من العيون تصيبه

إن لم تكن عيني فإنك نورها ا و لم تكن قلبي فأنت حبيبه

هل رحمة أو حرمة لمتيم قل قل فيك نصيره ونصيبه

لم يبق لي سرٌ أقول تذيعه عني ولا قلبٌ أقول تذيبه

--------------------------------------

ومن شعر الشاعرة زينب الشهاربة بنت محمد بن احمد اليمنية المتنوفاة سنة\ 1114 هجرية في صنعاء اليمن والتي برعت في الادب والشعر اللطيف الجيد الخالي من التكلف تقول في المدح \

اصخ الي ايها الامام عليك سلام الله والانام

اليك ركائب الامال امت به عز المعيبن فلا يرام

اتيتك شاكيا من ريب دهر يتقن ان مطلبه امام

به عيل الوفاء فلا وفاء به فقد الذمام فلا ذ مام

ولا الاباء والابناء فيه لا الاخوان بينهم التاام

وفتعلى كريم اريحي سخي ليس يعروه السام

يجود بصافنات الخيل تزهو بعسجدها اذا شح اللاءم

يجود بيعملات العيس تنؤ
بثقال يجاذبها الزمام

بكم لاشك تنتظم المعالي كسلك الدر يجمعه النظام

وانت ابا الحسين اجل قدر ا من الاكفا وان جحدو اولاموا

علوت عليهم كرما وفضلا وما استوت المناسم والسنام

تلذ لك المرؤة وهي تؤذي ومن يعشق يلذ له الغرام

قد احسنت بك الايام حتى ه كانك في فم الدهر ابتسا م

-------------------------------

ونكتفي بهذا القدر من نماذج هذا العصر مع التقدير








































البا ب الثامن




الشعر العربي في بدايات العصر الحديث



الفصل الاول – الشعر العربي الحديث
الفصل الثاني-اسباب تطور الشعر
الفصل الثالث – انواع الشعر الحديث
الفصل الرابع – الفنون الشعرية
الفصل الخامس – الشعراء الرواد
الفصل السادس - نماذج من شعرالعصر الحديث










الفصل الاول

الشعر العربي في العصر الحديث


دبت روح النهضة العربية وعلى راسها الشعر في النصف الاول من القرن التاسع اوقبيله بقليل –أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت وانتكست انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء من تاريخ الامة العربية ابتداءا من دخول المغول ا لتتار بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او قبيله بقليل
فقد كانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية ومهيمنة على البلاد العربية في نهايات ايام حكمها للعرب بعدان كانت تمثل دولة الاسلام في حينها بحكمها القاسي حكما استعماريا ظالما – لافرق بين استعمار واخر كل يريد تحقيق مصالحه على حساب الدولة التي استعمرها ويجعلها تحت سيطرته اطول مدة - ادى الى تاءخر البلاد في محتلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتبع الاتراك سياسة تتريك العرب في بلادهم والقضاء على لغتهم الام – العربية التي هي لغة القران الكريم والدين الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي فضلوا اللغة التركية على دينهم في سبيل نشر لغتهم وطمس معالم العربية في البلاد التي تحت سيطرتهم وكان نتيجة ذلك ان ساد الامة العربية ثالوث الفقر والجهل والمرض
وقد ادى ذلك الى مهاجرة جما عات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل والتنكيل بهم من قبل الحاكمين الاتراك اومن سايرهم من العرب وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون جاليات وجماعات وجمعيات في اميركا والبرازيل وغيرها من الدول التي هاجروا اليها وبرز منهم جماعات في مجال الادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران والمعلوف وغيرهم

اما في الشرق العربي فقد دبت الحياة تسري من جديد في الروح العربية وخاصة النهضة الفكرية وتسربت بين الشباب العربي وبعد اتصال البعض منهم بالغرب مثل بريطانيا اوفرنسا اوغيرها واخذ شبابنا العربي يتطلع بمافي هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار التركي والثورة على العادات والنظم البالية والمتهرئة التي البسها الاستعمار للامة العربية وكذلك كان من اسباب هذه النهضة التمازج العربي مع الغربيين عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع جديد- ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع ودخولها البلاد العربية ونشر الحرف العربي والفكر العربي وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية لفحول الشعراء العرب وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزوة نابليون لمصر
ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة - مطبوع بطابع الفردية تقليديا وعنايةالشاعر تنطوي على التزويق اللغوي واللفظي دون المعنى وتحول الى صناعة شعرية بحتة تكثر فبها الصور التقليدية الماخوذة من قبلهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام المعاني الشعرية الجديدة اوطمسها

اما في بداية هذا العصر فقد تغيرت وطبعت بطابع التحرر والانطلاق والدعوة الى الثورة على كل ما خلفه الاستعمار من اوضاع ومفاسد وطبع الشعر بطابع التجديد من جديد فتوسعت افق افكار وخيالا ت بعض الشعراء بعد اطلاع بعضهم على الاداب الغربية والتاءثر بالشعر العربي القديم الذي بدء ينشر من جديد في حركة ادبية بداءت تتحرك وتتحرر في البلاد ومن الشعراء من اوجد شعرا جديدا فتحررمن قيود القافية كما هو الحال في الشعر الحر الذي ظهر حديثا في الشعر العربي ونتيجة اطلاع الشعراء العرب على الفن المسرحي الغربي وجد الشعر التمثيلي

الشعر العربي يمتميز في هذا الوقت بان جله ثوري وطني يدعو الى استنهاض الهمم والتخلص من الاستعمار والثورة على كل ما هو- قديم وبال ولا خير فيه لاءمتنا العربية - فهو في اغلبه شعر هادف قاد البلاد الى حركة وطنية قومية فكان الشعراء والمفكرون والادباء هم قا دة الثورات التحررية في الوطن العربي


******************************************




الفصل الثاني


اسباب تطور الشعر العربي الحديث


قلنا ان الشعر تطور او سرت فيه نفثة الحياة فسار في طريق التقدم ولايزال كذلك وقد اصبحت مكانته ومكانة الشعراء مرموقة وعالية بين الاداب العالمية ومن بعض اسباب هذ التطور الشعري
مايلي :


1 - التطور في النشاط الثقافي والاجتماعي
-------------------------------------------

تيقظ جماعات من الشباب العربي فالوا على انفسهم حمل رسالة التحرر من الاستعمار والاخذ بيد الشعب العربي في الاتطلاق قدما نحو مجتمع افضل فوجدت الجمعيات السرية رغما عن المستعمرين وكان يتراءس هذه الجمعيات الادباء والشعراء والمثقفون فزودوا افراد هذه الجمعيات بوقود الثقافة وغذوهم بالقصائد الشعرية الوطنية التي تلتهب نارا في نفوس الشباب العربي وقد ادى ذلك الى انضواء الكثير من ابناء الامة العربية تحت لواء هذه الجمعيات التي عملت على تثقيف افرادها وغيرهم من الشعب العربي ودعوتاهم الى التحررمن الاستعمار والى الحرية فانتشرالنشاط الاجتماعي ودبت الحركة في المجتمع العربي وازداد النشاط الثقافي وافتتحت المدارس كظاهرة حضارية فكانت بمثابة نهضة او بداية نهضة وبداية ثورة في الامة العربية سياسيا وثقافيا واجتماعيا


2 - الاتصال بالغرب
---------------------

اتصل الشياب العربي بالغربين بطرق شتى وتطلع الشعراء العرب على ماعند الغرب وتاءثروا بالافكار والاساليب الثقافية الغربية وقد ظهر هذا التاثير واضحا في شعر الشعراء فقد تاءثروا بالترجمة وارسال البعثات الى الغرب والارساليات التبشيرية- ولو اني اعد هذه الارساليات تمهيدا لاستعمار جديد من نوع اخر وقد حدث بالفعل - فكانت هذه قد وسعت افق اخيلةالشعراء وافكارهم وشحذت همهم وتفننهم بالشعر وظهور عوامل التجديد فيه وخصب خيال الشعراء او نهضتهم من نومة عميقة



3- حملة نابلون على مصر
------------------------

غزت فرنسا مصر بقيادة نابليون سنة \1217 هجرية تقريبا ومكث نابليون حاكما على مصر ثلاث سنوات أي بدل الاستعما ر التركي باخر غربي افضل من الاول واكثر انفتاحا على الشعب العربي في مصر فقد جلب معه العلماء والادباء والمهندسين واسس مكتبة عامة ومطبعة واصدر صحيفة واسس مجمعا علميا أي اهتم بالثقافة العربية وادابها القديمة من خلال طبع بعض الكتب
ان بعضا من الشعب المصري قلد الفرنسيين في كل امورهم ومنها التافه والجاد فتيقضت العقول والافكار فكانت بداية نهضة ثقافية واجتماعية في الشعب العربي في مصر كما كان من ثمار هذه النهضة مقارعة المصريين للحملة الفرنسية على بلادهم بعد تقتق افكارهم ,هذه المقارعة التي انشات في الوطن العربي الشعور القومي والاحساس بالظلم والمطالبة بالحق وبحكم بلدهم بانفسهم
ومن مصر تسربت روح الثورة وروح النهضة الى الاقطار العربية الاخرى فكان لها ابلغ الاثر في نهضة الشعر وتقدمه حيث ان الشعر الوقود لكل الثورات



4- انتشار المطابع والمكتبات

دخلت المطابع للبلاد العربية في سنة\ 1029 هجرية على وجه التقريب فساعدت على انتشار الصحف وطبع الكتب المؤلفة سابقا اوحديثا واطلع الشعراء على الدواوين التي طبعت وقد تاثربعض الشعراء بالشعر القديم فنهجوا المنهج الشعري القديم في الاغلب مع ظهور التاثر بالغرب فكان ان ارتفع مقام الشعر ظاهرا للوجود من جديد في اكثرالبلاد العربية وخاصة مصر والشام والعراق حاملا صوت التحرر والانعتاق من ربقة القيود التي فرضت عليه زمن الفترة المظلمة القاسية والمحنة الحالكة وكثرت المكتبات ايضا وفتحت المدارس فكانت هذه كلها روافد تصب في معين الثقافة العربية
هذه الاسباب وغيرها دفعت بالمثقفين العرب وعلى راءسهم الشعراء الى حمل رسالة امتهم وغرست النهضة في الدم العربي فاورقت هذه الشجرة المباركة من جديد فكانت شجرة وارفة الظلال اغصانها فنون الشعر العربي حيث فتحت افاق جديدة وانواع جديدة للشعر ونبغ الشعراء فكانت النهضة الشعرية الحديثة وكان هذا العدد الكبير من الشعراء في كل البلاد العربية صوتهم واحد ونداؤهم في شعبهم العربي واحد الكل يدعوالى النهضة والثورة على الاستعمار ودفع البلاد الى كل ماهو جديد



-------------------------------------------












الفصل الثالث

انواع الشعر العربي في العصر الحديث

ادى التقدم الثقافي الى نشوء انواع جديدة من الشعر لم تكن معروفة من ذي قبل اضافة الى عمود الشعر العربي ولذلك يمكن تقسيم الشعر الى انواع عديدة في هذا العصر كل نوع يختلف عن الاخر بالاخص في طريقة النظم منها مايلي –


عمود الشعر
-------------

هو الشعر الموزون المقفى ويدعى بالشعر التقليدي ايضا لانه تقليد للشعر القديم وامتداد له في الوزن والقافية فالشعر التقليدي هو هذا الشعرالموروث الذي نظم على موسيقى بحر معين من البحورالشعرية الستة عشر ولزم روي واحد وقافية واحدة فالقصيد ة وحدة متماسكة من حيث البناء كانها بيت واحد وجل الشعر العريي الحديث من هذا النوع
لقد حافظ الشعراء على اصالة عمود الشعر العربي وموسيقاه واوزانه وسيبقى كذلك عمود الشعر مهما اختلفت الاغراض والفنون الشعرية واساليب الشعراء هو الذي له االقدح المعلى والجو الانسب على امتداد الوطن العربي لان الاذن الموسيقية العربية جبلت عليه واستساغت سماعه واستسمجت كل انواع الشعر الا اياه
ومن هذاالنوع من الشعر هذه الابيات للشاعر انور العطار يقول فيها :-

انا الفاتح السمح منذ القدم
ولولاي كان الوجود العدم

نشرت على الكائنات الضياء
وانقذتها عن عوادي النغم

وتراءى لي الوطن المستثا ر
وقد عانق السيف فيه القلم

وما الخلد الا اعتناق السيو
ف وخوض الحتوف وصب الحمم

وبذلي جذلان ا على الدماء
وما يملك الخلد ا لا بد م

وذ ودي عن وطن ماجد
ورعي الديار كرعي الذ مم

نماني يعرب خير الجدود
ويعرب روح المعالي والكرم

بلادي الكفاح بلادي الطما
ح بلادي الصباح اذا ما ابتسم

نعمت بها في ظلال الاخاء
وما ظلها السمح الا حر م

على ساحها رائعات النبوغ
وفي مهدها قبسات الهمم

وما هي ا لا كتاب البقاء
وماهي الا سجل العظم


--------------------------------------




الشعر التمثيلي او المسرحي:
--------------------------

الشعر التمثيلي فن طارئ على الادب العربي اقتبسه العرب نتيجة اتصالهم بالغرب وتاثرهم بهم من خلال البعثات والترجمة واطلاع بعضهم على المسارح الغربية فقد اطلع الشعراء العرب على حركة المسارح الغربية وما يعرض فيها مما كتبه الادباء الغربيون من مسرحيات شعرية مثلت على المسارح فاقدم بعض شعرائنا على محاكاتهم بدافع حب التشابه
فنظمت مسرحيات تمثيلية باللغة العربية فنظموها شعرا وثرا
وقد نجح هذا النوع من الشعر في اول بداياته الاانه ركد اومال الى الركود مع مرورالزمن وقد كانت اغلب الروايات الشعرية مستقاة مادتها من التاريخ ومن اشهر من كتب في هذا الشعر واوجده من الشعراء احمد شوقي وعزيز اباظة من مصر و خالد الشواف من العراق وغيرهم
وهذا مقطع من مسرحية –كليوباترة - شعر احمد شوقي :-

\ تتاءمل كليوباترة في وجه الجريح - كليوباترة-

اه نطونيو حبيبي ادركوني بطبيب

ماترون الارض تروى من دم الليث الصبيب

ابتي اين قوى طبك والسحر العجيب

هو في اغماءة الجر ح فنبهه بطيب

هو يفتح عين يه ويصغي لنحيبي

اونيس – محاولا اسعاف الجرح –

تلك انفاسه توالى وهذا جسمه لا يزال غضا طريبا

هو ذا قد تخلجت شفتاه وتهيا لسانه ليثو با

ايها الملائكة ارفقي بجريح بات تحت الرواء جرحا صبيبا

لاتناديه بالدموع مرارا ربما ضر جرحه ان يجيبا

انطونيو-

كليوباتره عجب انت هنا لم تموتي هم اذن مكذبون

كليوباترة –

سيدي روحي حياتي قيصري امن حي

انطونيو

بعد حين لا اكون

كليوباتره

من تعاني كذبا من قالها لك

انطونيو

اوملبوس النذل الخؤون

مر فاستوقفته اساءله قال ماتت فتجرعت المنون

-------------------------------------






الشعر الحر:
---------------

بالرغم من كل المحاولات الداعية الى التخلص من وحدة القافية في القصيدة الواحدة في الشعر العربي كظهور الموشحات الاندلسية والمواليا و المثلث والمربع والمخمس ظل الشاعر العربي ملتزما بوحدة القافية و موسقى البحر الواحد الا ان في بدايات القرن العشرين وجد من شعراء المهجر ممن دعى الى الثورة على الاسلوب الشعري القديم المتمثل بالقافية الواحدة والبيت الشعري الواحد المتكون من شطر وعجز في تنسيق متسق وبحر واحد أي متساوي التفاعيل الوزنية او موحد الموسيقى الشعرية للبيت الواحد بحيث تكون كل القصيدة مهما طالت ذات تفاعيل محددة الوزن ضربها الموسيقي واحد لاتخرج عما رسمه الشعراء العرب منذ عصر الجاهلية الى اليوم فدعوا الى التحرر من هذه القيود فنظمو شعرا من غير وزن او خرجوا فيه عن المالوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي وكذلك لم يلتزموا بالقافية الواحدة في القصيدة مع العرض ان كثيرا من قصائد الشعرالحر التزمت التفعيلة في النظم فسميت شعر التفعلية والاخر لم يلنزم بتفعلية اولا روي ولا قافية فسمي بقصيدة النثر حيث انه اقرب مايكون اليه .

اساليب جديدة ادخلوها في الشعرالعربي الاوهي قصيدة النثر او قصيدة الشعرالحرغير المنضبط وعن شعراء المهجر تسربت هذه الحالة الجديدة في الشعر الى الاقطار العربية فظهرت في اغلب البلاد قصيدة النثر او ما يسمى بالشعر الحر فهي اشبه بثورة على الشعرالقديم شعرالتفعيلة في بناء القصيدة فتخلصوا من نظام الشطروالعجز وابتعدوا عن النظم بالعمود الشعري المتسق المتناسق في البناء وظهرت منازعات بين رواد الشعر العمودي الذين اعتبروا الشعر الحر ضرب من انواع النثر وانه نقص في شاعرية الشاعر اوفي اذنه الموسيقية اخرجته عن المالوف وبين رواد الشعرالحديث الذين يعتبرونه من متطلبات العصرالحديث

ولا اعلم ان كانت هذه الطريقة هي نقص في شاعرية الشاعر العربي الحديث مع العلم ان هناك قصائد في الشعر الحر رائعة وجميلة وذات خيال شاعري يهز الوجدان هزا وذات تفعلية موحدة اوموسيقى شعرية عربية ام انها طريقة جديدة لنظم الشعر اقتضتها ظروف الحياة في هذا العصر الا اني اقول ان طبيعة العربي ستبقى متاثرة بالقصيدة الشعرية ذات التفعيلة الواحدة والقافية الواحدة لدى سماعها او مطالعتها وتشد المواطن العربي اليها شدا قويا اكثر من قصيدة الشعر الحر الخالية من الوزن والقافية ويظل المواطن العربي ينظر الى قصيدةالشعر الحر انها قصيدة النثر وقد اثبت الزمن صحة ذلك خلا ل هذه الايام على كثرة ما قيل في الشعرالحر ونظم فيه من دواوين شعرية واني رغم كتابتي بعض قصائدي في الشعرالحر الااني افضل القصيدة الموزونة المقفاة او القصيدة العمودية عليها

واشعر انها قصيدة الشعرالعربي قديما وحديثا واني شعرت حين اكتب القصيدتين ان الاولى اعلى قدرا وافضل سماعا واكثر تاثرا ومحاكاة في الوجدان العربي ومع هذا تبقى قصيدة النثر حاجة ملحة لشعر هذا العصر ولعلي ارجع يوما للتفضيل بينهما

من اشهر شعراء قصيدة الشعرالحر وروادها بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياني وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وميخائيل نعيمة وجبرا ن وكثير من شعراءالمهجر ومصر
ومن هذا الشعر نقرا هذه المقطوعة \ من شعر نازك الملائكة بعنوان النهرالعاشق \

انه يعدو ويعدو

وهو يجتاز بلا صوت قرانا

ماؤه البني يجتاح ولا يلويه سد

انه يتبعنا لهفان ان يطوي ربانا

في ذراعيه ويسقينا الحنانا

---------
اين نغدوا وهو قد لف يديه

حول اكتاف المدينة

ان يعمل في بطء وحزم وسكينة

ساكبا من شفتيه

قبلا طينية غطت مراعينا الحزينة

ذلك الاشق انا قد عرفناه قديما

انه لاينتهي من زحفه نحو ربانا

وله نحن بنينا وله شدنا قرانا

انه زائنا الماءلوف مازال كريما

كل عام ينزل الوادي وياءتي للقانا



--------------

















الفصل الرابع


الفنون الشعرية في العصر الحديث


الشعر السياسي


توسع الشعر السياسي في بدايات هذا العصر توسعا عظيما حتى قيل ان بدايات العصرالحديث- القرن التاسع عشروالقرن العشرين- كان الشعر فيه سياسيا ثوريا ناهضا وكان الدافع الرئيس لهذا الشيء هو الحالة الجديدة الناهظة في الوطن العربي فقد شارك الشعراء العرب في اذكاء كل حركات التقدم الثورية العربية وكا نوا رؤوساء ودعاة لها ومشتركين فعليا فيها فهم الاساس الاول في النهضة العربية لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضةالعربية في بدايات هذا العصر يجد ان القصيدة العربية تقطر دما و فيها روح ثورية جامحة صارمة كأن ابيات قصائدهم سيوفا مصلتة او مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا جيادهم للجها د في سبيل الحق ونصره شعبهم والذود عن وطنهم المسلوب وهم يرون شعبهم العربي قد تقاسمت الامم اسلابه فهتفوا في الشعب العربي وتغنوا ببطولات هذا الشعب الذي هب كالمارد يشق طريقه الى الحرية و الانعتاق من الاستعمار وينشد النور والامان بالايمان بقدراته وروحيته الابية الطامحة الى العلو والارتقاء والثورة .

الشعرالسياسي يمثل الاحداث العربية تمثيلا صادقا فقد ذكرت فيه الصغيرة والكبيرة من الاحداث التي المت بالامة العربية وكان الشعراء هم صوت الشعب الهادر والمدوي فالشعر نار تلتهب لتحرق ظهور الاجنبي وثورة في نفس العربي تزيدها قوة واندلاعا فالشعراء كل الشعراء هتفوا للتحرر العربي

و من الشعر السياسي هذه الابيات من قصيدة للشاعر رشيد سليم الخوري يقول :-

شمس العروبة عيل صبر المجتلي
شقي حجابك قبل شق الرمس لي

وتداركي مستعجلا لولم يخف
سيق الحمام اليه لم يستعجل

اني لمحت سناءك في غسق الدجى

رغم الصبابة والحجاب المسد ل

فلقد يرى بالروح شاعر امة
من لايرى غير النبي المرسل

واشعة الايمان تبتد ر المنى
وترد للمكفوف عيني احد ل

وكواكب الشهداء فيك بشائر
ما اذنت بالفجر لو لم تاء فل
ياهاتفا بالفرقدين تلاقيا
كلفت نفسك وصل ما لم يفصل

ما الشام ما بيروت في البلوى سوى
عيني مولهة وحدي فيصل

اراءيت ويحك مقلة هملت على
فقد الحبيب واختها لم تهمل

من هام في حب الغربيب فلست عن
حب الاخ العربي بالمتحو ل

واعز من دنيا الاعزة كلها
جاري القريب واخوتي في المنزل

يامن يعدون الدفاع تهجما
ويؤولون النقد شر مؤول

وحياة لبنان وارزته وما
اقسمت الا بالحبيب الاول

لم انو ما تعنون قط ولم اقل
الا الذي قالت بلادي قل لي



------------------------------



















الشعر الغزلي


شعر الغزل وجد منذ وجد الانسان بعاطفته وحبه اتجاه قرينته وحبيبته وفي الشعر العربي وجد في كل العصور الشعرية كما اسلفنا وتحدثنا عليه سابقا فهو تسجيل لعواطف الشاعر المحب اتجاه من يحب وما يكنه في قلبه الملتاع وفؤاده المكتوي بنار الحبوالعشق ونفسه الحرى وروحه الحيرى وفكره المشغول وعقله المسلوب من شدة الوله والحب القاتل .
تميز شعر الغزل في هذا العصر بتمثيل طبيعة النفس العربية النبيلة العفيفة فهو بعيد عن التبذل والتفسخ الخلقي الذي كان موجودا في شعر العصور العباسية وخاصة الاخي منها نتيجة للاختلاط مع الاعاجم شرقا وغربا وشمالا وفساد الاخلاق العربية تبعا لعادات وتقاليد رعاع الناس وشواذهم الاجتماعية التي انتقلت الى العرب ما يتميز ببعده عن المادية الا بعض قصائد لشاعر او اكثر
ومن شعر الغزل نقرا هذه القصيدة للشاعر احمد شوقي وهي قصيدة مغناة وتناقلتها الالسن يقول فيها :-

مضناك جفاه مرقده بكاه ورحم عوده

حيران القلب معذبه مقروح الجفن مسهده

يستهوي الورق تاءوهه ويذيب الصخر تنهده

يناجي النجم ويبعه ويقيم الليل ويقعده

ويعلم كل مطوقة شجنا في الروح تنشده


------------------------


الوصف

الوصف من الاغراض القديمة في الشعر العربي ايضا وقد توسع في هذا العصر فوصف الشعراء كل ما وقعت عليهم اعينهم ودخل في نفوسهم واخيلتهم من مشاهد طبيعية خلابةومخترعات حديثة وقد تعمق بعض الشعراء في الوصف ومن شعراءالوصف جميل صدقي الزهاوي و الشاعر عمر ابو ريشه
يقول عمر في وصف اطلال مر بها :-

قفي قدمي ان هذا المكان
يغيب به المرء عن حسه

رمال وانقاض صرح هوت
اعاليه تبحث عن اسه

اقلب طرفي به ذاهلا
واساءل يومي عن امسه

اكانت تسيل عليه الحياة
وتغفو الجفون على انسه

وتنشد البلابل في سعد ه
وتجري المقادير في نحسه

ااستنطق الصخر عن ناحيته
واستنهض الميت عن رمسه

فما يرضع الشوك من صدره
ولا ينعب البوم في راءسه


لقد تعبت منه كف الدمار
وبانت تخاف اذى لمسه

هنا ينفض الوهم اشباحه
وينتحر الموت في ياءسه


-----------------------------------



شعر الرثاء

كان لظهور رجال افذاذ اشداء قادوا الامة العربية في طريق التحرر والتقدم اثر عظيم في نفوس الشعب العربي وجعل منهم رموزا خالدة يستنير بهم فاذا فقد احدهم او اصابه مكروه او قتله الظالمون هبت بهم الحمية ونار الثورة للاخذ بالثار من قاتليه الذي سموهم اعداء الامة العربية وقد تاثرالشعراء - وهم لسان الشعب - بهذه المشاهد او هذه الظاهرة فكان كلما قتل او توفي احد الابطال العرب رثاه الشعراء بمئات القصائد التي تفيض عاطفة صادقة فكان جل رثاء هذا العصر مثل هذا الرثاء اضافة الى رثاء الشعراء لاقاربهم واحبائهم وذويهم وبعض الملوك والامراء

ومن قصيدة في رثاء الشهيد الجزائري احمد زهانة الذي اعدمه المستعمرون الفرنسيون
يقول الشاعر الجزائري ابن تومرت :–


قام يختال كالمسيح وئيدا
يتهادي نشوان يتلو النشيدا

باسم الثغر كالملائك كالط
فل يستقبل الصباح الجديدا

شامخا انفه اجلالا وتيها
رافعا راءسه يناجي الخلودا

وامتطى مفصل البطولة معرا
جا واوفي السماء يرجو المزيدا

وتعلى مثل الموءذن يلقي
كلمات الهدى ويدعوالرقو دا

صرخة ترجف العوالم منها
ونداء مضى يهز الوجودا

اشنقوني فلست اخشى حبالا
واعدموني فلست اخشى الحديدا

وسرى في فم الزمان -زهانا –
مثلا في فم الزمان شرودا

يازهانا ابلغ رفاقك عنا
في السموات قد حفظنا العهودا

وارو عن ثورة الجزائر للا
فلاك والكائنات ذكرا مجيدا

--------------------------





الشعرالتعليمي


درس بعض الشعراء العلم والادب والفلسفة ونظم هؤلاء قصائد في تعليم الطب والفلك والعلوم وفي اشياء اخرى مثلما نظم الشعراء قبلهم القصائد الطوال في قواعد النحو والصرف مثل الفية ابن مالك التي حوت تفاصيل قواعد اللغة العربية في قصيدة مكونة من الف بيت شعري شرحها العلامة ابن عقيل في مجلدين كبيرين على سبيل المثال

والشعر التعليمي تنعدم فيه العاطفة فهو شعر في الشكل والهيئة بل هو جسد شعري لا روح فيه لذلك اطلق عليه بلغاء اللغة وشعراؤها نظما وقد نظم فيه كثيرا في العصور المظلمة لنشر بعض القواعد والعلوم والامور التي يراد لها ان تحفظ وتنشر
ومن قصيدة للشاعرالزهاوي في العلم يقول فيها\

لماذا تحركت الانجم
كانك مثلي لاتعلم

وما هو كنه الاثير الذي
فسيح الفضاء به مفعم

بين الجواهر جذب فما
دواعيه اني مستعلم

هل الدفع اوضح من ذاته
من الجذب ام هل هما تؤام

هما قوتان تخالفتا
فذالك يبني وذا يهد م

------------------------------


الفخر والمدح


لقد افتخر الشعراء العرب في هذا العصر بعروبتهم كما افتخروا بانفسهم ومدحوا ابطال العروبة وافتخروا بشجاعتهم وباعمالهم المجيدة
ما ل المدح في هذا العصر الى الضعف ويتميز بعدم وجود المبالغة فيه
ومن قصيدة للشاعر محمود سامي البارودي يفخر بنفسه يقول فيها-

انا لا اقر على القبيح مهابة
ان القرار على القبيح نفاق

قلبي على ثقة ونفسي حرة
تاءبى الدنا وصارمي ذلا ق

فعلام يخشى المرء فرقة روحه
اوليس عاقبة الحياة فراق

لاخير في عيش الجبان يحوطه
من جانبيه الذل والاملاق

عابوا علي حميتي ونكا يتي
والنار ليس يعيبها الاحراق

----------------------------------






الحنين والشكوى

كثر في مطلع هذ العصر شعر الحنين الى الوطن وذلك ان كثيرا من الشعراء نفتهم الحكومات المحلية الى الخارج بسبب ميولهم الوطنية وثورتهم على الاستبداد والظلم في بلادهم ومنهم من سافر من نفسه خارج البلاد العربية ويظهر هذا في جليا في شعر شعراء المهجر الذين مازالوا يحنون الى الوطن العزيز- وهل هناك اعز من الوطن - فانشدوا القصائد التي تقطر دما ودمعا مغشاة بعاطفة فياضة ونفس عاشت بين الحسرة لرؤية الوطن والرغبة في تحريره من ايدي المستبدين الطغاة
واشتكى بعض الشعراء صروف الدهر من نكبة اصابتهم ام من خطر احدق بهم او ببلدهم ومن قصيدة في الحنين الى الوطن للشاعر المهجري جبران خليل جبران هذه الابيا ت
يقول:-

يابلادا حجبت منذ الازل
كيف نرجوك ومن أي سبيل

أي قفر دونها أي جبل
سورها العالي من منا الدليل

اسراب انت ام انت الامل
في نفوس تتمنى المستحيل

-----------------

امنام يتهادى في القلوب
فاذا استيقضت ولى المنا م

ام غيوم طففن في شمس الغروب
قبل ان يغرقن في بحر الظلام
------------------




شعر النكبات


كثرت في اول هذا العصر النكبات على الوطن العربي وتوالت عليه المحن في ظل ظروف قاسية قد مثلها الشعراء اعظم تمثيل وادق وصف في قصائدهم وجل هذه النكبات نكبات قام بها الاستعمار ضد الامة العربية منها نكبة ضياع فلسطين ونكبة دمشق قبلها وغيرذلك ومنها نكبات الوطن العربي في اعدام افضل رجاله مثل عمرالمختار وزهانه الجزائري وشهداء ثورة مايس\ 1941 في العراق وكثير غيرها تكاد تكون في كل اقطار الامة العربية .

نقتطف هذه الابيات من شعر الشاعرالعراقي جميل صدقي الزهاوي في نكبة دمشق يبكي الشهداء السوريين تضامنا معهم ومن الجدير بالذكر ان الشاعر الزهاوي من اصل كردي لكنه عراقي انتصر لامته العربية التي يعتبر الاكراد الشرفاء انفسهم جزءا منها ولا يزالون كذلك فهم في وطنهم وامتهم يعيشون يقول \

على كل عود صاحب وخليل
وفي كل بيت رنة وعويل

وفي كل عين عبرة مهراقة
وفي كل قلب حسرة وغليل

----------------------

كان وجوه القوم فوق جزوعهم
نجوم سماء في الصباح افول

دنوا فرقوها واحدا بعد واحد
وقالوا وجيزا ليس فيه فضو ل

سرت روحهم تطوي السماء لربها
وما غير ضوء الفرقدين دليل


-----------------------



الشعر الاجتماعي




هو الشعر الذي دعى الشعراء فيه الى ا لثورة على العادات البالية القديمة التي سادت المجتمع العربي وعلقت به خلال فترات الحكم المتلاحقة عليه قبل النهضة الحديثة وتعتبر من مخلفات الفترة المظلمة فدعى الشعراء الى تحرر المرأة والى فتح المدارس وتمجيدها والدعوة الى دخولها بنين وبنا ت وذم التعصب القبلي والطائفي والاقطاع ا الذي جثم فوق صدورالناس.

ومن قصيدة للشاعر العراقي معروف عبد الغني الرصافي في تشجيع فتح المدارس وبنائها هذه الابيات :--

ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا
حتى تطاول في بنيانها زحلا

هذي مدارسكم شروى مزارعكم
فانبتوا في ثراها ماعلا وغلا

يلق بها النشىء للاعمال مختبرا
وللطباع من الادران مغتسلا

ربوا البنين مع التعليم تربية
يمسي بها ناقص الاخلاق مكتملا

انا لمن امة في عهد نهضتها
العلم والسيف قبلا انشاءت دولا

ونكتفي بهذا القدر من ذكر الفنون الشعرية في بدايات عصر النهضة العربية مع العرض ان هناك كثيرا من الفنون الشعرية التي ظهرت حديثا وانشد فيها شعراءالعربية قصائدهم الا انه تبقى القصائد الوطنية هي السمة الغالبة لهذا العصر والمحرك القوي للشبا ب العربي المؤمن برسالةامته ومن اجل اعادتها الى سالف عهدها التليد



-----------------------------------------






























الفصل الخامس

شعراء العصر الحديث
او عصر النهضة


محمود سامي البا رودي



ولد محمود سامي البارودي عام 1839 ميلادية ، وكان أبوه حسن حسين بك البارودي من أمراء المدفعية ثم صار مديرا لمنطقة( بربر) ومن ثم (دنقلة) في عهد الوالي محمد علي باشا والي مصر ، وكان جده لأبيه عبد الله بك الجرسكي كشافا في عهد محمد علي مأمورا و أحد أجداد الشاعر واسمه مراد بن يوسف شاويشا ملتزما في العصر العثماني لبلدة (آيتاي البارود) إحدى مناطق محافظة البحيرة، وقد لقب بالبارودي نسبة الى هذه المنطقة وبقي هذه التسمية ملازمة لعائلته من بعده .
وكان أجداده بربطون نسبهم بنسب المماليك حكام مصر وانهم منهم وكان الشاعر محمود سامي البارودي شديد الاعتزاز بهذا النسب في شعره وفي كل أعماله ، و كان له فيه اثرا قويا في جميع أدوار حياته وفي المصير الذي انتهى أليه .
توفى والده وهو في الاسابعة من عمره فكفلته امه تر بية وتدريسا وسهرت على تعلمه
تلقي البارودي وهو في السابعة من عمره دروسه الأولى في البيت فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية
ابتدات مظاهر حبه و شغفًه بالشعر العربي تظهر في شخصيته ودراسته فحفظ الكثير من شعر الشعراء القدامى وخاصة شعراء العصر الاموي والعباسي مثل جرير والاخطل والفرزدق وابي تمام والبحتري والمتنبي وابن زيدون وكثير من الشعراء الفحول، فنظم الشعر واجاد وابدع فكان شاعرا فذا في مقتبل الشباب وعمر الصبا
وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج عام 1845م برتبة (باش شاويش )ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان اللغتين التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من الأشعار بهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما . وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (١٢٨٢ هـ = ١٨٦٥م) لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة كريت وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحروب التي خاض غمارها، يقول في رائعة من روائعه الخالدة \

أخذ الكرى بمعاقد الأجفان
وهفا السرى بأعنة الفرسان

والليل منشور الذوائب ضارب
فوق المتالع والربى بجران

لا تستبين العين في ظلماته
إلا اشتعال أسِنَّة المران

كان الشعر العربي على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تبث فيه الحركة والحياة، وتعيد له الحياة في الأوصال، فتتورد وجنتاه نضرة وجمالاً بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن البدن، واهن الحركة، كليل البصر.

وشاء الله أن يكون البارودي هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية.
أن ولاية مصر الت إلى الخديوي عباس الأول ثم إلى سعيد وكان عباس قد عدل عن خطة محمد علي الذي نظم الجند وتقدمه حين لاحظ ان الدولة العثمانية تنظر إلى الجيش المصري بعين الريبة والقلق وهذا ما جعله يغير خطته ويبتعد عن كل مايقدم الجيش والتعليم كافة لذا تعطلت النهضة التي كانت متصلة بالجيش و في الصناعة والدراسة والتعليم .مما اثر على الحياة الثقافية في البلاد عموما
ترقى البارودي في السلك العسكري والسلك المدني، وحصل على أعلى المراتب، فكان وزيراً للمعارف والأوقاف ووزيراً للحربية والبحرية في عهد الخديوي توفيق،
وبعد عودة البارودي من حرب كريت تم نقله إلى المعية الخديوية ياورًا خاصًا للخديوي إسماعيل، وقد بقي في هذا المنصب ثمانية أعوام، ثم تم تعيينه كبيرًا لياوران ولي العهد "توفيق بن إسماعيل" في (ربيع الآخر ١٢٩٠هـ = يونيو ١٨٧٣م)، ومكث في منصبه سنتين ونصف السنة، عاد بعدها إلى معية الخديوي إسماعيل كاتبًا لسره (سكرتيرًا)، ثم ترك منصبه في القصر وعاد إلى الجيش.
ولما استنجدت الدولة العثمانية بمصر في حربها ضد روسيا ورومانيا وبلغاريا والصرب، كان البارودي ضمن قواد الحملة الضخمة التي بعثتها مصر للقتال ولنجدة الدولة العثمانية، ونزلت الحملة في "وارنة" أحد ثغور البحر الأسود، وحاربت في "أوكرانيا" ببسالة وشجاعة، غير أن الهزيمة لحقت بالعثمانيين، وألجأتهم إلى عقد معاهدة "سان استفانوا" في (ربيع الأول ١٢٩٥هـ = مارس ١٨٧٨م)، وعادت الحملة إلى مصر، وكان الإنعام على البارودي برتبة "اللواء" والوسام المجيدي من الدرجة الثالثة، ونيشان الشرف؛ لِمَا قدمه من ضروب الشجاعة و البطولة.
وبعد عودة البارودي من حرب البلقان تم تعيينه مديرًا لمحافظة الشرقية في (ربيع الآخر ١٢٩٥هـ = إبريل ١٨٧٨م)، وسرعان ما نقل محافظًا للقاهرة، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها، بعد أن غرقت البلاد في الديون، وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية، بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية، ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة، وظهر تيار الوعي الديني الوطني الذي يقوده الشبخ جمال الدين الأفغاني لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار، وفي هذه الأجواء المشتعلة تنطلق قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته، توقظ النائم وتنبه الغافل، يقول \

جلبت أشطر هذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صاب ومن عسل

فما وجدت على الأيام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمل

لكننا غرض للشر في زمن
أهل العقول به في طاعة الخمل

قامت به من رجال السوء طائفة
أدهى على النفس من بؤس على ثكل

ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت
قواعد الملك حتى ظل في خلل

وبينما كان محمد شريف باشا رئيس مجلس النظار يحاول أن يضع للبلاد دستورًا قويمًا يصلح أحوالها ويرد كرامتها، فارضًا على الوزارة مسؤوليتها على كل ما تقوم به أمام مجلس النواب، إذا بالحكومة الإنجليزية والفرنسية تكيدان للخديوي إسماعيل عند الدولة العثمانية لإقصائه الوزيرين الأجنبيين عن الوزارة، وإسناد نظارتها إلى شريف باشا الوطني الغيور، وأثمرت سعايتهما، فصدر قرار من الدولة العثمانية بخلع إسماعيل وتولية ابنه توفيق.
غير أن "توفيق" نكص على عقبيه بعد أن تعلقت به الآمال في الإصلاح، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه، وأجبر شريف باشا على تقديم استقالته، وقبض هو على زمام الوزارة، وشكلها تحت رئاسته، وأبقى البارودي في منصبه وزيرًا للمعارف والأوقاف، بعدها صار وزيرًا للأوقاف في وزارة رياض.
وقد نهض البارودي بوزارة الأوقاف، ونقح قوانينها، وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة، وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد، ووضعها في مكان واحد، وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب التي أنشأها علي مبارك، كما عُني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها، فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم حتى تُبنى لها دار خاصة، ونجح في أن يولي صديقه محمد عبده تحرير الوقائع المصرية، فبدأت الصحافة في مصر عهدًا جديدًا.
ثم تولى البارودي وزارة الحربية خلفًا لرفقي باشا إلى جانب وزارته للأوقاف، بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي بعزل رفقي، وبدأ البارودي في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً، فخرج من الوزارة بعد تقديم استقالته (٢٥ من رمضان ١٢٩٨ = ٢٢ من أغسطس ١٨٨١م)؛ نظرًا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا رئيس الوزراء، الذي دس له عند الخديوي.

عاد البارودي مرة أخرى إلى نظارة الحربية والبحرية في الوزارة التي شكلها شريف باشا عقب مظاهرة عابدين التي قام بها الجيش في (١٤ من شوال ١٢٩٨ هـ = ٩ من سبتمبر ١٨٨١م)، لكن الوزارة لم تستمر طويلاً، وشكل البارودي الوزارة الجديدة في (٥ من ربيع الآخر ١٢٩٩هـ = ٢٤ من فبراير ١٨٨٢م) وعين أحمد عرابي وزيرًا للحربية، و"محمود فهمي" للأشغال؛ ولذا أُطلق على وزارة البارودي وزارة الثورة؛ لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.
وافتتحت الوزارة أعمالها بإعداد الدستور، ووضعته بحيث يكون موائمًا لآمال الأمة، ومحققًا أهدافها، وحافظا كرامتها واستقلالها، وحمل البارودي نص الدستور إلى الخديوي، فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق، ثم عرضه على مجلس النواب.
الثورة العرابية
تم كشف مؤامرة قام بها بعض الضباط الجراكسة لاغتيال البارودي وعرابي، وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين، فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان، ولمّا رفع البارودي الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه، رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقًا للدستور، ثم عرضت الوزارة الأمر على مجلس النواب، فاجتمع أعضاؤه في منزل البارودي، وأعلنوا تضامنهم مع الوزارة، وضرورة خلع الخديوي ومحاكمته إذا استمر على دسائسه.
انتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف، وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية، منذرتين بحماية الأجانب، وقدم قنصلاهما مذكرة في (٧ من رجب ١٢٩٩هـ = ٢٥ من مايو ١٨٨٢م) بضرورة استقالة الوزارة، ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وقد قابلت وزارة البارودي هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق، ولم يكن أمام البارودي سوى الاستقالة، ثم تطورت الأحداث، وانتهت بدخول الإنجليز مصر، والقبض على زعماء الثورة العرابية وكبار القادة المشتركين بها، وحُكِم على البارودي وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.
أقام البارودي في الجزيرة سبعة عشر عامًا وبعض عام، وأقام مع زملائه في كولومبو سبعة أعوام، ثم فارقهم إلى مدينة كندي بعد أن دبت الخلافات بينهم، وألقى كل واحد منهم فشل الثورة على أخيه، وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.
وطوال هذه الفترة كان البارودي ينشد الشعر ويقرض القصيد فكانت قصائده خالدة، في المنفى يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (٦ من جمادى الأولى ١٣١٧هـ = ١٢من سبتمبر ١٨٩٩م).
. بعد سلسلة من أعمال الكفاح والنضال ضد فساد الحكم وضد الإحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 قررت السلطات الحاكمة نفيه مع زعماء الثورة العرابية في كانون الاول عام 1882 إلى جزيرة سرنديب . اي جزيرة سريلانكا الحالية
مع مجموعة من رفاقه الثوار وعندها اطل شاعرنا على ساحل مصر ليلقي عليه نظرة وداع وحسرة المت بقلبه ، وما تكاد الباخرة تغادر أرض النيل الى جزيرة سرنديب حتى تشتد عواطف الشاعر الدافقة لتتحول إلى مشهد حزين ينتهي إلي تجربة شعرية صادقة تتجسد في قصيدته النونية :

ولما وقفنا للوداع وأسبلت
أهبت بصبري أن يعود فعزّني

وما هي ألا خطرة ثم أقلعت
مدامعنا فوق الترائب كالمزنٍ

وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن
بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن


ظل في المنفى أكثر من سبعة عشر عاماً يعاني الوحدة والمرض والغربة عن وطنه , بعد أن بلغ الستين من عمره اشتدت عليه وطأة المرض وضعف بصره وبناء على توصية الاطباء تقررت عودته إلى وطنه مصر للعلاج ، فعاد إلى مصر يوم 12 سبتمبر عام 1899 وكانت فرحته غامرة بعودته إلى الوطن وأنشد قصيدته أنشودة العودة التي تعتبر من روائع

أبابلَ رأي العين أم هذه مصـر ُ
فإني أرى فيها عيوناً هي السحرُ

نواعسَ أيقظن الهوى بلواحـظٍ
تدين لها بالفتْكةِ البيضُ و السمرُ

فليس لعقلٍ دون سلطانها حـمىً
ولا لفؤادٍ من غشْيَانِها سترُ

فإن يكُ موسى أبطل السحرَ مرةً
فذلك عصر المعجزات و ذا عصرُ

وطوال هذه الفترة كان البارودي ينشد الشعر ويقرض القصيد فكانت قصائده خالدة، في المنفى يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (٦ من جمادى الأولى ١٣١٧هـ = ١٢من سبتمبر ١٨٩٩م).

كان البارودي في شعره السياسي ناقداً اجتماعياً وثائراً وطنياً ومصلحاً صريحاً شديد الحرص على حرية أبناء بلده ناقداً لهوانهم وذلهم وتهاونهم في الرد على الظلم والسكوت عليه لاحظ اليه يقول :

وكيف ترون الذل دار إقـــامـة
وذلك فضل الله في الأرض واسـعُ

أرى رؤوساً قد أينعت لحصادهــا
فأين ـ ولا أين ـ السيوف القواطعُ ؟

فكونوا حصيدا خامدين أو افزعـوا
إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافـع

أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجـة
أليّ ولبّاني الصدى وهو طائـــعُ

فلم ادرِ أن الله صور قبلكـــــم
تماثيل يخلق لهن مسامـــــعُ

وكثيرا ما تغنى بمصر وجمالها وسحرها لاسيما في المنفى إذ ظلت تلك القصائد تؤكد مشاعره تجاه احبته و وطنه وامته انظر اليه يقول :

فيا (مصر) مدّ الله ظلك وآرتوى
ثراك بسلسال من النيل دافــقِ

ولا برحت تمتار منك يد الصـبا
أريجا يداوي عرفه كل ناشــقِ

فانت حمى قومي ومشعب أسرتي
وملعب أترابي ، ومجرى سوابقي

بلاد بها حل الشباب تمائمـــي
وناط نجاد المشرفيّ بعانقـــي

امتازت مراثي البلاد عند البارودي بصدق الإحساس ورقة العاطفة لذا فانه لم يرث صديقاً أو قريباً إلا كان رثاؤه صادقاً بعيداً عن شعر المناسبات، ويبدو على شعره الحزن العميق بعد أن تسلم خبر وفاة زوجته وتعد هذه القصيدة من عيون الشعر العربي في رثاء الزوجات يقول:

أَيَدَ المنون قدحت أي زنـــاد
أطرت أية شعلة بفــــؤادي

أوهنت عزمي وهو حملة فيلق
وحطمت عودي وهو رمح طراد

لا ادري هل خطب ألم بساحتي
فأناخ ، أم سهم أصاب سوادي ؟

أقذى العيون فأسبلت بمدامـع
تجري على الخدين كالفرصـاد

ما كنت احسبني أراع لحـادث
حتى منيت به فأوهـــن آدي

أبلتني الحسرات حتى لم يكـد
جسمي يلوح لأعين الـــعوّاد

استنجد الزفرات وهي لوافـح
وأسفه العبرات وهي بــوادي

بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم احمد شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم مدرسة النهضة أومدرسة الأحياء
ولم تطل الحياة بالبارودي بعد عودته من المنفى اذ توفته المنية في 4 من شوال 1322هـ ، 12 من ديسمبر 1904م، بعد سلسلة من الكفاح والنضال .
ويعد البارودي باعث النهضة الشعرية الحديثة في الشعر العربي، فقد نجح في تحميل الإطار القديم تجارب حياته الخاصة، كما نجح في إعادة الشعر العربي إلى ما كان عليه في عصوره الزاهرة، فأضحى شعره يماثل شعر الفحول في صدر العصر العباسي. كابي تمام والبحتري والمتنبي وساعده ذكاؤه الحاد وموهبته الفذة على تحقيق هذا الهدف بمعارضة الشعراء الأقدمين وتقليد أساليبهم , ومعانيهم الشعرية في بناء القصيدة ، وبذلك أصبح رائد حركة إحياء الأدب العربي الحديث، وكان عظيم التأثير في المدارس الشعرية التي اتت من بعده ،وفي شعره تلاحظ تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي..
وان شعره تلاحظ فيه تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.
وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها (كشف الغمة)، وله أيضًا (قيد الأوابد) وهو كتاب في النثر سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و(مختارات البارودي)وهي مجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو ٤٠ ألف بيت.
ومن جميل قصائده هذه القصيدة\

مــحــا البــيــنُ ما أبقتْ عيون المها مني

فـشِـــــــــبتُ ولم أقضِ اللُّبانة من سني

عـــناءٌ ، ويــــأسٌ ، واشــــتيــــاقٌ وغــربةٌ

ألا ، شــدَّ ما ألقـــــاه في الدهر من غبنِ

فإن أكُ فــــارقـــــــتُ الــــديار فـــلي بـها

فُــــــؤادٌ أضـــــــلتْهُ عــــيـــون المها مِني

بعــــثــــتُ به يــــوم النـــوى إثـــــرَ لَحْظَةٍ

فأوقــــعــــه المِقدارُ في شَـرَكِ الحُــسنِ

فـــهل من فتى في الدهــــر يجمع بـينـنا

فـــلـــيــس كِلانا عــن أخــيه بمـسـتغــنِ

ولــما وقـــفــــنـا لِلــوَدَاع ، وأســـبَــلَـــتْ

مـــــدامـــعنا فـــــوق التـــرائب كالمـــزن

أهـــبتُ بـــــــصبري أن يعودَ ، فــعـــزنـي

وناديت حــلــمــي أن يـثــوب فــلــم يُغـنِ
ولمْ تَــمـْــضِ إلا خَــطْــرَةٌ ، ثــــم أقلــعـت

بنا عـــن شطوط الحـــي أجـنِحةُ السُّفْـنِ

فـكم مُـــــهجةٍ من زَفْرَةِ الوجدِ في لــظى

وكم مُقـْــــلَةٍ مِنْ غــزرة الدمــع في دَجْنِ

ومـــا كــــنتُ جــــربتُ النـــوى قبل هـذه

فـــلما دهــــتني كِدتُ أقــضي من الحزن

ولكـــنني راجـــعــــتُ حِــــلْمـِي ، وردني

إلى الحَــــزْمِ رأيٌ لا يــحـــومُ عــلـى أَفْنِ

ولولا بُـــنــيــاتٌ وشِـــيـــبٌ عــــــــواطـــلٌ

لــمــا قَــرَعَـتْ نفـسي على فائِتٍ سِني

فيــا قــلــبُ صــبـراً إن جـــــزِعتَ ، فربمـا

جَـــرَتْ سُـــنُــحاً طَيْرُ الحــــــوادثِ باليُمْنِ

فــقــد تُـــــورِقُ الأغـــصــان بـعد ذبـــولـها

ويــبــدو ضـــياء البــدر فـي ظــلمةِ الوَهنِ

وأيُ حـــســـــــــامٍ لم تُصِـــبهُ كـــهـــامُةٌ

ولهْــــذَمُ رُمْــــحٍ لا يُــــفَــــلُ مـــن الطـعنِ

ومن شــــــــاغــــــب الأيامَ لان مَــرِيـــرُهُ

وأســــلــمــهُ طولُ المِـــراسِ إلى الوَهْـنِ

وما المــــــــرءُ في دنـــيـاه إلا كـــســالِكٍ

مناهِـــــجَ لا تخـــلو من الســهل والحَــزْنِ

فإن تـــكـــــن الــدنيا تـــولــــت بــخـيـرها

فأهــــون بدنيا لا تــــدوم عــــــــلـى فَـنِّ!

تحــمــلــتُ خـــوفُ المَــنِّ كـــلَّ رَزِيــئـــةٍ

وحـــمـــلُ رزيا الدهــــر أحــلـى من المنِّ

وعــــاشـــــرتُ أخــداناً ، فلما بَلَــــــوتُهُمْ

تـــمـــنــيــتُ أن أبقى وحـــــيداً بلا خِـدنِ

إذا عـــــرف الــمـــــرءُ القلوبَ وما انطـوتْ

عـــليه مـن البغضاءِ - عاش على ضِــغْــنِ

يــــرى بــــصــــري مــــن لا أودُ لِـــقــاءَهُ

وتــسمـــعُ أذني مــا تــعــافُ مِن اللحــنِ

وكــيــف مُــقــامي بين أرضٍ أرى بـهــــا

من الظلم ما أخنى على الدار والسَّكْـــنِ

فسَمْعُ أنين الجَوْرِ قد شـــــاك مسمعي

ورؤيـــةُ وجـــه الغـــدر حــل عُرا جَفــــني

وصــعــب عــــلى ذي اللُّبِ رئــمـانُ ذِلةٍ

يَظَلُ بها في قــــومـــــــه واهي المـــتـنِ

إذا المــــرُء لم يــــرمِ الهـــــناةَ بــمــثلـها

تــخــطى إليه الخـوف من جـانب الأمـــن

وكـن رجلاً ، إن سيمَ خَــــسْفاُ رمـتْ به

حَــــمِـــيـــتُــهُ بــيـــن الصــــوارمِ واللُّــدنِ

فلا خـــيْرَ في الــدنيا إذا المرءُ لم يعـشْ

مـــهيباُ ، تـــراه العينُ كـــالنار فـي دغْــنِ





*****************************************









احمد شوقي بيك
( امير الشعراء)

هو احمد بن علي بن شوقي، المعروف بأمير الشعراء.
ولد في القاهرة سنة 1868 وترعرع في ظلّ البيت المالك، لأن جدتّه لأمّه كانت من وصيفات القصر في عهد الخديوي اسماعيل.

تلقّى علومه الأولى في مكتب الشيخ صالح، تُمَّ انتقل إلى مدرسة(المبتديان) وبعدها إلى المدرسة التجهيزية . تخرّج بعد ذلك من مدرسة الحقوق، ونال شهادته من فرع الترجمة .
أعطاه الخديوي منحة دراسيّة ليتابع دروس الحقوق في فرنسا. فتوجّه الى مونبوليه في فرنسا حيث التحق بجامعتها لمدّة سنتين، ثم اكمل دراسة الحقوق في باريس بسنتين أخريين. ظلّ يرسل من باريس قصائد المديح في المناسبات للجناب العالي.

عاد الى مصر سنة 1892 ودخل في معيّة الخديوي عبّاس حلمي، وانقطع اليه والى نظم الشعر ونال حظوة كبيرة .

في سنة 1914، اي اثناء قيام الحرب العالمية الاولى وبعد أن خلعت انكلترا الخديوي عبّاس حلمي بسبب ميله الى الأتراك المتحالفين مع ألمانيا ضد دول الحلفاء بقيادة انكلترا ، طلبت الى شوقي ، شاعرالبلاط الخديوي ، ان يترك مصر وأن يختار منفاه، فاختار اسبانيا وسافر اليها سنة 1915.

بعد انتهاء الحرب عاد شوقي الى وطنه في أواخر سنة 1919 فوجد وجه مصر قد تغيّر في ظل الاحتلال الانكليزي ، فسارع الى التكيّف مع الوضع الجديد، فتوجّه في شعره نحو الشعب وقضاياه، فبايعه الشعراء العرب امارة الشعر سنة 1927 في أثناء حفلة تكريميّة برعاية الحكومة المصريّة. .
توفّي شوقي سنة 1932.

منح الله شوقي موهبة شعرية فذة، وبديهة سيالة، لا يجد عناء في نظم القصيدة، فدائمًا كانت المعاني تنثال عليه انثيالاً وكأنها المطر الهطول، يغمغم بالشعر ماشيًا أو جالسًا بين أصحابه، حاضرًا بينهم بشخصه غائبًا عنهم بفكره؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية؛ إذ بلغ نتاجه الشعري ما يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف بيت وخمسمائة بيت، ولعل هذا الرقم لم يبلغه شاعر عربي قديم أو حديث.

وكان شوقي مثقفًا ثقافة متنوعة الجوانب، فقد انكب على قراءة الشعر العربي في عصور ازدهاره، وصحب كبار شعرائه، وأدام النظر في مطالعة كتب اللغة والأدب، وكان ذا حافظة لاقطة لا تجد عناء في استظهار ما تقرأ؛ حتى قيل بأنه كان يحفظ أبوابًا كاملة من بعض المعاجم، وكان مغرمًا بالتاريخ يشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية لا يعرفها إلا المتعمقون في دراسة التاريخ، وتدل رائعته الكبرى "كبار الحوادث في وادي النيل" التي نظمها وهو في شرخ الشباب على بصره بالتاريخ قديمه وحديثه.

وفي الفترة التي قضاها شوقي في المنفى في إسبانيا تعلم لغتها، وأنفق وقته في قراءة كتب التاريخ، خاصة تاريخ الأندلس، وعكف على قراءة عيون الأدب العربي قراءة متأنية، وزار آثار المسلمين وحضارتهم في إشبيلية وقرطبة وغرناطة.
وأثمرت هذه القراءات أن نظم شوقي أرجوزته "دول العرب وعظماء الإسلام"، وهي تضم 1400 بيت موزعة على (24) قصيدة، تحكي تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة، على أنها رغم ضخامتها أقرب إلى الشعر التعليمي، وقد نُشرت بعد وفاته.

وفي المنفى اشتد به الحنين إلى الوطن وطال به الاشتياق وملك عليه جوارحه وأنفاسه. ولم يجد من سلوى سوى شعره يبثه لواعج نفسه وخطرات قلبه، وظفر الشعر العربي بقصائد تعد من روائع الشعرالعربي صدقًا في العاطفة وجمالاً في التصوير، لعل أشهرها قصيدته التي بعنوان "الرحلة إلى الأندلس"، وهي معارضة لقصيدة البحتري التي يصف فيها إيوان كسرى، يقول :

صنت نفسي عما يدنس نفسي
وترفعت عن جدا ر كل جبس

وقد بلغت قصيدة شوقي (110) أبيات تحدّث فيها عن مصر ومعالمها، وبثَّ حنينه وشوقه إلى رؤيتها، كما تناول الأندلس وآثارها الخالدة وزوال دول المسلمين بها،
ومن أبيات القصيدة التي تعبر عن ذروة حنينه
إلى مصر قوله:

حرام على بلابله الدوح
حلا ل للطير من كل جنس

وطني لوشغلت بالخلد عنه
نازعتني اليه في الخلد نفسي

شهد الله لم يغب عن جفوني
شخصه ساعة ولم يخل حسي

عاد شوقي إلى الوطن في سنة (1339هـ = 1920م)، واستقبله الشعب استقبالاً رائعًا واحتشد الآلاف لتحيته، وكان على رأس مستقبليه الشاعر الكبير "حافظ إبراهيم"، وجاءت عودته بعد أن قويت الحركة الوطنية واشتد عودها بعد ثورة\ 1919م، وتخضبت أرض الوطن بدماء الشهداء، فمال شوقي إلى جانب الشعب، وتغنَّى في شعره بعواطف قومه وعبّر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجّل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال.

لقد انقطعت علاقته بالقصر واسترد الطائر المغرد حريته، وخرج من القفص الذهبي، وأصبح شاعر الشعب المصري وترجمانه الأمين، فحين يرى زعماء الأحزاب وصحفها يتناحرون فيما بينهم، والمحتل الإنجليزي لا يزال جاثم على صدر الوطن،
فيهتف فيهم قائلاً:

الام الخلف بينكم الاما
وهذي الضجة الكبرى علاما

وفيم يكيد بعضكم لبعض
وتبدون العداوة والخصاما

واين الفوز لامصر استقرت
على حال ولا السودان داما

ورأى في التاريخ الفرعوني وأمجاده ما يثير أبناء الشعب ويدفعهم إلى الأمام والتحرر، فنظم قصائد عن النيل والأهرام وأبي الهول. ولما اكتشفت مقبرة توت عنخ أمون وقف العالم مندهشًا أمام آثارها المبهرة، ورأى شوقي في ذلك فرصة للتغني بأمجاد مصر؛ حتى يُحرِّك في النفوس الأمل ويدفعها إلى الرقي والطموح، فنظم قصيدة رائعة مطلعها:

قفي يااخت يوشع خبرينا
احاديث القرون الغابرينا

وقصي من مصارعهم علينا
ومن دولاتهم ما تعلمينا

وامتد شعر شوقي بأجنحته ليعبر عن آمال العرب وقضاياهم ومعاركهم ضد المستعمر، فنظم في "نكبة دمشق" وفي "نكبة بيروت" وفي ذكرى استقلال سوريا وذكرى شهدائها، ومن أبدع شعره قصيدته في "نكبة دمشق" التي سجّل فيها أحداث الثورة التي اشتعلت في دمشق ضد الاحتلال الفرنسي،
ومنها هذه الابيات \

بني سورية اطرحوا الاماني
وألقوا عنكم الاحلام ألقوا
وللاوطان في دم كل حر
يد سلفت ودين مستحق
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق

ولم تشغله قضايا وطنه عن متابعة أخبار دولة الخلافة العثمانية، او قل دولة الخلافةالاسلامية في هذا العالم الواسع فقد كان لها محبًا عن شعور صادق وإيمان جازم بأهميتها في حفظ رابطة العالم الإسلامي، وتقوية الأواصر بين شعوبه، حتى إذا أعلن "مصطفى كمال أتاتورك" إلغاء الخلافة الاسلامية في تركيا واعلنها جمهورية تركيا سنة 1924 وقع الخبر عليه كالصاعقة، ورثاها رثاءً صادقًا في قصيدة مبكية حزينة تفتت الكبد الحر الحريص على الاسلام والدين الاسلامي مطلعها:

عادت اغاني العرس رجع نواح
ونعيت بين معالم الافراح

كفنت في ليل الزفاف بثوبه
ودفنت عند تبلج الاصباح

ضجت عليك ماذن ومنابر
وبكت عليك ممالك ونواح

أصبح شوقي بعد عودته من المنفى شاعر الأمة المُعبر
عن قضاياها، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر سنة (1346هـ = 1927م) في حفل أقيم بدار الأوبرا المصرية في القاهرة بمناسبة اختياره عضوًا في مجلس الشيوخ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه "الشوقيات". وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه،

وأعلن في هذا الحفل الشاعر حافظ إبراهيم باسمه ونيابة عن كل الشعراء والادباء العرب الحاضرين مبايعتهم احمد شوقي بإمارة الشعر قائلاً:

بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي
بشعر امير الدولتين ورجعي

اعيدي الاسماع ماغردت به
براعة شوقي في ابتداء ومقطع

امير القوافي قد ا تيت مبايعا
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

وبهذا اصبح شوقي اميرا للشعراء
ولم يكن لهم ا مير قبل ذلك

احمد شوقي كان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها لتحدث النغم الذي يثير الطرب ويجذب الأسماع، فجاء شعره لحنًا صافيًا ونغمًا رائعًا لم تعرفه العربية إلا لقلة قليلة من فحول الشعراء.

وإلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للفرنسية التي مكنته من الاطلاع على آدابها والنهل من فنونها والتأثر بشعرائها، وهذا ما ظهر في بعض نتاجه وما استحدثه في العربية من كتابة المسرحية الشعرية لأول مرة.
وقد نظم الشعر العربي في كل أغراضه من مديح ورثاء وغزل، ووصف وحكمة، وله في ذلك أوابد رائعة ترفعه إلى قمة الشعر العربي، وله آثار نثرية كتبها في مطلع حياته الأدبية، مثل: "عذراء الهند"، ورواية "لادياس"، و"ورقة الآس"، و"أسواق الذهب"، وقد حاكى فيه كتاب "أطواق الذهب" للزمخشري، وما يشيع فيه من وعظ في عبارات مسجوعة.

وقد جمع شوقي شعره الغنائي في ديوان سماه "الشوقيات"، ثم قام الدكتور محمد صبري السربوني بجمع الأشعار التي لم يضمها ديوانه، وصنع منها ديوانًا جديدًا في مجلدين أطلق عليه "الشوقيات المجهولة".
ألف شوقي ديوانه الشوقيات ويقع في أربعة أجزاء ويتضمن سيرته ومجمل شعره
وأنتج فى أخريات سنوات حياته مسرحياته الشعرية وقد استمد اثنتين منها من التاريخ المصري القديم، وهما مصرع كليوباترا وقمبيز
ومسرحية اخرى من التاريخ الإسلامي هي مجنون ليلى، وأخري من التاريخ العربي القديم هي عنترة
وأخرى من التاريخ المصري العثماني وهي علي بك الكبير، وله مسرحية نثرية هي أميرة الأندلس
ومسرحيتان هزليتان، هما: الست هدي، والبخيلة.
ولأمر غير معلوم كتب مسرحية أميرة الأندلس نثرًا، مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد.

وقد غلب الطابع الغنائي والأخلاقي على مسرحياته، وضعف الطابع الدرامي، وكانت الحركة المسرحية بطيئة لشدة طول أجزاء كثيرة من الحوار، غير أن هذه المآخذ لا تُفقِد مسرحيات شوقي قيمتها الشعرية الغنائية، ولا تنفي عنها كونها ركيزة الشعر الدرامي في الأدب العربي الحديث.
في بداية النهضة العربية الشعر العربي كان كأنه على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تعيد فيه الحركة والحياة، وتعيد له الدماء في الأوصال، فتتورد ابياته وتزدهر بنضرة وجمالً مبدع - بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن المعنى اسير الحكاياة والمحاكاة ، قليل الحركة، كليل الموسيقى الشعرية اوالقوافي والابداع .- ليعيد نشاطه الواسع والثابت في النفوس العربية المتعطشة اليه

وشاء الله تعالى أن يكون البارودي هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية.
ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره- وإن كان له فضل السبق والريادة- فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال: إسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم، وأحمد نسيم، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري.في مصر والكاظمي والزهاوي والرصافي في العراق وناصيف اليازجي واولاده في الشام وابوالقاسم الشابي في تونس وغيرهم كثير ومنهم شعراء المهجر وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضى واختيار، فقد ملأ الدنيا بشعره، وشغل الناس، وأشجى القلوب

نظم شوقي العديد من القصائد في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) تعتبر من أبدع شعره ومن أشهر قصائده نهج البردة التي عارض فيها البوصيري في بردته ومنها يقول:

رزقتَ أسمح ما فــي الناس مــن خُلق
إذا رزقــت التماس العـــذر في الشيم
يا لائمي فــي هـــواه والهوى قــدرٌ
لـــو شفّك الوجدُ لـــم تعــذل ولــم تلم
لقـــد أنلتـــــك أُذناً غيــــر واعيــــــــةٍ
وربَّ منتصتٍ والقلـــبُ فـــي صمــم

وتعتبر قصائد ( ولد الهدى وسلوا قلبي و نهج البردة) من أهم القصائد الإسلامية لشوقي، وتقع قصيدة( ولد الهدي) في مائة وواحد وثلاثين بيتًا، اختارت منها أم كلثوم أربعة وثلاثين بيتًا، وأعادت ترتيبها على غير ترتيبها في الديوان وغنتها فكانت بداعة في الاداء والشعر المغنى من ألحان رياض السنباطي ومنها:

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا
بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ

وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ
وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ

نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ
في اللَوحِ وَاسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ

اسمُ الجَلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ
أَلِفٌ هُنالِكَ وَاسمُ طَهَ الباءُ

ومن قصائده التي يرد فيها على مزاعم المستشرقين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بحد السيف يقول:

قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا
لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم

جهل وتضليل أحلام وسفسطة
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم

كان شوقي عاشقا للموسيقي والغناء وقد احتضن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي يقول عنه\
(كان له الفضل في التحاقي بمعهد الموسيقي الشرقية وتقديمي إلي القادة والزعماء وأحاطني بعنايته وخصص لي مدرساً يعلمني الفرنسية وأخذني إلي باريس لأذهب إلي الاوبرا والمتاحف ليطلعني علي الفن الحقيقي.
وقال لي : ارجوك يا محمد آلا تهمل شعري بعد أن أموت .. تغني قصائدي .. فخلودي في أن يردد الشعب شعري .. وأنت كفيل بأن تجعل الشعب يردده.)

وذات يوم وجه شوقي دعوة لأم كلثوم التي لبت الدعوة وقامت بالغناء في كرمة ابن هانىء ومن اعجابه بالغناء قدم لها كأسا من الخمر ولكنها لم تكن تشرب الخمر فتصرفت بلباقة وذكاء ورفعته علي شفتيها فقط دون أن ترتشف منه شىء وقد اعجب شوقي بلباقتها فكتب لها قصيدة - يقال أوصلها بنفسه في الصباح التالي - وقد ظلت القصيدة منذ عام 1932م إلي عام 1944 حيث عهدت بها لرياض السنباطي لتلحينها وغنتها بعد أن تم تغيير كلمات بيتين ورد فيهما اسم أم كلثوم ، يقول شوقي في مطلع القصيدة :
سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واستخبروا الراح هل مست ثناياها

ومن بدائع قصائده هذه القصيدة التي تغنى بها الموسيقا ر محمد عبد الوهاب ومن بعده فيروز صاحبةالصوت الجميل الناعم ذي الصدحات العالية والنغمات الطويلة او الراقصة في بعض الانغام التي تطرب الاسماع وتنشرح لصوتها الصدور


شَيَّعْتُ أحلامي بِقَلْبٍ باكِ
ولَمَمْتُ من طُرُقِ المِلاحِ شِباكي

وَرَجَعتُ أَدْراجَ الشَبابِ وَوَرْدَهُ
أَمشي مَكانَهُما عَلى الأشواكِ

وَبِجانِبي وَاهٍ كَأَنَّ خُفوقَهُ
لَمَّا تَلَفّتَ جَهْشَةُ المُتَباكي

شاكي السِّلاحِ إذا خَلا بِضُلوعِهِ
فإذا أُهِيْبَ بِهِ فَلَيْسَ بِشاكِ .
..
لَمْ تَبْقَ مِنَّا يا فُؤادُ بَقيَّةٌ
لِفُتُوَّةٍ أو فَضْلَهٌ لِعِراكِ

كُنَّا إذا صَفَّقْتَ، نَسْتَبِقُ الهوّى
وَنَشُدُ شدَّ العُصبَةِ الفُتَّاكِ

واليومَ تَبعَثُ فِيّ حيْنَ تَهُزُّني
ما يَبْعَثُ الناقوس في النُسَّاكِ

يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وعَادَنيْ
ما يُشْبِهُ الأحلامَ مِنْ ذِكْراكِ

مَثَّلْتُ في الذكرى هَواكِ وَفي الكَرى
والذِّكرياتُ صَدى السِنيْنَ الحاكي

ولَقَدْ مَرَرْتُ عَلى الرياضِ بِرَبْوةٍ
غَنّاءَ كُنتُ حِيالَها ألقاكِ

ضَحِكَتْ إليًّ وُجوهُها وَعيونُها
وَوَجّدتُ في أنفاسِها رَيّاكِ

لَمْ أَدرِ ما طِيْبُ العِناقِ عَلى الهَوى
حتَّى تَرَفَّقَ ساعِدي فَطَواكِ

وتأَوَّدَتْ أعْطافُ بانِكِ في يّدي
واحمًرَّ مِنْ خَفَريهِما خَدَّاكِ

وَدَخَلْتُ في لَيلَينِ فَرْعَكِ والدُجى
ولَثَمْتُ كَالصُبْحِ المُنَوَّر فاكِ ...

وتَعَطَّلَتْ لُغَةُ الكَلامِ وخاطَبَتْ
عينيَّ في لُغَةِ الهَوى عَيْناكِ ...

لا أَمْسِ مِنْ عُمْرِ الزمانِ ولا غَدٌ
جُمِعَ الزَمَانُ فَكانَ يَوْمَ رِضاكِ
.
من قصيدة في رثاء البطل العربي عمرالمختار الذي اعدمه الطليان الايطاليون يقول :-

ركزوا رفاتك في الرمال لواءا
يستنهض الوادي صباح مساءا

ياويحهم من نصبوا منارا من دم
يوحي الى جيل الغد البغضاء

ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد
بين الشعوب مودة وا خاء

جرح يصيح على المدى وضحية
تتلمس الحرية الحمراء

ياايها السيف المجرد بالفلا
يكسو السيوف على الزمان مضاء

خيرت فاخترت المبيت على الطوى
لم تبن جاها ولم تلم ثراء

ان البطولة ان تموت من الضما
ليس البطولة ان تعب الماء

بطل البداوة لم يكن يغزو على
تنك ولم يك يركب الاجوا ء

شيخ تمالك سنه لم ينفجر
كالطفل خوف العقاب بكاء



-----------------------














معروف الرصافي



معروف عبد الغني الرصافي ولد ببغداد سنة\ 1294 هجرية 1875 ميلادية ودرس في الكتاتيب فيها ومن ثم في المدرسة الرشيدية
درس الادب العربي في جامع الفضل حيث أتصل بالشيخ العلامة محمود شكري الألوسي ولازمهُ أثنتي عشرة سنة، وتخرج عليهِ وكان يرتدي العمامة وزي العلماء وسماهُ شيخهُ الألوسي (معروف الرصافي) ليكون في الصلاح والشهرة والسمعة الحسنة، مماثلا لمعروف الكرخي.

عين الرصافي معلماً في مدرسة الراشدية التي أنشأها الشيخ عبد الوهاب النائب، شمال الأعظمية، ثم نقل مدرساً للأدب العربي في الأعدادية المركزية ببغداد، أيام الوالي نامق باشا الصغير عام \ 1902م، وظل فيها حتى أعلان الدستور العثماني عام\ 1908م،

ثم سافر إلى اسطنبول لعله يحضى برعاية الحكومة العثمانية الاانه لم يحظ برعايتها فرجع ،
ثم عين مدرساً لمادة اللغة العربية في الكلية الشاهانية ومحرراً لجريدة\ سبيل الرشاد عام 1909م

انتخب عضوا في مجلس( المبعوثان ) العثماني مرتين في عامي \1912 و\1914 وكذلك انتخب عضوا في مجلس النواب العراقي مرات عديدة

اشتغل مدرسا في دار المعلمين العالية ببغداد و مفتشا في وزارة المعارف العراقية الا انه عزف عن العمل الحكومي بعد ذلك وعاش منزويا في داره وقد حاق به الفقر في اخرايامه حتى قيل انه قام بيع السكاير المفردة للعيش مما تدره عليه لعدم تمكنه من العمل ولايوجد له من يعيله في كبرسنه

عين مدرساً في دار المعلمين في القدس عام 1920م، وعاد إلى بغداد عام 1921م.
وعندما احتل الإنجليز العراق سنة 1920م، سرعان ما نصبوا فيصلا بن الحسين ملكاً على البلاد وأصدروا دستورا وأنشئوا برلمانا وأصبحت أمور البلاد بأيديهم فثار الشعب العراقي بوجه الاستعمار البريطاني وبضمنهم الشاعر الرصافي حيث كانت قصائده تلتهب نارا ثورية مستعرة وقد هزء بسخرية من الانكليز واذنابهم ومما قاله قصيدته التي جاء فيها:

علم ودستور ومجلس أمة
كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها
أما معانيها فليست تعرف

من يقرأ الدستور يعلم أنه
وفقا لصك الانتداب مصنف

فالدستور الذي سن في نظره ما هو إلا وثيقة جديدة للانتداب الذي فرضه الإنجليز على العراق، دستور مزيف وعلم الدولة مزيف هو الآخر، وحتى المجلس الذي يسمى بمجلس الأمة أيضا كان مزيفا، ثم نلاحظ الشاعر الرصافي يصرخ ساخرا ويقول:

يا قوم لا تتكلموا
إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوم

وتأخروا عن كل ما
يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهم جانبا
فالخير أن لا تفهموا

أما السياسة فاتركوا
أبـدا ً ولا تنـدموا

سافر إلى الإستانة( استانبول ) عام \ 1922م، وعاد إلى بغداد عام \ 1923م، وأصدر فيها جريدة (الأمل) وأنتخب عضواً في مجمع اللغة العربية في دمشق، عام \ 1923م، وبعد ذلك عين مفتشاً في مديرية المعارف ببغداد عام \ 1924م، ثم عين أستاذاً في اللغة العربية بدار المعلمين العالية عام \ 1927م.

عاصر معروف الرصافي الشاعرَ العراقي جميل صدقي الزهاوي وقد دعى كلاهما إلى تحرير المرأة ونزع الحجاب (العباءة) التي كانت ولا تزال مستخدمة في العراق..

اختلف الرصافي والزهاوي وتشنج احدهما من الاخر كثيرا واختلفت الاراء الا ان هذه الحالة كللت بالصلح بينهما قبل وفاتهما في جلسة اصلح بينهما السيد محمود صبحي الدفتري في داره في الحيدرخانة وقد حضر الجلسة المفكرون ورجال الثقافة منهم \ عبد العزيز الثعالبي وروفائيل بطي وفؤاد السمعاني والعلامة محمد بهجت الأثري.
ارتحل الرصافي من بغداد الى الفلوجة التي تبعد عنها قرابة \80كم بعد أن سئم الحياة في بغداد، ونزل في ضيافة آل عريم ، الذين أنزلوه أحد منازهم المطلة على نهر ولغرض التفرغ للمطالعة والكتابة فكان يمضي مدة الصباح حتى الظهر بالكتابة
أن الملك فيصل الاول قد اجتمع مع الرصافي في مجلس عام عاتبه على بيته الذي يقول فيه-( يعدد أياماً ويقبض راتباً) فقال له \ يامعروف أنا الذي أعدد أياماً وأقبض راتباً فأجابه الرصافي أرجو أن لاتكون كذلك ياصاحب الجلالة

يتميز شعره بسهولة الالفاظ وجزالتها وعلو الاسلوب وقد اشتهر بالشعر السياسي وقارع الاستعمار الانكليزي كثيرا وناضل في سبيل تحرير بلده وامته.و برع في الوصف والغزل والمدح والفخر وحث على تاءسيس المدارس والمعاهد والثورة على التاءخر والانحطاط الاجتماعي
لاحظ قصيدته اذ يقول:

ابنوا المدارس واستقصوا بها الأملا
حتى نطـاول في بنيانها زحلا

جودوا عليها بما درت مكاسبكم
وقابلـوا باحتقار كل مـن بخلا

لا تجعلوا العلم فيها كـل غايتكم
بل علموا النش‏ء علما ينتج العملا

ربـوا البنيـن مع التعليم تربية
يمسي بهـا ناطق الدنيا به المثلا

فجيشوا جيش علم من شبيبتنـا
عرمرما تضـرب الدنيا به المثلا

أنا لمن أمة في عهد نهضتنا
بالعلم والسيف قبلا انشات دولا

ارتحل الرصافي من بغداد الى الفلوجة التي تبعد عنها قرابة \80كم ارتحل إلى هناك بعد أن سئم الحياة في بغداد، ولغرض التفرغ للمطالعة والكتابة فكان يقضي وقته من الصباح حتى الظهر بالكتابة والتاليف
اشتغل مدرسا في دار المعلمين العالية ببغداد و مفتشا في وزارة المعارف العراقية الا انه عزف عن العمل الحكومي بعد ذلك وعاش منزويا في داره وقد حاق به الفقر في اخرايامه حتى قيل انه قام بيع السكاير المفردة للعيش مما تدره عليه لعدم تمكنه من العمل ولايوجد له من يعيله في كبرسنه


توفي الرصافي بدارهِ في محلة السفينة في الأعظمية ببغداد ليلة الجمعة في ربيع الثاني عام1364هـ/16 مارس 1945م، وشيع بموكب مهيب سار فيهِ الأدباء والأعيان ورجال الصحافة ودفن في مقبرة الخيزران
شيد للشاعرالرصافي نصبا تذكاريا تمثالاً في الساحة المقابلة لجسر الشهداء عند تقاطع الشارع الاتي من صوب الكرخ عبر جسر الشهداء مع شارع الرشيد القريب من سوق السراي ( سوق الرواقين ) والمدرسة المستنصرية الأثرية في بغداد وسميت الساحة باسمه ( ساحة الرصافي ) ولايزال التمثال يزين الساحة قائما وشامخا بها .

برع في الوصف والغزل والحكمة والفخر وحث على تاءسيس المدارس والمعاهد والثورة على التاءخر والانحطاط ومن قصيدة له في وصف غروب الشمس هذه الابيات

نزلت تجرالى المغيب ذيولا
صفراء تشبه عاشقا متبولا

تهتز بين يد المغيب كاءنها
صب تململ في الفراش عليلا

ضحكت مشارقها بوجهك بكرة
وبكت مغاربها الدماء اصيلا

قد حان في نصف النهار دلوكها
هبطت تزيد علىالنزول نزولا

حتى دنت نحو المغيب ووجهها
كالورس حال به الضياء حيولا

وغدت باقصى الافق مثل عرارة
عطشت فابدت صفرة وذيولا

غربت فابقت كالشواظ عقيبها
شفقا بحاشية السماء طويلا

شفق يروع القلب شاحب لونه
كالسيف ضمخ بالدما مسلو لا

يحكي دم المظلوم مازج ادمعا
هملت يها عين اليتيم همو لا

رقت اعاليه واسفله الذي
في الافق اشبع عصفرا محلو لا



----------------------------------------------


















عبد المحسن الكاظمي

شاعرالبديهة والارتجال

هو ابو المكارم عبد المحسن بن محمد بن على بن محسن بن محمد بن صالح بن علي بن هادي النخعي من سلالة الأشتر النخعي وقيل أنه ينتسب لأسرة علمية يتصل نسبها بالإمام موسى الكاظم رضي الله عنه
ولد في بغداد عام\ 1871 ، وتوفي عام \1935
درس في الكاظمية والنجف الاشرف

انه شاعر فحل، كان يلقب بشاعر العرب. امتاز بارتجال القصائد الطويلة الرنانة. ولد في محلة (الدهانة) ببغداد، ونشأ في الكاظمية، فنسب إليها. وكان أجداده يحترفون التجارة بجلود الخراف، فسميت اسرته (بوست فروش) بالفارسية، ومعناه (تاجر الجلود) وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ورغبه والده في العمل في التجارة والزراعة، الاانه لم يرغب بالعمل باي منهما وترك العمل بهما. واستهواه الأدب والشعر فقرأ علومه وحفظ الكثير من ابيات الشعر لفحول الشعراء ثم تعلم نظم الشعر فنظم. وأول ما نظم الغزل، فالرثاء، فالفخر. وعندما مر السيد جمال الدين الأفغاني بالعراق، اتصل به، فاتجهت إليه أنظار رجال الحكومة والجواسسيس وكتبوا عنه الوشايات ، الى الباب العالي وذلك في عهد عبد الحميد الثاني ، فطورد، فلاذ بالوكالة الإيرانية ببغداد. فحجبته عن الانظار الا انه
خاف النفي أو الاعتقال، فسافر الى الجنوب وساح نحو سنتين في عشائر العراق الجنوبية و سافر الى إمارات الخليج العربي والى ايرا ن والهند، ثم سافر الى مصر سنة 1911ميلادية 1316هـ، على امل أن يواصل سيره إلى أوروبا، فطارت شهرته، وفرغت يده مما ادخر، فلقي في مصر من الشيخ محمد عبده العون والمساعدة وبره الخفي ما حبب إليه المقام بمصر، فأقام. وأصيب بمرض ذهب ببصره إلا قليلاً.

ومات محمد عبده ، فعاش في ضنك يستره إباء وشمم وعزة نفس عالية ، إلى أن توفي، في مصر الجديدة، من ضواحي القاهرة. سنة 1935 ميلادية
لقب بشاعر (البديهيه والارتجا ل)لانه من اهم مميزات شخصيته مقدرته العظيمة في ارتجاله الشعر ، فقد كان يلقي القصائد في مناسبات متعدده فيرتجل القصائد الطوال من خمسين او ستين بيتا دون اي ركاكه او ضعـــف. بل كان في احيان أخرى يرتجل المائه والمائه والخمسون مشـرقا في الفاظه ومعانيه .
ولقب ايضا بشاعر العرب ؛وبشاعر الكفاح الخالد وكان شعره شعر البداوة لكثرة حفظه للشعر القديم وقيل انه كان يحفظ اثني عشرالف بيت من الشعر وشعره يمتاز بمتانة التعبير بعذوبة الالفاظ و وقوة المعاني وفصاحة البيان وفيه ابتعاد عن المدح الكاذب وتجنب الاقوال الهزيلة .كان شاعر العروبة حيث تغنى بأمجاد العراق والشام ومصر والحجاز وشحذ الهمم العربية ...وحارب الاستعمار والاستبداد وشعره فيه ثورة عارمة شديدة تحس بها وانت تقرا شعره.

نعم لقد اثر تأثيــرا مباشرا على النهضه الادبيه بكتبه وشعره وهو خير اديب تفخــر به العروبة وتعتـــز به الضــاد . كان يرتدي العمامه البيضاء والجبه الفضفاضه .
عاش اكثر حياته في مصر.

ملأ الصحف والمجلات شعراً، وضاعت منظومات صباه. وجمع أكثر ما حفظ من شعره في (ديوان الكاظمي-ط) مجلدان.

في الحلقات الدينية في الكاظمية والنجف .

دواوينه : طبع المجموعة الأولى من ديوان الكاظمي عام 1940 والمجموعة الثانية عام 1948 والمجموعتان الثالثة والرابعة عام 1987 ، وله قصائد الكاظمي 1919 ، معلقات الكاظمي 1924 عراقيات الكاظمي 1960\ .ونعم ما قال :

سيروا بنا عبقاً وشـــدّا ... سيروا بنا ممســـا ومغدا

سيروا نــذب عن الحمـى ... ونردّ عنــه المـستبـــدا

نحمي حمــى أوطاننــا ... ونصونهـا غورا ونجــــدا

سيــروا نؤلف شملهــا . .. ونعيــدها عقدا وعقــــدا

تالله لا ارتضـــي الحياة ... أرى لديها الخســـف وردا

سيروا نشــد لديارنـــا .. . عـــدلا يهد الظلم هــــدّا

لاحظه ينشد بثورية \ :

جليَّ المعالي أيُّ يومَيْكَ أعظمُ
أيومَ تشدّ الرحلَ أم يوم تُقدِمُ؟

أجدّكَ ما يوماكَ إلا صحيفةٌ
يُخَطّ بها فخرُ الرجالِ ويُرْقَم

وليس كلا يومَيْكَ إلا عزيمةً
يُشاد بها مجدُ البلادِ ويُدعَم

فيومُكَ إن ترحل ويومكَ إن تَؤُبْ
سبيلٌ إلى نَيْل الأماني وسُلَّم

إذا صحّ لليومين وصفٌ له اقتفوا
وجُدّوا على آثاره وتَرسَّموا

فيوماكَ جِدٌّ للحياة وجِدّةٌ
ويوماكَ شَهْدٌ في المذاق وعلقم
....
الشاعر الشيخ عبد المحسن الكاظمي الشهير بالارتجال والشاعر الذي أجمع العديد من النقاد على قدرته بارتجال الشعر، والذي كذاك يذهب في شعره مذهب الشعراء الأقدمين..
وأهم صفة في الكاظمي الاعتداد بنفسه والحافظة العجيبة وارتجاله الشعر فقد روى المرحوم الدكتور عز الدين آل ياسين الذين كان يطلب العلم في مصر- الكنانة، ان الكاظمي دعى مرة الى حفل أقيم في مصر حيث قدمه عريف الحفل لالقاء قصيدة فما كان الا ارتجال قصيدة غراء عصماء، جاوزت أبياتها مئة بيت وبيت، بين دهشة واستغراب حضور ذلك الحفل الحاشد..

ومن الذيبن أبدوا قدرة ارتجال الكاظمي، وعباس محمود العقاد، ، وعبد القادر المغربي، وحليم سركس، وأسعد داغر، وكمال ابراهيم، ومحمد مهدي البصير، وأحمد الصافي النجفي، وآخرون.

عاش الكاظمي في أرض الكنانة أكثر من (39)عاما، وهناك طحنته الحاجة حيث اشتغل كما روى آل ياسين انه اشتغل في نقل الحجارة والجص، ولم يمد يده لا الى القريب والى الى البعيد، إباء واعتداء وكان لا يرضى أبدا أن يكون موضع عطف الآخرين، وفي أخريات أيامه كان يروي المقربون اليه.. أنه كان يحدث حضار مجلسه عن أمراضه وأحزانه، فقد كان قد امتد به العمر ((70) عاما وضعف بصره وصار لا يميز وجوه مجلسه، الذين كان قبلا حافل بالمداعبات والأفاكيه والمطايبات والمستملحة غير المخدشة.
صال وجال الشيخ الكاظمي، في شعره طارقا شتى الأغراض، المديح والغزل، والرقاء والسياسة.

سيروا بنا عبقاً وشـــدّا ... سيروا بنا ممســـى ومغدى

سيروانــذب عن الحمـى .. . ونردّ عنــه المـستبـــدا

نحمي حمــى أوطاننــا . .. ونصونهـا غورا ونجــــدا

سيــروا نؤلف شملهــا ... ونعيــدها عقدا وعقــــدا

تالله لا ارتضـــي الحيـا ... ة ارى لديها الخســـف وردا

سيروا نشــد لديارنـــا . .. عـــدلا يهد الظلم هــــدّا


كما. انه كان يعتنى في مأكله وملبسه وقيافته حيث كان يرتدي )الجبة والزبون والزخمة.. والعمة او العمامة.)
ويقول الدكتور يوسف عز الدين:

(شاعر العرب الأكبر الشيخ عبد المحسن الكاظمي، لم يكن كاظميا أو عراقيا فحسب، وانما كان عربيا شرقيا، وقف شعره على أمته وشرقه وتغنى فيهما بأجمل الأغاريد وأعذب الألحان، وتاريخ حياته معروف فقد وصل مصر هاربا من الجور ليغرد أغاني المجد على أفنان الحرية وينشد أناشيد الاستقلال، التي زخر شعره بألوانها..
وديوانه الأول والثاني خير دليل وأنصع برهان، وعلى الرغم من أن مصر كانت وطنه الثاني الا ان الحنين كان يعاوده الى العراق فنحس حنينه الذي يعتري كل غريب فتنتابه الذكريات الى أهله وعشيرته \

إلا خبر من ثنايا العراق
يطلع او زورة تطرق
هل الدار بعدي كعهدي بها
يباكرها العارض المغدق

وبعد ان يحرقه الوجد والحنين ينطوي على نفسه ويحز فؤاده الفراق ويدع الحشا تتلظى وجدا وحسرة وتتحرق جفناه على الديار ويسال الدار، ولكن هل تتكلم الديار عندما ييد ان يستاف أخبار العراق.

أمعاهدة الأحباب هل خبر
تسري به الأرواح ما تسري

ويخلص الدكتور يوسف عز الدين الى القول:
وقد كان الكاظمي أول شاعر حمل لواء الوحدة العربية والدعوة اليها والتغني بها يوم كانت الأوطان نور العين وفداء النفس وليست مكانا للهو وقضاء الحياة بدون رسالة او هدف معين.
ومن شعر الكاظمي في حب الوطن والحنين اليه \يقول

أحن اذا قيل العراق وأغني
وأشهق ان قيل الشام وأزفر

وأطرق ان قيل الحجاز على جوى
وأعجب أما قيل مصر وأبهر

منى النفس ان يلقى العراق وغيره
من الخير ما يهوى وما يتخير

جميع بلاد العرب في القدر واحد
اذا وازنوا البلدان يوما وقدروا

ومن شعره :

لم يكن بات في الكنانة جسمي
ففؤادي بالكرخ بات رهينا
ارفاق الصبا وليس حراما
ان أنادي رفاقي الأقدمينا

وفي 1935/5/2 كانت خاتمة حياة الشاعر الكاظمي، في مصر الكنانة حيث ورى التراب هناك، وهكذا احتضنته الكنانة حيا وضمت رفاته ميتا.. رحمه الله على الكاظمي شعر العروبة ومذكي فتيل الثورة ومقارع الاستبداد والاستعمار وقال ايضا \

بكم يا حماة الدين قد آمن الحمـى ..
. قد هجمـوا شـرّ المغير المهاجـم

خذوا الحذر من نأئي التخوم ونبّهوا .
. . ظبــاكم الى كيد العدو المتــاخم

ولا تعطفنّكم رقّة فـي خدودهـم ..
. فتحنـوا على تلك الخدود النواعـم

*************************************



الشاعر ايليا أبو ماضي


ولد ايليا ظاهر ابوماضي في قرية المحيدثة في لبنان سنة \1890 ورحل إلى مصر عام\ 1902 ونزل مدينة الاسكندية ثم القاهرة وعمل في بيع السجائر والدخان. ، وكان مولعا بالادب والشعر فانكب على قراءة الشعر وحفظه ومطالعة الادب من اوسع مصادره العربية خاصة وان مصر كانت مركزاً للمفكرين اللبنانيين الهاربين من قمع الأتراك في ظل الدولة العثمانية ثم الاستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الاولى

نشر قصائد له في مجلاتٍ لبنانية صادرة في مصر، أهمها مجلةالعلم ومجلة الاكسبرس، وهناك، تعرف إلى الأديب أمين تقي الدين، الذي تبنى المبدع الصغير ونشر أولى اعمال إيليا في مجلته الزهور.
هاجر إلى أمريكا عام\ 1911 واتخذها مهجراً. ولذلك فهو من شعراء المهجر وهم الشعراء العرب الذين هاجروا إلى أمريكا وكتبوا وألّفوا هناك باللغة العربية،

أحتضنته الطبيعة في طفولته، وكانت قرية المحيدثة تفتن إيليا أبو ماضي بأشكال الجمال الأخضر والجداول المغردة للجمال الطبيعي، فتعلم حب الطبيعةوالتحليق في الاجواء اللبنانية ذات الشذى العبق والنسيم المنعش الاخاذ الذيس يعي للنفس هناءتها ويشعرها بالفرح الغامر بحيث تتفتح اعطافها فينشرح القلب وتنشط الروح – وكان احد اخوالي قد باع بستانا كاملا مليئا باشجارالنخيل والبرتقال والكروم في خمسينات القرن الماضي لاجل ان يسافرالى لبنان لتمتع بهواءها وعبقها الشذي ولينفس عن قلبه الضيق والكمد فعاد معافى - وتعلق بمناجاتها ومحاكاتها . ثم انه قاسى مرارة الفقر، اذ نشأ من اسرة فقيرة معدمة فنشأته في قسوة الفقر، جعلت منه رفيقا للفقراء، لذا نراه يكتب دوماً عن المساواة الاجتماعية، فكلنا من تراب، لا فرق بين غني ولا فقير. وفي قصيبدته( الطين) المشهورة خير دليل على ذلك ثم انه عاني من الاغتراب منذ صغره،و كان التشرد في الغربة ثاني ديدن في اتجاه أبي ماضي، ومن التشرد تعلم الوفاء للوطن، فأغزر واكثر في الشوق اليه والحنين لوطنه والعناية بطيفه الباقي في قلبه.فنراه يجتمع في الغربة بابناء وطنه لبنان وابناء عروبته هذا الاختلاط الذي مهد له السبيل للتعرف بالنخب العربية المهاجرة، ففي المهجر، كان أبو ماضي منغمساً في علاقته برواد النهضة العربية وقادة الفكر التحرري الأدبي، من امثال ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران واحمد ابوشادي وغيرهم فاستفاد منهم، وبنى منهجه الشعري وأسلوبه الأدبي.

وكان لبنان في نظر أبي ماضي خريدة نفيسة من خرائد الزمان، ودرة غالية من درر الكون، فلا شمس تشبه شمسه، ولا ماء أعذب من مائه، ولا جبال أكثر شموخاً من جباله، ولا سهول أمرع من سهوله. وفوق ذلك كله، فلبنان أبي ماضي كان انفتاحاً بالنسبة اليه على الحضارة العالمية ، وتفاعلاً إنسانياً، ووحدة مشتركة تصهر جميع أبنائه في بوتقة واحدة يجمعهم حب الوطن والاخلاص له لا زيف فيها ولا خلاف ولا ضغينة.

وأحب شاعرنا الحياة وتفاءل بها فإذا هو كنهر ينساب بين الغدران، وروضاخضر يشع سناءا و يفوح عطراً وعبيراً، ونجم ساطع يمزق جلباب الظلام ويهتك استار الظلم ، وفجر يشع على الكون حباً وبشاشة ونوراً واملا وسعادة وهناء

ويعتبر ايليا أبو ماضي من أهم شعراء المهجر في أمريكا الشمالية. ومن المميزات التي ظهرت في أسلوبه الشعري هي وحدة الموضوع وشدة الارتباط بين أجزائها وعناصرها بالإضافة إلى الفكرة الموحدة، لذلك وضع عناوين لقصائده تتناسب مع ما تناولته هذه القصيدة اوتلك

فقد أحدث تجديداً في الكلمة الشعرية، وجعلها تتسع لتشمل فضاءات متدفقة حياتا لمضامين شعرية جديدة وواسعة في الحياة الاجتماعية والفكرية والنفسية من غير أن تخرج عن إطار البساطة والوضوح.
ففي مصر، أصدر أبو ماضي أول دواوينه الشعرية عام \1911، بعنوان (تذكار الماضي) وكان يبلغ من العمر \22 سنة ً، كما ان شعره السياسي والوطني جعله عرضةً لمضايقات السلطة الرسمية، فهاجر عام 1912 إلى أمريكا الشمالية، وصل أولاً إلى مدينة( سينسيناتي)حيث يقيم اخوه مراد وهناك عمل مع أخيه في التجارة، وتنقل بعدها في الولايات المتحدة إلى ان استقر في مدينة (نيويورك )عام 1916 وهناك عمل نائباً لتحرير جريدة مرآة الغرب وتزوج من ابنة صاحبها \ السيدة دورا نجيب دياب التي أنجبت له اربعة أولاد.

تعرف إلى عظماء القلم في المهجر، فأسس مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة الرابطة القلمية، التي كانت أبرز مقومات الأدب العربي الحديث، وتعتبر هذه الرابطة أهم العوامل التي ساعدت أبا ماضي على نشر فلسفته الشعرية.

في 15 أبريل 1919، قام إيليا أبو ماضي بإصدار أهم مجلة عربية في المهجر، وهي (مجلة السمير) التي كانت موئلا ومنارا للأقلام العربية المغتربة، وقدمت الشعر الحديث على صفحاتها، واشترك في إصدارها معظم شعراء المهجر لا سيما أدباء المهجر في امريكا الشمالية وقام بتحويلها عام 1936 إلى جريدة يومية. وتميزت هذه الصحيفة بوجهها العربي المشرق و لم تتوقف (السمير) عن الصدور حتى فارق الشاعر الحياة اثر نوبة قلبية

نشر أبو ماضي في حياته أربعة دواوين وهي\
تذكار الماضي
و ديوان ايليا أبو ماضي
و الجداول
و الخمائل ،
وأعد للطبع ديوانه الخامس \ تبر وتراب .

اشتهر ايليا أبو ماضي بالتفاؤل وحب الحياة والإيمان بجمالها، ودعا الناس إلى الأمل، كما دعا إلى المساواة بين الغني والفقير. ومن أشهر قصائد ايليا ابي ماضي (قصيدة الطين) و(فلسفة الحياة).
اطلق عليه النقاد لقب \ شاعر الأمل والتفاؤل والشاعر يستحق هذا اللقب عن جدارة لاحظ قوله \

قال السماء كئيبةً وتجهمَ،
قلت ابتسم يكفي التجهم في السما،

قال الصبا ولّى فقلت له ابتسم،
لن يرجع الأسف الصبا المتصرّما


إيليا أبو ماضي شاعر رومانسي حالم، أحب الطبيعة فغناها أجمل شعره، ورأى في هدوئها وروعتها ما تقر به نفسه. أعجبته في بساطتها وجمالها وبعدها عن أدران الحياة وأكدارها، فكان ينشد الراحة بين أفيائها والهدوء بين مناظرها، فألهمته صوراً رائعة، وأخيلة مجنحة، ومعاني تسمو بالإنسان إلى مراتب السمو والجلال. و كان الامل الجمال حاضراً في أغلب أعمال أبي ماضي، الذي امتاز بعشقه للطبيعة والحياة الطبيعية يقول\

يا ليتني لصٌ لأسرق في الضحى،
سرَّ اللطافة في النسيم الساري

وأَجسَّ مؤتلق الجمالِ بأصبعي
في زرقة الأفقِ الجميلِ العاري

وجعل هذا الجمال قريناً لكل شيء،

ابوماضي كان يحمل روح الشرق في المهجر، ويحمل هم أمته العربية وما تقاسي من الام وهموم وهي ترزح في ظل الاستعمار الغربي الذي سرق كل شيء المال والارض والنفوس العربية وحاول طمس معالم هذه الامة واذلالها فكتب لمصر عندما هددها الطغيان لاحظ قوله في مصر \

خَلِّني أستصرخُ القومَ النياما
أنا لا أرضى لمصرٍ أن تُضاما

لا تلُم في نصرة الحقِ فتىً
هاجه العابثُ بالحق فلاما

ومع كل هذه الامور لم ينس أوجاع الفقراء والمسحوقين فكتب لهم كثيراً وجعلهم من ثوابت قلمه ارائه وكتاباته يقول فيهم \

وإن هم لم يقتلوا الأشقياء،
فيا ليت شعريَ من يقتلونْ

ولا يحزننكمُ موتُهمْ،
فإنهمُ للردى يولدونْ

وقولوا كذا قد أراد الإله
وإن قدر الله شيئا يكونْ

أما ا كتاباته عن وطنه لبنان هذا الوطن الغالي في نفس كل عربي فلم يغب عنه في غربته فكان لبنان محور يوميات ايليا أبي ماضي، قال فيه\

اثنان أعيا الدهر أن يبليهما
لبنان والأمل الذي لذويه

وأجاد مع الحرب العالمية في ترجمة الحنين إلى العائلة الام والاخوان والأرض شعراً لاحظ قوله \

وكان لي امل اذ كان لي وطن
يا جارتي كان لي أهلٌ وإخوان

فبتت الحرب ما بيني وبينهم
كما تقطع أمراس وخيطان

فاليوم كل الذي فيه مهجتي ألم
وكل ما حولهم بؤس وأحزان

اما في الحب والشوق والحنين الى الحبيبة فقد كانت تجارب أبي ماضي قاسيةً عاطفياً، ولكنه احتفظ بالأمل الذي لم يفارق كتاباته، فكان يخرج دوماً حالماً مبرراً القسوة والانكسار جاعلاً من هذا الانكسار ومن قسوة الحب قلعة تفاؤل وتمسك بالحب وصدقه ممزوجة بالحزن واللوعة مع أنه لم ينف الحزن في قلبه، الا انه ميزه عن اليأس

إنما تلك أخلفت قبل ليلين من موعدي
لم تمت لا وإنما أصبحت في سوى يدي

شغف شاعرنا الحياة وتفاءل بها فإذا هو نهر ينساب في الغدران، وروض رياض يفوح عطراً وعبيراً، ونجم ساطع يمزق جلباب الظلام، وفجر يشع على الكون حباً وبشاشة ونوراً.
ابو ماضي شاعر فلسف الحياة فقد كان ذو رؤيةٍ فلسفية في كل شيء حوله فله في الموت فلسفة وفي الكون والوجود فلسفة وفي السياسة وفي المجتمع وفي الحب فلسفة
آمن أن الإنسان خالد وأن الموت ليس آخر المطاف، بل تكملة للمسيرة، شارك جبران خليل جبران في ايمانه بالتقمص والعودة بأشكالٍ حياتية أخرى، خصص مساحةً من شعره لما بعد الموت صب العداء على التعصب والطائفية، ونبذها في قصائده مبشراً بديانة الإنسان وانسانيته الفاضلة

وتوفي اثر نوبة قلبية عام \ 1957 في نيويورك.\امريكا .

وفي الختام نطلع على بعض من شعره يقول في قصيدة الطين وهي من اروع قصائده


نسى الطين ساعة أنه طين
حقير فصال تيهاً وعربد

وكسا الخز جسمَه فتباهى
وحوى الماَل كيسُه فتمرد

يا أخي لا تَمل بوجهك عني
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

أيها المزدهي إذا مسَّك السقم
ُ ألا تشتكى؟ ألا تتنهد؟

قمر واحد يطل علينا وعلى
الكـوخ والبناء الموطد

إن يكن مشرقاً لعينكِ إني
لا أراه من كوة الكوخ أسود

النجوم التي تراها أراها
حين تخفى وعندما تتوقد

لستَ أدنى على غناك إليها
وأنا معْ خصاصتي لستُ أبعَد

أنت مثلي من الثرى وإليه
فلماذا يا صاحبي التيه والصد؟


ويقول في رائعته الاخرى قصيدة ( ابتسم )


قال: السماء كئيبة، وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما

قال: الصبا ولّى فقلت له ابتسم
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

قال: التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جهنما

خانت عهودي بعدما ملكتها
قلبي فكيف أطيق أن أتبسما ؟

قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها
قضّيت عمرك كله متألما

قال: التجارة في صراع هائل
مثل المسافر كاد يقتله الظما

أو غادة مسلولة محتاجة
لدم وتنفث كلما لهثت دما

قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها
وشفائها فإذا ابتسمت فربما..

أيكون غيرك مجرما وتبيت في
وجل كأنك أنت صرت المجرما

قال: العدى حولي علت صيحاتهم
أأسر والأعداء حولي في الحمى ؟

قلت: ابتسم لم يطلبوك بذمة
لو لم تكن منهم أجل وأعظما

قال: المواسم قد بدت أعلامها
وتعرضت لي في الملابس والدمى

وعلي للأحباب فرض لازم
لكنّ كفي ليس تملك درهما

قلت: ابتسم يكفيك أنك لم تزل
حيا ولست من الأحبة معدما

قال: الليالي جرعتني علقما
قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما

فلعل غيرك إن رآك مرنما
طرح الكآبة جانبا وترنما

أتراك تغنم بالتبرم درهما
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما

يا صاح لا خطر على شفتيك
أن تتثلما والوجه أن يتحطما

فاضحك فإن الشهب تضحك
والدجى متلاطم ولذا نحب الأنجما

قال: البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

قلت: ابتسم مادام بينك والردى
شبر فإنك بعد لن تتبسما


****************************************

















محمد بن ابراهيم المراكشي
شاعر الحمراء



ولد السيد محمد بن الحاج إبراهيم السراج زيد بمدينة مراكش عاصمة المملكة المغربية سنة\1897 ومراكش يقال
لها مراكش الحمراء لذا لقب شاعرنا ب(شاعر الحمراء)وأبوه كان يعمل بالسراجة ،لذا لقب بالسراج وقد تعلم القرآن الكريم بمراكش، ثم درس وتخرج من جامعة القرويين سنة \1901
ولم يخاط محلات أُخـَر معدة للقراءة،ذو قريحة متفتحة للادب والثقافة ، وله ميلان للشعر،ونال في أقرب وقت بعض الشهرة لدى أهل العلم من رجال الدين بقصائده الشعرية ، ودرس على
يد السيد الحاج السباعي التونسي الوكيل الشرعي الفقه الشرعي والادب بما فيه الشعر مدة أربعة أعوام،أو خمسة، بحيث كان يتكفل بنشر قصائد تلميذه الشاعر محمد بن ابراهيم المراكشي في الصحف التونسية لعلاقاته مع محرريها وبعد وفاة السيد الحاج السباعي دخل السيد محمد بن الحاج إبراهيم السراج عند سيادة الباشا السيد الحاج التهامي المزواري الملقب ( الأكلاوي ) بصفته معلم لصبيانه ، ثم بعد شهور، طرد منها، وبسبب ذلك، أشاع شعراً فادحاًُ في جانب سيادة الباشا، وخليفته السيد أحمد البياز حتى ألزمه ذلك الخروج مؤقتاً فالتجأ الى مينة( فاس)وقد جاء في كتاب ( شاعرالحمراء في الغربال ) للشرقاوي ذاكرا هذه الحادثة مايلي زيادة في الايضاح \

(جواباً عن كتابكم نمرة 344 المؤرخ 24 مارس الجاري، المتعلق بقصيدة مبيدة وطاعنة لسيادة باشا فاس، من مشيعها عبد الرحمان المعروفي، أتشرف بأن أخبركم أنه حقيقة ينسب العموم بـ مراكش للشاعر المحلي السيد محمد بن الحاج إبراهيم السراج الذي ذكر على ملإ من الناس، بأن له غرضاً في ذلك، وهو أخذ ثأر أحد أصدقائه بـ فاس الذي أسيء به عند حركة الهيجان الواقع ضد جريان الظهير المتعلق بـ البرابر)

وقد مدح السيد التهامي ببعض القصائد منها قصيدته ( الدمعة الخالدة ) التي نقتطف منها هذه الابيات \

أسال من الأجفان عن صدره نهرا
ليطفئ ما بالقلب مشتعلاً جمرا

فما نكد مثل الرعاة تراهمُ
غدا نهبهم نهباً وأمرهمُ أمرا!

وذا الأرعن المشدود بالحبل نصفه
منى ساس غير الضأن جاز به وعرا!

يسوس بـ فاس من بنيه كرامهم
فيقلبهم بطناً ويجلدهم ظهرا

وفي مدينة فاس اقدم الشاعر محمد بن إبراهيم المراكشي على هجاء الباشا البغدادي حاكم فاس\2 بقصيدته الشهيرة حيث ان الحاكم قام بجلد الوطنيين الاحرار المناهضين للحاكم (الظهير البربري ) حيث كانت مراكش تحت الحكم الفرنسي وحاكم مدينة فاس هو الظهير البربري وكان هذا على اثر تقرير سري كتبه كوميسار مدينة مراكش بناء على طلب الحاكم الفرنسي في مراكش بين فيه ان الشاعر متعاون مع الاحرار والوطنيين من شعبه ومؤيدا لهم لاحظه يقول \

أكتم ما بي لو يدوم التكتـــــــــــــــم
ولاكنه هم به القلب مفعـــــــــــــــم

بني وطني إن الشعوب وأهلهــــــــا
قد استيقظت طرا وأنتم نــــــــــــوم

هو الوطن المحبوب يرجو من أهلــه
سماعا لشكواه وأهله أنتـــــــــــــــم

مضى زمن الجهل الذميم زمانـــــــــه
وهذا زمان آن فيه التعلـــــــــــــــــم

فبالعلم شادوا في البحار مساكنــــــا
وفيها مع الحيتان عاموا وعامـــوا

وبالعلم سارت في السماء ركابهـــم
وقد أسرجوا متن الرياح وألجمـــوا

وبالعلم أفنى الفريقان بعضهــــــــم
وما اختلفت بين الفريقين أسهـــم

ومالي أرى هذي العوائد أنهـــــــا
وأضرارها فينا تزيد وتعظــــــــم

فهل من دواء للعوائد أنهـــــــــــا
إذا تركت في الجسم لا شك تعدم

أشدخ رؤوس كلما حان موســــم
ونهش أفاع نهشهن محــــــــرم


قال الكثير من قصائده في المدح لمعارفه والرجال المشهورين والمعروفين بوطنيتهم وحبهم للبلاد وخاصة رجا ل الدين وقصائد اخرى في الهجاء المقذع الشديد وجاء في ديوانه ( ديوان محمد بن ابراهيم المراكشي ) لاحمد شوقي بنبين مايلي
( و يحب العيش الراغد،ولا قدرة له على تعاطي مواصلة ومواظبة خدمة، ويستعمل الأقوال الهجوية اللا ذعة في مذمات الناس، الذين يؤدون له الدراهم أو يتركونه يأوي عندهم،ويستخرج الدراهم من عدة مستخدمين، وأعيان يخافون من هجائه، ويتصنع السيد محمد بن الحاج إبراهيم دائماً باستظهاره غاية الاحترام للحكومة الفرنسوية،وها يصلك طيه، ورقة في ارشاداته( عن استعلامات تتعلق به)

وقد ذكر هذه المقولة ايضا الكاتب اقبال احمد الشرقاوي في كتابه( شاعر الحمراء في الغربال) تحت عنوان في السياسة والتاريخ والاجتماع صفة 112
وفي سنة\ 1934 عندما تاسست الجمعية الخيرية بمدينة مراكش القى قصيدته المشهورة بهذه الماسبة نذكر منها الابيات التالية \

كيف المآلُ إذا تكون الحالُ
بالجوع تقضي نِسوةٌ ورجالُ؟

هذا الضعيفُ أمامكم مُسترحمً
يرجو النوالَ فهل لديكَ نوال؟

هذا أبو الأيتامِ خلفَكَ سائلاً
وأبو اليتامى دأبُه التَّسآل

فعساكَ تُشفق من أليم عذابهِ
وإذا فعلتَ فربُّنا فَعّال

آهٍ لأرملةٍ تقود صغارَها
والدمعُ من أجفانهم هطّال

آهٍ لها آهٍ لها آهٍ لها
لو كان تُجدي الآهُ حين تُقال

ظلّتْ تطوف على الأكفّ بهم وما
أجداهمُ الإدبارُ والإقبال

حتى إذا ما الليلُ أقبلَ كاشرًا
مُتبيّنًا مَن منهمُ يغتال

وجرتْ دموعُ اليأسِ فوق خدودهم
واليأسُ تعلم أنه قتّال

نظروا السماءَ بأعينٍ مُبتلّةٍ
وعلى التراب لهم فِراشٌ مالوا

عارٌ علينا أن تموتَ ضعافُنا
جوعًا وتفضلَ عندنا الأموال

جمعٌ لنور الهدي نورٌ واهتِدا
ولذي الضلال مَسبّةٌ وضلال

حقّقتمُ الآمالَ في إخوانكم
حاشا تخيب لديكمُ الآمال

سألوا فلبّيتم سؤالَ ذويكم
ما ضاعَ بين المسلمين سؤال

توفي الشاعر محمد بن ابراهيم المراكشي ( شاعر الحمراء) في سنة\ 1955

يمتاز شعره ببلاغته و سهولة لفظه وذو امكانية تعبيرية جيدة هو الاقرب لما يقع في النفس ويجيب على التساؤلات النفسية ونقد الاوضاع الاجتماعية صد ر ديوان الشعري بعنوان
( روض الزيتون ) في عام \ 2000 وفي الختام نطالع قصيدته المعروفة المسماة ( المطعم البلدي ) \

إن كان في كل أرض ما تشان بــــــه
فإن طنجة فيها المطعم البلدي

أخلاق أربابها كالمسك فــــــــي أرج
بعكس أخلاق رب المطعم البلدي

يأتيك بالأكل والذباب يتبـــــــــــــــعه
وكالضباب ذباب المطعم البــلدي

والبق كالفول إن جهلت بـــــــــــــــه
فعشه في فراش المطعم البلدي

ما بالبراغيث إن تثاءبت عجـــــــب
لما ترى حجمها بالمطعم البـــــلدي

تلقاك راقصة بالباب قائلـــــــــــــــــة
يامرحبا بضيوف المطعم البلــــــــــــدي

تبيت روحك بالأحلام في رعــــــــب
إن نمت فوق سرير المطعم البلـــــدي

وفي السقوف من الجدران خشخشة
فأي نوم ترى بالمطعم البلـــــــــــدي

ولا تعج فيه ابان المصيف ففـــــــي
المصيف نار لظى بالمطعم البلـــــــدي

وفي الشتاء من الثلج الفراش به
ومن حديد جدار المطعم البـــــــلـــــدي

أما الطبيب فعجل بالذهاب ـــــــــله
إذا أكلت طعام المطعم البــــــــــــــلدي

الطرف في أرق والقلب في خنق
والنفس في قلق بالمطعم البلــــــــدي
الصدر منقبض والمرء ممتعض
والشر معترض بالمطعم البـــــــــلدي

يا من مناه المكان الرحب في سفر
كالقبر في الضيق بيت المطعم البلدي

وليلة زارني في الفجر صاحبـــــه
ياشقوتي بنزول المطعم البـــــــــلدي
وكالمدافع خلف الباب سعلتـــــــــه
يهتز منها جدار المطعم البلـــــــــــدي

دق ، فمن قلت قال افتح فقلت لمن
قال افتحن أنا رب المطعم البلـــــــــدي

أشر من رؤية الجلاد رؤيتــــــــه
لما يزورك رب المطعم البلـــــــــــــــدي

وكم ثقيل رأت عيني وما نظرت
فيهم مثيلا لرب المطعم البلـــــــــــــدي

طاب الحديث له فجاء يسألنــــي
وقال:ماذا ترى في المطعم البلـــــــدي

فقلت خيرافقال:الخير أعرفــــــه
ويعرف الناس خير المطعم البلــــــــدي

إن كان عندك قل لي من ملاحظة
مثل الضباب بأفق المطعم البلـــــــــــدي

فقال: إن فضول الناس يقلقنـــي
هذا الذباب ذباب المطعم البلـــــــــــــدي

فقلت والبق قال : البق ليس به
بأس إذا كان بق المطعم البلـــــــــــــدي

فقلت:هذي البراغيث التي كثرت
مابالها كبرت في المطعم البــــــــــــلدي

فهزني كصديق لي يداعبنـــــــي
وقال:تلك جيوش المطعم البلــــــــــــدي

فقلت: عفوا فما لي من ملاحظة
وإنني معجب بالمطعم البلـــــــــــــــــــدي

فقلت:إن قدر الله الشقاوة لـــي
فإنني سأزور المطعم البلــــــــــــــــــــدي

ينسى الفتى كل مقدور يمر به
إلا مبيت الفتى بالمطعم البلــــــــــــــــــــدي

يامن قضى الله أن يرمي به سفر
إياك إياك قرب المطعم البلـــــــــــــــــــدي




********************************************************













حافظ ابراهيم
شاعر النيل


ولد محمد حافظ بن ابراهيم فهمي المهندس في
( ديروط )في يوم24 شباط عام \1872 ولقد بحافظ ابراهيم ولد حا فظ على متن سفينة كانت راسية على النيل أمام (ديروط ) وهي مدينة بمحافظة أسيوط من أب مصري وأم تركية. ابوه كان مهندسا و أحد المشرفين على قناطر ديروط بمحافظة أسيوط. وأمه من أسرة كريمة وتاريخ ولادته غير معروف بالضبط حسب الأوراق الرسمية. بل عندما أريد تعيين حافظ إبراهيم في دار الكتب قدر القومسيون الطبي عمره تسعة وثلاثين عماما وتأسس على هذا أنه ولد في شباط \ 1872.
مات ابوه وعمره اربع سنوات فعادت به أمه من( ديروط) إلى بيت أسرتها في القاهرة. وتولى خاله محمد نيازي الذي كان مهندسا بمصلحة التنظيم أمره. وتوفيت والدته عام \ 1908م. وعندما نقل خاله إلى عمل بطنطا ذهب معه حافظ وإلتحق بالجامع الأحمدي وهناك أخذ حافظ يدرس في الكتاتيب. أحس حافظ إبراهيم بضيق خاله به مما أثر في نفسه، فرحل عنه وترك له رسالة كتب فيها:

ثقلت عليك مؤونتي إني أراها واهية

فافرح فإني ذاهب متوجه في داهية

يقال انه بعد أن خرج من بيت خاله هام على وجهه في طرقات مدنية طنطا حتى انتهى به الأمر إلى مكتب المحا مي محمد أبو شادي، أحد زعماء ثورة 1919، وعمل معه وهناك اطلع على كتب الأدب وأعجب بالشاعر محمود سامي البارودي. وبعد أن عمل بالمحاماة لفترة من الزمن، التحق حافظ إبراهيم بالمدرسة الحربية في عام\ 1888 م وتخرج منها ضابطا عام\ 1891 م في الجيش المصري وعين في وزارة الداخلية. وفي عام \1896 م أرسل إلى السودان مع الحملة المصرية إلا أن الحياة لم تطب له هنالك، فثار مع بعض الضباط. نتيجة لذلك

وفي عام \ 1911م ، عين رئيسا للقسم الأدبي في دار الكتب ووصل إلى منصب وكيل دار الكتب أي الرجل الثاني في هذه الدار . وحصل على الباكوية عام \1912.
أطلق عليه لقب شاعر النيل وعمل فترة في المحاماة. وكان يلم بالفرنسية وترجم كتاب ( البؤساء) لفيكتور هيجو ، وإشترك مع الشاعر خليل مطران في ترجمة كتاب (موجز الإقتصاد)، وعندما عمل الشرطة كان ملاحظا لمركز بني سويف ولمركز الإبراهيمية.

حافظ إبراهيم أحد أعاجيب زمانه، حيث كان كثيرالحفظ او شديد القوة على الحفظ والتذكر ليس فى جزالة شعره فحسب بل فى قوة ذاكرته التى قاومت السنين ولم يصيبها الوهن والضعف على مدى\ 60 سنة هى عمر حافظ إبراهيم، فإنها ولا عجب إتسعت لآلاف الآلاف من القصائد العربية القديمة والحديثة ومئات المطالعات والكتب وكان بإستطاعته – بشهادة أصدقائه – أن يقرأ كتاب أو ديوان شعر كامل فى عده دقائق وبقراءة سريعة ثم بعد ذلك يتمثل ببعض فقرات هذا الكتاب أو أبيات ذاك الديوان. وروى عنه بعض أصدقائه أنه كان يسمع قارئ القرآن فى بيت خاله يقرأ سورة الكهف أو مريم او طه فيحفظ ما يقوله ويؤديه كما سمعه

يعتبر شعره سجل الأحداث، يسجلها بدماء قلبه وأجزاء روحه ويصوغ منها أدبا قيما يحث النفوس ويدفعها إلى النهضة الحديثة فقد كان يتربص كل حادث هام يعرض فيخلق منه موضوعا لشعره ويملؤه بما يجيش في صدره.

كان حافظ إبراهيم رجل مرح النفس صاحب نكتة وسريع البديهة يملأ كل مجلس ببشاشته و فكاهاته الطريفة التى لا تخطأ مرماها.

و تروى عن حافظ أبراهيم مواقف غريبة مثل تبذيره الشديد للمال فقد قال عنه صاحبه عباس محمود العقاد ( مرتب سنة فى يد حافظ إبراهيم يساوى مرتب شهر )
كان لحافظ إبراهيم طريقته الخاصة في ايصال فكرته وقصيده الى الناس اذ لم يكن حافظ يتمتع بقدر كبير من الخيال ولكنه أستعاض عن ذلك بجزالة الكتابة وترتيب الجمل وتراكيب الكلمات وحسن الصياغة وقيل انه يتمتع بقوة وقدرة حسن في إنشادهً للشعر. ومن أروع المناسبات التى أنشد حافظ فيها شعره بكفاءة هى حفلة تكريم أحمد شوقى ومبايعته أميراً للشعر فى دار الأوبرا، وأيضاً القصيدة التى أنشدها في تابيم مصطفى كامل ومما يبرهن ذلك ذلك المقال الذى نشرته أحدى الجرائد والذى تناول بكامله فن إنشاد الشعر عند حافظ. وكان عكس الشاعر أحمد شوقى البذي قيل عنه انه لم يلقي فى حياته قصيدة على ملأ من الناس حيث كان الموقف يرهبه

وقد تزوج حافظ بعد عودته من السودان من إحدى قريبات زوجة خاله. ولكنها لم تطق طبيعة حياة حافظ المنطلقة وإنتهى الأمر بالفراق بعد بضعة أشهر ولم يتزوج بعدها
وله قصيدة عن لسان صديقه يرثي ولده، جاء في مطلعها :

ولدي، قد طال سهدي ونحيبي
جئت أدعوك فهل أنت مجيبي؟

جئت أروي بدموعي مضجعا
فيه أودعت من الدنيا نصيبي


حافظ ابراهيم من الشعراء ا لمصريين والمشهورين ولد
يوم كا ن الاستعمار الانكليزي يجثم على بلده ونار الثورة تلتهب بقيادة احمد عرابي باشا نشا بهذا الخضم الجسيم من الاحداث ولقب بشاعر النيل لاءنه كان لسان قومه المعبر عما يكنه او يعلنه هذا الشعب العربي بمصر من ثورةعارمة على الاستعمار فكان لاتمر حادثة الا وسجلها في شعره فاصبح شعره تاريخا للفترة التي عايشها هذا الشاعر وقد عين رئيسا لدار الكتب المصرية

يقول عنه مطران خليل مطران (أشبه بالوعاء يتلقى الوحى من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها فى نفسه, فيمتزج ذلك كله بشعوره و إحساسه، فيأتى منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذى يحس كل مواطن أنه صدى لما فى نفسه).

شكلت لجنة يرأسها (أحمد أمين) عميد كلية الآداب جامعة فؤاد الأول وقتذاك. وعد الوزير إلى اللجنة بجمع قصائد (حافظ إباهيم) وشرحها وإعداد الديوان لتقوم وزارة المعارف بطباعته على نفقتها. وكتب مقدمة الطبعة الأولى (أحمد أمين) ، ونشرت الديوان (دار الكتب) التي كانت تابعة لوزارة المعارف عام \1937. وصدرت الطبعة الثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام \1980م. كان من ميزات حافظ أنه يحسن إلقاء الشعر ، ويتولى إلقاء شعره بنفسه
سافر حافظ إبراهيم إلى سوريا، وعند زيارته للمجمع العلمي بدمشق قال هذين البيتين:

شكرت جميل صنعكم بدمعي
ودمع العين مقياس الشعور

لاول مرة قد ذاق جفني
- على ما ذاقه - دمع السرور

لاحظ الشاعر مدى ظلم المستعمر وتصرفه بخيرات بلاده فنظم قصيدة بعنوان الامتيازات الأجنبية‏، ومما جاء فيها:

سكتُّ فأصغروا أدبي
وقلت فاكبروا أربي

يقتلنا بلا قود
ولا دية ولا رهب

ويمشي نحو رايته
فنحميه من العطب

فقل للفاخرين: أما
لهذا الفخر من سبب؟

أروني بينكم رجلا
ركينا واضح الحسب

أروني ناديا حفلا
بأهل الفضل والأدب؟

وماذا في مدارسكم
من التعليم والكتب؟

وماذا في مساجدكم
من التبيان والخطب؟

وماذا في صحائفكم
سوى التمويه والكذب؟

حصائد ألسن جرّت
إلى الويلات والحرب

فهبوا من مراقدكم
فإن الوقت من ذهب


توفي حافظ إبراهيم 21 تموز عام \ 1932 ودفن في مقابر السيدة نفيسة (رضي الله عنها).
حافظ ابراهيم مات فقيرا معدما و تمجد بالامة العربية وابطالها ودعى الى ا لتحرر من العادات العادات القديمة التي لاتنسجم اجتماعيا مع التطور الجديد والتحلي بالخلق الكريم
يتميز شعره بالروح الوطنية الوثابة نحو التحرر سهل المعاني واضح العبارة قوي الاسلوب متين البناء اجاد في كل الاغراض الشعريةالمعروفة ومن قوله يخاطب الشباب العربي المصري يقول \

اهلا بنابتة البلاد ومرحبا
جددتم العهد الذي قد اخلقا

لاتياءسوا ان تستردوا مجدكم
فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى

مدت له الامال كم افلاكها
خيط الرجاء الى العلى فتسلقا

فتجشموا للمجد لك عظيمة
ان راءيت المجد صعب المرتقى

من رام وصل الشمس حاك خيوطها
سببا الى اماله وتعلقا

حملوا عليما بالزمان وصرفه
فتانقوا في سلبنا وتأنقا

هزوا مغاربها فهابت باءسهم
ياويلك ان لم تهزوا المشرقا

فتعلموا فالعلم مفتاح العلا
لم يبق بابا للسعادة مغلقا

ثم استمدوا منه كل قواكم
ان القوي بكل ارض ينتقى

وامشوا على حذر فاءن طريقكم
وعر اطاف به الهلا ك وحلقا


ومن آثاره الادبية
الديوان.
البؤساء: ترجمة عن فكتور هوغو.
ليالي سطيح في النقد الاجتماعي.
في التربية الاولية.
الموجز في علم الاقتصاد.

ومن شعره أيضاً:

كم مر بي فيك عيش لست أذكره
ومر بي فيك عيش لست أنساه

ودعت فيك بقايا ما علقت‏ به
من الشباب وما ودعت ذكراه

أهفو إليه على ما أقرحت كبدي
من التباريج أولاه وأخراه

لبسته ودموع العين طيعة
والنفس جياشة والقلب أواه

فكان عوني على وجد أكابده
ومر عيش على العلات ألقاه

إن خان ودي صديق كنت أصحبه
أو خان عهدي حبيب كنت أهواه

قد أرخص الدمع ينبوع الغناء به
وا لهفتي ونضوب الشيب أغلاه

كم روح الدمع عن قلبي وكم غسلت
منه السوابق حزنا في حناياه

قالوا تحررت من قيد الملاح فعش
حرا ففي الأسر ذلّ كنت تأباه

فقلت‏ يا ليته دامت صرامته
ما كان أرفقه عندي وأحناه

بدلت منه بقيد لست أفلته
وكيف أفلت قيدا صاغه الله

أسرى الصبابة أحياء وإن جهدوا
ما المشيب ففي الأموات أسراه







*************************************














محمد العيد المناصيري
شاعرثورة الجزائر



هو محمد العيد بن محمد علي بن خليفة من محاميد (سوف )المعروفين( بالمناصير) من أولاد ( سوف) من شرق الصحراء، ولد في مدينة _(عين البيضاء )وهي مدينة بأقصى الشرق الجزائري) بتاريخ \ 1904 وينتسب الى قبيلة المحاميد الليبية اصلا والمهاجر بعض ابنائها الى الجزائر

حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة وسنه دون الثانية عشر من العمر ودرس الحديث وأصول الدين و اللغة العربية وادابها على يد الشيخين محمد الكامل بن عزوز و أحمد بن ناجي
انتقل مع أسرته إلى مدينة(بسكرة )– التي تعتبر بوابة الصحراء الجزائرية - سنة 1918 وعمره اربعة عشر عاما واصل دراسته بها على ايدي المشايخ علي بن إبراهيم العقبي الشريف واحمد مكي الجنيدي والمختار بن عمر اليعلاوي .

غادر الشاعر إلى_( تونس) في عام \ 1921 حيث التحق بجامع الزيتونة الذي يعتبر بمثابة جامعة اسلامية عربية ودرس فيها على ايدي مجموعة من العلماء لمدة سنتين عاد بعدها الى مدينة(بسكرة) ليشارك في حركة الإصلاح عن طريق التعليم و النشر في الصحف و المجلات منها ( صدى الصحراء ) للشيخ أحمد بن العابد العقبي و ( المنتقد ) و (الشهاب ) للشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس المصلح الكبير والذي ترجمت حياته فيث هذا الكتاب و (الإصلاح ) للشيخ الطيب العقبي.
دعي إلى العاصمة (الجزائر )في عام\1927 للتعليم بمدرسة الشبيبة الإسلامية الحرة حيث عين مدرسا فيها ثم اصبح مديرا لها مدة اثني عشر عاما

وفي هذه الفترة أسهم في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و كان من أعضائها النشطين وضلك في عام\ 1931 .
و قد تمكن من نشر الكثير من قصائده في صحف الجمعية مثل (البصائر) و (السنّة) و(الشريعة) و (الصراط ) و كذلك في صحيفتي (المرصاد) و (الثبات) التابعتين للشيخ محمد عبابسة
الأخضري . وكان دائما بجانب الحق يقول \

ما أجدر الحقّ ّأن تُحنى الرؤوس له
وأن يُشال على الاعناق كالعلم

الحق ثوب تعالى الله ناسجه
تبّت يدا كل عاث فيه بالجلم

فمل الى الحق في الدنيا تُصب أملا
يُنسيك ما قد يشوب الحقّ من ألم

وكن على البغي حربا لا تكن سلما
فالنّصر للحرب ليس النصر للسّلم

لا تخش سيفا من الباغي ولا قلما
فغارة الله فوق السيف والقلم

الظّلم في الارض سار كالظّلام بها
وكاشف الظُّلْم فيها كاشف الظُّلَم


في سنة 1940 بعد نشوب الحرب العالمية الثانية غادر العاصمة الجزائر إلى مدينة( بسكرة) و ثم إلى مدينة( باتنة )- في شرق الجزائر والتي تعتبر عاصمة الاوراس بالشرق الجزائري -للإشراف على مدرسة التربية و التعليم حيث بقي فيها قرابة سبع سنين ثم انتقل إلى مدينة (عين مليلة) التي تبعد عن مدينة (قسنطينة) بحوالي 50 كم ) للإشراف على الإدارة و التدريس بمدرسة العرفان الإسلامية وبقي فيها إلى سنة 1954 حيث اندلعت الثورة الجزائرية المباركة في وجه الاستدمار الفرنسي الغاشم. وكانت شرارتها من الاوراس يقول \


قف حيث شعبك مهما كان موقفه
َ وْلاَ فانك عضو منه منحسمُ

تقول أضحى شتيت الرّأي منقسما
وأنت عنه شتيت الرأي منقسم

فكن مع الشعب في قول وعمل
ان كنت بالرّجل الشّعبي تتّسم

ولا يَرُقك شفيف الذات مائعها
كالماء في وجوه الناس ترتسم

أعدى عدى القوم من يُعزى لهم نسبا
ويسمع القدح فيهم وهو يبتسم


أغلقت المدرسة المذكورة كغيرها من مدارس جمعية العلماء المسلمين بعد اندلاع الثورة في الجزائر و ألقي القبض عليه و زج الشاعر محمد العيد في السجن وذاق مرارة التعذيب الاانه صبر محتسبا مثله مثل اخوانه المجاهدين و لما لم تنفع معه جميع أساليب الضغط و الترهيب بادرت السلطة الاستعمارية بإطلاق سراحه و فرضت عليه الإقامة الإجبارية في مدينة بسكرة فلبث معزولا عن المجتمع تحت رقابة مشددة إلى أن فرج الله عليه و على الشعب الجزائري بالتحرر و الاستقلال. ومن قصائده يعبر عن احساسه ازاء مأساة الثامن من مايس 1945 الدامية:

فظائع ماي كذّبت كل مزّعم
لهم ورمت ماروّجوه بافلاس

ديار من السكان تخلى نكاية
وعسفا واحياء تساق لأرماس

وشيب وشبّان يسامون ذلة
بأنواع مكر لا تحدّ بمقياس

وغيد من البيض الحسان أوانس
تهان على أيدي أراذل أنكاس

ويسلبن من حلي لهنّ مرصع
بكل كريم من جمان وألماس

ويُنكبن في عرض لهنّ مطهر
مصون الحواشي طيّب العرف كالآس

قام احد تلامذته يجمع قصائد الديوان سنة 1952 م, وتم طبعه سنة 1967 م, ثم قام الاخر من تلامذته ايضاغ بلالتعرف على قصائد الشاعر التي لم تنشر فقام بجمعها من الصحف الوطنية القديمة، ومن النسخة المخطوطة من ديوان الشاعر، ومن أسرته ومعارفه, فجمع العديد من القصائد وتعتبر بذلك تكملة واستدراك على الديوان،ونشرها في كتاب اسماه بـ (العيديات المجهولة(

بعد استقلال الجزائر واحداث الثورة وملابساتها آثر شاعرالجزائر الكبير وشاعرالثورة الجزائرية الانزواء حيث لم ينصفه رجال الثورة والسن جاؤوا من بعدهم فتفرغ للعبادة والاعتكاف للتعبد حتى توفّاه الله تعالى في رمضان 1399هـ (يوليو 1979م)منفيا فارا بدينه في(تونس) ومن ثم شيع جثمانه الى الجزائر و دفن في مدينة ( بسكرة) التي قضى بها اغلي مدة طفولته وشبابه بالجنوب الشرقي من الجزائر

يُعدّ محمد العيد آل خليفة من رواد الشعر العربي الحديث والمعاصر ويقول فيه رئيس العلماء وشيخ الأدباء محمد البشير الإبراهيمي : (رافق شعره النهضة الجزائرية في جميع مراحلها, وله في كل نواحيها, وفي كل طور من أطوارها، وفي كل سجل صادق لهذه النهضة وعرض رائع لأطوارها ).
وبعد استقلال الجزائر آثر شاعرنا الانزواء، والتفرغ للعبادة، إلى أن توفّاه الله في رمضان 1399هـ الموافق (يوليو1979م)منفيا فارا بدينه في تونس و دفن في بسكرة بالجنوب الجزائري.

يُعدّ محمد العيد آل خليفة من رواد الشعر العربي الحديث والمعاصر ومهما اجتهدنا في تبيان أهمية شعره فلن نقول أكثر مما شهد به رئيس العلماء وشيخ الأدباء محمد البشير الإبراهيمي
(1965 م) الذي قال : (رافق شعره النهضة الجزائرية في جميع مراحلها, وله في كل نواحيها, وفي كل طور من أطوارها، وفي كل سجل صادق لهذه النهضة وعرض رائع لأطوارها ).

الشاعر محمد العيد ينطلق في شعره بتصوُّر واضح لفكره الإصلاحي، واتّجاهه الإسلامي من أربع كليات هي : الإسلام ، الوطن ، العروبة والإنسانية يقول \

قف حيث شعبك مهما كان موقفه
أ َوْلاَ فانك عضو منه منحسمُ

تقول أضحى شتيت الرّأي منقسما
وأنت عنه شتيت الرأي منقسم

فكن مع الشعب في قول وعمل
ان كنت بالرّجل الشّعبي تتّسم

ولا يَرُقك شفيف الذات مائعها
كالماء في وجوه الناس ترتسم

أعدى عدى القوم من يُعزى لهم نسبا
ويسمع القدح فيهم وهو يبتسم

فكان سجلا أمينا لأحداث الوطن الصغير والكبير على السواء, ومعبرا عن آمال الأمة وآلامها ولا تكاد تخلو قصيدة من الطابع الديني حتى في القصائد الذاتية وقصائد الرثاء والوصف.يقول في احدى قصائده\


يسائلني عن نسـبتي كلُّ وافِدٍ
عليَّ، وعنْ شعري، وعنْ كُنهِ مطْلبي

فقلتُ لهمْ: أرْضٌ العروبةِ موْطِني
وديـني هُو الإسلامُ، والقدوةُ النَّبي

من آثاره
: أنشودة الوليد
رواية بلال بن رباح (مسرحية شعرية)
ديوان محمد العيد.
العيديا ت المجهولة

يقودنا إلى الحديث عن الشعر الإسلامي الحديث في الجزائر , في هذا المقام يقول الدكتور الشاعر صالح الخرفي في دراسة عن شعر محمد العيد : (يحلق محمد العيد في الأفاق البعيدة للرسالة السماوية والمواقف البطولية لظهور الإسلام, والتركيز في حياة *محمد صلى الله عليه وسلم* على جانب الجهاد, والوقوف مليا عند فتوحاته, وتلك هي مطامح الشعب الجزائري, وهو يعاني من التحكم الأجنبي).
كان لمحمد العيد حوليات شعرية اعتاد إلقاءها في المناسبات الخاصة بجمعية العلماء، وفيها تنويه بالقيم السامية للدين الإسلامي، .يقول الشيخ محمد العيد بقصيدة عصماء يدحض فيها اباطيل احد الفرنسيين والذي تجاوز على المصحف الشريف ومنافحا فيها عن كتاب الله عز و جل القرآن الكريم ، و منوها فيها بموقف الإمام عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الذي كتب سلسلة من المقالات في مجلة البصائر فند فيها أكاذيب و أباطيل المُستعمِر الفرنسي .

. هيهات لا يعتري القرآن تبديل
وإن تبدل توراة وإنجيل

قل للذين رموا هذا الكتاب بما
لم يتفق معه شرح وتأويل

هل تشبهون ذوي الألباب في خلق
إلا كما تشبه الناس التماثيل

فاعزوا الأباطيل لقرآن وابتدعوا
في القول هيهات لا تجدي الأباطيل

وازروا عليه كما شاءت حلومكم
فإنه فوق هام الحق إكليل

ماذا تقولون في آي مفصلة
يزينها من فم الأيام ترتيل

ماذا تقولون في سفر صحائفه
هدى من الله ممض فيه جبريل

آياته بهدى الإسلام ما برحت
تهدي المماليك جيلا بعده جيل

فآية ملؤها ذكرى وتبصرة
وآية ملؤها حكم وتفصيل

فليس فيه لا على الناس منزلة
(عدن) وفيه لأدنى الناس سجيل

ولا احتيال ولا غمص ولا مطل
ولا اغتيال ولا نغص وتنكيل

إن هو إلا هدى للناس منبلج
ضاحي المسمى أغر الاسم تنزيل

لئن مضت عنه أجيال وأزمنة
تترى فهل سامه نقض وتحويل

ما بال (آشيل) في (الدبيش) يسخر.
.من آيات محكمة لا كان (آشيل(

ما بال (آشيل) يهذي في مقالته
كحالم راعه في النوم تخييل

ما بال (آشيل) يزري المسلمين وهم
غر العرائك انجاب بهاليل

أفكارهم بهدى القرآن ثاقبة –
فلا يخامرها في الرأي تضليل

وأمرهم بينهم شورى ودينهم
فتح من الله, لا قتل وتمثيل

لا يعدم الحق أنصارا تحيط به
سورا ولو كثرت فينا الأضاليل
------
هذا ابن باديس يحمي الحق متئدا
كذاك يتئد الشم الأماثل

(عبد الحميد) رعاك الله من بطل
ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل

دمغت أقوال (آشيل) كما دمغت
أبطال (أبرهة) الطير الأبابيل

عليك مني, وإن قصرت في كلمي
تحية ملؤها بشر وتحليل


ضحت الجزائر في سبيل حريتها تضحية يعتز بها التاريخ .وكانت جبال الاوراس من المراكز المهمة و الاساسية التي انطلقت منها اول شرارة الثورة وقدمت عشرات الآلاف من أبنائها الابطال ضحايا في سبيل تحرير الجزائر واستقلالها فوقف الشاعر على قبورهم في عيد الاضحى1965 وجاشت عواطفه بالقصيدة التالية يقول فيها\

رحم الله معشر الشهداء
و جزاهم عنّا كريم الجزاء

وسقى بالنعيم منهم ترابا
مستطابا معطر الارجاء

هذه في الثرى قبور حوَتْهم
أم قصور تسمو على الجوزاء

أيها الزائرون ساحة الطهر
قدسي وعزة القعساء

إنّهم عند ربّهم حول رزق
منه في نعمة و في سرّّاء

هكذا أخبر الإله فصدَّق
نبأ الله أصدق الأنبـــــــــــاء

شهداء التمدين في كل عصر
سرج الأرض بل نجوم السماء

لم أجد في الرجال أعلى وساماً
من شهيد مخضّب بالدّماء

إنَّ ذكرى الشهيد أرفع من أن
ترفعوها بالصّخرة الصمّاء

واقتدوا وائتسوا بهم في المزايا
انهم أهل قدوة وائتساء

واخلفوهم بالصدق في خدمة
الشعب و في أهلهم وفي الأبناء

إنهم قادة الفيالق في الزحــف
لخوض المعارك الحمراء

انهم رادة البطولة في النصر
وعزّ الحمى ورفع اللواء


إنهم أوفوا العهود فهل أنـتم
لميثاقهم من الأوفياء

إنهم تربة الجزائر مهد
عبقري لثورة العظماء

وهي أرض الإسلام ذي المبدأ
السمـح وأرض العروبة العرباء .

هكذا كانت الجزائرميعا
دا كريما لأقدس الايحاء

تتعالى منائر الحق فيها
من بعيد لخائضي الظلماء

ثورة الشِّعر أنتجت ثورة
الشعب وعادت عليه بالآلاء

كل من لم يثر على الهون
والذلة داسته أرجل الأقوياء

أيها الشعب أنت ملهم شعري
في كفاحي وملهب الاحشاء

أين منا ما سامنا من عذاب
أين منّا ما ساءنا من شقاء

جلّ من أخضع الطّغاة فذلوا
وعليهم قضى بحكم الجلاء

أصبحت أرضنا مثالا من الفر
دوس في أمن شعبها والهناء



*****************************




















جميل صدقي الزهاوي

ولد جميل صدقي الزهاوي ببغداد في 18 حزيران من عام \ 1863 فهو جميل صدقي بن محمد فيضي بن احمد بن حسن بن رستم بن خسرو بن الامير سليمان الزهاوي
الزهاوي شاعر وفيلسوف عراقي كبير يرجع نسبه إلى أسرة بابان وهي من الأسر المشهورة في شمال العراق، التي يرجع نسبها لقبيلة بني مخزوم العربية ، وقد عرف بالزهاوي حيث ان اصله من منطقة زهاو القريبة من خانقين الحالية في شما ل العراق واليها نسب كردي الاصل عربي النشاة عربي الثقافة
ولد في بيت عز وشرف وجاه كان ابوه مفتي بغداد و مفتي العراق وتهياءت له كل ظروف الدراسة فدرس العلوم الطبيعية والفلسفية بجانب الدراسات الادبية والشعرية فانعكست ثقافته في شعره فكان فيلسوفا وعالما وشاعرا كبيرا وكان يجيد العربية والكردية والفارسية والانكليزية.
تقلد مناصب حكومية عديدة في حياته فقد كان عضوا في مجلس( المبعوثان) العثماني ونائبا عن بغداد ثم عين عضوا في مجلس الاعيان وعضوا في مجلس المعارف ببغداد وعضوا في محكمة الاستئناف العراقية كما درس الفلسفة الاسلامية بالمدرسة الملكية ودرس اللغة العربية في معهد الفنون وعين استاذا في مدرسة الحقوق . وعين مدرسا في مدرسة السليمانية ببغداد عام \1885م، ثم عين عضوا في مجلس المعارف عام\ 1887م، ثم مديرا لمطبعة الولاية ومحررا لجريدة الزوراء عام \1890م، وبعدها عين عضوا في محكمة استئناف بغداد عام \1892م، وسافر إلى إستانبول عام \1896م، فأعجب برجالها ومفكريها وتأثر بالأفكار الغربية، وبعد اعلان الدستور العثماني عام \ 1908م، عين استاذا للفلسفة الإسلامية في دار الفنون بإستانبول ثم عاد لبغداد، ، وانضم إلى حزب الأتحاديين، وأنتخب عضوا في (مجلس المبعوثان) مرتان، وعند تأسيس الحكومة العراقية عين عضوا في مجلس الأعيان. ونظم الشعر بالعربية والفارسية منذ نعومة أضفاره فأجاد واشتهر به.
كان له مجلس يحفل بأهل العلم والأدب، وأحد مجالسه في مقهى الشط وله مجلس آخر يقيمه عصر كل يوم في مقهي السيد رشيد حميد في الباب الشرقي من بغداد، واتخذ في آخر أيامه مجلسا في مقهى أمين في شارع الرشيد من بغداد وعرفت هذه المقهى فيما بعد بمقهى الزهاوي ولا تزال لحد الان قائمة و تحمل اسمه وقيل انه كان مولعا بلعبة الدامة وهي احدى اللعب الشعبية المشهورة في بغداد في بداية القرن الماضي وله فيها تفنن غريب، وكان من المترددين على مجالسه الشاعر معروف الرصافي، والأستاذ إبراهيم صالح شكر، والشاعر عبد الرحمن البناء، وكانت مجالسهم لا تخلو من أدب ومساجلة ونكات ومداعبات شعرية، وكانت له كلمة الفصل عند كل مناقشة ومناظرة، ولقد قال فيه الشيخ إبراهيم الراوي وفي قرينه الرصافي شعرا \:

مقال صحيح إن في الشعر حكمة
وما كل شعر في الحقيقة محكم

وأشعر أهل الأرض عندي بلا مرا
جميل الزهاوي والرصافي المقدم

كان الزهاوي معروفا على مستوى العراق والعالم العربي وكان جريئاً وطموحاً وصلبا في مواقفه، كثيرا ما اختلف مع الحكّام عندما رآهم يلقون بالأحرار في غياهب السجن ومن ثم تنفيذ أحكام الإعدام بهم فنظم قصيدة في تحيّة الشهداء مطلعها:

على كل عود صاحب وخليل
وفي كل بيت رنة وعويل

وفي كل عين عبرة مهراقة
وفي كل قلب حسرة وعليل

كأن الجدوع القائمات منابر
علت خطباء عودهن نقول

دافع الزهاوي عن حقوق المرأة وطالبها بترك الحجاب وأسرف
في ذلك، حيث يقول :

اسفري فالحجاب يا ابنة فهر
هو داء في الاجتماع وخيم

كل شيء إلى التجدد ماض
فلماذا يقر هذا القديم ؟

اسفري فالسفورللناس صبح
زاهر والحجاب ليل بهيم

اسفري فالسفور فيه صلاح
للفريقين ثم نفع عميم

زعموا ان في السفور انثلاما
كذبوا فالسفور طهر سليم

لايقي عفة الفتاة حجاب
بل يقيها تثقيفها والعلوم

وقال ايضا في قصيدةاخرى\

مزقي يا ابنة العراق الحجابا
أسفري فالحياة تبغي انقلابا

مزقيه واحرقيه بلا ريث
فقد كان حارسا كذابا

شعر الزهاوي سهل الالفاظ واضح المعاني ثر الانتاج يتسم بالتأثر بالعلوم التي درسها واشتهر بالشعر الوطني والاجتماعي والفلسفة والوصف وانشدفي اغلب الفنون الشعرية
ومن شعره هذه الابيات من قصيدة له في الشكوى وقد تمثل في شكوى والد لولده في شيخوخته يقول \

ابوك بان يردى بني مهدد
كاءن الردى سيف عليه مجرد

يشكو تباريحا تكاد تهده
وشيخوخة ليست عن الموت تبعد

تعال فقبلني بني مودعا
ان فراقي عنك يابني مؤبد

ولي في حياتي يابني بقية
ولكنها عما قليل ستنفد

بني اقم حينا لحيني فاءنني
على غير ما قد كنت من قبل تعهد

ابوك من الامال جر نفسه
وانت فتى فيه المنى يتجدد

ولم يكن حظانا من الدهر واحدا
فلي الامن من ايامه ولك الغد

انا اليوم اشقى بالمشيب ووهنه
وانت بشرخ من شبابك تسعد

لعمرك لا عهد المشيب الذي به
برمت ولا عهد الشبيبة سرمد

وما نحن الا كالسيوف بحومة
نجرد حينا للوغى ثم نغمد


********************






عبد الحميد بن باديس

الامام المصلح



هو الإمام المصلح المجدّد الشيخ عبد الحميد بن محمّد بن المصطفى بن المكّي بن باديس القسنطيني الجزائري، رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، ورائد النهضة الفكرية والإصلاحية والقدوة الروحية لحرب التحرير الجزائرية.
وُلد عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن المكي بن باديس الجزائري بقسنطينة سنة 1889م وسط أسرة من أكبر الأسر القسنطينية، مشهورة بالعلم والفضل والثراء والجاه، عريقة في التاريخ، يمتدّ نسبها إلى المعزّ بن باديس الصنهاجي، فهو في مقابل اعتزازه بالعروبة والإسلام لم يُخْفِ أصله الأمازيغي، بل كان يُبدِيه ويُعْلِنُهُ وقد أتمّ حفظ القرآن الكريم في أوّل مراحل تعلّمه بقسنطينة في السنة الثالثة عشر من عمره، على يد الشيخ( محمّد المدّاسي) وتقُدم لصلاة التراويح اماما بالناس على صغره، وأخذ مبادئ العربية ومبادئ الإسلام على يد شيخه (حَمدان لُونِيسي )وقد أثّر فيه القرآن الكريم وهزّ كيانه ليكرّس فيه بعد ذلك ربع قرن من حياته في محاولة إرجاع الأمّة الجزائرية إلى هذا المصدر والنبع الرباني بما يحمله من حقيقة توحيدية وهداية أخلاقية، وهو طريق الإصلاح والنهوض الحضاري.
في سنة 1908 التحق الشيخ عبد الحميد بجامع الزيتونة بتونس، فأخذ عن جماعة من كبار علمائها الأجلاّء، وفي طليعتهم زعيم النهضة الفكرية والإصلاحية في تونس العلاّمة (محمّد النخلي القيرواني ) والشيخ (محمّد الطاهر بن عاشور) اضافة الى مربين آخرين من المشايخ الذين كان لهم تأثير في نمو عقليته و استعداده لتقبل العلوم وتعهّدوه بالتوجيه والتكوين منهم (البشير صفر) و(سعد العياض السطايفي) و(محمّد بن القاضي) وغيرهم، وقد سمحت له هذه الفترة بالاطلاع على العلوم الحديثة وعلى ما يجري في البلدان العربية والإسلامية من إصلاحات دينية وسياسية، في مصر وفي الشام والعراق وغيرها ممّا كان لهذا المحيط العلمي والبيئة الاجتماعية والملازمات المستمرّة لرجال العلم والادب والإصلاح الأثر البالغ في تكوين شخصيته ومنهاجه في الحياة.
وبعد تخرّجه وتأهيله بشهادة التطويع سنة 1912 عاد من تونس متأهّبًا بطموح قويٍّ للتفرّغ للتدريس الممثّل في بدايته بعقد حلقات دراسية بالجامع الكبير، غير أنّ صعوبات واجهته في بداية نشاطه العلمي حالت دون تحقيق طموحه وآماله، وبعد طول تأمّل رأى من المفيد تزامنًا مع موسم الحجّ أن يؤدّي فريضة الحج مغتنمًا الفرصة في رحلته المشرقية للاتصال بالعلماء والمفكّرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي الأمر الذي يسمح له بالاحتكاك المباشر وتبادل الرأي معهم، والتعرّف على مواقع الفكر الإصلاحي، فضلاً عن الاطلاع على حقيقة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة في المشرق العربي. وفي أثناء تواجده بالحجاز حضر لدروس العلماء من مختلف البلدان الوافدين إلى هذه البقاع المقدّسة كالشيخ (حسين الهندي) الذي نصحه بالعودة إلى بلاده لاحتياجها إلى علمه وفكره، وقد حظي بإلقاء دروس بالمسجد النبوي من بعض الشيوخ الذين كانوا يعرفون مستواه، وقد تعرّف على كثير من شباب العائلات الجزائرية المهاجرة مثل (محمّد البشير الإبراهيمي) وقد استفاد الشيخ عبد الحميد بن باديس من التيارات الفكرية ومدارس الإصلاح الديني بالمشرق التي ظهرت في العالم الإسلامي وبعد عودته إلى قسنطينة سنة 1913 ساهم في بلورة الفكر الإصلاحي ميدانيًّا وتطبيق مناهجه التربوية عمليًّا، ساعده زملاؤه الأفاضل من العلماء الذين شَدُّوا عَضُدَه وَقَوَّوْا زناده، فكان تعاونهم معه في هذه المهمّة الملقاة على عاتق الدعاة إلى الله تعالى منذ فجر النهضة العربية دافعًا قويًّا وعاملاً في انتشار دعوته و سطوع نجمه، وذيع صيته، ، كما ساعده أيضًا الواقع الذي كانت تمرّ به الجزائر بين الحربين العالميتين.
وقد شرع ابن باديس رحمه الله تعالى في العمل التربوي، وانتهج في دعوته منهجًا يوافق الفكر الإصلاحي في البعد والغاية، وإن كان له طابع خاص في السلوك والعمل يقوم على ثلاثة محاور أساسية،
الاول إصلاح عقيدة الجزائريين ببيان التوحيد لذلك ظهرت عنايته الأكيدة بتربية الجيل على القرآن وتعليم أصول الدين وعقائده من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إذ كان همّه تكوين رجال قرآنيين يوجّهون التاريخ ويُغيّرون الأمّة، وقد تجلّى ذلك في بعض مقالاته حيث يقول
رحمه الله: «فإنّنا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجّه نفوسهم إلى القرآن في كلّ يوم…».

- أمّا المحور الثاني فيتمثّل في إصلاح عقلية الجزائريين، بإصلاح العقول بالتربية والتعليم، ولتكوين أجيال قائدة في الجزائر، تعمل على بعث نهضة شاملة تخرج بها من حالة الجمود والركود إلى الحيوية والنشاط، وقد كان يرى أنّ تحقيق هذه النهضة المنشودة يتوقّف بالدرجة الأولى على إصلاح الفرد الجزائري وبعث الروح الوطنية فيه من الناحية الفكرية والنفسية.

- والمحور الثالث يظهر في إصلاح أخلاق الجزائريين، حيث ان هذا الميدان قد تدهور كثيرًا نتيجة لفساد العقول وفساد العقيدة الدينية كنتيجة لقرب الجزائر من فرنسا وما قامت به من احتلال للجزائر وماولة فرنسة الاوضاع واللغة فيها وطمس المعالم العربية والاسلامية منها وقد كانت عنايته بالغة من داخل الفرد بتطهير الباطن الذي هو أساس الظاهر، وتهذيب النفوس وتزكيتها وإنارة العقول وتقويم الأعمال، وإصلاح العقيدة

باشر عمله ونشاطه الاصلاحي جاعلا من المسجد منطلقا فاهتم بتعليم الصغار وتوعية الكبار واتخد من الصحافة وسيلة أخرى لنشر الوعي الديني والسياسي حارب الخرافات والبدع ورفض فكرة ادماج الجزائر بفرنسا في وقت الاحتلال الفرنسي وأعتبر كل من تجنس بالجنسية الفرنسية مرتدا
بدأ الشيخ عبد الحميد بن باديس مهمته الإصلاحية بعد أن نضج وعيه الإسلامي و تأثر بأفكار الجامعة الإسلامية ، و أدرك أن طريق الإصلاح يبدأ بالتعليم لأنه لا يمكن للشعب الجاهل أن يفهم معنى التحرر و محاربة الاستعمار ، لذلك باشر بن باديس تأسيس المدارس و تولّى بنفسه مهمة التعليم ، و ركزّ على تعلم الكبار بفتح مدارس خاصة لمحو الأمية ، كما اهتم بالمرأة من خلال المطالبة بتعليم الفتيات إذ أنشأ أول مدرسة للبنات بقسنطينة سنة 1918 ، واعتبر تعليم المرأة من شروط نهضة المجتمع تعليم المرأة لا يعني تجاوز التقاليد و الأخلاق الإسلامية .وسع بن باديس نشاطه ليفتتح عدة مدارس في جهات مختلفة
ساهم في فتح النوادي الثقافية مثل نادي الترقي بالعاصمة الجزائر
، وساعد على تأسيس الجمعيات المسرحية

اشرف على عدة مجلات منها المنفذ والشهاب و البصائر وعمل على تفسير القرأن الكريم وفي سنة 1931 كان من اشهر العلماء البارزين المتحمسين في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
كان عبد الحميد بن باديس مفكرا ومرشدا ومربيا سخر كل طاقاته المادية والبشرية لاصلاح أحوال المجتمع الجزائري وللحفاظ على الهوية الجزائرية الاسلام وكان منهجه الاصلاحي ينبثق من الثلاثية (الاسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا ) تصدى لفكرة الادماج عن طريق اصدار الفتاوى ونجح في بناء جيل ساهم بقوة في اذكاء ثورة تشرين الثاني عام 1954
كان عالما دينيا وشيخا فاضلا سخر كل جهوده في نهوض شعب الجزائر البطل وبث روح الثقافة العربية والنهضوية والاسلامية في نفوس السباب وغرسها في قلوبهم

توفي الامام في 16 نيسان 1940 وأعتبر يوم وفاته يوم العلم احياءا لذكرى وفاته اذ انه أحد أبناء وأبطال الجزائر العربية باديس رحم الله الإمام المصلح المجدّد الشيخ عبد الحميد بن باديس القسنطيني الجزائري فقد رئيسا لجمعية العلماء المسلمين بالجزائر، ورائد النهضة الفكرية والإصلاحية والقدوة الروحية لحرب التحرير الجزائرية
انشد الكثير من الشعر في الدين والسياسة والاجتماع وكان شعره هادفا غلبت عليه السمة الدينية ومن شعره هذه القصيدة التي يعرف بها الشعب الجزائري بعروبته وردا قاطعا للفرنسة ودعاتها الظالمين ويدعوه للثورة والحياة\

شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ
وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ
أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ

أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ
رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ

يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا
وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ

خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا
وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهبْ

وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ
حْـسـانِ وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ

وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ
فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ

وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّــالـمِـينَ
سُـمًّـا يُـمْـزَج بالـرَّهَـبْ

وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ
فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ

مَنْ كَــان يَبْغـي وَدَّنَــا
فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحبْ

أوْ كَـــانَ يَبْغـي ذُلَّـنـَا
فَلَهُ الـمـَهَـانَـةُ والـحَـرَبْ

هَـذَا نِـظـامُ حَـيَـاتِـنَـا
بالـنُّـور ِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ

حتَّى يَعودَ لـقَــومــنَـا
من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ

هَــذا لكُمْ عَـهْــدِي بِـهِ
حَتَّى أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ

فَــإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحـتـي
تَحيـَا الجَـزائـرُ وَ الْـعـرَبْ



*******************************




























سليم رشيد الخوري
الشاعرالقروي.


ولد رشيد سليم الخوري في 17 نيسان من عام \ 1887 م بقرية البربارة اللبنانية وكان ابوه معلما ثم ترك التعليم بعد زواجه ومارس تجارة التبغ والحرير

انتقل الى مدينة صيدا حين بلغ الثالثة عشرة سنة للدراسة فدرس في مدرسة الفنون الاميركية ثم في مدرسة سوق الغرب ثم ثم انتقل الى بيروت ليكمل دراسته في الكلية السورية الانجيلية والتي تغير اسمها فيما بعد الى الجامعة الامريكية ولاتزال تحمل هذا الاسم في بيروت

لقب الشاعر رشيد سليم الخوري ب( الشاعرالقروي) وسبب تسميته ذكرها الشاعر نفسه في أحد دواوينه وهي أن الشاعر يعقوب العودات الملقب (البدوي الملثم)، قد سأله كيف اخترت لقب الشاعر القروي، فقال: بعد أن صدر ديواني الرشيديات، لم يُرق للناقد قسطنطين الحداد، فظل الحداد ينقده في جريدة تسمى بـ (المؤدب) وفي أحد المرات قرأ رشيد سليم الخوري أحد النعوت التي قد نعت بها من قِبـَل الناقد المذكور من هذه النعوت( الشاعرالقروي ) الذي أعجبه كثيرا و وجد الشاعر رشيد سليم الخوري فيه ضالته في هذا النعت
عمل في التعليم وطاف بعدة مدارس في لبنان ولم يكن سعيدا بعمله ولا قانعا به لذا هجر مهنةالتعليم و لعدم كفاية مردودها المالي لعائلته الكبيرة . فاشتغل بعدة مهن مختلفة بجانب انصرافه الى قول الشعر فاصدر مجموعته الاولى او قل ديوانه الاول بعنوان ( الرشيديات )
ثار العرب ضد الاتراك في عام \1916م عندما نشبت الحرب العالميه الاولى في عام\ 1914 بين الدولة العثمانية والمانيا من جهة والحلفاء من جهة اخرى وعد الانكليز العرب بالاستقلال ان اصبحوا بجانبهم وبعد انتهاء الحرب لم يفي الحلفاء بوعودهم للعرب بل عملوا على تقسيم البلاد العربيه بين الانكليز وبين الفرنسين والطليان بموجب معاهدة ((سايكس بيكو )) المشهوره فاستعمرت بريطانيا كل مصر والسودان والعراق والسعودية والاردن وفلسطين والمغرب وحصة فرنسا كانت لبنان وسوريا وتونس والجزائر وحصة ايطاليا كانت ليبيا
ثم ان الانكليز توجوا استعمارهم باعلان وعد بلفور السيء الصيت الذي بموجبه اعلنوا ان فلسطين وطنا قوميا لليهود على اشلاء عرب فلسطين واموالهم وعملوا على تهويد المدن الفلسطينية بحديث يطول وليس هذا مكانه وقد جاء هذا الوعد في اعلان اصدره (بلفور ) وزير خارجية انجلترا عام \1917

وقد اعلن العرب استنكارهم ومقاومتهم لهذا الوعد المشؤوم وكان للشاعر باع طويل في ذلك يقول في قصيدة بعنوان( وعد بلفور)
منها هذه الابيات \

الحقُ منك َومن وعودك َ أكبرُ
فأحسب حساب الحق يا متجبرُ

تعدُ الوعودَ وتقتضي إنجازها
مهج َ العبادِ؟خَسِئتَ يا مُستَعمِرُ

لو كُنتَ من أهلِ المكارمِ لم تكن
من جيبِ غيركَ مُحْسِنًا يا بلفُرُ

عِد منْ تشاء بما تشاءُ فإنما
دعواه خاسرةُ ووعدُكَ أخسَرُ

فلقد نفوزُ ونحنُ أضعفُ أمةٍ
وتؤوب مغلوبا ً وأنت الأقدرُ

فلكم وقى متواضعا إطراقه
وكبا بفضل ردائه المتكبرُ

وأصدر أول مجموعة من أشعاره بعنوان الرشيديات ثم اصدر ديوانه الذي سماه القرويات ووقع شعره فيه باسم الشاعر القروي فأصبح معروفا بذلك الاسم ثم أصدر ديوانه الكبير الذي حوى جميع ما قد كان أصدره من شعره المتناثر وعاد الشاعر الى لبنان عام 1958 م فقامت وزارة التعليم في عهد الوحدة العربية بين سوريا ومصر باعادة طبع ديوانه تقديرا لشعره ومكانته الادبية الرفيعة.
مات والده عام \1910 م تاركا له مسؤولية اعالة عائلة كبيرة و رعاية اخوته عائلته مكونة من والدته واخوته ( قيصر وفيليب وفؤاد وأديب ونديم وأختيه فكتوريا ودعد) فلم يعد يحتمل معيشتهم وضاقت الدنيا بوجهه فقرر الهجرة الى خارج لبنان وكان له عم اسمه\ اسكندريقيم في البرازيل فسافر اليه في عام 1913 فاستقر مسكنه فيها بعد ان توفرت سبل المعيشة له وفي عام 1924 استقدم أمه وأخوته الى البرازيل ومن جميل شعره قوله في الطبيعة وفي شروق الشمس \

عرتني خشــيـةٌ لله لـما
رأيت الشمس تأذن بالشروق

فلم أرفع يدي بالحمد حتى
ذكرت بضاعتي وكساد سوقي

ولما قمت منصرفاً لشأني
تذكرت الصلاة على الطريق

* * *

حملت بضاعتي .. ألقي اتكالي
على المولى ووعد من صديق

فلم أبصر جمال الروض حتى
عرتني هزة الشعر الرقيق

ولما عدت من نظم القوافي
تذكرت الصديق على الطريق

* * *

وإني في ذهول الشعر يوماً
أحوم به على غصن وريق

إذا بحمامةٍ تبكي بكاءً
له جمدت دمائي في عروقي

فلما ذاب في سمعي صداها
تذكرت القريض على الطريق

* * *

سمعتُ كمنجةً في كفّ أعمى
تثير كوامن الحس العميق

فلما كنتُ منجذباً إليها
ومِلْتِ إلي ّ بالقدِّ الرشيق

ذُهلتُ عن الصلاةِ وكسبِ رزقي
وشِعْري والكمنجة والطريق

تطوع الشاعر سنة 1917 ليحارب في صفوف الجيش العربي في سوريا جيش الملك فيصل عندما اصبح ملكا عليها بعد الحرب العالمية الاولى واحتلال الانكليز للبلاد فقد وقف أمام أحد القبور ليرى معاناة الموت من خلال معاناته الحياة وقساوتها ، وذلك قبل مغادرته إلى البرازيل. فيقول :

فوقَ الترابِ بقيَّةِ الأجدادِ
أجثو وأندبُ أمَّتي وبلادي

وطني، ولكنْ للغريبِ وأمَّةُ
ملهى الطغاةِ وملعبُ الأضدادِ

يا أمَّةً أعيتْ لطول جهادها
أسكونُ موتٍ أم سكونُ رُقادِ

هل نرتقي يوماً وملء نفوسنا
وَجَلُ المَسوقِ وذلَّةُ المنقــادِ

يا أيُّها القبر الأنيس بقربِ مَنْ
يجلو دُجاك بنوره الوقَّــادِ

إنَّ الذين تركتَهم في ساحة
الدنيا هُمُ الأحزان في أجسادِ

كان الشاعر رشيد سليم الخوري من أبناء جيله الذين شهدوا ظلم الأتراك، وكان اللبناني في تلك الحقبة يتحرَّى عن هويته وشخصيته التي تعيِّنُ مكانَه من نفسه ومن العالم
لم يجد في السفر ما ينقصه في البلاد، فقد لاقى بشراً لم يألفهم من قبل، ولم يشاطرهم أفراحهم وأتراحهم، وكان دأبه حب الوطن، والهروب من الأتراك، بعد ان وجد الناس هناك يلقبون العربي ب (التركو) فلم يا نسَ لهم، بل هم أناس لذواتهم وليس لبعضهم البعض. فانشد قصيدته قبل سفره \

سفرٌ نهايتهُ سفرْ
مثل النسيم بلا مقرْ

حتَّام أبقى دائراً
حول البسيطة كالقمرْ

أصطادُ أطيار السعادة
وهي من وجهي تفرْ

أيوب سلِّم صولجانك
لست أعظم من صبرْ

لو ذقتَ يوماً ما أذوق
لكنت أول من كفرْ

ويزيد في الطنبور أني
بين نـاسٍ كالبـقر

لا يفهمون من الحياة
سوى البطالة والبطر

كنْ بينهم رجل الزمان
تظلُّ "تركو" محتـقر

حتى عبيد البرِّ قد سخروا
بنا مع من سخر

وطني ويا لك موطناً
قد مزَّقته يدُ الغِيَرْ

يشقى المقيم اليوم فيك
وليس يسلمُ من هجر

وفي ثورة الشعب العربي في الشام اي في سوريا ولبنان يقول هذه الابيات مخاطبا فيها الزعيم الدرزي سلطان الأطرش حين أشعل ثورته علي الفرنسيين سنة\ 1925 - أن يقاتلوا أعداء الأمة بسيف محمد صلى الله عليه وسلم ففي النصر والظفر\

فتى الهيجاء لا تعتب علينا
و أحسِن عذرَنا تحسنْ صنيعا

تمرستم بها أيام كنا
نمارسُ في سلاسلنا الخضوعا

فأوقدتم لها جثثًا وهامًا
وأوقدنا المباخر والشموعا

إذا حاولتَ رفعَ الضيم فاضرب
بسيف محمدٍ واهجر يسوعا

أحبوا بعضكم بعضًا وُعظنا
بها ذئبًا فما نجَّت قطيعا
ألا أنزلتَ إنجيلاً جديدًا
يعلِّمنا إباءًا لا خنوعا

أجِرنا من عذاب النير لا من
عذاب النار إن تك مستطيعا

و يا لبنان مات بَنوك موتاً
وكنت أظنَّهم هجعوا هجوعا

ألم ترهم ونار الحرب تُصلى
كأنَّ دماءهم جمدت صقيعا

بدت لك فرصةٌ لتعيش حرًّا
فحاذرْ أن تكون لها مُضيعا

و ما لك بعد هذا اليوم يومٌ
فإن لم تستطعْ لن تستطيعا


كان لا يشعر بالهزيمة أمام قوى الشر والاستبداد والاستعمار والظلام في وطنه، بل كان يرد عليها بالشعر كسلاح يدافع به عن حق شعبه بالوجود والكرامة والحرية يقول \

مَنْ يُنبئُ الملأ الذين أُحبُّهم
فيكافئون الحب بالعدوان

إنِّي على دين العروبة واقفٌ
قلبي على سُبُحاتها ولساني

إنجيلي الحبُّ المقيم ُ لأهلها
والذود عن حُرُماتها فرقاني

أرضيتُ أحمدَ والمسيحَ بثورتي
وحماستي، وتسامحي وحناني

يا مسلمون ويا نصارى دينكم
دينُ العروبةِ واحدٌ لا اثنـانِ

بيروتكم كدمشقكم ودمشقكم
كرياضكم ورياضكم كعُمانِ

ستجدِّدون المُلك من يمنٍ إلى
مصرٍ إلى شامٍ إلى بغـدانِ

وفي البرازيل تولى تحرير مجلة الرابطة لاكثر من ثلاث سنوات وتراس جمعية ( العصبة والاندلسية ) فكان رئيسها الثاني بعد ميشيل معلوف، وظل في المهجر مدّة خمسةٍ وأربعين عاماً؛ يتعاطى التجارة وكسب الرزق وينشد الشعر ويكتب الادب وعينه ساهرة لما يحدث في بلده بل في كل الاقطارالعربية
اصدر ديوانه الثاني الذي سماه( القرويات) ووقع شعره فيه باسم الشاعر القروي فأصبح معروفا بذلك الاسم ثم أصدر ديوانه الكبير او مجموعته الشعرية الكاملة الذي حوى جميع ما قد كان أصدره من شعره وطبع على نفقة وزارة الثقافة السورية تقديرا لشعره ومكانته الادبية الرفيعة.
ثم اعيد طبع مؤلفاته الكاملة في 1\1\ 1998
لما شعر بالشيخوخة وكبرالسن عاد إلى وطنه لبنان وسكن في مسقط راسه الى ان وافاه الاجل في قرية البربارة القرية التي شهدت ولادته اول مرة

توفي الشاعر رشيد سليم الخوري الملقب ( الشاعرالقروي) في عام\ 1984
اعيد طبع مؤلفاته الكا ملة في 1\1\ 1998 اي بعد اثنتي عشرة مضت على وفاته
دعى الى توحيد الصفوف بين ابناءالعروبة بغض النظر عن الدين والطائفة والمذهب والقطر اوالمدينة يقول \

يا فاتح الأرض ميداناً لدولته
صارت بلادُك ميداناً لكل قوي

يا قومُ هذا مسيحيٌّ يذكّركم
لا يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله تكرمة
فبلّغوه سلام الشاعر القروي

ان رشيد سليم الخوري بحق شاعرالنهضة العربية اذشارك في ما حدث في زمنه من احداث للامة العربية وتحررها ودعى بكل جهده لنهضتها من مما هي فيه و تمنى في أكثر من موضع أن يعودالعرب الى سابق عهدهم وتعود الى بغداد والأندلس عهودهم الذهبية وفي ذلك يقول :

يا حبذا عهد بغداد وأندلسٍ
عهد بروحي أفدِّي عَودَهُ وذوي

من كان في ريبةٍ من ضَخْم دولته
فليتلُ ما في تواريخ الشعوب رُوي

ومن شعره العاطفي هذه الابيات :

ألقيت في سمع الحبيب كليمـــــــــــة
جرحت عواطفه فما أقسانـــــــــي

قطع الحديث وراح يمسح جفنـــــــه
فوددت لو أجزى بقطع لسانـــــــــي

ومضى ولي قلب على آثـــــــــــــاره
ويدان بالأذيال عالقتـــــــــــــــــــــان

فطفقت من ألمي أكفكف أدمعـــــــــي
ورجعت من ندمي أعض بنانــــــي

حتى ظفرت به فمد يمينـــــــــــــــــه
ودنا إلي برقة وحنــــــــــــــــــــــان

وبكى وعانقني وقال عدمتنـــــــــي
إن كان لي جلد على الهجـــــــــــران

قل ما تشاء ولا تغب عن ناظـري
وفداك ذلي في الهوى وهوانــــــــــي

واختم مقالتي بهذه الابيات الوطنية من شعره:

صياماً إلى أن يُفطِرَ السيفُ بالدمِ
وصمتاً إلى أن يصدح الحقُّ يا فمي

أَفِطرٌ وأحرار الحمى في مجاعـة؟
وعيدٌ وأبطال الجهــاد بمأتـم؟!

بلادك قدِّمها على كـلِّ ملَّـة
فما مسَّ هذا الصوم أكبادَ ظلَّمٍ

هبونيَ عيداً يجعل العُربَ أمَّـةً
وسيروا بجثماني على دين بَرهمِ!!

فقد مزَّقت هذي المذاهب شملنا
وقد حطمتنا بين نابٍ ومنسمِ

سلامٌ على كفرٍ يوحِّد بينــنا
وأهلاً وسهلا ً بعـده بجهـنَّم



*******************************************

























ابو القاسم الشابي
شاعر الخضراء



ولد أبو القاسم الشابي في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شباط عام 1909م الموافق الثالث من شهر صفر سنة 1327 هـ في مدينة(_ توزر) احدى مدن تونس الخضراء
. قضى الشيخ محمد الشابي( والده ) حياته المسلكية في القضاء حيث كان قاضيا يتنقل بحكم عمله لمختلف المدن التونسية حيث تمتع الشابي بجمالها الطبيعي الخلاب، ومن اغلب الاحتمالات أن يكون الشيخ محمد قد نقل أسرته معه وفيها ابنه البكر أبو القاسم وهو يتنقل بين هذه البلدان، وقيل ان القاضي محمد الشابي الكبير قد بقي في مدينة( زغوان) حتى مرض مرضه الأخير ثم رغب في العودة إلى( توزر) فرجع، ولم يعش الشيخ محمد الشابي طويلاً بعد رجوعه إلى توزر فقد توفي في الثامن من أيلول –سبتمبر 1929 الموافق للثالث من ربيع الثاني 1348 هـ.

الشيخ محمد الشابي كان رجلاً صالحاً تقياً يقضي يومه بين المسجد والمحكمة والمنزل وهذه حالى كثيرا ما تلازم رجال القضاء وفي هذا الجو نشأ أبو القاسم الشابي فقد ولد في عام 1917 في( قابس) وقيل ولد (الشابية ) واليها نسب ثم مات عنه أبوه وهو في سن الحادية عشر من عمره ولكنه أتم تعليمه في المدرسة الصادقية أقدم المدارس في القطر التونسي لتعليم العلوم الحديثة واللغات الأجنبية وقد أصبح الأمين وهو شقيق ابي القاسم الشابي الشاعر مديرا لفرع خزنة دار المدرسة الصادقية نفسها ثم اصبح الأمين الشابي أول وزير للتعليم في الوزارة الدستورية الأولى في عهد الاستقلال فتولى المنصب من عام 1956 إلى
عام 1958م.

تخرج ابو القاسم الشابي من جامعة الزيتونة اعرق الجامعات العربية وكان يشعر خلال دراسته أنه مريض قلبه الا ان أعراض الداء لم تظهر عليه واضحة إلا في عام 1929 وكان والده رغب بتزويجه والح عليه في ذلك فلم يجد أبو القاسم الشابي مع شعوره بالمرض والهزال بغية التوفيق بين رغبة والده وبين مقتضيات حالته الصحية بداً من أن يستشير طبيباً في ذلك

ذهب الشابي برفقة صديقه المخلص اليه زين العابدين السنوسي لاستشارة الدكتور محمود الماطري وهو من افضل الأطباء، ولم يكن قد مضى على ممارسته الطب يومذاك سوى عامين وبسط الدكتور الماطري للشابي حالة مرضه وحقيقة أمر ذلك المرض وقد حذر الشابي على من عواقب الإجهاد الفكري والبدني وبناء على رأي الدكتور الماطري وامتثالاً لرغبة والده عزم الشا بي على الزواج وعقد قرانه.

كان ابو القاسم الشابي مصاباً بالقلب منذ نشأته وأنه كان يشكو انتفاخاً وتفتحاً في قلبه ومع مضي الايام حالته ازدادت سوءاً فيما بعد بعوامل متعددة منها التطور الطبيعي للمرض بعامل الزمن ثم ان الشابي كان في الأصل ضعيف البنية نحيل الجسم ومنها أحوال الحياة التي تقلّب فيها في طفولته ومنها الأحوال السيئة التي كانت تحيط بالطلاب عامة في مدارس السكن التابعة لجامعة الزيتونة ذات التاثير السيء على حياته . ومنها الصدمة التي تلقاها بموت محبوبتة الصغيرة والتي كانت من اسباب إهماله لنصيحة الأطباء في الاعتدال في حياته البدنية والفكرية ومنها أيضاً زواجه فيما بعد.حيث لم يأتمر الشابي بنصيحة الأطباء إلا بترك الجري والقفز وتسلق الجبال والسياحة ولعل الألم النفسي الذي كان يلم به من الإضطراب عن ذلك كان أشد عليه مما لو مارس بعض أنواع الرياضة باعتدال. وقد كتب في مذكراته يوما فقال ( ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية).

وقد وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال: (إن صدقنا أطباؤه وخاصة الحكيم الماطري قلنا إن الشابي كان يألم من ضيق الأذنية القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافياً وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً (سبيله) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب ما بين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث وهم على وشك البلوغ).
فالأطباء كانوا يصفون له الإقامة في الأماكن المعتدلة المناخ.
قضى الشابي صيف عام 1932 في (عين دراهم) مستشفياً وكان يصحبه أخوه محمد الأمين ويظهر أنه زار في ذلك الحين بلدة( طبرق) برغم ما كان يعانيه من الألم، ثم أنه عاد بعد ذلك إلى( توزر) وفي العام التالي اصطاف في( المشروحة) إحدى ضواحي مدينة ( قسنطينة) من أرض القطر الجزائري وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر تشرف على مساحات مترامية وفيها من المناظر الخلابة ومن البساتين ما يجعلها متعة الحياة الدنيا وقد شهد الشابي بنفسه بذلك ومع مجيء الخريف عاد الشابي إلى تونس الحاضرة ليأخذ طريقة منها إلى( توزر) لقضاء الشتاء فيها. غير أن هذا التنقل بين المصايف والمشاتي لم يجد الشابي نفعاً فقد ساءت حاله في آخر عام 1933 واشتدت عليه الآلام فاضطر إلى ملازمة الفراش مدة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه (حامة توزر) طالباً الراحة والشفاء من مرضه المجهول ومنعه الأطباء الاشتغال بالكتابة والمطالعة. غادر الشابي توزر إلى العاصمة وبعد أن مكث بضعة أيام في أحد فنادقها وزار حمام الأنف، أحد أماكن الاستجمام شرق مدينة تونس نصح له الأطباء بأن يذهب إلى( أريانة) وكان ذلك في أيلول من نقس العام (واريانة )ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة تونس وهي موصوفة بجفاف الهواء. ولكن حال الشابي ظلت تسوء وظل مرضه عند سواد الناس مجهولاً أو كالمجهول وكان الناس لا يزالون يتساءلون عن مرضه هذا: هل هو داء السل هو أم مرض القلب؟.

ثم أعيا مرض الشابي الاطباء على عناية وتدبير فرديين فدخل مستشفى الطليان في العاصمة التونسية فظهرانه مصاب بمرض القلب

توفي أبو القاسم الشابي في المستشفى في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً في الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين الموافق لليوم الأول من رجب سنة 1353 هـ.

نال الشاعر التونسي الكبير ابو القاسم الشابي بعد موته عناية كبيرة ففي عام 1946 تألفت في تونس لجنة لإقامة ضريح له نقل إليه نقل اليه جثمانه باحتفال جرى يوم الجمعة في السادس عشر من جماد الثانية عام 1365 هـ.

ويتعبر الشابي افضل واندر شاعر في أجمل تعبير عن انوار تونس والمغرب العربي التي استفادت منها بلاد المشرق والمغرب العربي
نظم الشابي قصائده في مدى ثماني سنوات أو عشر في الأكثر. مما يلفت النظر أن الشابي ظهر فجأة كشاعر تام النضج كما يقول الحليوي أو على شيء كبير من النضج فهو قد نبغ في الشعرنبوغا وقال الشعر صبيا وشعره في الصبا كان تاما كاملا من حيث البلاغة الادبية والتصويرالشعري الجميل للطبيعة التي افتتن بها فهو ابن تونس الخضراء التي تلم به من كل جانب وصوب اضافة الى ذلك فهو شاعر وجداني وهو برغم صغر سنه شاعر مجيد مكثر يمتاز شعره بالرومانسية فهو صاحب لفظة سهلة قريبة من القلوب وعبارة بلاغية رائعة يصوغها باسلوب او قالب شعري جميل فهو بطبيعته يرنو الى النفس الانسانية وخوالجها الفياضة من خلال توسيعه لدائرة الشعر وتوليد ومسا يرة نفسيته الشبابية في شعر جميل وابتكار افضل للمواضيع المختلفة بحيث جاءت قصيدته ناضجة مؤثرة في النفس خارجة من قلب معني بها ملهما اياها كل معاني التاثرالنفسي بماحوله من حالة طبيعية مستنتجا النزعة الانسانية العالية لذا جاء شعره متاثرا بالعالمين النفسي والخارجي
جرب الشابي في شعره على أسلوبين : اسلوب فخم متين النسج جاء به في طوره الأول في الأكثر وخص به قصائده في الحكمة والرثاء والفخر ، ثم أسلوب لين سلس جاء به في القصائد التي طواها على أغراضه الوجدانية والخيالية. وكان من الطبيعي أن تضم قصائده التي على الأسلوب الأول الفاظاً جزلة والفاظاً غريبة وأن تكون متخيرة تدل على إحاطته بالقاموس العربي إلى حد كبير.
والشابي كان ثائرا على عمود الشعر العربي ، وعلى الحياة العربية الأصلية ، أراد أن يتجنب الألفاظ الإسلامية ذات النفحه العربية وملامحها ليتبدل بها ألفاظاً وثنية الأصل عامية الاستعمال في بعض قصائده ، وخصوصاً في طوره المتأخر.لما يحسه في قرارة نفسه من مرارة الحياة في المرض وعدم جدوى العلاج وسأمه من الحياة حيث انه في شعره شبه ثورة على كل ماهو ماض وقديم
والتراكيب الشعرية عند الشابي كالفاظه تجري مجريين: مجرى أساليب العرب ومجرى آخر كثير التحرر والانفلات من أساليب العرب يجب أن يكون التركيب صحيحاً متيناً. ونعني بالتركيب الصحيح أن تجري الجملة على أساليب العرب في الترتيب ووجوب التقديم والتأخير أو جوازهما وفي الاضمار وما إلى ذلك من القواعد اللغوية العربيةوالشعرية .من اناقة التعبير ورصانته وأصالته هي الدعائم الأولى التي يقوم عليها اسلوب الشابي الذي امتاز بالبعد عن (ا لركاكة ) التي أخذت على كثيرين من شعراء العربية
-
يتميز الشابي كونه خيالي التفكير خيالي التعبير يبحث عن مثل أعلى من صنع هذا الخيال فلا يجده في العالم الذي يعيش فيه فينقلب شاكياً باكياً ثم تصطبغ آراؤه وتعابيره بالأسى والحزن والكآبة والوجوم. و قد امتلك ناصية الشعر الممتزجة بالخيال ورغم انه سكت عن الخيال عند الشابي أن التصور عند الشابي كان صادقاً حقيقاً لمن عاشرهم وسكنوا نفسه وانطبعوا في روحه وهي اشباح لأناس حقيقين لا خياليين فما كان ابوه رمزاً خيالياً ولا كانت عشيرة صباه بجنة شاعر أو حلم كاذب.انه يترجم في شعره الحقيقة ذاتها ومع كل ذلك كان للشابي خيال مولد موغل في الغرابة يصطنع من الأمور العادية مشاهد وقصصاً جميلة .
وفي بعض الاحيان نجد الجد يغلب على قصائد ديوان الشابي ولا ريب في ان اتجاه الرجل كان جدياً حزيناً ولكن يبدو أن الشابي كان في ايام تلمذته قبل ان يعلم مرضه أو قبل أن يدرك خطورة مرضه يميل إلى الهزل والمعابثة ككل شاعر آخر أو ككل أنسان في صباه.

اما اغراضه الشعرية فقد كانت أغراض الشابي محدودة في نطاقها فهي تدور في الوجدانيات وما يتبعها من التأمل في الحياة وكان الشابي منذ صباه وفي اول احياته الشهرية قال إنه عازف عن الفنون الشعرية المألوفة او التقليدية و ملتزم بما يعبرّ فيه عن شعوره ونفسيته ، لذا نلاحظ ان الا غراض الشعرية اوالفنون الشعرية في قصائده مستوحاة من التأمل في الحياة الطبيعية في كل مجرياتها فهو يتنقل بين زقزقة العصافير وتغريد البلابل ونوح الحمام ويتنقل بشعره او وهوينشد شعره بين الغابات والحدائق والبساتين والورود والجبال والشجر وفي الحياة الاجتماعية و السياسية والوطنية والحياة الأدبية بما تمليه عليه الظروف و بشعر به ازاءكل منها و كذلك في الحياة العامة وما يشعر به ازاء الحياة والموت

اما الموضوعات الوجدانية مثل رثاء أبيه او اي شخص عزيز عليه او الاباء والتفس و المجد ) والموضوعات النفسية الاخرى فقد كانت قصائده مليئة بها، الشعر مثل التبرم بالحياة و الشعور بالضيق و بالغزل والحب. فقد نخنى الحياة والحب كثيرا ولكل شاعر سلوبه في ذلك
ومن اروع ماقاله ابوالقاسم الشابي قصيدته- ارادة الحياة التي لايزال كل الشعب العربي في المشرق والمغرب
يتغنى بها \

إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ
فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي
وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ
تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر


فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ
مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر

كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ
وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر

وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ
وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر

إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ
رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ
وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ
يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ
وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر

وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ
وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ :
أ َيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟

أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ
وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر

وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ
وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ
وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُر

فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ
وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم
لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ
مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"

وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ
مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر

سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ
وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر

سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ
لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيعَ العُمُـر؟

فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ
وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر

وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ
مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر

يَجِيءُ الشِّتَاءُ ،شِتَاءُ الضَّبَابِ
شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر

فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ
وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر

وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ
وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر

وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا
وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر

وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ
وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر

وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ
تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر

وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ
ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر

وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ
وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر

مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ
وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ الْمَدَر

لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ
وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر

وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِ
وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْمِ الثَّمَـر

وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ
حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر

فصدّعت الأرض من فوقـها
وأبصرت الكون عذب الصور

وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه
وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر

وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه
تعيد الشباب الذي قد غبـر

وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ
وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر

وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي
شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر

ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ
يباركهُ النـورُ أنّـى ظَهر

إليك الفضاء ، إليك الضيـاء
إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر

إليك الجمال الذي لا يبيـد
إليك الوجود الرحيب النضر

فميدي كما شئتِ فوق الحقول
بِحلو الثمار وغـض الزهـر

وناجي النسيم وناجي الغيـوم
وناجي النجوم وناجي القمـر

وناجـي الحيـاة وأشواقـها
وفتنـة هذا الوجـود الأغـر

وشف الدجى عن جمال عميقٍ
يشب الخيـال ويذكي الفكر

ومُدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ
يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَدِر

وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء
وَضَاعَ البَخُور بَخُورُ الزَّهَر

وَرَفْرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ
بِأَجْنِحَـةٍ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَـر

وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ
في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر

وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ
لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر

إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ
فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ





********************************



















الفصل السادس


نماذج من شعر العصر الحديث


هذه نماذج لبعض الشعراء في هذا العصر – عصر النهضة العربية عصرالثورة العربية ضد الاستعمار والاستبداد والتحكم الاجنبي - نسوقها كما فعلنا في الابواب السابقة لاستكمال البحثمع العلم ان هذا العصر كثير شعراؤه
نبدء بنموذج من شعر الشاعر حافظ جميل يقول\

أي حصن قحمت في الديجور
وطغاة رميتهم بالثبور

أي عرش ازهى به البغي حتى
عاجلته يداك بالتدمير

أي عهد داج طويت مع الليل
مسجى بحلمه المقبو ر

طال صبر الاحرارواستفحل
الخطب وجاشت احلام مافي الصدور

وتمادى الاشرار في الكيد والي
طش واعيت وسائل التحذير
غرهم زيف حكمهم فاستطالوا
فاحتكمنا لعاقبات الامور

من ملوك جاوزوا السماء عتوا
وولاة قد امعنوا في الغرور
-
-
- ------------------------------

ومن شعر الشاعر ابي القاسم الشابي هذه الابيات من قصيدته الرائعة ارادة الحياة

اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلا بد ان يستجيب القدر

ولابد لليل ان ينجلي
ولا بد للقيد ان ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر


كذلك قالت لي الكائنات
وحدثني رو حها المستتر

ودمدمت الريح بين الفجاج
وفوق الجبال وتحت الشجر

اذا ما طمحت الى غاية
ركبت المنى ونسيت الحذر

ولم اتجنب وعور الشعاب
ولا كبة اللهب المستعر

ومن لا يحب صعود الجبال
يعش ابد الدهر بين الحفر

فعجت بقلبي دماء الشباب
وضجت بصدري رياح اخر

واطرقت اصغي لقصف الرعود
وعزف الرياح ووقع المطر

والعن من لايماشي الزمان
ويقنع بالعيش عيش الحجر

هو الكون حي يحب الحيا
ة ويحتقر الميت مهما كبر

ولولا امومة قلبي الرؤوم
لما ضمت الميت تلك الحفر

فويل لمن تشقه الحياة
- من لعنة العدم المنتصر


-----------------------

ومن شعر الشاعرة نازك الملائكة رائدة اللشعر الحر هذه الابيات من قصيد بعنون الشهيد اهدتها لشهدائنا في فلسطين \

في دجى الليل العميق
راسه النشوان القوه هشيما
واراقوا دمه الصافي الكريما
فوق احجار الطريق

-------------------

وصباحا دفنوه
واهالوا حقدهم فوق ثراه
عارهم ظنوه لن يبقى شذاه
ثم سارو ا ونسوه

-----------

حسبوا الاعصار يلوي
ان تحاموه بستر اوجدار
وراءو ان يطفؤا ضوء النهار
غير ان المجد اقوى

------------------

ومن القفبرالمعطر
لم يزل منبعثا صوت الشهيد
طيفه اثبت من جيش عنيد
جاثم لا يتقهقر

-------------------
يا لحمقى اغبياء
منحوه حين اردوه شهيدا
الف عمر وشبابا وخلودا
وجمالا ونقاء

--------------

ومن قصيدة بعنوا ن - بغداد -
يقول الشاعر علي الجارم

بغداد يابلد الرشيد ومنارة المجد التليد

بابسمة لما تزل زهراء في ثغر الخلود

ياموطن الحب المقيم ومضرب المثل الشرود

ياسطر مجد للعروبة خط في لوح الوجو د

يازهرة الصحراء ردي بهجة الدنيا وزيد ي

بغداد يا دار النهى والفن يابيت القصيد

نبت القريض على ضفافك بين افنان الورو د

يشدو كاءن لهاته شدت على اوتار عود


الجو يزخر بالضباء والارض تزخر بالجنود

حتى اذا رجعوا بد ا بجباههم اثر السجو د

بغاد ياوطن الاديب وايكة الشعر الغر يد

جددت احلامي وكنت صحوت من عهد عهيد

جمع الخيال فما اطماءن ولا استقر الى خلود

جاز البقرون النائيات وفك اسرار العقود

ذكر العهود فاءن للذكرى وحن الى العهو د

واهتاجه الطيف البعيد فجن للطيف البعيد

وصبا الى ظل العروبة في حمى الملك العتيد


-------------------------
ومن شعر الشاعر المهجري ميخائيل نعيمة
هذه المقاطع \

اخي ان ضج بع الحرلاب غربي باعماله
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش ابطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولاتشمت بمن دانا
بل اركع صامتا قبلي يقلب خاشع دام
لنبكي حظ موتانا


------------------------------

اخي ان عاد بعد الحرب جندي للاوطانه
والقى جسمه المنهوك في احضان خلانه –
فلا تطلب اذا ما عدت للاوطان خلا نا-
لاءن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم
سوى اشباح موتانا

------------------------

اخي انيحرث ارضه الفلاح او يزرع
ويبني بعد طول الهجر كوخا هده المدفع
فقد جفت سوقينا وهد الذل ماءوانا
ولم يترك لنا الاعداء غرسا في اراضينا
سوى اجياف موتانا

---------------------------

اخي من نحن لاوطن ولا اهل ولا جار
اذا نمنا اذا قمنا ردانا الخزي والعار
اقد خمت بنا الدنيا كما خمت بموتانا
فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقات اخر
نواري فيه احيانا

--------------------

ومن شعر الشاعرة الفلسطينية
فدوى طوقان هذه الابيات

ومدت الافكار اظلالها فلم تزل شاخصة في وجوم
من ابصر استغراقها خالها شارة الروح وراء الغيو م

---------------

وراعها صوت عميق مثير جلجل فيها مثل صوت القدر
لم تحبس السماء رزق الفقير لكنه في الارضظلم البشر

----------------------

واطرقت تيها لشك مريب يملاءها منه اسى غامر
في روحها اللهفى غريب وقلق مستبهم حائر

-------------------------------
من شعر الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري هذه الابيات من قصيدته –نشيد افريقيا:\

جبهة العبد ونعل السيد
وانين الاسود المضطهد

تلك ماءساة قرون غبرت
لم اعد اقبلها لم اعد

كيف يستعبدوني مغتصب
كيف يستعبد امسي وغدي

كيف ينجو عمري من سجنه
وجدار السجن من صنع يدي

انا زنجي وافريقيتي
لي لا للاجنبي المعتدي

انا فلاح ولي ارضي التي
شربت تربتها من جسدي

انا انسان ولي حريتي
وهي على ثروة من ولدي

انا حر مستقل البلد
وساءبقى مستقل البلد

-----------------------------------

ومن شعرعلي محمود طه نقرأهذه الابيات يقول\


اخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجها د وحق الفدا

اتركهم يغصبون العروبة
مجد الابوة والسؤدد ا

وليسوا بغير صليل السيوف
يجيبون صوتا لنا او صدى

فجرد حسامك من غمده
فليس له بعد ان يغمد ا

اخي ايها العربي الابي
اري اليوم موعدنا لا غدا

اخي اقبل الشرق في امة
ترد الضلال وتحي الهد ى

اخي ان في القدس اختا لنا
اعد لها الذابحون المدى

صبرنا على غدرهم قادرين

وكنا لهم قدرا مرصدا

اخي قم الى قبلة المشرقين
لنحمي الكنيسة والمسجدا

يسوع الشهيد على ارضها
يعانق في جيشه احمدا

اخي ضمئت للقتال السيوف
فاورد سباها الدم المصعدا


-----------------------------------


ومن شعر الاخطل الصغير في قصيدة رائعة هذه الابيات :

سائل العلياء عنا والزمانا
هل خفرنا ذمة مذ عرفا نا

المروءات التي كانت بنا
لم تزل تجري سعيرا في دمانا

ضجت الصحراء تشكو عريها
فكسوناها زئيرا ود خا نا

ضحك المجد لنا لما رءانا
يد م الابطال مصبوغا لوانا

عرس الاحرار ان يسقى العدى
اكؤسا حمرا وانغاما حز ا نا

ومن العدل لديهم ا ننا
نزرع النصر ويجنيه سوانا

كلما لوحت بالذكر لهم
اوسعوا القول طلاءا ودهانا
ياجهاد ا صفق المجد له
لبس الغا ر عليه الا ر جوانا

يا فلسطين التي كدنا لما
كابدته من اسى ننسى اسا نا

نحن يااخت على العهد الذي
قد رضعناه من المهد كلا نا

شرف للموت ان نطعمه
انفسا جبارة تاءبى الهوا نا

انما الموت الذي ماتوا له
حقنا نمشي اليه اين كا نا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق